نجمونت باومان
الحداتة
9 لضو لبو شو سود
نقله إلى العربية: حجّاج أبو جبر - دينا رمضان
مراجعة وتقديى: حجّاج أبو جبر
10010220
الحداثة والهوتوكوست
زيجمونت باومان
نقله إلى العربية: حجاج أبو جبر - دينا رمضان
رقم الإبداع بدار الكتب ابلصرية: ١19/9180. ؟
الترقيم الدولىي: 978-977-85022-9-9 151311
الطبعة الأولي جمادى الأولى 480 ١/مارس 15١1م
جميع حقوق الطبعة الحربية محفوظة
مدارات للأبحات والنشر
العنوان: 6 شارع ابن سندر - الزيتون - القاهرة
تليفون: 766550٠ 1/1 1 61/1 1ه
(الآراء الواردة بهذا الكتاب لا تعبر بالضرورة عن رأي الناشر)
مدارات للأبحاث والنشر
بل يعنطسظطم نع ملعت مما كلتلق از
© جميع الحقوق محفوظة ١
عورال 35 ثح أيت عد"
10010220
ع ١ يُنْتَفْءَ به“
إلى عبد الوهاب المسيري..
"الخظَابٌ الحخضَارقٌ الغَربيْ لَهُ حُدُودَهْ
التي يَفْرضُهًا عَلَى عَمَليّة الإذزاك؛ فقدْ قام
الغزب بتخديد قغنى اِبَادَه النَازِيّة للْيَمَودِ.
وَمُسْتَوَاهَا التغميوي والتخصيصيء فقام
باختزالها. وَفْرْضَ مَنْطِقٍ غَزيِي صَيْقٍ
عَلَيْهَا من خلال التلاعٌب بِالمَسْئْوَتَاتٍ
التغميميّة والتَخْصِيصِيّة ومن خلال ذَزْعِهَا
من سياقها الغزيي. الخضارِق وَالسْيَاسِيْ
الخديث'
عَبْدَ الؤهاب المسيري
الفَحَيْونِيْة والتازيّة وبهاتة التاريخٍ
10010720
المهسرس
ا موضوع
كلمة المركز ا تم عاط نس جح ومو ما نل لات باس مم لم ب 1
مقدمة الترجمة العربية. . . .. انا عمط م أب سن سه
توطئة الطبعة الإنجليزية لساري ده بط نف وماك باجا مود مس مد عد ل 1ع
الفصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست مرجي قز م ا
الهولوكوست اختبار للحداثة الغربية 00
معنى سيرورة التهذيب الحضاري الغربي: 510111111
الإنتاج الاجتماعي لللامبالاة الأخلاقية 0200-6
الإنتاج الاجتماعي للعمى الأخلاقي 000
العواقب الأخلاقية لسيرورة التهذيب الحضاري ل
الفصل الثانى: الحداثة والعنصرية والإبادة (1) 0
بعض خصوصيات انعزال اليهود ا
شذوذ اليهود من بداية العالم المسيحي إلى الحداثة 5201
قدم هنا وقدم هناك فوق كل متراس. . . . .: سرف لبك ا د
الخماعة النوودية متشوراق تساحة 0
أبعاد حديثة للشذوذ اليهودي الخو اس ع ا ا را ا
الفصل الثالث: الحداثة والعنصرية والإبادة 0ب فج يي" تن نا او و 2
من الخوف المرضي من الآخر المختلف إلى العنصرية ا
العنصرية أحد أشكال الهندسة الاجتماعية 0000000
الحداثت والهولوكوست
من العزل إلى الإبادة ل ا 2
نظر إلى الأمام 233
الفصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقنة والأنسنة 000
-
العقلانية الفردية فى خدمة التدمير الجماعى ا 000
عقلانية حماية الذات من الهلاك 121000
التورط في الجريمة وصعوبة التراجع شاه سه هاه هاس هته هاس ها مدو هاه هاس جه هاه ها فى ن
التأويل الأخلاقي الكت لوحا ند د مد هيد 000
م10[ 001
آثار التقسيم التراتبي والوظيفي للعمل 00
نزع إنسانية الأهداف البيروقراطية 00
دور البيروقراطية الحديثئة فى الهولوكوست 0
إفلاس الضمانات الحديثة ورف هر عد سوم يك و3 يه لهو روا ف 3 ور أي هاا رقا لل ف لها قن فار به از بلق ه1811 قاد بذ
المهسرس
الفصل السابع: نحو نظرية سوسيولوجية للأخلاق 1[ 1 اال
الح مصنع للأخلاق 010101 0 0 0 ااا
تحدى الهولوكوست للمغالطات الحداثة الغربية وو ا ا ا الك ا و 1
مصادر ما قبل مجتمعية للأخلاق ل ل
القرب الاجتماعي والمسؤولية الأخلاقية 1
القمع الاجتماعي للمسؤولية الأخلاقية 0 ا ا كرا
الإنتاج الاجتماعي للتباعد: تلاشي الرؤية الأخلاقية ما ا ار
ملاحظات ختامية ا ا اا
الفصل الثامن: التفكير من جديد: العقلانية والخزي الأخلاقي سي اا
الاستغلال الاجتماعي للأخلاق : محاضرة جائزة أمالفي الأوروبية مو 0
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟ كلمة ختامية لطبغة ٠٠٠١ لوا طن يد ا
الإنتاج الاجتماعي للذنب والبراءة الب سو اوم وسسماو مجم مم واس 1
فقتل تصنيفي تجريدي ا ا 00 1 110111101
الإبادة تأسيس للنظام اجب او لدي كان و وا اصخو رن وو ووو حولت بكي 1 1 ١
العنط تق 'ذكرق الهر أو كراسي اهس ده مه مسف ا مه اكور خا لع 11111
التوليد الذاتي للعبة الضحية التس ا الو 000000
العيش في عالم أحادي البعد ا 1
الإنتاج الاجتماعي للقتلة 11717111 ا 1
الحداثة ضد الكائن المستباح و او ابو اس ا مك الود ا لذ
١١
كلمة المركز
10010220
مكاي الريك
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين »
ومن سار على سنتهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين .
وبعد..
فإنّ الحداثة الغربية قدّمت نفسها للعالم من خلال مقولات أساسيّة ثلاث 217 :
أولا: أن كافة الأسئلة النقيقية يمكن الإجابة عليهاء وإذا كان هناك سؤال لا يمكن
الإجابة عليه فهو ليس بسؤال .
ثانيًا: كافة الأجوبة يمكن اكتشافها بوسائل يمكن تَعَا تكلحها وتقانيديا لكعرب: إن ياك
وسائل يمكن تَعَلّمُها وتعليمها تُمَكْنَا من معرفة ما يتألفْ العالم منه؛ وما موقعنا منه» وما
علاقتنا بالبشر» وما علاقتنا بالأشياء» وما هي القيم الحقيقية.
ثالنًا: ينبغي لكافة تلك الأجوبة أن تكون متسقة مع بعضها البعضء لأنها إذا لم تكن
متسقة» فإن النتيجة ستكون الفوضى
ومن نافلة القول هنا التأكيد على أن الحداثة بحثت في هذه المقولات بِكُلَ الأدوات
الممكنة عدا الوحي» إذ أن الوحي -في سياق القرنين السابع والثامن عشر الأوروبيين»
ومع تطور دراسات التأويل ونقد النصوص- لم يكن يعي سوى تجربة روحية شخصية لا
يمكن إثباتها اعلميًا»» بالإضافة إلى التاريخ المؤلم للكنيسة الكاثوليكية» وعدائها المطلق
لأنبياء التنوير.
يشير إيزايا برلين في نفس السياق لانتباه آباء التنوير إلى «النظام» الذي أضفاه نيوتن
عان ائر تت الطديدة من بعلا اكد من القر يق القردادة الح ادك ره لبي عن «نظام
الكون» كما تخيله» وبالتالي فقد ضبطت الطبيعة أخيراء فذهبوا إلى أن تطبيق نظام المعرفة
الصورية الذي طبّقه نيوتن على الطبيعة على مجالات الحياة الإنسانية غير الطبيعية»
كالسياسة والأخلاق» سيؤدي لنفس الدرجة من المعرفة والانضباط التى حقّقها نيوتن في
مجال العلوم الطبيعية .
(١)ايزايا برلين» جذور الرومانتيكية » نقله إلى العربية: سعود السويدا» جداول للنشر والتوزيع» بيروت .75١17
1.0
الحداثيّ والهولوكوست
يمكن القول» باختصار غير مُخل» أن هذا هو الأساس النظري الرئيس الذي قامت
عليه السوسيولوجيا الحديثة قبل إميل دوركايم حتى استقراره النهائي على يديه .
يرى باومان أن: «الخطاب السوسيولوجي - استجابة لنموذج العلم [الطبيعي]- وضع
المادىء الأخلاقية في مرتبة غامضة وغير قابلة للاستعمال. ولم يبذل الخطاب
السوسيولوجي إلا النزر اليسير من الجهد في سبيل تحسين مكانة المبادىء الأخلاقية» بل
جرى العرف على تهميش قضايا السلوك والاختيار الأخلاقييّن» .
ولاغْروء فالطبيعة لا تعرف الأخلاق المتجاوزة -بتعبير عبد الوهاب المسيري-»
وبالتالي فقد تُظ إلى الأخلاق باعتبارها نتاجًا للحاجة البشرية الضرورية كالغذاء»
والأمن» والحماية من تقلَّات المناخ . ويرتبط استمرار هذه الأخلاق أو اندثارها باستمرار
قدرتها على تحقيق هذه الحاجات الأصلية من غدمها .
وهكذا وضعت السوسيولوجيا الحديثة «الإنسان» في مركز الكون. وأنكرت وجود أية
منظومة أخلاقية غائية متجاوزة لكينونته المتواضعة» وربطت الأخحلاق بتطور إشباع حاجاته
الطبيعية» وكانت هذه» تحديداء استجابة السوسيولوجيا الحديثة للعالّم» باعتبارها جزءا
من معالحة الحداثة الغربية للمقولات الأساسية الثلاث المذكورة آنمًا .
دكت الحداثة وسوسيولوجيتها مُوقعي الإنسان والأخعلاق داخخل نظام المعرفة الكونية؛
وبالتالي فقد انتتزعت الإنسان من التاريخ ونضينه إلا زائقًا نارجه وأسقطت الأخلاق
داخل التاريخ ففقدت فاعليتهاء وقطعت الطريق تمامًا على أي تفاعل حقيقي بين الذات
الإنسائية الفاعلة» والموضوع التاريخي ؛ إذ أن ضمان تحقّق الحاجات الإنسانية مسألة نسبية
خاضعة لتصورات كل مجتمع عن نفسه» وعن البيئة الطبيعية والإنسانية المحيطة به.
وأصبح بقاء المجتمع مبررا وحيد) لاستخدام الأخلاق. ويوجرٌ باومان أطروحة دوركايم
عن الأخلاق في جملة واحدة: كل مجتمع له أخلاقيّات يحتاجها» .
عدها أنجرّت مهمة وضع الإنسان فوق لابخ والأخلاق داخله» دون أدنى اتصال
يينهها سوى مصلحة المجتمع امتصورة» لم : تبقّ سوى القوة معرقًا للحقيقة والأخلاق» ولم
يُفلح الهجوم الرومانتيكي الكاسح في القرن التاسع عشر على هذا التصور المادي للعالم
1 060731176 / :د مار
كلمت اللركز
في صد تقدمه» بل تم استيعابه تمامًا داخل نفس التصورر الماذي عن العالم» ربما لأنه لا يستند
إلى أساس واضيح من وحي أو ١عقل» .
ويذهب عبد الوهاب المسيري إلى أن النازية والصّهيونية ناج واضح لاستيعاب
الرومانتيكية داخل نسق هذا التصور الملدي للعاله17 .
يتتبع باومان» في سرد سوسيولوجي بديع» آثار هذه الرؤية على المجتمعات الأوروبية
أثناء وبعد فترة التحوّل الكبير وانتتصار الحداثة على اليُنّى الاجتماعية التقليدية» ويكتشف
اتتحول التدريجي للمركز الأرضي اللاي يول مهمة تعريف الأخلاق والمصلحة من
الكنيسة إلى الدولة» ثم يُبيّن طبيعة هذا التتحول من خلال استخدام صورة الست
المجازية» وهي الصورة التي تُظهر الدولة باعتبارها بستانيًا يتولى تشذيب حديقته [المجتمع]
وزرعها بأنواع الزراعات المفيدة - حسب تصوره - ويُطَهُها من الأعشاب الضارة .
ْظرَ إلى القومية الحديثة باعتبارها #ثالونًا علمانيًا»» بديلاً للشالوث المسيحي القديم»
تكو هذا الثالوث من:الأرض والأمة والدولة» وكانت الدولة هي الممثل الحصري لهذا
الثالوث ومركزه الفاعل . وعمليّاء أصبحت الدولة القومية الحديئة جسد بيروقراطيًا
ضخما يجمع الضرائب بيد ويجِهّرٌ الجيوش باليّد الأخرى . وتحدّ مستوى تقلدم الدولة
الأوروبية الحديئة من خلال قياس مدى كفاءة جهازها البيروقراطي على تحقيق هاتين
المهمتين؛ تطوير وتطهنير وتشذيب الداخحل» وإرسال الجنود إلى الخارج في مهام إمبريالية
تستخدم الأيديولوجيات الرومانتيكية كمُسوغ أخلاقي لها.
وقد نْظرَ إلى اليهود الأوروبيين في هذا السياق باعتبارهم تحديًا لهذا «النظام الطبيعي
للعالم», فيو 3 شتون إلى نورمي نجه يك تشرد يم بو ادها ولا ينتمون إلى أرض
واحدة يمكن نسبتهم إليهاء كما أنهم يشَكّلون عبنًا على اللجتمع لانتشارهم في جميع
طبقاته» فالبرجوازية الجديدة ترى فيهم خدما للإقطاع القديم» والإقطاع يرى فيهم صورة
البرجوازية الجديدة التي تهدم أساس بنيانه الاقتتصادي والاجتماعي العتيق . وهكذا عهد
إلى الدولة الحديئة» ممثّْلة في بيروقراطيتهاء بمهمة حل هذه المشكلة . ولم تجد الدولة
الحديثة خيرا من الإمبريالية كحلء لهذه المشكلة .
)١( عبد الوهّاب المسيري» الصهيونية والحضارة الغربية؛ دار الهلال» القاهرة .7٠١7
١
الحداثت والهولوكوست
ومن الجدير بالذكر أن «المشكلة اليهودية» لم تكن هي المشكلة الوحيدة التي واجهت
الدول الأوروبية الحديثة في إطار سعيها لتنظيم العالم واستغلاله بأقصى قدر ممكن؛ بل
يلمح دارس تاريخ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بروز مشكلات مشابهة
تعاملت معها الإمبريالية الغربية بنفس المنطق . فقد برزت «المشكلة العربية»» وهي مشكلة
شبيهة إلى حد كبير بالمشكلة اليهودية» فالعرب لا يمكن تَثيلُهُم من خلال قومية علمانية
محدّدة كالقوميات الأوروبية الحديئة» كما أن الإسلام يقف عائقًا أمام تمثيلهم بهذه
الطريقة» وحَلّت عن طريق اختتراع القوميات القطرية العربية الحديثة -استجابةٌ للطريقة
الغربية في تنظيم العالم» وخدمة لمصالحها- وأُسّست دويلات كاملةً على هذا الأساس
عقب الحرب العالمية الأولى» وفي أغلب هذه الحالات اخترعت هذه القوميات عقب
تأسيس هذه الدويلات» تبريرًاً لها وخدمة لمصالح النخب الجديدة التي وَضعًت على رأس
أجهزتها البيروقراطية . ْ
وفي البلقان بعد الإجهاز على الدولة العثمانية حَلّت المشاكل العرقية والإثنية باختراع
دويلات جديدة تنفيذًا لاتفاقات زعماء القوميات الّحدثة مع الإمبريالية الغربية» وقُسّمت
إفريقيا على أسّس أوهى من ذلك» ثم اصطنعت الإمبريالية باكستان وإسرائيل طبقًا لنفس
الرؤية وخدمة لنفس المصالح ومن نافلة القول أن تدخل الإمبريالية الغربية بهذا الشكل
الفاضح لم يشمر هدوء في المناطق التي تدخخّلت فيهاء بل مازالت شلالات الدماء تسيل
فيها حتى الآن(1) .
لكن ما يثير الاهتمام حقًا هو : لماذا حظيت الهولوكوست بهذا الاهتمام الكاسح دونًا
عن كل الجرائم التي اقترفتها الإمبريالية الغربية؟
فقبل ظهور النازية بقرن كامل تقريباء قدم الأنجلو ساكسون أنفسهم للعالم على أنهم
«العرق السيد»» ونظرت إنجلترا إلى نفسها باعتبارها الأرض الموعودة وإسرائيل الجديدة»
ونظر الإنجليز إلى أنفسهم باعتبارهم شعب الله المختار» وهي الرؤية التي تتكررٌ بوضوح
في أدبيات الآباء المؤسّسين للولايات المتحدة الأمريكية . وضع الأنجلو ساكسون جدولا
)١( دافيد فرومكين» سلام ما بعده سلام؛ ولادة الشرق الأوسط »١19477-1914 ترجمة: أسعد كامل إلياس» ويا من
الريس للكتب والنشر» بيروت .5١١١
1.10 8 نومام
كلمي المركر
رأسيًا لتقسيم الأجناس البشرية شبيه بجدول كارلوس لينيوس لتقسيم الأجناس
الطبيعية7١2. واستخدموا الإمبريالية كآداة لتحقيق هذه الرؤية على العالم كله» وارتكبّت
في سبيل ذلك من الحرائم ما تتضائل الهولوكوست بجواره.
يجيب عبد الومّاب المسيري -مُذْكا إيانا- بأن الهولوكوست هي أول مذبحة غربية
تقوم بها الإمبريالية داخل أوروباء وضد أوروبيين .
وتضيف جانيئا باومان في مذكراتها سببًا آخر يتعلّق بقدرات الصهاينة المالية والإعلامية
والأكادفية الضظمة الى تعد اسعتمان الهولر كوست فن :اهراز الخاي + لكترعتة وجوه
إسرائيل» وتناسي ما يقرب من خمسة عشر مليونًا آخرين ذبحتهم النازية أيضا .
اتتهت النازية التى مثّلت لحظة نماذجية نادرة -بتعبير عبد الوهاب المسيري- لتحقق
الرؤية الغربية في تنظيم العالم . لكن المذابح التي تست فيها نفس الرؤية لم تنته؛ فقيل
إسقاط النازية. مُصفت اليابان بقنبلتين ذريتين لأول مرة في التاريخ رغم تأكّد هزهتها
واستسلامهاء وبعد سقوط النازية بسنوات معدودة ارتكب الصهاينة جرائم أبشع ضد
العرب في فلسطين» ثم ارتكبت الإمبريالية الأمريكية جرائم عديدة أثناء غزو 7 ييتنام»
وأثناء الغزو الإسرائيلى للبنان» وأخيرً وليس آخرا الغزو الأمريكى للعراق وأفغانستان.
ويلاحظ باومان أن جرية الهولوكوست» وغيرها من جرائم النازية» ارتكبت بتعاون
كامل بين مؤسسات «العلم» الألمانية» وبيروقراطية الدولة النازية» وهي ملاحظة يمكن
اكتشاف صحتها بسهولة في جميع تجارب الإمبريالية الأخرى خارج أوروبا. ويفسر
باومان ذلك من خلال بنية السوسيولوجيا الحديثة التى همشّت الإنسان الفرد» ومنظومته
الأخلاقية المتجاوزة. لصالح مجموعة من الأوامر التي يصدرها مركزٌ النظام» مُمّلاً في
الدولة الحديثة وبيروقراطيتها.
فهذاالكتاب. إذن. عدن راح يعوا في انبيونا رن ا اميم اللسياف .
والأخلاقيّة الحقيقيّة في نقد عمل المؤسّسّات التي تبدو محايدة ومستقلة بعري رع
النقاب عن العنف والقهر اللذين مورسا دوم عبرها .
ص
() جون إم. هوبسون. الجذور الشرقية للحضارة الغربية» ترجمة: منال قابيل» الهيئة المصرية العامة للكتاب»
القاهرة /1١٠٠؟
15
الحداثت والهولوكوست
لا يفوتنا في نهاية هذا التقديم الُْوجز توجيه الشكر العميق إلى الترجمين؛ الدكتور
حجاج أبو جبر والدكتورة دينا رمضان على الجهد العظيم الذي بذلاه في ترجمة هذا
السقّر الهام» وإلى الدكتور حجاج أبو جبرء خصيصاء لوعيه العميق بموضوع الكتاب»
وتراث المؤلّف ؛ ما أَنْمَرَ الكثير الهوامش الْتَبَصِرَةٌ التى آثرت النصً وأضافت إليه أبعادًا
جديدة .
ولا يفوتنا أيضنًا أن تُهدي هذا العمل إلى الراحل العظيم د. عبد الوهّاب المسيري راجين
المولى تعالى أن يقبله في الصا حين .
ونحن إذ ننشر هذا الكتاب؛ فإِنَّا نرجو أن يكون إضافة جيدة للمكتبة العربية»
ومساهمة ولو ضئيلة في إثراء النقاش حول تاريخ وحاضر الحضارة الغربية الهيمنة» ولبنة
بسيطة في تكوين رؤية صحيحة لطبيعة العالم الذي نعيش فيه.
والله نسأل أن يجعله في ميزان حسناتنا وأن ينفع به عموم المسلمين .
ربنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير .
مدارات للأبحاث والنشر
طن )31 66031.11 ما
الطبعة العربية
10010220
مقدمن الطبعت العربين
وفنا وكنون كاذنا عد الرعاف لتحيو أر لون انظه إلى امي تعاب #الشدانة
والهولوكوست» للمفكّر اليهودي المعاصر زيجمونت باومان» وهذه هي الترجمة العربية
الأولى للكتاب بعد مرور ما يقرب من ربع قرن على صدوره عام ١194 !
أهدى المسيري كتابه «الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ» )١991( إلى روجيه
جارودي» لكن من يقرأ هذا الكتاب ويقارنه بكتاب.«الحداثة والهولوكوست» ربما يجد أن
المسيري كان عليه أن يهدي كتابه إلى باومان لا إلى جارودي؛ إذ لا يستطيع المرء أن يفرق
بين صوت المسيري وصوت باومان في هذا الكتاب المهم الذي سبق ظهور موسوعة «اليهود
واليهودية والصهيونية» بعامين واشتمل على مداخل كثيرة جاءت بهاء لمن حيث
المعلومات والأفكار فحسب. بل من حيث الرؤية النقدية والنماذج التفسيرية كذلك. واقع
الأمر أن المسيري نفسه أشاد في مقدمة هذا الكتاب وقائمة المراجع بدور باومان وأعماله.
لاسيما «الحداثئة والهولوكوست». كما نوه به في مقدمة موسوعته «اليهود واليهودية
والصهيونية: نحو نموذج تفسيري جديد» (1144)» واعتبر أعماله من أهم الكتابات التي
شكلت مرجعيته الفكرية ومقولاته التحليلية» كما امتدحه في ثنايا سيرته الفكرية في عدة
طبعات» وفي ثنايا مجلدين عن «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة» (؟5١٠5).
شرع باومان في تطوير نماذجه النقدية للحدائة الغربية منذ أواتل السبعينيات» لكنه لم
ينل شهرة واسعة إلا في أواخر الثمانينيات عندما أصدر ثلاثيته الشهيرة : «أهل التشريع
وأهل التأويل» ,.)١91/( «الحداثة والهولوكوست)» ».)١9894( و«الحداثة والإبهام»
( .»© وقد لعبت هذه الثلاثية دور كبيراً فى كسر حالة الصمت تجاه انحراف الحداثة
الغربية عن قيم الحرية والتسامح التي ظلت تتشدق بها على مدار قرون» كما نال باومان
جائزة أمالفي الأوروبية في علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية عن كتابه «الحداثة
والهولوكوست». وربما كان هذا الكتاب أيضا وراء حصوله على جائزة تيودور أدورنو
عام /199.
لاغرابة أن يحظى هذا الكتاب بهذا التكريم» فهو يفكك القوالب السائدة فى فهم
الحداثة» وفيه يواصل باومان الإسهامات النقدية التي قدمها كل من ماكس قيبر» وماكس
نف
الحداثت والهولوكوست
هوركهايمرء وتيودور أدورنو» وهانا أرينت» وغيرهم من رواد نقد الحداثة. ويعترف
باومان دائمًا بفضل زوجته جانينا في اكتمال رؤيته النقدية للحداثة الغربية» إذ كتبت
مذكراتها عام 21486 وفيها عرضت الأعمال الوحشية التي تعرضت لها أسرتها
والجماعات اليهودية في جيتو وارسو. والأهم من ذلك أن جانينا ظلت تؤكد في أعمالها
النقدية أنه لا يمكن فهم الهولوكوست بمعزل عن الرؤية المعرفية للحداثة الغربية» وأن
«الهولوكوست)» تتجاوز الحديث عن إبادة «ستة ملايين» من اليهود» وأن تسليط الضوء
على الضحايا اليهود. وتجاهل ملايين الضحايا غيرهم»ء يعود إلى ما تمتلكه الجماعات
اليهودية من موارد مالية» ومؤسسات إعلامية» ومراكز بحثية» وأصوات جامعية(١2. فإذا
سكم المرء بالرقم المقدس للضحايا اليهود على أيدى النازيين» فهم كانوا ضمن أكثر من
عشرين مليون ضحية أزهقت أرواحها بأمر من هتلر”"" .
إن باومان» رغم خلفيته اليهودية» يرفض التعامل مع الهولوكوست على أنها مشكلة
ألمانية أو مأساة يهودية تخص التاريخ اليهودي وحده. بل إنه يضعها في سياق الحداثة
الغربية العقلانية» ويفكك مصطلح «معاداة السامية» ويظهر عدم مقدرته التفسيرية» كما
يؤكد أن معاداة اليهود نفسها لا تصلح أن تكون نموذجا تفسيريا للهولوكوست. بل إن
العداء وحده لا يصلح تفسيرا لأية إبادة؛ فالمعاداة الشعبية الألمانية لليهود في بداية القرن
العشرين تكاد لا تذكر» بل كانت الجماعات اليهودية في أنحاء العالم تنظر إلى ألمانيا آنذاك
باعتبارها مثالاً يحتذى به في المساواة والتسامح!
نقند الحداثة وحركة الاستتارة
«الحداثة والهولوكوست» ليس بحثًا تاريخيًا يهتم بسرد الأحداث» وحشد المعلومات»
والتمركز حول لعبة الأرقام» بل إنه يقوم على لغة نقدية مجازية تجعل القاريء يعيش معاناة
إنتاج المعنى والرؤية الكامنة وراء المعلومات والتفاصيل ؛ فلم يكترث باومان بصحة أرقام
الضحاياء ولم يهتم بإحصاء عدد معسكرات الاعتقال» ولم يجمع الخرائط التي تحدد
مواقع الإبادة» بل اجتهد في دحض الأسطورة السائدة في النظرية الثقافية المعاصرة .
قزمع' 'روعزوم23) عغطا 1ه أخطعنا© ع1 مدع واعاومء2 «عطا0 05 مسمتدطعنآ' قضتطةل ,ممتستوظ (1)
.51-56 .مم ,1 . 3516 ,54 . آو/ا ,1998 ,رومع مها
3« ,1989 رعع710طتبمن) ,ددع إن .أممتوع م1101 11:6 :2ه 0400111 . اقتامع 29 ,ممتسمتتد8 (2)
01 6 | لدمنارا
- مقدمت الطبعن العرييق
تقول الأسطورة إن الحداثة هي قصة ارتقاء الإنسان من عالم البربرية إلى عالم العقلانية
والتطور الأخلاقى» وهكذا فإن الهولوكوست التى وقعت داخل البناء الحضاري الغربى
مجعرد شفلة ارنة | كت زه قتي اقرف اللعاوفة الى ١ بون الر هن كلا تعالية لمرو :
وكأنها مجرد حادثة استثنائية» أو نكوص عارضء أو انحراف تاريخي مؤقت عن مسار
الحداثة الغربية العقلانية والتقدم الحضاري الغربي الرشيد .
يرفض باومان هذه الأسطورة كل الرفض» ويؤكد أن الهولوكوست توافقت مع الحداثة
الغربية» وعقلانيتهاء» وتقديسها للعلم والقانون والنظام » ويعبّر باومان هذا الرفض بحس
عال من السخرية اللاذعة» حتى أننا اضطررنا إلى إبراز كثير من مواضعها في هذه الترجمة
العربية باستتخدام علامات التعجب» رغم أنها غير موجودة في النص الأصلي .
إن باومان يعارض القول بأن ألمانيا مرت بعوامل بنيوية وثقافية انحرفت بها عن مسار
التقدم الغربي» بل إنه يؤكد أن تاريخ ألمانيا لا يمثل انحرافًا عن مسار الحضارة الأوروبية
وميراث فلسفات التنوير» وهذا يعنى أن النازيين اتبعوا عبادة العقلانية ؛ فغرست الجامعات
الألمانية الحديثة النموذج العلمي نام منفصل عن القيمة (73106-5566) ؟ وتعاونت
المؤسسات العلمية الألمانية بكل سهولة في تنفيذ المهام النازية؛ وخضعت كافة جرائم
الهولوكوست للتطبيقات العلمية والتكنولوجية» وقواعد الترشيد البيروقراطي» والإدارة
العقلانية الحديثة . فلا يمكن فهم العلاقة بين الحداثة والهولوكوست دون إعادة قراءة
فلسفات التنوير ومقولات أنصار الفلسفة العقلانية المادية؛ إذ صاحب حركة الاستئارة»
كما يقول باومان» «تأليه الطبيعة» وشرعنة العلم بوصفه دينها الحنيف» والعلماء بوصفهم
أنبياءها وكهنتها)217 .
في المنظومة الحديثة بوجه عام» تحل آلهة علمانية جديدة محل الإله الخالق» وتحتكر
الوجود الإنساني باسم «العقل» و«قوانين التاريخ». و«اليد الخفية») و«الحتمية التاريخية»»
و«الزعيم»» و«الشعب2'76» وهذا يعني أن الحداثة العلمانية لم تقض تام على الميتافيزيقا»
بل استبدلت بها مقولات ميتافيزيقية جديدة تدعى الحق في احتكار الحقيقة والوجود. يقول
باومان: ْ
.68-69 .مم بأكدسهء 21010 علا دده واتنصعع100] .ث ,مممسحظ (1)
.مم ,1995 ,[أعبتاجاعة1]31 :كنآ عع70تطصضدن) لصة 111 0100 . كاأتعصعدء] صة عقارآ , مممستحظ (2)
15-16
50
الحداذي والهولوكوست
«الإله يرمز إلى فكرة «الواحد الأحد)» إنه يجسد مقولة «لا تتخذ إلها غيري» في كافة
صورها الهائلة : شعب واحد ووحيدء مملكة واحدة ووحيدة» زعيم واحد ووحيد. حزب
واحد ووحيد» حكم واحد ووحيد للتاريخ» خط واحد ووحيد للتقدم» طريق واحد
ووحيد ليكون الإنسان إنسانّاء أيديولوجية (علمية) واحدة ووحيدة» معنى صحيح واحد
ووحيد. للق سقة واحدة و10
بيد أن تأليه المجتمع لم يكتمل إلا مع ظهور السوسيولوجيا نظرية للحداثة في سياق
العلمنة» لاسيما في أعمال إميل دوركايم » فأصبحت سلطة المجتمع هي مركز الوجود
الإنساني» وإن كان الإله في تلك المنظومة؛ وفي تلك المرحلة» لم يت تمامّاء بل جرى
تبمية واسهدال سلطة حديدة""؟. فاطيدالة الغربية» كما برض باوماك» شه فيالة
آلهة بديلة مثل الطبيعة والعلم والتقدم والدولة القومية»؛ وصاحب كل ذلك ميلاد ثالوث
(غير) مقدس:جديد : الأرض»ء والأمة» والدولة0؟ .
هذا الثالوث أطلق عليه عبد الوهّاب المسيري فى كتاباته «ثالوث القومية العضوية».
وقد رأى باومان أن هذا الثالوث أفضى إلى ترسيم الحدود بين سكان القطر الواحدء
القداسة والحلول» و«المطلق الأول والأوحد» فى قاموس المسيري)» بل هى الشرعية نفسهاء
وما دونها فهو باطل» بل هو شيطان الوبهام نفسه تجسد فى صورة إنسان ينتهك القانون
والنظاء!؟؟ .
في إطار المشروع الحداثي» يتحول المجتمع إلى بستان» والدولة القومية الحديثة إلى
بستانى يسخر أدواته لأعمال البستنة» وتهذيب النبات» ومواجهة كل من يخالف النظام.
الأاقتء كتدلا علعنهن لا بع!85 11لا بجعلا . كأتاعاتاه1015 115 220 2055200101137 .ث2 ,بممسسوظ (1)
.م ,1997 رووععط
-/.مم ,1976 ,ع1]0101608 :805102 بنملمها .جع 16م501 لهع لعن 2 10305 .ل ,ممستد8 (2)
17
م 01 ادمعنان[ . '0:10آ1 تلقته الس اوه وضا بالتتمستس 01 علدا ع1" .2 ,مسمسيو8 (3)
3 -283 .مم ,(3) 701.1 ,2002 ,كقط8 11
1987 رووع:8 تاه :لكالا رعع#10طصمن) .كنتعاع :د11 امقنة 124015ذلاعع,1! .التتاع ناث ممسييح8 (4)
ال له
6011| بدمثار
مقدمي الطبعت العرييتّ
ومن ثم شنت الحداثة حربًا ضارية على كافة مظاهر الاختلاف والنصوصية الثقافية . وفي
محاولته لكشف النزعات الإبادية التي ينطوي عليها التصور الحدائي للوجود» يشير باومان
في عدد من أعماله النقدية إلى فريدريش العظيم (117/17- 87 باعتباره الطاغية المستنير
الذي طالما نادى بضرورة التعامل مع أفراد المجتمع مثلما يتعامل الفلاح مع زراعة ا موز
والأناناس! ويتتبع باومان تطور هذه الصورة العضوية وعلاقتها بأيديولوجية العلم في
القرن العشرين» ويؤكد أنها نموذج متكرر لدى العلماء الذين كان لهم دور بارز في تشكيل
العقل الغربي الحديث» لاسيما ريتشارد قالتير داريه وزير الزراعة النازي» وإرقين باور
عالم الأحياء الشهير» وزميله مارتن شتاملر» والبروفيسور كونراد لورنتس المتخصص في
علوم الحيوان والحائز على جائزة نوبل عام /197 . والصورة المجازية عند هؤلاء العلماء
الأجلاء جميعا تجعل من المجتمع البشري حديقة أو عيادة طبية يتحول فيها أفراد المجتمع
المختلفين إلى مرضى» أو حيوانات تفتقر إلى العقلانية ولا تتبع النظام» أو حشائش ضارة
تعيش على النباتات النافعة . في هذا المجتمع» يتولى العلماء والفلاسفة ورجال الدولة
أعمال الزراعة والبستنة والتربية والتعقيم من أجل استئصال الحشائش الضارة و«الأورام
الخبيثة» التي تضر بالصحة العامة وجنة المستقبل7١2. وهكذا رأت الحداثة الغربية في
الجماعات اليهودية كافة أشكال الدونية : المرض» والبلاهة» والتخلف» والرجعية» وربما
الجنون؛ فطبقت عليهم عقلانية البستاني في التعامل مع الحشائش» وعقلانية الجراح في
التعامل مع الأورام الخبيثة .
هذا التوجه النقدي لدى باومان تشكّل عبر تجارب واقعية مع النزعة القومية العنصرية
في أوروبا؛ إذ ولد باومان في بولندا عام ١975 لأسرة يهودية فقيرة» وتشكل وعيه
السياسي والفكري بعد الحرب العالمية الثانية عندما كان مدلول الشيوعية يشير إلى محاولة
إعادة بناء ما دمرته الحرب وإلى مد يد العون لمن بطشت بهم الآلة العسكرية فى وارسو
وغيرها من المدن. بيد أن باومان لم يستمر فى إنجاز هذا المشروع الإنسانى وبناء الدولة
البولندية على الطريقة السوفييتية الشيوعية بعد تعرضه هو وخمسة من زملائه لضغوط
سياسية وعنصرية أدت إلى حرمانهم من جنيسيتهم البولندية ومن حقهم في التدريس
تمه كتهتا لأعصوه :. /آ. 1( بمعقط1 . ععدعلدستطسم و و 70
. 29. م1991 بووعوط
وف
الحداذن واله و لوصسكوست
بجامعة وارسو» وانتهى الأمر بطرد معظمهم من بولندا في الخامس والعشرين من مارس
عام 2١19474 واضطر باومان للرحيل إلى إسرائيل ) والتدريس فى عدد من جامعاتها» لكنه
لم يستطع المكوث هناك أكثر من ثلاث سنوات حتى عام 11/١ ؛ لأنه أيقن أنه ضحية دولة
قومية عضوية عنصرية (بولندا)» ولم يرد أن يقترف جرم القوميين فى دولة قومية عضوية
عنصرية أخرى (إسرائيل)؛ وهذا ما أفصحت عنه زوجته جانينا باومان عندما وصفت
تجربتهما القصيرة هناك : «كانت إسرائيل دولة تحكمها العصبية القومية» وها نحن قد فررنا
للتو من القومية [البولندية]» ولذا لم نرض أن نتحول من ضحايا دولة قومية إلى من يقترف
الجرم ذاته [بحق الفلسطينيين] فى دولة قومية أخرى720١2. ولم يتردد باومان في الرحيل إلى
بريطانيا فور تلقيه عرضًا للتدريس بجامعة ليدز» وهناك تشكلت معالم مشروعه النقدي
للحداثة الغربية ونزعتها القومية العنصرية .
بولندا ونموذج الجماعة الوظيفية
إن الحديث عن بولندا لا يعنى الحديث عن دولة قومية فحسب» وإغا يعنى أننا نتتحدث
عن دولة كان معظم يهود العالم الغربي يعيشون فيها بنهاية القرن الثامن عشر . وهكذا فإن
فهم المسألة اليهودية في العصر الحديث لا سبيل إليه دون استكشاف طبينعة الجماعات
اليهودية في بولنداء بل لا يمكن فهم طبيعة التركيبة الديموغرافية في إسرائيل نفسها إلا إذا
أخذنا بعين الاعتبار هجرة يهود بولند ؛ إذ تقول الإحصاءات الرسمية إن عدد اليهود الذين
أتوا من بولنداء واستقروا في فلسطين حتى عام ١94/8 وصل إلى ١١ ألف يهودي7".
أضف إلى ذلك أن بولندا وحدها كان بها أكبر ستة معسكرات نازية» وكان أكبرها
وأشهرها معسكر أوة شقشكم .
أدرك باومان أن الحديث عن يهود بولندا يعني الحديث عن يهود العالم الغربي! ولذا
استخدم عدة مراجع في كتابه «الحداثة والهولوكوست» حتى يفهم المسألة اليهودية
وجذورها في بولندا في العصر الحديث . أما عبد الوهّاب المسيري» فلم يدرك هو الآخر
,2003 ,5 انمث . ممتلعمةن© فط" . مومتسنتووء5 سه سمتووو2 . (2003) عستعاع15420 ,ومتاسحظ (1).
60م
و55 :602008.آ .(. 5قة) مسقاعدعط2055) .3/1 . 0) . أقتتد©18010 عط ده وطوعة فط" ,تدعاعة (2)
.2011882
ا 2
مقدمت الطبعتة العرييت
هذه الحقيقة إلافي ثمانينات القرن العشرين» وعندها حدث تحول كبير في فهمه للحداثة
الغربية وعلاقتها بالمسألة ال هودية» وأخذ نموذج الجماعة الوظيفية يتبلور في ذهنه حتى
تشكلت معالمه الكلية في التسعينيات من القرن العشرين . يقول المسيري :
«كنت أتصور عام ١1985 أنني على وشك الانتهاء من الموسوعة [موسوعة ]١144
وبدأت أعد ما كنت أتصور أنه النسخة النهائية . ولكنني قرأت في أحد المراجع أن الغالبية
الساحقة ليهود العالم الغربي مع نهاية القرن الثامن عشر كانوا يوجدون في بولنداء
واقتسمتهم روسيا والنمسا وألمانيا باقتسام بولندا ذاتهاء ومن صفوفهم خرجت الآلاف
والملايين التي هاجرت إلى إنجلترا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا ثم
فلسطين. وتذهب بعض الإحصاءات إلى أنه مع نهاية القرن التاسع عشر» كان كل يهود
العالم الغربي من أصل بولندي» باعتبار أن اليهود الأصليين في البلاد الغربية تم استيعابهم
وصهرهم . . . . ولذا وجدت أن نشر الموسوعة عند هذه النقطة هو خيانة فكرية)(1 .
أغلب الظن أن المسيزي نسج الخنيوط الأولى لنموذج الجماعة الوظيفية بفضل كتاب
«الحداثة والهولوكوست»». وإن كان يشير دائمًا إلى دور كتابات أخرى سطرها كارل
ماركس وقرنر زمبارت وجورج زيميل وماكس قيبر . لكن لا غرابة في ذلك لأن باومان
نفسه تأثر بكل هؤلاء» وتشكلت رؤيته للحداثة والمسألة اليهودية من خلال أعمالهم»
وذهب باومان إلى أن يهود بولندا كانوا يشكلون «جماعات وسيطة» ؛ إذ كانوا خدما للنبلاء
والأشراف» وقاموا بجميع الوظائف التي تطلبتها الهيمنة الاقتصادية والسياسية لطبقة
النبلاء. وفي مرحلة التصنيع والتحديث في القرن التاسع عشرء كانت الطبقة البرجوازية
اليهودية هي نصيرة الأفكار الغربية الليبرالية» وأصبحت مثل تهديدا للتراث البولندي
والروح القومية» وظل المجتمع ينظر إلي الجماعات اليهودية بوصفها جماعة وظيفية
(تامزع 0601731 ارتبطت مكانتها الاجتماعية داخل أوروبا بالتغيرات الاقتصادية
والسياسية. وبوجه عام»؛ كانت النخب حريصة على توظيف اليهود في وظائف مشينة
كانوا يعتبرونها ضرورية» لكن كانوا يستنكفون عن القيام بها بأنفسهه”؟. وارتبطت هذه
)١( عبد الوهّاب المسيري» رحلتى الفكرية: فى البذور والجذور والثمارء دار الشروق» القاهرة. الطبعة الأولى»
06 », ص 20175.
. 42-68 .مم . أمصقع85010 عط قصه جاتصمع8400 . امتتوع ر2 ,مممسسو8 (2)
56
الحداثت والهولوكوست
النظرة الوظيفية بمجموعة من الصور المجازية التي تبرز طفيلية الجماعات اليهودية ؛ وكأنهم
حشرات طفيلية فتاكة من الصراصير والذباب والعناكب والجرذان والبعوض والبكتريا
والفيروسات؛ والقاسم المشترك بين هذه الكائنات الطفيلية أنها تبث الخنوف والرعب في
قلوب «الطامحين إلى النقاء)9" ,
تعاون المجالس اليهودية مع النازيين
تتمثّل إحدى أهم المراجعات النقدية التي يقدمها كتاب «الحداثة والهولوكوست» في
إبراز المفارقة الكبري التي صاحبت تنفيذ جرائم الهولوكوست ؛ إذ لعبت المجالس اليهودية
نفسها دور وظيفيًا في هذه العمليات وكأن الجماعات اليهودية في أوروبا حفرت قبرها
بنفسها. وقد تناول عبد الوهاب المسيري هذه القضية المسكوت عنها في فصل كامل بعنوان
التعاون بين أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين» في كتابه «الصهيونية والنازية ونهاية
التاريخ» »)١49417( ورأى أنه قد تورط في هذا التعاون أعضاء من الجماعات اليهودية»
وأن النازيين كانوا يحاولون قدر المستطاع أن يضموا العناصر الصهيونية أو اليهودية القومية
التي كانت تؤمن بإخلاء أوروبا من اليهود والاهتمام بالهجرة لا بالمقاومة أو الثورة ضد
النازية . فالهولوكوسبتء كما يؤكد باومان» تضمنت جرائم ارتكبها الضحايا اليهود
أنفسهم تنفيذا لأوامر ألمانية اقترنت في أغلب الأحيان بالطاعة العمياء في إطار قواعد
العمل السيروقراطي مع المسؤولين الألمان» وهكذا أمدت المجالس اليهودية الألمان
بالمعلومات» والمال» والعمال» وأفراد الشرطة» ووظف الضحايا مهاراتهم في إطار
عقلاني بيروقراط !)١(
التلاقي بين النازية والصهيونية .
لم يستخدم مصطاح «الهولوكوست» (القّربان المقدس) بألف لام التتعريف
(5ناة11010]) في الإشارة إلى عمليات الطرد المختلفة التي تعرضت لها الجماعات اليهودية
من بلدان أوروبية» سواء من بريطانيا عام »١174٠١ أو من فرنسا عام 2175٠ أو من إسبانيا
واه ونا اللروتحر وا ماروا ك1 ب اودلو 1 دنا امه انه بلسو دوا 2 جره د 03
19976 رووعمط
.23 .م رأكتالق010لط عذاا 20 إاتطجع1100 . كه ,ممستو8 (2)
00310.15 / دما
- مقدمن الطبعت العرييي
عام ١547 . فكان الطرد مجرد كارثة من كوارت الاضطهاد التي كان من الممكن تجنبها من
خلال اعتناق الدين المسيحي . وفي الخمسينيات من القرن العشرين»؛ ظهر مصطلح
«الهولوكوست» بألف لام التعريف في الخنطاب الغربي للإشارة إلى إبادة اليهود إبان الحقبة
النازية بين عامي ١97” و440١ » ومنذ الستينيات من القرن العشرين» ساد استخدام
المصطلح عو حَنّ مَحَلّ ضطلحنات أخر ى مثل «الكارثة» عطممنتادهاه و«الإبادة»
6ه وربما تأثر مصطلح «الهولوكوست» بالكلمة العبرية «شواه» 5008 (الكارثة -
الدمار) التي استخدمت منذ الأربعينيات7": وربما كان لاستخدام هذه المصطلحات الدينية
أثره في شرعنة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين؛ فما حدث في ألمانيا آنذاك ظهر وكأنه
مشكلة ألمانية ومأساة يهودية لا غير .
بيد أن الرؤية الكامنة للحداثة الغربية لم تقتصر على يهود أوروبا فحسب. بل امتدت
إلى كافة الأرجاء التي طالتها الإمبريالية الغربية» وتفاقم الأمر بنقل المسألة اليهودية إلى
الشرق الأوسط . فمنذ منتصف القرن التاسع عشرء سخرت كل من فرنسا وانجلترا وروسيا
طاقاتها كافة من أجل الحد من ازياد أعداد اليهود المهاجرين الذين أصابهم الفقر والجهل
والتخلف,. والذين لم يكن أمامهم سوى خيارين اثنين للخلاص: الصهيونية أو
الاشتراكية . وهنا يؤكد باومان أن الصهيونية في أصلهاء لاسيما صهيونية تيودور هرتزل
,)١1905-18( مشروع علماني صدر عن فشل عمليات الإدماج في أوروبا
«الليبرالية»» لاعن التراث الديني اليهودي أو إحياء حب صهيون2"7. وفي كتابه «الحداثة
والإبهام» (21941» يطور باومان الصور المجازية التي استخدمها في كتابه «الحداثة
والهولوكوست»» ويخفي كثيرا وراء لغته المجازية المركبة» إذ يقول إن الحداثة الغربية رأت
في اليهود ذوي الطبيعة الفوؤضوية المستعصية حشائش غريبة نمت فوق الأرض التي أعدها
المجتمع الغربي لتكون جنة المستقبل » وثمة حشائش أخرى كان لايد من اقتلاعها كالمصابين
بتشوهات جسدية وأمراض خلقية والمعتوهين والشيوعيين والشواذ والسلاق والغجر»
«كمانمت نباتات [الفلسطينيون؟] تحولت فيما بعد إلى حشائش [اللاجئين الفلسطينيين؟ ]
-150 تمأصه اك - سمملنعاحصسة . أعتلقء52010 ع©طا 01 كدسم لقاعم ععاصطا ادعناء«معط1 ,مددا ,عدماة (1)
. 5-6 . م ,2001 ,ذممك
1229-0 . رم رععدع له «تطسسة لصه واتمع3100 . تستاتصع نزم ,سفقسيد8 (2)
أن
الحداثتّ والهولوكوست
لأن عقلاً أعظم [الغرب الاستعماري] أراد أن تتحول الأرض [فلسطين؟] التي مت بها
إلى جنة رجل آخر [الصهاينة؟](١ .
لكن في سبتمبر عام :70١1/ كان موقف باومان أكثر وضوحاء إذ وق هو وجماعة
ضغط بريطانية تسمى (يهود من أجل العدالة للفلسطينيين» على خطاب بجريدة «التايمز)
يطالب وزير الخارجية البريطاني ديقيد ميلباند بأن يعارض في الأم المتحدة العقوبات
الإسرائيلية على غزة» وأن يرفض عقابها الجماعي للفلسطينيين» وانتهاكها للقانون
الدولي» وقرسسنها للد والكرزعية فى الشيرق الأرمه. ولطالما انتتقد باومان إسرائيل
والمجتمع الدولي بسبب معاناة ملايين اللاجئين الفلسطينيين» وهو لا يتردد في فضح
استغلال ساسة إسرائيل للهولوكوست من أجل إضفاء الشرعية على جرائم الماضي
والحاضر والمستقبل بحق العرب والفلسطينيين .
وفي الآونة الأخيرة» وفي لقاء صحفي مع الجريدة البولندية «بوليتيكا»» شن باومان
هجومًا على الصهيونية مؤكدا أن قادة إسرائيل يوظفون «صناعة الهولوكوست» فى إضفاء
الشرعية على القمع الذي تمارسه إسرائيل والجرائم التي ترتكبها. الهم باوسان قادة
إسرائيل صراحة بأنهم يبذلون كل ما في وسعهم لإشعال نيزان الحرب وإفشال السلام»
واستشهد بمقولة المؤرخ البريطاني توني دجت في مقالة شهيرة له نشرت عام ٠٠١7 بمجلة
«نيويورك بوك ريفسيو»» إذ أكد دجت أن إسرائيل أخذت تتحول إلى «دولة عرقية تنساق
وراء المعتقدات». ونجهل التسامح. وتعكف على إثارة الحروب»» وأن اغمالبة السلام») في
الشرق الأوسط «لم مْتْ ميتة طبيعية» بل جرى قتلها». بل إن باومان يجزم بأنه لا يوجد
اختلاف كبير بين الجدار العازل الذي يحيط بالأراضى الفلسطينية المحتلة والأسوار التى
كان قيطا بيعو ارسي إنان افق البازرة, 56 ١
«كنت أعبر عن آراء مشابهة قبل ما يقرب من أربعة عقود في جريدة «هاآرتس» عندما
كنت أعيش في إسرائيل عام ١91/١ بعدما طردت من بولنداء إذ أعربت عن مخاوفي من
السمات القمعية السامة للاحتلال الإسرائيلي» وما تحدثه من تفسخ لأخلاقيات المحتلين
0 م رععدع 21 اتطتسة ده جالممء05400 . ماصع لات ,ممسناح8 (1)
.]مان
مقدمت الطيعت العرييي
كانت تزداد قناعة بأن حالة الحرب والاستعداد العسكري . . . من الأمور الطبيعية المعتادق
بل والتي لا يمكن تجنبها على الأرجح . »)
(كان ينتابني قلق من دولة كانت تتعلم إخفاء مشكلاتها الاجتماعية الداخلية الضخمة
والمتزايدة» إذ كانت تتهرب من تلك المشكلات بإثارة الشعور بالخطر الخارجي أو بإشعاله
ومن ثم فقدت المهارة على التعامل مع هذه المشكلات . فأصبح في داخل هذا الحصن
المحاصر مجرد التعبير عن أي خلاف بسيط في الرأى جرية وخيانة» .
«اكنت أشعر بالهلع من فقدان إسرائيل للمقدرة على أن تحيا في سلام؛ ومن غياب
الإيمان بإمكانية الحياة بلا حروب» ومن خوف النخب السياسية من السلام عندما تأني
اللحظة التي لن يعرفوا فيها كيف يحكمون بلا حروب . إنني أشعر بالنوف بشأن استخدام
حكام إسرائيل للهولوكوست صك غفران لكل ما اإرتكبوه من فساد وخطايا في الماضي
والمستقبل)» .
أعربت عن مخاوفي هذه في كتابي «الحداثة والهولوكوست» »)١484( واستشهدت
بكلام مناحم بيجن عندما صور الفلسطينين بأنهم نازيون يسعون لارتكاب محرقة نازية
جديدة بحق الجماعات اليهودية» وأوضحت كيف أن آبا إيبان الذي كان يشغل منصب
وزير في حزب العمل قد رد عليه في نبرة عتاب لطيفة يعوزها الأمانة قائلاً «آن الأوان
لإسرائيل أن تقف على أقدامها لا على أقدام ستة ملايين من ضحايا الهولوكوست».
إن طريقة الاحتفال بذكري الهولوكوست في السياسة الإسرائيلية هي أحد أكبر
العوائق في طريق إدراك إمكانية الهولوكوست بوصفها تطهيراً أخلاقياء إنها انتتصار لهتلر
بعد مماته» فهو من كان يحلم بخلق صراع بين اليهود والعالم بأكمله» وبين العالم بأكمله
واليهود؛ إنه انتصار في منع اليهود من أية فرصة للتعايش السلمي مع الآخرين» .
«أما طريقة احتفالي بالهولوكوست النازية فتختلف اختلافًا راديكاليّاء ويمكن تلخيصها
كالتالي : ممنوع التزام الصمت أمام الجرائم الإسرائيلية واضطهاد إسرائيل للفلسطينين لأن
مصير اليهود في أوروبا كان له بدايات مشابهة (التمييزء والمذابح المدبرة» والأحياء
المنعزلة» حتى انتهى الأمر بالهولوكوست) .
5
الحداثت والهولوكوست
(إنها مهمة الناجين من الهولوكوست أن ينقذوا العالم» وأن يحموه من كارثة يمكن أن
تتكرر» وأن يمنعوًا هتك عرض الحضارة مرة أخرى . هذه المهمة أدركها راؤل هيلبرج»
أعظم مؤرخي الهولوكوست. وظل يؤكد أن آلة الهولوكوست لم تختلف في بنيتها عن
منظومة المجتمع الألماني «الطبيعية»؛ إذ كانت الهولوكوست أحد تبديات هذا المجتمع .
وهذا ما ذهب إليه عالم اللاهوت ريتشارد روبنستين عندما أكد أنه مثلما تعد النظافة
الشخصية والمفاهيم الفلسفية الرفيعة والأعمال الفنية البارعة والموسيقى المهيبة تبديات
للحضارة الغربية» فإن من تبدياتها أيضا السجن والحرب والاستغلال ومعسكرات
الاعتقال. وتوصل هيلبرج إلى أن الهولوكوست لم تكن تعبيراً عن انهيار الحضارة الغربية»
بل تقدمها) .
«ولسوء الحظء ليس هذا هو الدرس الوحيد المستفاد من الهولوكوست» إذ يوجد درس
آخر يتمثل في أن من يضرب أولاً يصبح صاحب السلطة العليا. وكلما كانت القبضة
حديدية» كلما كانت الفرصة في الإفلات من العقاب أفضل . إن تضخيم هذا الدرس
المخيف ليس مقصورا على حكام إسرائيل» فهم ليسوا الوحيدين الذين ينبغي لومهم على
الانتتصار الذي حققه هتلر في نماته» ولكن عندما تفعل إسرائيل هذه الأشياء وقد ارتدى
مؤسسوها أردية حراس الدولة اليهودية» فإن المصيبة أكبر من أية حالة أخرى) .
تقول الأسطورة إن المعاناة تربي في ضحاياها القيم النبيلة» وأنهم يخرجون منها أبراراً
وأطهاراً تمامًا مثل القديسين» لكن الواقع غير ذلك تمامًا؛ ففور انتهاء المعاناة» يترقب
الضحايا أول فرصة للانتقام من مضطهديهم ؛ وإذا وجدوا صعوبة أو استحالة في الانتقام
من مضطهديهم في الماضي» فإنهم يهرعون إلى غسل عار الماضي الشاهد على ضعفهم»
ويظهرون أنهم يعرفون كيف يبرزون قوتهم ومهاراتهم؛ وكيف يثبتون وجودهم وقدرتهم
بحزم وشدة» وبكافة الوسائل المتاحة لتحقيق النصر» فماذا يكون الجدار العازل حول
الأراضي الفلسطينية المحتلة إن لم يكن محاولة للتفوق على من بنوا الجدار المحيط بجيتو
واسو 2
5 010561111013 291651131201 :212 تاتتتققة كلتتتتتوع 2,7" , 31028302 ولك له عأ مك8 انندط (1)
ك5 17/102007 , ' 708101235 لله 5126405 ,21023 ستسمساتوه 15ل 15 متدععط لاطعتط طلفمطك5 عط
1 .أمه5 5
0ن .)مثا
مقدمن الطبعن العرييي
فمازال من الممكن وقوع هولوكوستات جديدة» وإن اختلف الزمان والمكان
والضحية. صحيح أن الحكم النازي قد انتهى منذ زمن بعيدء لكن ميراثه التدميري
(العقلاني) لم يمت بعد فاستغلال الحداثة الغربية لمفاهيم سامية مثل القانون والنظام في
إبادة يهود أوروبا يتكرر الآن على يد الساسة الإسرائيليين في فلسطين . ففي خاتمة الكتاب
الذي بين أيدينا يشيد باومان ضمنيًا بالاتتفاضة الفلسطينية الأولى» ويكشف استمرارية
التناقضات الكامنة في الحداثة الغربية. فعندما اندلعت الانتفاضة» هدّد إسحق رابين
الفلسطينيين خلال كلمته في الكنيست الإسرائيلي قائلاً: «سنفرض القانون والنظام في
الأراضي المحتلة . . . وسنكسر أيديهم وأرجلهم إذا لزم الأمر.» وهذه إشارة واضحة إلى
استغلال مفاهيم عظيمة وعقلانية مثل «النظام والقانون» لقمع حرية الإنسان وحقه في حياة
كريمة على أرضه وفي وطنه. وعندما فشل الجيش النظامي الإسرائيلي في قمع انتفاضة
عفوية من رماة الحجارة؛ استعانت إسرائيل بحرس الحدود» لكن ذلك لم يغير شيئًا على
أرض الواقع الانتفاضي » واستمرت الانتفاضة» وامتدت إلى كافة الأراضي المحتلة .
حجاج أبو جبر
منيل شيحة- الجيزة
١١١5 فبراير
56
10010220
الطبعة الإنجليزية
10010220
- توطتت الطبعت الانجليزيت
بعد أن انتهت زوجتي جانينا من تدوين قصتها الشخصية عن حياتها في جيتو وارسو
وعن فترة اختبائها بعد هروبها منه» شكرتني على تحمل مشقة غيابها الطويل خلال فترة
الكتابة التي استغرقت عامين» إذ أسهبت في الكتابة عن ذلك العالم الذي «لم يكن عالمي».
واقع الأمر أنني نجوت من عالم الرعب واللاإنسانية ذاك عندما امتد إلى أقصى أرجاء
أوروبا. ومثل كثيرين من أبناء جيلي» لم أحاول أبدا أن استكشف هذا العالم بعد أن
اختفى تمامّاء ولم يبق منه سوى ذكريات مؤلمة وأنداب مزمنة أصابت من جرحهم ومن
أفجعهم بفقد ذويهم .
بالطبع كنت على دراية بالهولوكوست؛ وكانت صورة الهولوكوست في مسخيلتي هي
الصورة المعتادة التي كانت لدى الآجيال المتلاحقة : جريمة مروعة قام بها الأشرار بحق
الأبرياء» عالم ينقسم إلى قتلة مجانين وضحايا عاجزين» إضافة إلي أناس كثيرين
يساعدون الضحايا كلما أمكن» وإن لم يكن في مقدورهم أن يفعلوا ذلك في الغالب. في
ذلك العالم» ارتكب القتلة جرائمهم لأنهم كانوا مسجموعة من المجانين والأشرار
استحوذت عليهم فكرة مجنونة وشريرة» وكان الضحايا يساقون إلى الموت لأنهم لم
يضاهوا العدو في العدة والعتاد. وما كان للعالم إلا أن يتفرج على ما يحدث في ذهول
وحسرة؛ إذ كان يعلم أن الانتصار النهائي للجيوش التي تقود التحالف ضد النازية هو
وحده الذي سيضع نهاية للمعاناة الإنسانية. ومن ثم كانت صورة الهولوكوست في
مخيلتي مثل صورة معلقة على الجدار» صورة لها إطار محَكّم الصنعة بحيث يفصلها عن
ورق الجدار ويبرز اختلافها الكبير عن بقية الأثاث .
بعد أن قرأت كتاب جانيناء بدأت أفكر كم كنت لا أعلم» أو بالأحرى.» كم كنت لا
أفكّر على نحو سليم . وبدأت أفهم أنني لم أكن أفهم حقًا ما حدث في ذلك «العالم الذي
لم يكن عاى . » فما حدث كان على درجة أكبر من التعقيد من أن نفسره بتلك الطريقة
الشديطلة مر جحة والح يعرافك عرس ةذ انها كان أذر قنك أذ البيز و مرفي لمكن
مجرد حدث مروع ومخيف» بل هي حدث ليس من السهل على الإطلاق أن نفهمه من
خلال المصطلحات التقليدية «العادية» . فهذا الحدث جرى تدوينه فى شفرته الخاصة والتي
كا الأنتروان مك الاح يفي القهع كنا ْ
54
الحداثتّ والهولوكوست
أردت أن أفهم هذا الحدث ومعناه عبر قراءة أعمال المؤرخين وعلماء النفس
والمتخصصين في العلوم الاجتماعية» فأخذت أبحث في أرفف المكتبات التي لم أفحصها
من قبل» ووجدت هذه الأرفف مكتظة بدراسات تاريخية تفصيلية دقيقة وكتابات لاهوتية
عميقة» كما وجدت بضعة دراسات سوسيولوجية لها مهارة البحث وروعة التأليف .
وكانت الأدلة التي عدّدها المؤرخون مذهلة في محتواها وحجمهاء وكانت تحليلاتهم قوية
وعميقة؛ وكشفت بما لايدع مجالاً للشك أن الهولوكوست كانت نافذة من النوافذ»
وليست مجرد صورة على الجدار. وبالنظر عبر هذه النافذة» يستطيع المرء أن يلتقط لقطة
نادرة لأشياء كثيرة كانت غير مرئية» والأشياء التي بإمكان المرء أن يراها لها أهمية كبرى.
لبس للجناة والضحايا والشهود على الجريمة فحسب. بل لكل الأحياء اليوم» ولكل من
يرجون أن يكونوا أحياء غد. ما رأيته عبر هذه النافذة لم يكن يبعث على السرور على
الإطلاق. رغم ذلك» كلما كان المنظر يبعث على الإحباط» كلما ازداد اقتناعي بأنه إذا
رفضنا أن ننظر عبر هذه النافذة» فإننا ُعرض حياتنا للخطر .
غير أنني لم أنظر من هذه النافذة من ذي قبل » وبذلك لم أكن أختلف عن زملائي
السوسيولوجيين» إذ كنت أفترض» مثل أغلبهم » أن الهولوكوست كانت > على أحسن
تقدير - شيثًا نفسره نحن المتخصصين في العلوم الاجتماعية» ولكن ليس بالطبع كشيء
يمكن أن يفسر بواعث مخاوفنا الراهئة . كنت أعتقد من خلال افتراض مسبق» لا من خلال
التدبر والتأمل» أن الهولوكوست انقطاع في التدفق الطبيعي للتاريخ» وورم سرطاني
ينهش في جسد المجتمع المتحضر» وجنون لحظي بين سلامة العقل وصحته. هكذا كنت
أستطيع أن أرسم لتلامذتي صورة مجتمع سليم العقل والبدن» تاركاقصة الهولر كوسيت
للمحترفين في علم الأمراض!
كانت قناعاتي تلك وكذلك قناعات زملائي علماء الاجتماع. ناجمة عن طرق
الاحتفال السنوي بذكرى الهولوكوست,. إذ استقرت غالبا في عقول الجماهير على أنها
مأساة حدثت لليهود ولليهود وحدهم» ومن ثم فهي تدعو الناس جميعا للأسف والمؤاساة
والشفقة وربما الاعتذار»ء لا أكثر! كل مرة يحكى اليهود وغير اليهود عن الهولوكوست
باعتبارها ملكية جمعية ووحيدة لليهود». وبوصفها شيئًا يمتلكه أو يعكف على حراسته
الناجون من الموت بالرصاص والغاز. وذراري من قُتابوا رميًا بالرصاص وخنقًا بالغاز.
طن )131 (6031.16 ]مان
- توطئة الطبعد الانجليزين
وفي النهاية؛ نجمد بعضًا ممن جعلوا أنفسهم أوصياء ومتحدثين باسم الموتى يغالون
ويحذرون من اللصوص الذين يتآمرون لسرقة الهولوكوست من اليهود و «تنصيرها» أو
تذويب طبيعتها اليهودية الفريدة بوضعها فى سياق معاناة الإنسانية) مبهمة. فالدولة
اليهودية [إسراتيل] حاولت توظيف الذكريات المأساوية كشهادة تؤكد بها شرعيتها
السياسية» وكجواز مرور وحصانة رسمية لسياساتها في الماضي والمستقبل» بل وكدفعة
مالية تم صرفها مقدما لتبرير شتى ألوان العذاب والظلم والاضطهاد التي ربما ترتكبها بحق
الآخرين . مثل هذه الرؤى خلقت مبرراتهاء وأسهمت في ترسيخ الهولوكوست في الوعي
العام على أنها مسألة يهودية لاغير» فليس لها أهمية تذكر لأى من البشر الآخرين» بما في
ذلك اليهود أنفسهم كبشرء رغم أنهم يعيشون في الأزمنة الحديثة وكان قدرهم أن يكونوا
أبناء المجتمع الحديث. وقد نبهني مؤخرا أحد أصدقاتئي المستنيرين إلى هذا الحد الذي
وصل إليه هذا الاختزال الخطير لأهمية الهولوكوست إلى مجرد حادثة خاصة ومأساة
حدثت لأمة واحدة» .قال صديقي: «ليس هنالك ما يدعو للدهشة» فكم عدد علماء
الاجتماع اليهود»؟
٠ ٠ ٠. ٠ ييا و 31 6 « 0ه
إننا نسمع عن الهولوكوست في الذكرى السنوية التي يحتفل بها أمام جماهير يهودية في
الغالب الأعم وتنقل في وسائل الإعلام على أنها حدث في حياة الجماعات اليهودية» كما
بدأت الجامعات في تدريس مناهج خاصة في تاريخ الهولوكوست» وهي مناهج يتم
تدريسها بمعزل عن مناهج التاريخ العام» فأصبح يراها كثيرون موضوعا خاصا في التاريخ
اليهودي. وجذبت أساتذة متخصصين ومحترفين يعكفون على إجراء اللقاءات وإلقاء
غزيرة الإنتاج وبالغة الأهمية» لكن قلما تجد طريقها مرة أخرى إلى الاهتمام البحثي العام
والحياة الثقافية العامة» تام مثل أغلب الاهتمامات المتخصصة الأخرى في عالمنا الذي يعج
بال ات والمت< م
)١( في كتابه «الصهيونية والنازية ونهاية التساريخ» ,)١9951/( يكشف عبد الوهاب المسيري خصخصة الإعلام
والخطاب الصهيوني للهولوكوست من خلال عمليتين متناقضتين : أولاً» تضييق نطاق المسؤولية بحيث تصبح
الهولوكوست جرية ارتكبها الأللان وحدهم ضد اليهود وحدهم؛ ثانياء توسيع نطاق المسؤولية وتعميم الجريمة
بحيث يشمل الضحايا كل يهود العالم» ويصبح كل الأغيار بشكل مطلق مسؤولين عنها [المترجم] .
43
الحداثت والهولوكوست
وإذا حدث وسلكت هذه الأعمال هذا الطريق العام» فغالبًا ما سمح لها بأن تظهر على
الساحة العامة في شكل يؤكد ضرورة الوقاية الصحية مما حدث» ويدعو إلى راحة البال
وإنهاء النفير. هذه الأعمال تتناغم مع ميثولوجيا الجماهير» إذ بإمكانها إيقاظهم من حالة
اللامبالاة تجاه مأساة إنسانية» لكن ليس بمقدورها أن توقظهم من راحة البال التي ينعمون
بهاء مثل المسلسل التليفزيوني الأمريكي المسمى «هولوكوست». هذا المسلسل يعرض
مشهد أطباء ذوي تربية حسنة وسلوك حسن ومعهم ذويهم المشهود لهم بالاستقامة
والاحترام ودماثة الخلق - تمامًا مثل جيرانك في مدينة بروكلين الأمريكية - وهم يساقون
إلى غرف الغاز على يد الأوغاد النازيين بمساعدة الفلاحين السلاف الأجلاف المتعطشين
للدماء.
إن ديشيد روسكيزء وهو باحث ذكي يتفهم ردود الأفعال اليهودية للسرديات الخاصة
بنهاية العالم» لاحظ الطبيعة الصامتة القاسية للرقاية الذاتية» إذ اكتشف أن عبارة «انحنت
الجباه على الأرض» في شعر الجيتو قد تم استبدالها في طبعات لاحقة بعبارة «ارتفعت الحباه
وكلها إيمان»! ويرى روسكيز أنه «كلما تخلصنا من اللون الرمادي» كلما استطاعت
الهولوكوست أن تأخذ معالمها الخاصة» فالموتى اليهود كانوا يمثلون الخير المطلق» أما
النازيون فكانوا يمثلون الشر المطلق»! وقد واجهت هانا أرينت وابلاً من الانتقادات ممن
شعروا بأنها قد جرحت مشاعرهم عندما ألمحت إلى أن ضحايا هذا النظام غير الإنساني ربما
فقدوا بعضا من إنسانيتهم في طريقهم إلى الهلاك .
كانت الهولوكوست في واقع الأمر مأساة يهودية. صحيح أن اليهود لم يكونوا
الجماعات الوحيدة التي تعرضت إلى «معاملة خاصة)» على يد النظام النازي. حيث كان
الستة ملايين يهودي من بين أكثر من عشرين مليون ضحية أزهقت أرواحهم بأمر من
هتلر» لكن كان اليهود وحدهم هدقًا للتدمير الشامل» ولم يخصص لهم مكان في النظام
الجديد الذي انتوى هتلر تأسيسه . رغم ذلك» لم تكن الهولوكوست مجرهد مشكلة
يهودية » ولم تكن حدثًا في التاريخ اليهودي وحده. لقد ولدت الهولوكوست ووقعت في
مجتمعنا الغربي العقلاني الحديث » وفي أوج مجد حضارتناء وفي ذروة إنجازنا الثقافني
الإنساني» ولهذا السبب فهي مشكلة من مشكلات المجتمع الغربي والحضارة الغربية
7116 ما
توطت3 الطبعت الانجليزيت
والثقافة الغربية. ولهذا السبب أيضا فإن المداواة الذاتية للذاكرة التاريخية التي تقع في وعي
المجتمع الحديث أكثر من مجرد تجاهل يؤذي ضحايا الإبادة» إنها علامة عمى خطير وربما
انتتحاري .
ولا تعني المداواة الذاتية من الماضي الأليم أنه لابد للهولوكوست أن تختفي من الذاكرة
تمامًا. فهناك علامات كثيرة تدل على العكس . فباستثناء بعض الأصوات القليلة التي
تعكف على المراجعات وتنكر واقعية الحدث - ويبدو أنها تسهم بذلك في تنمية وعي
الجماهير بالهولوكوست من خلال عناوين الأخبار التي تثيرها - يبدو أن الهولوكوست
وتأثيرها على الضحاياء لاسيما الناجين» يحتلان رقغة متزايدة من اهتمامات الجماهير .
وصارت مثل هذه الموضوعات حبكات درامية صغرى إلزامية تقريبّاء وإن كانت ثانوية
بوجه عام في الأفلام والمسلسلات التليفزيونية أو الروايات . لكن هناك شك ما بأن
المداواة الذاتية تحدث بالفعل - من خلال عمليتين متشابكتين .
تتمثل العملية الأولى في تحويل تاريخ الهولوكوست إلى صناعة متتخصصة لها معاهدها
العلمية الخاصة ومؤسساتها ومؤتمراتها العلمية الخاصة . وأحد التأثيرات المشهورة والمألوفة
لتفريع الحقول البحثية يتمثل في أن علاقة النزعة التتخصصية الجديدة بالاهتمام البحثي
الرئيس تصبح علاقة طفيفة» فالاتجاه العام للبحث لا يتأثر على الإطلاق باهتمامات
المتخصصين الجدد وباكتشافاتهم ولغتهم الخاصة والصور المجازية التي يطورونها. إن تفريع
التتخصصات يعني في غالب الأمر أن الاهتمامات البحثية التي يعهد بها إلى المؤسسات
المتخصصة تُستبعد من مجموعة المباديء والقواعد العامة للحقل البحثي العام» فهي» إن
جاز التعبير» توضع في عالم الجزئيات وتتعرض للتهميش والتجريد من مغزى أعم في
الممارسة» إن لم يكن بالضرورة في النظرية . ومن ثم فإن الاتجاه البحثي العام يعفى من
واجب الاهتمام الإضافي بهاء فبينما نجد زيادة مذهلة في عدد الأعمال المتخصصة في
تاريخ الهولوكوست وفي عمق هذه الأعمال وقيمتها البحثية» فإن حجم المساحة والاهتمام
المكرس لها في السرديات العامة للتاريخ الحديث لا يزداد» بل إنه من الأسهل الآن أن يعفى
الباحث من تحليل حقيقي للهولوكوست من خلال إضافة محلق يضم قائمة طويلة معتمدة
من المراجع البحثية!
2
الحداثة والهولوكوست
أما العملية الثانية فتتمثل كما أسلفنا في تعزيز صحة الصور المجازية التي ترسخت في
الوعي الشعبي عن الهولوكوست. فقد ارتبطت المعلومات العامة عن الهولوكوست في
الغالب الأعم بالاحتفالات التذكارية والمحاضرات الأخلاقية والعظات الدينية التي
تستدعيها هذه المناسبات وتمنحها الشرعية . ومثل هذه المناسبات» رغم أهميتهاء لا تسمح
على الإطلاق بعمق في التحليل لتجربة الهولوكوستء لاسيما تحليل جوانبها الأكثر
إزعاجًا وبشاعة. وقلما يجد مثل هذا التحليل المحدود أصلاً طريقه إلى وعي الجماهير
الذي يغذيه غير المتخصصين ووسائل الإعلام المتاحة بوجه عام .
وعندما يطلب إلى الجمهور بأن يفكر في أكثر الأسئلة رهبة في النفس - كيف كان لمثل
هذه الفاجعة أن تحدث؟ كيف كان بالإمكان أن تحدث في قلب أعظم بقعة حضارية في
العالم؟- فقلما يعكر ذلك صفوهم(١2. بل تتخفى مناقشة الذنب في حفلة تنكرية ترتدي
فيها قناع تحليل الأسباب» ويقال لنا إن جذور الفاجعة لابد من البحث عنها في هوس هتلر
بأفكار ماء وفي انصياع حاشيته» وقسوة تابعيه» والفساد الأخلاقي الذي غرسته أفكاره!
وربما تطول القائمة إذا بحثنا أكثر» فريما تعود جذور هذه الفاجعة إلى انحرافات خاصة
معينة في:التاريخ الألماني» أو في اللامبالاة الأخلاقية للألمان العاديين» وهو موقف لا يمكن
توقعه إلا في إطار معاداتهم للسامية» صريحة كانت أم مستترة! أما الدعوة إلى «محاولة
فهم الطريقة التي أصبحت من خلالها مثل هذه الأشياء أمرا مكنًا» فيتبعها في أغلب
الأحيان صلاوات وابتهالات يرددها المصلون حول الدولة الممقوتة المسماة دولة الرايخ2"7,
وحول القسوة الحيوانية النازية أو جوانب أخرى لما يسمى «الداء الألماني»» طالما أن
الاحتفال السنوي بذكرى الهولوكوست يعزز الاعتقاد بأن هذا الداء يشير إلى شيء
ايتناقض مع ما يؤمن به الأحياء على كوؤكب الأرض». ويقال لنا أيضًا إنه ما إن أصبحنا
)١( يوضح عبد الوهاب المسيري )١9917( هذه النقطة قائلاً: «الإبادة الاستعمارية كانت تتم دائما هناك» بعيدا عن
أوروباء في آسيا وأفريقياء أما الإبادة النازية فتمت هنا على أرض الحضارة الغربية . . . كما أن العناصر التي
أبيدت لم تكن داكنة اللون أو صفراء» وإنما [بيضاء] مثلنا تماما [نحن الأوروبيين] المترجم]» .
(؟) النطق الصحيح لهذا الكلمة كما سمعته في ألمانيا على مدار سنوات هو «الرايش»» لكني آثرت استخدام النطق
الشائع «الرايخ» منعًا لكل لبس » والكلمة تشير إلى الاسم الرسمي لالمانيا في الفترة من 181/1 إلى 194145 »
والرايخ الثالث يشير إلى الفترة النازية من 1975 إلى ١555 [المترجم].
ا
-- توطتة الطبعت الا نجليزين
على وعي تام بالأعمال الوحشية التي ارتكبتها النازية وأسبابهاء «عندها وحسب سيكون
بمقدورنا أن نداوي أو على الأقل أن نعالج بالكي اجرح الذي تسببت فيه النازية في
حضارتنا الغربية». وأحد التفسيرات الممكنة والتي لم يقصدها المؤلفون بالضرورة لهذه
الرؤى وأمثالها هو أنه فور إثبات المسؤولية المادية والأخلاقية وإدانة ألمانيا والألمان
والنازيين» سيكتمل البحث عن الأسباب! لقد انحصرت الهولوكوست وأسبابها في نطاق
ضيق وزمن محدد» وهو زمن انتهى لحسن الحظ!
بيد أن التركيز على الصبغة الآلمانية للجريمة بوصفها العامل الذي لابد وأن يقوم عليه
تفسير الجريمة هو تبرئة لساحة الناس جميعًاء بل وتبرئة لكافة العوامل الأخرى . فالإيحاء
بأن جناة الهولوكوست كانوا جرح حضارتنا الغربية أو داءهاء وأنهم ليسوا نتاجها الشرعي
المخيف» لا ينتج عنه الرضا الأخلاقي والتبرئة الذاتية فحسب. بل ويشكل تهديدا خطيراً
بنزع السلاح السياسي والأخلاقي . فقدوقعت هذه الجريمة (بعيدا هناك» - في زمن آخرء
في بلد آخر. وكلما ألقي اللوم «عليهم»: كلما كنا انحن» في أمان وكلما قل اضطرارنا إلى
الدفاع عن هذا الأمان. فما إن أصبح تعيين الذنب مرادقًا لتحديد الأسباب» فلا داعي إلى
أن نشك في سلامة الطريقة التى نحيا بها ونفخر بها كل الفخر!
تكمن المفارقة هنا في أن المحصلة النهائية هي حالة من الاستخفاف بالفاجعة التي تمثلها
ذكرى الهولوكوست . فالرسالة التي تنطوي عليها الهولوكوست عن الطريقة التي نحيا بها
الآن - عن نوعية المؤسسات التي نحتمي بهاء وعن صحة المعايير التي نقيس بها استقامة
تصرفاتنا وسلامة ماذج التفاعل التي نقبلها ونعدها نماذج سوية وطبيعية - هذه الرسالة لا
تصل إلى أحدء» ولا ينصت إليها أحد. بل تبقى في طي الكتمان. وإذا اكتشفها
ا منتخصصون وناقشوها في قاعات المؤتمرات» فقلما يسمع بها أحد خارج هذه الدوائرء
ويراها غير المتخصصين لغزا يستعصي على الفهم . هذه الرسالة لم تصل الوعي المعاصر
حتى هذه اللحظة كما ينبغي . والأسوأ من ذلك» أنها لم تؤثر بعد على التجربة المعاصرة .
إن الكتاب الذي بين أيدينا إسهام متواضع لما يبدو في هذه الظروف مهمة تأخر القيام بها
طويلاً» وهي مهمة ذات أهمية ثقافية وسياسية بالغة: حشد الدروس السياسية والنفسية
ع
الحداثيّ والهولوكوست
والسوسيولوجية الخاصة بالهولوكوست من أجل تأسيس علاقة بينها وبين الوعي الذاتي
والتجربة الفعلية لمؤسسات المجتمع المعاصر وأبنائه . وهذه الدراسة لا تقدم أى طرح جديد
عن تاريخ الهولوكوستء. وهي تعتمد في معلوماتها التاريخية على الإنجاز المذهل
للأبحاث الحديثة المتخصصة والتي بذلت قصارى جهدي في البحث عنها والتدقيق فيها
وهي أبحاث أدين لها بالفضل دوم وأبدا. بل تركز هذه الدراسة على مراجعات في حقول
عكر #متوعة نالعاو الاتجساعيةتورها اين النارسات الاقم اعية ,ورهن مر الجتانع
استوجبتها العمليات والتيارات والإمكانات الخفية التي انكشفت أثناء الهولوكوست .
والهدف من البحوث التي تتألف منها الدراسة الحالية ليس إضافة معرفة متخصصة أو إثراء
بعض الاهتمامات الهامشية للمتخصصين في العلوم الاجتماعية» بل الانتقال بنتائج
المتخصصين إلى الاستخدام العام للعلوم الاجتماعية» وتفسير هذه النتائج بطريقة تبرز
أهميتها للموضوعات الرئيسة للبحث السوسيولوجي» ودمج هذه النتائج في الاتجاه العام
لحقلنا البحثي» ومن ثم الارتقاء بهذه التتائج من وضعها الهامشي ال حالي إلى الدائرة
المركزية للنظرية الاجتماعية والممارسة السوسيولوجية .
الفصل الأول عبارة عن مسح عام للاستجابات السوسيولوجية. أو بالأحرى الندرة
الفاضحة للدراسات السوسيولوجية حول بعض القضايا التي أثارتها دراسات
الهولوكوست . هذه القضايا لها أهمية بالغة على المستويين النظري والعملي» وسأحلل
بعضها على حدة وبتفصيل أكثر في فصول هذا الكتاب . فالفصلان الثاني والثالث يتناولان
حالات التوتر والاضطراب الناجمة عن النزعات التي تميل إلى رسم الحدود وتحديد
الهويات في ظل الظروف الجديدة التي جلبها التحديث وانهيار النظام التقليدي وحصانة
الدول القومية الحديثة والعلاقات بين بعض سمات الحضارة الغربية الحديثة - أهمها دور
البلاغة العلمية في شرعنة طموحات الهندسة الاجتماعية - والعلاقة بين العنصرية
ومشروعات الإبادة . وهنا أذهب إلى أن الهولوكوست كانت ظاهرة حديثة ماما ولا يمكن
فهمهابمعزل عن سياق النزعات الثقافية والإنمازات التكنيكية للحداثة الغربية. وفي
الفصل الرابع» أحاول مواجهة مشكلة المزج الدياليكتيكي بين طبيعية الهولوكوست
وتفردها بين ظواهر حديثة أخرى . وفي خائمة هذا الفصل» نذهب إلى أن الهولوكوست
كانت محصلة لقاء فريد غير متوقع بين عوامل كانت في ذاتها عادية ومألوفة تماماء وأن
0ن »131 66131.16 ما
توطئت الطبعنّ الانجليزيي
إمكانية هذا اللقاء يعزى إلى حد كبير إلى تحرر الدولة السياسية من الرقابة الاجتماعية
واحتكارها لأسباب العنف وطموحاتها الهندسية الجامحة - وذلك بعد التفكيك التدريجي
لكافة موارد القوة غير السياسية ومؤسسات الإدارة الذاتية الاجتماعية .
يتصدى الفصل الخامس إلى مهمة شاقة وقاسية تتمثل في تحليل أحد الموضوعات التي
نفضل «ألا نتحدث عنها». وأعني بذلك الآليات الحديثة التي تسمح بتعاون الضحايا في
حفر قبورهم بأنفسهم» وكذلك الآليات التي تسدوجب بالفضرورة سلطة قاهرة تجرد
الإنسان دوم من إنسانيته بما يتناقض مع مباديء سيرورة التهذيب الحضاري التي يتشدق بها
المجتمع الغربي المحديث. أما الفصل السادس» فيتناول إحدى «الصلات الحديثة»
للهولوكوست,ء أي علاقتها الوطيدة بدنموذج السلطة الذي وصل إلى حد الكمال في
البيروقراطية الحديئة. وهذا الفصل عبارة عن تحليل مطول للتجارب النفسية الاجتماعية
المهمة التي أجراها كل من ميلجرام وزهمباردو. ويأتي الفصل السابع خاتمة ونتيجة نظرية
للرؤى المتناقضة.» وفيه أتتبع الوضع الحالي للأخلاق في الصياغات المهيمنة للنظرية
الاجتماعية» كما أدافع عن مراجعة جذرية لهذا الوضع» وهي مراجعة من شأنها أن تركز
على المقدرة المتبدية للاستغلال الاجتماعي للتباعد الاجتماعي, الجسدي والروحي على
السواء .
رغم تنوع موضوعات الفصولء آمل أن تصب في نفس الاتجاه وتبعث برسالة جوهرية
واحدة؛ فكل الموضوعات عبارة عن مناقشات تدافع عن دمج دروس الهولوكوست في
الاتجاه العام لنظرية الحداثة الغربية وسيرورة التهذيب الحضاري ومبادثها وآثارها. وكل
ذلك عبارة عن مناقشات تنطلق من الإيمان بأن تجربة الهولوكوست تكشف حقائق مهمة عن
المجتمع الغربي الذي نتتمي إليه .
كانت الهولوكوست لقاء فريدا غير متوقع بين تناقضات قدية - تجاهلتها الحداثة
واستخفت بها أو فشلت في حلها- وأدوات قوية للفعل العقلاني الرشيد صنعها التطور
الحديث. ورغم أن اللقاء بينهما كان فريدا واستوجب خليطًا نادرا من الظروف» فإن
العوامل التي اجتمعت في ذلك اللقاء كانت - وما زالت- «طبيعية» و(كلية الوجود» . فلم
نفعل ما يكفي بعد وقوع الهولوكوست حتى نفهم جيذ الإمكانية المروعة لهذه العوامل»
3
الحداثيّ والهولومكوست
وبذلك لم نفعل ما يكفي لشل حركة آثارها الرهيبة» وأنا أظن أنه يمكن أن نفعل شيمًا أكثر
من ذلك - وبالتأكيد لابد أن نفعل شيئاء فى كلا الاتجاهين .
عندما كنت أسطر هذا الكتاب» أفدت كثيراً من النقد والنصائح التي قدمها لي كل من
بريان تشيت» وشمول أيزنشتت» وفيرينك فيهير» وأنيز هيلر» ولوكاتش هيرتسوفيسكي»
وفيكتور زالافسكيى . وآمل أن يجدوا فى صفحات هذا الكتاب أكثر من مجرد تجلى
هامشي لأفكارهم وإلهامهم . وأنا أدين بدين كبير بوجه خاص لأنتوني جيدنز لقراءته
المتأنية للمخطوطات المتلاحقة لهذا الكتاب ولنقده المستنير ونصائحه الغالية . كما أشكر
ديقيد روبرت على صبره ودقته فى تحرير الكتاب .
0ن 6613111771 ما
الفصل الأول
علم الاجتماع
بعد الهولوكوست
10010220
الصل الأول: علم الاجتماع بعد الهو لوكوست
تحمل الحضارة الغربية بين طياتها الآن معسكرات
الموت؛ والمُزئان١) هو أحد إغرازاتها المادية والروحية,
ريتشارد روبنستين وجورج روت؛» «مقاربات أوشيتس»
ثمة طريقان للاستخفاف بالهولوكوست,. أو إساءة الحكم عليهاء أو الاستهانة بأهميتها
لغلم الاجتماع بوصفه الأساس النظري للتحضر والحداثة والحضارة الحديثة .
الطريق الأول هو تصوير الهولوكوست وكأنها شيء حدث لليهود وحدهم. وكأنها
واقعة في التاريخ اليهودي دون سواه» وكأنها بكل بساطة حادثة خاصة لا تنطوي على أية
دلالات مهمة لعلم الاجتماع . فغالبًا ما يفسر الباحثون الهولوكوست بأنها ذروة المعاداة
الأوروبية المسيحية لليهود» وكأنها حادثة فريدة يصعب مقارنتها بحوادث هائلة وجسيمة
من العدوان والتحامل العرقي أو الديني7 .
وعليه فإنهم يرون أن معاداة اليهود لا تضاهيها جميع أشكال العداء بين الجماعات»
وذلك لا لها من تخطيط منهجي غير معهودء وتعبئة أيديولوجية قوية» وامتداد يتجاوز
القوميات والأقطار» وامتزاج فريد يضم منابع وروافد محلية وعالمية.
هذا الإصرار على تعريف الهولوكوست بأنهاء إن جاز التعبير» استمرار لظاهرة معاداة
اليهود يجعلها تبدو حادثة استثنائية تختلف عن الاتجاه العام للمجتمع الغربي . وبذلك ربا
تفضح الهولوكوست انختلال المجتمع الذي وقعت فيه» لكنها لا توسّع فهمنا للحالة
)١( أصل الكلمة هو 22410561528228 أي مسلم بالألمانية» وجمعها :عهه-2اء8115»: وهي إحدى المفردات
الدارجة التي كانت تستخدم في معسكرات الاعتقال النازية للإشارة إلى الضحايا الذين كانوا على حافة الموت
بعد أن فتك بهم الجوع والعطش والألمء وقد أثار استخدام هذه الكلمة علامات استفهام كثيرة حول نظرة
الغرب لليهودي وكأنه العدو المسلم نفسه [المترجم].
(؟) معاداة اليهود) في هذا الكتاب ترجمة لمصطلح «معاداة السامية» أو (أنتي سيميتزم» دكناتصم301-56» فالمؤلف
يفكك هذا المصطلح في الفصل الثاني» ويرى أنه لا يعني أي شيء سوى الاعتقاد بأن اليهود جماعة غريبة
معادية غير مرغوب فيهاء كما أصبح يشير المصطلح إلى الممارسات التي تنجم عن هذا الاعتقاد أو التي ترسخه
في الأذهان [المترجم] .
6١
الحداثي والهولوحكوست
الطبيعية التي كان عليها هذا المجتمع . وهذا التفسير يعني أن الهولوكوست قلما تدعو إلى
أية مراجعة حقيقية للتبعية الإدراكية في فهم الجنوح التاريخي للحداثة الغربية» وسيرورة
التهذيب الحضاري» والموضوعات الرئيسة للبحث السوسيولوجي .
أما الطريق الثاني فيسير على ما يبدو في اتجاه معاكس » لكنه في واقع الأمر يؤدي إلى
التتيجة نفسهاء إذ يصور الهولوكوست وكأنها حالة متطرفة تظهر فيها مجموعة كبيرة
ومألوفة من ظواهر اجتماعية تشمئز منها النفس» 0 منها بالطبع» لكنها ظواهر
نستطيع » ويجب عليناء أن نتعايش معهاء فهي ظواهر لا ت: تختفى للأبد. ولا يخلو مكان
مها اي د ا اك
منظومة تهدف إلى دحرهاء وربما القضاء عليها تماماء والوقوف لها بالمرصاد في المستقبل .
هكذا يصنف بعض الباحثين الهولوكوست على أنها مجرد حالة» وإن كانت بارزة» بين
حالات كثيرة «مشابهة» من الصراع أو التحامل أو العدوان. وفي أسوأ الأحوال» تُعزى
الهولوكوست إلى نزعة بشرية «طبيعية» بداثية يتعذر السيطرة عليها بالتثقيف» وهذه هي
فكرة كونراد لورنتس عن العدوان الغريزي» وفكرة آرثر كويستلر عن فشل لحاء الدماغ في
السيطرة على الجزء الانفعالي القديم من المخ(21 .
وبذلك يجري استبعاد العوامل المسؤولة عن الهولوكوست من البحث السوسيولوجي
تمامًا باعتبارها عوامل تنتمي إلى عالم ما قبل الحياة الاجتماعية وتستعصي على التطويع
الثقافى . وق انقنل الأخراله تندرج الهولد ويك عيية كل امكو زات لطاعة وزشناعة :
وإذاكانك مميولة من النااسية النظارية» الوه يتقولة الإنادة» أو رها تلو ب بساقلةاف
التصنيف العام للاضطهاد والقمع العنصري. أو الثقافي» أو العرقي» ويهق تصتياب واابيع
ومالوف تاق
وأي الطريقين سلكناء سنصل إلى النتائج نفسهاء ونضع الهولوكوست في المجرى
التاريخي المألوف .
:(1977 ,1710110 01طه عع81:3 ,1تلامعمم ملعملا بتععل3) تاوزووعمعع ش36 08 ,رجدعنمآ لهتمهك؟ظ . 01 (1)
(1978 ,تامممتطع 114 :مه0لهم.آ) منآ عمتسطت5 2 -كتاهد[ رمعلاوءع1]0 تبتطاممق
01 155165 2[1عتن) :ع0 1عممع0) صا ,”*7اأمتتوع28010 عطا 15 عسوتدنا 2605" ,لاأمعماع] . [آ تمع (2)
مم15 مملصتك عط :دعاععصمخ 05.!آ) دعلققآ أعنصةنا عت قمدط22:0©) رعلم . له ,أمتردء1811010 0
. 398 .م,(1983 ,عطمعن) لحطا
0116/3 دما
الفصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
فعندما نتناول الهولوكوست بهذه الطريقة» ونتقن الاستشهاد بفظائع تاريخية أخرى
مثل الحروب الصليبية» وقتل الهراطقة في مدينة ألبي الفرنسية» والقضاء على معظم
الأرمن على يد الأتراك» والاستحداث البريطاني لمعسكرات الاعتقال في حرب البوير»
فستظهر الهولوكوست حادثةً «فريدة»» وإن كانت طبيعية على أي حال17' .
وسنصل إلى النتيجة نفسها إذا رددنا الهولوكوست إلى تاريخ وحيد ومألوف تماما :
مئات السنين من الحياة في أحياء اليهود» والتمييز القانوني» والاعتداءات الشعبية المدبرة»
والاضطهاد الذي طال الجماعات اليهودية في أوروبا المسيحية. هذا التاريخ يعرض
الهولوكوست وكأنها مأساة ليس لبشاعتها مثيل» وإن كانت نتيجة منطقية تمامًا للاحتقان
الديني والعرقي .
هذان الطريقان يتجاهلان القنبلة الموقوتة التى صنعتها الحداثة الغربية» فهما يؤكدان أننا
لنينا بتحاجة إلى مرا ضعة أساسية للنظرية] لاجتماعية #روكأن رونا لاله ورمكاناتها اليه
الكامنة ونزعتها التاريخية ليست بحاجة إلى وقفة جادة» وكأن المناهج والمفاهيم المتراكمة
لعلم الاجتماع تستطيع وبجدارة أن تتصدى للخطر الذي نواجهه. وأن «تفسر ما حدث»)
وأن «تضفي عليه معنى ما». والمحصلة النهائية هي حالة من الرضا بالأسس النظرية» وكأنه
بالفعل لم يحدث شيء يستدعي استتحداث خطاب نقدي جديد للمجتمع الحديث الذي
جسد الإطار النظري والتسويغ البراجماتي للممارسة السوسيولوجية على أكمل وجه.
وقد انشقت بعض الأصوات العلمية عن هذا الرضاء وكان أغلبها من المؤرخين وعلماء
اللاهوت» أما علماء الاجتماع فقلما اهتموا بهذه الأصوات . وإذا ما قارنا إسهام علماء
الاجتماع المتخصصين في الهولوكوست بالبحث الهائل الذي أنجزه المؤرخون» وبالاهتمام
الواسع الذي أبداه علماء اللاهوت اليهود والمسيحيين ؛ لوجدنا أن إسهام جهابذة علماء
الاجتماع لا وزن له! بل إن الدراسات السوسيولوجية التي تمت بالفعل توضح بما لا يدع
مسجالاً للشك أن الهولوكوست يكن أن تقول الكثير عن حال علم الاجتماع أكثر ما
يستطيع علم الاجتماع نفسه وفي صورته ال حالية أن يضيف إلى معرفتنا بالهولوكوست! بيد
أن علماء الاجتماع لم يواجهوا هذه الحقيقة المفزعة» بل وأداروا لها ظهورهم!
م 01 5أولتن) عطا سه أكدسوء1]010 عط 10 موقا به ف ولا وودة از
2 .م,(1980 رتعتع لقع وعم [اه1] عترملا بجولط) مسمتجممطعءظ8
اذه
الحداث والهولوكوست
ولعل إيشريت هيوزء أحد كبار علماء الاجتماع؛ هو الذي عبر بدقة متناهية عن رؤية
هؤلاء العلماء ودورهم تجاه ما يسمى «الهولوكوست». يقول هيوز:
نفذت حكومة ألمانيا الاشتراكية القومية أضخم جزء من «العمل الوضيع» في التاريخ
بحق الجماعات اليهودية . والسؤالان المهمان هنا هما :
١ - من هم الأشخاص الذين قبلوا تنفيذ مثل هذا العمل؟
-١ ما الملابسات التي جعلت أناسًا (صا حين» يتركون هؤلاء الأشخاص يفعلون فعلتهم؟
إن كل ما نحتاجه هو معرفة أفضل بإرهاصات وصولهم إلى السلطة وأفضل السبل
للحيلولة دون ذلك11؟ .
هنا يحدد هيوز أبعاد المشكلة وفق إيمانه بالمبادىء الراسخة للممارسة السوسيولوجية فى
نقاط ثلاث:
-١ محاولة الكشف عن خليط فريد من عوامل نفسية واجتماعية لها علاقة ملموسة بالميول
السلوكية الغريبة الصادرة عن الحناة و«العمل الوضيع).
1- إعداد قائمة بمجموعة أخرى من العوامل التي تنتقص من قيمة مقاومة الأفراد لمثل هذه
النزعات السلوكية» وهي مقاومة متوقعة» وإن تأخرت .
'- الوصول في نهاية التحليل إلى معرفة تفسيرية يمكنها التنبؤ بهذه النزعات» وتسمح لمن
يمتلكهاء في عالمنا الذي يحكمه التنظيم العقلاني» والقوانين السببية» والتقديرات
الإحصائية» بمنع ظهور هذه «النزعات الوضيعة»» والحيلولة دون تحولها إلى أنماط
سلوكية فعلية» أو تحقق آثارها الضارة "الوضيعة» . ويُفترض أن يجري إنجاز هذه المهمة
الأخميرة من خلال تطبيق النموذج الذي جعل عالمنا يرتكز إلى نظام عقلاني يمكن
تطويعه والسيطرة عليه» وكأن ما نحتاجه هو توفير تكنولوجيا أفضل لنموذج قديم لم
تضعف الثقة به مطلقّاء ألا وهو نموذج الهندسة الاجتماعية!
,1962 #علتتتتاك ركسمتعاطمع لقزع50 ,'كلندن ا جأارانا ده عارمعم 2000 ,جغطعنطط . ) اأعرعا8 (1)
.3-10 .مم
0ن 6017.161 ]مان
المْصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
اتبعت هلن فاين 2١7 نصائح هيوزء وأخلصت لها في واحدة من أفضل الإسهامات
السوسيولوجية المدميزة في دراسة الهولوكوست» وحددت هدفها بأنه يتمثل في شرح عدد
من المتغيرات السيكولوجية والأيديولوجية والبنيوية التي لها علاقة وطيدة بنسبة الضحايا أو
الناجين اليهود داخل الأقطار القومية الأوروبية المختلفة التي سادتها النازية. وكانت
دراستها رائعة بكل المقاييس الصحيحة المتعارف عليهاء» حيث أعدت بدقة وإتقان الجداول
والفهارس الخاصة بخصائص المجتمعات القومية» وحدّة معاداة اليهود بهاء ومدى تأقلم
اليهود مع ثقافة البلد المضيف واندماجهم في المجتتمع» ومدى التضامن بين الجماعات
المختلفة . وكانت هلن فاين ترمي إلى إحصاء العلاقات السببية المتبادلة» وتحديد أهميتها
بدقة» لكن اتضح أن بعض العلاقات الافتراضية غير موجودة» أو على أقل تقدير غير
صحيحة من الوجهة الإحصائية» وإن كانت الإحصاءات قد أثبتت بعض العلاقات
الطردية» مثل العلاقة بين غياب التضامن وإمكانية تجرد الأفراد من القيود الأخلاقية . هنا
جاءت المهارات السوسيولوجية المعصومة» والكفاءة التي تمتلكها الباحثة في توظيفهاء
لتكشف سهوأ وبدون قصد مدى ضعف علم الاجتماع التقليدي . وليس بإمكاننا أن ننجز
شيئًا أعظم مما أنجزته هلن فاين دون مراجعة بعض الافتراضات الجوهرية الضمنية للخطاب
السوسيولوجيء وإلا سنظل نرى الهولوكوست نتاجًا فريدا وحتميًا لسلسلة متلازمة من
عوامل سيكولوجية واجتماعية عطلت على نحو مؤقت القبضة الحضارية التي تحكم
السلوك الإنساني عادة. هذه الرؤية تعلن ضمئاء إن لم يكن صراحة. براءة أحد المتهمين
الرئيسيين في جرية الهولوكوستء وأعني بذلك المؤسسة الاجتماعية وسعيها إلى «أنسنة»
(عسأمنهفصده) أو «عقلنة» (عمنتتئلهم260) الدوافع غير الإنسانية التي تحكم سلوك أفراد
لا يعرفون الحياة الاجتماعية أو يعادونها. وعليه كان الخطاب السوسيولوجي يفترض أن
كل غريزة أخلاقية نكتشفها في السلوك الإنساني هي نتاج اجتماعي يذوب ويتلاشى ما إن
تعطل المجتمع ! «فعندما يفتقر المجتمع إلى دعائم النظام الاجتماعي» ويسوده الاضطراب
والاغتراب» فإن الناس لا تبالي في سلوكها بالضرر الذي يمكن أن يلحق بالآخرين” .
وان الت ةبك وزو 1 لله كا و8 الموه 6164136 02 عدم ممح قلع وفك :628 و
. (1979 رووععط ممع علرن لا بجعآ8) أمدادء11010 عطا ومستعجسل دمن
34 . م ,رعلتعمدعة) «10 عوستاسسوععه رماءآ (2)
600
الحداثي والهولوكوست
ونستشف من ذلك أن وجود نظام اجتماعي فعال يمكن أن يحول دون هذه اللامبالاة»
وأن فرض قيود أخلاقية على الأنانية الهائجة والوحشية الفطرية للحيوان المتخفي داخل
الإنسان هو القوة الدافعة لكل من المنظومة الاجتماعية والحضارة الغربية الحديثة المعروفة
بدفع طموحاتها التنظيمية إلى آفاق غير معهودة. من هذا المنطلق» ليس بإمكان علم
الاجتماع التقليدي بعد معالجته لحقائق الهولوكوست في طاحونته المنهجية التي يسميها
منظومة بحثية إلا أن يوجه لنا رسالة تلتزم بافتراضاته المنهجية على نحو أكبر من التزامها
«ببحقائق الظاهرة»؛ وفحوى هذه الرسالة هو أن الهولوكوست كانت فشلا للحداثة
الغربية» وليست نتاجا لها».
في دراسة سوسيولوجية رائعة عن الهولوكوست» حاولت نخاما تيك(١) استكشاف
طبيعة الجانب المضيء في المجتمع» أي الأشخاص الذين لم يسمحوا بارتكاب هذا «العمل
الوضيع»» بل وضحوا بحياتهم في عالم الأنانية الطاغية في سبيل إنقاذ الضحايا. باختصار
شديد» اهتمت نخاما تيك بمن احتفظوا بفطرتهم الأخلاقية في ظروف غير أخلاقية»
وبذلت الباحثة جهدا كبيراً في هذه الدراسة» واتبعت الوصايا السوسيولوجية المحكمة حتى
تكشف العوامل الاجتماعية التي لعبت دور حاسم في ظهور ما كان يراه المجتمع وفق كافة
المعايير العقلانية السائدة سلوكًا شاذًا. كما اختبرت كافة الافتراضات التي يمكن لأي عالم
من علماء الاجتماع الأجلاء أن يستخدمها في مشروعه البحثي» وأحصت العلاقات
المتبادلة بين استعداد الأفراد لمساعدة الضحايا من جهة والعوامل المختلفة المتعلقة بالانتماء
الطبقي والطائفي والسياسي والتعليمي من جهة أخرىء واكتشفت الباحثة في نهاية المطاف
أنه لا توجد أدنى علاقة بينهما! وفي تحد لنفسها وتوقعات قرائها ذوي الخبرة
السوسيولوجية» توصلت نخاما تيك إلى التتيجة الوحيدة السائغة» وهي أن «هؤلاء
الأشخاص الطيبين الذين ساعدوا الضحايا كانوا يتصرفون بطبيعتهم» وعلى فطرتهم
وأنهم استطاعوا أن يقاوموا فظائع أزمانهم بعفوية»2'7» فكان لديهم الاستعداد الفطري
الطبيعي لإنقاذ المكروبين» وجاءوا من كافة قطاعات «البناء الاجتماعي»» وفضحوا أكذوبة
)١( نخاما تيك (1931) 16 8/6312 باحثة شهيرة في تاريخ الهولوكوست» ولدت لأسرة بولندية يهودية عام
١ ؛ وصدمت كثير عندما تحول كتابها تَحَد: دور عائلة بيلسكي في إنقاذ اليهود إلى فيلم سينمائي ؛ إذ انحرف
193 .م,(1986 ركوع ووعسطاتجة12 عط لعععء 1 خطئارا سغط الا رعه1' مسقطاءءلة (2)
6171.631 مثا
المُصل:الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
الادعاء بأن هذه القطاعات «محددات اجتماعية» للسلوك الأخلاقي . واقع الأمر أن هذه
المحددات افتضح أمرها عند إخفاقها في منع الرغبة الشديدة لدى الأشخاص الطيبين بأن
يمدوايد العون للضحايا المستضعفين . وبذلك تكون نخاما تيك أقرب من أقرانها علماء
الاجتماع إلى إدراك السؤال الرئيس في هذه القضية» فليس السؤال «ماذا نستطيع نحن
علماء الاجتماع أن نقول عن الهولوكوست؟ بل «ماذا بإمكان الهولوكوست أن تقوله عنا
نحن علماء الاجتماع وعن معالخحتنا لللأمور؟
يبدو أن الحاجة إلى طرح هذا السؤال هي أعظم الحاجات إلحاحاء وأكثرها إهمالاً» في
معالجة الهولوكوست . ولكن لابد من دراسة عواقب طرح هذا السؤال جيدَاء فما أيسر أن
نغالي في الهجوم على حالة الإفلاس الواضحة للرؤى السوسيولوجية القائمة. وربما
يتحطم الأمل في معالحة الهولوكوست داخل الإطار النظري لمفهوم «التعطل الاجتماعي».
أي معالجتها في إطار مقولات مثل عجز الحداثة عن قمع عوامل اللاعقلانية الغريبة»
وفشل الجهود الحضارية في إخماد الدوافع الانفعالية والعدوانية» وفشل الاندماج في
المجتمع » وعجز المجتمع نفسه عن خلق القدر المطلوب من الدوافع الأخلاقية. وبمجرد أن
يتحطم هذا الأمل» يسهل استدراجنا حتى نجرب المخرج «الواضح السهل» من هذا الطريق
النظري المسدود» فنعلن أن الهولوكوست «نموذج مهيمن» للحضارة الغربية الحديثة» وأنها
نتاج (طبيعي» و١معتاد»» وربما نموذج «شائع».لهذه الحضارة ونزعتها التاريخية . وبهذا
التأويل تصبح الهولوكوست حقيقة الحداثة» وليس فقط إحدى إمكاناتهاء إنها تصبح
الحقيقة المتخفية وراء الديباجات الأيديولوجية التي يفرضها المستفيدون من «الكذبة
الكبرى» المسماة بالحداثة . أما التفسير الذي يقال إنه عظَّم الأهمية النظرية والتاريخية
للهولوكوستء» فسنوضح بالتفصيل في الفصل الرابع من هذا الكتاب أنه لا يخدم شينًا
سوى التقليل من أهمية الهولوكوست؛ إذيصل الأمر إلى عدم القدرة على التمييز بين
فظائع الإبادة وأشكال المعاناة الأخرى التي يحدثها المجتمع الحديث من دون شك كل يوم
على نحو جسيم .
الهولوكوست اختيار للحداثة الغربية
"8
1
قبل بضع سنوات» أجرى صحفي بجريدة لوموند الفرنسية حوارا مع رهائن تعرضوا
لحادث اختطاف طائرة» وكان من أغرب الأشياء التي لفتت انتباهه وقوع حالات طلاق
بام
الحداث والهولوكوست
كثيرة بين الرهائن المتزوجين الذين عانوا سويا هذه التجرية. أثار هذا الأمر فضول
الصحفيء فتحدث إلى المطلقات حتى يعرف أسباب اتخاذهن هذا القرار. وخلال
الحوارء علم منهن أنه لم يخطر ببال أكثرهن فكرة الطلاق على الإطلاق قبل حادث
الاختطاف. لكن أثناء هذا الحادث المروع» «تفتحت أعينهن»2, و«رأين أزواجهن على نحو
جديد» . لقد «أثبت» هذا الحادث أن أزواجهن الطيبين الصالحين ليسواسوى مخلوقات
أنانية لا تهتم إلا ببطونهاء وأن رجال الأعمال الشجعان كانوا مثالاً للجبن في أبشع
صورهء وأن الرجال واسعى الحيلة ضاعت حيلتهم» ولم يفعلوا شيئًا سوى النواح والعويل
على نهاياتهم الأليمة . هنا سأل الصحفي نفسه: أي الوجهين هو الحقيقة» وأيهما القناع؟
واكتشف أنه لا ينبغي طرح السؤال بهذه الطريقة» فليس أحد الوجهين أصدق من الآخرء
لأنهما كانا إمكانيتين متلازمتين لشخصية الضحاياء كل ما في الأمر أنهما ظهرا في أوقات
وملابسات مختلفة» ولذا غلب الوجه «الحسن» لأن الظروف الطبيعية فضلته على الوجه
الآخرء لكن الوجه الآخر ظل موجودا» وإن كان يصعب رؤيته عادة .
ورغم النهاية المؤللة لهذه القصة» فإن أجمل ما فيها هو أنه لولا التجربة التي مر بها
الرهائن؛ لكان من المحتمل أن يظل الوجه الآخر مختفيًا للأبد» ولظلت الزوجات
يستمتعن بحياتهن الزوجية دون أن:يدركن أن الرياح ربما تأتي بما لا تشتهي السفن.
فتكشف عن خصال غير حميدة لرجال ظان أنهن يعرفنهم» وأحبين ما عرفن عنهم .
ونعود للفقرة التى استشهدنا بها من دراسة نخاما تيك. حيث تنتهي بالملاحظة التالية :
«لولا الهولوكوست,ء لربما استمر أغلب من أغاثوا الضحايا في دروبهم الخاصة» منهم من
يقوم بأعمال خيرية» ومنهم من يحيا حياة بسيطة متوارية عن الأنظار. لقد كانوا أبطالاً
ساكنين يصعب معرفتهم من بين جنموع الناس من حولهم». وأهم نتائج هذه الدراسة»
وأكثرها إقناعاء هي استحالة «التحديد المسبق» للإرهاصات» والأعراض» والمؤشرات
الخاصة بالاستعداد للتضحية أو الجبن فى لحظات الشدة والمحن» بمعنى استحالة تحديد
احتمالية ظهورهما خارج السياق الذي يولدهيا أو «يوقظهما» فحسب .
يربط جون روت ربطًا مباشرا بين المشكلة التي نعالجها والفرق بين مفهومي الإمكانية
والواقع» فأما الإمكانية فهي واقع لم يظهر بعد» وأما الواقع فهو إمكانية تشكلت بالفعل
ويمكن التحقق منها :
0ن )11 66031.16 مان
المْصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
لو سادت النازية» لقررت السلطة التي تحدد ما ينبغي أن يكون أنه لم يخرق أحد
القوانين الطبيعية» وأنه لم يرتكب أحد جرائم في الهولوكوست بحتق الله والبشرء ولكان
لسر ل ؛ فيما إذا كان ينبغي لأعمال السخرة أن تستمر وتتوسع أم
تتوقف» ولاتخذ المسؤولون القرار في هذا الشأن على أسس عقلانية7 .
تعود الرهبة الكامنة فى ضميرناء والنافذة إلى ذاكرتنا الغربية الجمعية - على نحو
يجاوز مجرد الرغبة القاهرة في ألا نواجه هذه الذاكرة - إلى الاعتقاد المؤلم بأن
الهولوكوست يمكن أن تكون أكبر من مجرد شذوذ؛ وأكبر من مجرد انحراف عن الطريق
المستقيم للتقدم» وأكبر من مجرد ورم سرطاني في الجسم السليم للمجتمع الغربي
المتحضر . إننا نخشى أن نقول» وباختصار» إن الهولوكوست ليست نقيضا للحضارة
الغربية الحديئة وكل شيء يرمز إليهاء أو نعتقد نحن أنه يرمز إليها. إننا نخشى - حتى ولو
رفضسنا الإقرار بذلك - أن تكون الهولوكوست قد استطاعت أن تكشف وجها جديدا
للمجتمع الحديث الذي يروقنا وجهه اللألوف . ونخشى أن يكون الوجهان ملتصقين على
أكمل وجه بالجسد نفسه . ولعل أشد ما نخشاه هو أن أحد الوجهين لا يستطيع أن يوجد
دون الآخرء تمامًا مثل وجهي العملة .
وغالبًا ما نقف على أعتاب الحقيقة المفزعة ولا نتجاوزها. فالباحث هنرى فينجولد يصر
على أن الهولوكوست كانت حمقًا حلقة جديدة في تاريخ طويل» وبريء على العنوم»
للمجتمع الغربي الحديث» وهي حلقة لم نمتلك أدوات التنبؤ بهاء تمامًا مثلما يظهر نوع
جديد خبيث لأحد الفيروسات التي زعمنا السيطرة عليهاء يقول فينجولد :
مثّلت فكرة الحل النازي النهائي للمسألة اليهودية مرحلة فاصلة انحرف فيها النظام
الصناعي الأوروبي» فبدلاً من تعظيم قيمة الحياة» وهو الهدف الأصلي لحركة التنوير» بدأ
هذا النظام يضع نهايته بنفسه . لقد كان لهذا النظام الصناعي ومبادته الأساسية الفضل في
تمكين أوروبا من السيطرة على العالم .
وكأن الأدوات والمهارات التي وَظّفت في خدمة السيطرة على العالم كانت تختلف
اختلافًا كيفيًا عن الأدوات والمهارات التى ضمنت فاعلية الحل النازي النهائى للمسألة
اللمؤدية! ويد ان فسولد اعد يحدى الى وجا لقف التكرن بزادله أمام عيبي قأياذ :
)1( .م ,(1980 ترابدل 450 . مم كقطفف ذه ملقصصخم , كديع ستكسظ أكسسوءه101' أمظ . 1 مطل ٠
04
الحداثت واله و لوكوست
كانت معسكرات أوشقيتس (18083/102ا) امتدادا طبيعيًا لنظام المصنع الحديث .
فبدلاً من إنتاج البضائع » كان البشر موادها الخام» وكان الموت منتجها النهائي» منتجات
عديدة يحددها مدير المصنع بدقة كل يوم على جداول الإنتاج . فكانت المداخن. وهي
أبلغ رمز لنظام المصنع الحديث» تأتي بدخان خانق يتصاعد عند حرق أجساد البشر.
وإذا كانت شبكة السكك الحديدية الأوروبية الحديثة ذات التنظيم البديع قد نقلت نوعا
جديدا من المواد الخام إلى المصانع» فإنها فعلت ذلك مع مواد وبضائع من نوع آخر
[البشر]. وفى غرف الغاز» استنشق الضحايا الغاز السام الناتح عن أقراص حامض
الهيدروسيانيك الفتاك» وهي أقراص أنتجتها المصانع الكيميائية المتطورة في ألمانيا .
وصمم المهندسون المحارق» ووضع المديرون نظامًا بيروقراطيًا يعمل بحيوية وبكفاءة
تنظر إليهما الشعوب المتخلفة نظرة الحاسد الحقود. لقد كانت الخطة برمتها انعكاسًا
لانحراف الروح العلمية الغربية الحديثة واعوجاجها. فكل ما شهدناه لم يكن سوى
خطة كبيرة من خطط الهندسة الاجتماعية17 .
وتكمن الحقيقة المفجعة في أن كل «مكون» من مكونات الهولوكوست,. وأعني بذلك
كافة العوامل التي جعلتها حادثة ممكنة» كان يشير إلى حالة طبيعية في المجتمع الحديث .
ولا يعني ذلك أن الهولوكوست كانت حالة مألوفة» أو أنها إحدى الظواهر التي وصفناهاء
وفسرلناهاء وتعايشنا معها. فتجربة الهولوكوست,. على النقيض من ذلك» حدث جديد
وغير مألوف» بل كانت مكونات الهولوكوست طبيعية بمعنى أنها تتوافق وكل شيء نعرفه
عن حضارتنا الغربية» وروحها الهادية المرشدة» وأولوياتهاء ورؤيتها الكامنة للعالم»
والسبل الملائمة لتحقيق السعادة البشرية وبناء مجتمع أمثل . يقول الباحثان ادموند ستيلمان
ووليام فاف :
ثمة علاقة أكبر من مجرد الصدفة المحضة تربط بين التكنولوجيا التطبيقية الخاصة
بخطوط الإنتاج الضخمة ورؤيتها للوفرة والثراء المادي الواسع من جهة والتكنولوجيا
التطبيقية لمعسكرات الاعتقال ورؤيتها لوفرة الملوت وكثرته من جهة أخرى . وربما نتمنى
إنكار وجود مثل هذه العلاقة» لكن معسكر بوخن والد (8068:210) كان جزءا من
. 399-400 . مم , 'أكتتق11010 عطا كز عتاوتطنا كتماط ' ,ل1[موماء8 (1)
ا
المْصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
عالمنا الغربي» تمامًا مثل نهر الروج الذي يجرى بمدينة ديترويت» فليس بإمكاننا أن ننكر
وجود معسكر بوخنفالد بوصفه انحرافًا عابرا عن عالم غربي قائم في جوهره على العقل
والعقلانية( .
وهنا تجدر بنا الإشارة إلى النتيجة التي توصل إليها راؤل هيلبرج عند الانتهاء من دراسته
المحكمة الفريدة عن الهولوكوست . يقول هيلبرج : «لم تكن آلية التدمير تختلف اختلاقًا
بنيويًا عن الطبيعة المنظمة للمجتمع الألماني بأسره» بل كانت هي المجتمع الْنَظلّم نفسه وهو
يؤدي أعة افوا زه ه11 :
ونحن نذهب إلى أن ريتشارد روبنستين قد توصل إلى أهم الدروس المستفادة من
الهولوكوست عندما قال: (إنها شاهد عيان على تقدم الحضارة الغربية». نعم» كانت
الهولوكوست استمرارا للتقدم» بيد أنه كان تقدمًا بالمعنى المزدوج للكلمة . فخلال تنفيذ
فكرة الحل النهائي للمسألة اليهودية» حلّقت القدرة الصناعية والخبرة التكنولوجية التي
ازدهرت في ظل حضارثنا في آفاق جديدة جعلتها قادرة على أداء مهام جسام» وفي الوقت
نفسه كشف لنا المجتمع عن إمكانية لم تكن في الحسبان. لقد نشأنا نحن الغربيين على
احترام الكفاءة التقنية والتصميم الجيد وتقديسهماء ومن ثم ليس بإمكاننا إلا أن نقر بأننا في
تمجيدنا للتقدم المادي الذي حققته حضارتنا الغربية قد استهنا بقوتهما الحقيقية الكامنة أيما
استهانة . يقول روبنستين:
عالم معسكرات الموت والمجتمع الذي استحدثه يفضحان تفاقم الجانب المظلم من
الحضارة اليهودية المسيحية . فإذا كان مفهوم الحضارة يشير إلى نظم الوقاية الصحية الطبية
والأفكار الدينية السامية والفن الجميل والموسيقى الرقيقة» فإنه يشير أيضًا إلى العبودية
والمحروب والاستغلال ومعسكرات الموت . وإنه لخطأ كبير أن نتتصور أن الحضارة
والبربرية نقيضان. . . ففي زمننا هذاء أصبحت الأعمال البربرية» مثل أغلب الجوانب
الأخرى لعالمناء تخضع لإدارة أكثر فاعلية لم نشهدها من ذي قبل . لم تنلاش البربرية من
ع تعمد ١011 بجع !8) 1م2751 01 كن )تلوط ع1 قاط مسمتللة/19 يع ممسللة5 فمسمفط (1)
. 30-31 .م ,(1964 ,جم
باع 1/1 عل وع مطامط عارملا بجع1) مكلعل لقع رزو تناك عط 01 ونع د12 عط ,ععطللنط لامها (2)
.994 .م ,111 .1ه ,(1983
55
الحداثت والهولودكوبيت
الوجود» ولن تتلاشى . فالإبداع والتدمير وجهان لا ينفصلان عما نطلق عليه
قيار
إن هيلبرج مؤرخ» أما روبنستين فعالم لاهوت» وهذا ما دفعني إلى دراسة أعمال
علماء الاجتماع حتى ألتمس فيها مقولات تعبر عن وعي مشابه بأهمية الدور الذي تمثله
الهولوكوست . كنت أبحث عن شيء يثبت أن الهولوكوست تشكل معضلة لعلم الاجتماع
كأحد المجالات المتخصصة وإحدى المنظومات المعرفية الأكاديمية. فإذا قورن جل الإنحاز
الأكاديمي السوسيولوجي بما أنجره المؤرخون وعلماء اللاهوت في هذه القضية؛ فإنه يبدو
وكأنه تدريب جماعي على النسيان والتعامي وقصد الإغفال! وبوجه عام,ء لم تترك
الدروس المستفادة من الهولوكوست سوى أثر ضئيل في الحس السوسيولوجي السليم.
ويشمل ذلك بعض العظات الإيمانية مثل فوائد سيطرة العقل على العواطف. وأفضلية
العقلانية على الأفعال غير العقلانية» أو الصراع المزمن بين متطلبات الكفاءة والميول
الأخلاقية المتشبعة «بالعلاقات الشخصية» . أما الأصوات المعارضة لمثل هذه المقولات
والتفسيرات» فلم تستطع حتى الآن. رغم أنها أصوات قوية ومؤثرة» أن تخترق أسوار
المئؤسسة السوسيولوجية .
إننى لست على دراية بعدد المرات التي استطاع فيها علماء الاجتماع أن يطرحوا نقاشا
جادا لقضية الهولوكوست على الملاأ. ولكن كانت إحدى هذه المناسبات - رغم أنها كانت
على نطاق ضيق - ندوة عقدت عام 191/8 بمعهد (دراسة المشكلات الاجتماعية المعاصرة»
نحت عنوان «المجتمع الغربي بعد الهولوكوست7") »وفيها قدم ريتشارد روبنستين محاولة
واسعة الخيال» وربما انفعالية أكثر من اللازم» لإعادة قراءة بعض أشهر تحليلات ماكس قيبر
لاتجاهات الماجتمع الحديث في ضوء الهولوكوست . وكان روبئستين يأمل أن يكتشف إذا ما
كانت الأشياء التي نعرفهاء ولم يكن فيبر بطبيعة الخال على وعي بهاء كان يمكن التنبؤ بهاء
على الأقل كإمكانية - على يد قيبر وقرائه - استنادًا إلى ما عرفه قيبر وتصوره ونظر له.
91 .مم ,(1978 ,ععم سقط تعلدمم؟ بول<) 11507 آه وستصصد0 عط ,مزءأعمءطي1 .نآ لتقطعتع (1)
1825
ماوع 117 :010101 1) أقتتقء1010! عطا «عاقئة جاع 50 معاي الآ ,(.له) وتعاوع.آ . 1[ ههمدز[ .01 (2)
. (1983 رووععط بللم1
ةط 186073116 زدمثاة
الفصل الأول؛: علم الاجتماع بعد الهولوحكوست
وكان روبنستين يعتقدء أو كان يلمح على الأقل» بأن الإجابة على سؤاله هي بالفعل
انعم». فهو يرى أن عرض قيبر لكل من البيروقراطية الحديثة» والروح العقلانية» ومبدأ
الكفاءة» والعقلية العلمية» وإزاحة القيم إلى مكان بعيد في عالم الذاتية» لم يحمل بين
طياته أية آلية يمكنها أن تقف في وجه التطرف النازي» ولا يوجد في الأنماط المثالية عند 7 يبر
ما يستوجب بالضرورة توضيف أعمال الدولة النازية بأنها متطرفة. على سبيل المثال» «لم
يتعارض أي من الجرائم التي ارتكبها أهل الطب أو حكومة الخبراء الفنيين الألمان مع القول
بأن القيم في أصلها أمور ذاتية» وأن العلم في جوهره أداتي (لهكسمعصستصاكمة) » ومتفصل
عن القيمة (56-ونالة؟) . '١( بيد أن جونيتر روت» أحد أشهر علماء الاجتماع.
والمتخصص الفذ في دراسة أعمال قيبر وتاريخ عائلته» لم يحاول أن يخفي استياءه وقال:
الإنني اخمتلف والبروفيسون:زويئستين كلبة. ولا توجد جملة واحدة في بحثه يمكن أن
أقبلها» . ويبدو أن جونيتر روت قد استشاط غضبًاء وكان يخشى من الضرر الذي يمكن أن
يلحق بسمعة قيبر» ولذا أخذ يُذكّر الحضور بأن قيبر كان ليبراليًا أحب الدستور» وأيد
حقوق الطبقة العاملة في التصويت - وبذلك» ومن المفترض» ألا نستدعي ذكرى هذا
الرجل عند الحديث عن شيء في بشاعة الهولوكوست!
بيد أن جبونيتر روت أحجم عن مواجهة جوهر الافتراض الذي طرحه روبنستين»
وبذلك أضاع فرصة المناقشة الجادة «للعواقب غير المتوقعة» التي تترتب على السطوة المتزايدة
للعقل» وهي سطوة قرنها قيبر بالسمة الرئيسة للحداثة الغربية ووحد بينهماء وأسهم في
تحليلها بأحد أهم الإسهامات السوسيولوجية . لم يستغل جونيتر روت هذه الفرصة كى
يواجه بصراحة الوجه الآخر للرؤى الإدراكية التي ورثناها عن التراث السوسيولوجي
القديم» ولم يستغل الفرضة كى يتأمل إذا ما كان بمقدور تجربتنا المئؤسفة» التي لم يشهدها
قيبر والعلماء القدماء» أن تساعدنا على اكتشاف أشياء في رؤاهم ما كان بمقدورهم أنفسهم
أن يعوا جميع عواقبها إلا على نحو غامض .
13 ) كان لود لطر رية قط الكثر فق بدرغئة لرلذامه سيوع للنغو[ن العريرة:]باتقية تاكن لبور نو يفن
موسوعته عن اليهود واليهودية والصهيونية 2))١9989( كما خصص فصولا كاملة عن أطروحات قيبر في عدد
من أعماله» لاسيما «العلمانية الحزئية والعلمانية الشاملة» (؟5١١5؟)» و«دراسات معرفية فى الحداثة الغربية»)
»)3٠07( إضافة إلى رحلته الفكرية الصادرة عن دار الشروق عام ٠٠١4 المترجم].
1
الحداثت والهولوكوست
لم يكن جونيتر روت عالم الاجتماع الوحيد الذي يتصدى للدفاع عن الحقائق الفارغة
لتراثنا الملشترك على حساب الدليل المضاد الذي يدحض ادعاءات تلك الحقائق . كل ما فى
الأمر أن علماء الاجتماع الآخحرين لم يستفزهم أحد إلى فعل ذلك بمثل هذه الججرأة
والصراحة . وبوجه عام» لسنا بحاجة إلى أن نزعج أنفسنا كعلماء اجتماع بما تكشفه
الهولوكوست في ممارستنا المهنية اليومية . ففي هذه المهنة» لم ننجح في شيء سوى نسيان
الهولوكوست أو وضعها على أرفف «الدراسات المتسخصصة». حيث لا أمل لها في أن
تلحق بركب الاتجاه الرئيس لعلم الاجتماع. وإذا نوقشت الهولوكوست على الإطلاق في
النصوص السوسيولوجية» فهي تظهر على أحسن تقدير كمثال محزن لما يمكن أن تفعله
العدوانية البشرية الغريزية الشرسة؛ ثم تُستخدم كحجة للحض على فضائل ترويض هذه
العدوانية عبر زيادة الجهد الحضاري وطفرة جديدة يقوم بها خبراء حل المشكلات. وفي
أسوأ الأحوال. نتذكر الهولوكوست على أنها تجربة خاصة باليهود» وكأمر يخص اليهود
ومن يكرهونهم - وهذه (اخصخصة» أسهم فيها كثير من المتحدثين الرسميين باسم دولة
إسرائيل بنصيب غير قليل من منطلق اهتمامات غير إسكاتولوجية7١" .
هذا الوضع يبعث على القلق» ليس لأسباب مهنية فحسب أو بالأسباس» رغم ما
ينطوي عليه من إساءة للقوى المعرفية والمجتمعية لعلم الاجتماع . ويزداد هذا القلق عندما
ندرك أنه «طالما أمكن لما حدث أن يحدث على مثل هذا النطاق الواسع في مكان آخرء
فبإمكانه أن يحدث في أي مكانء إنه يقع في حيز الإمكان» ولذا توسع أوشقيتسء شئنا أم
أبيناء أفق الوعي الإنساني بقدر لا يقل أهمية عن هبوط أول إنسان على سطح القمرا"".
وثمة صعوبة شديدة في تخفيف حدة هذا القلق؛ حيث لم تختف الظروف المجتمعية التي
أدت إلى كارثة أوشقيتس ؛ ولم تُتْخذ أية تدابير فعالة تمنع مثل هذه المبادىء والاحتمالات
)١( يشير زيجمونت باومان هنا إلى وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أبا إيبان عندما قال: «مع السيد بيجين
وجماعته؛ كل عدو يصبح «نازيا»» وكل ضربة تصبح «أوشقيتس»» آن لنا أن نقف على أقدامنا نحن» وليس
على أقدام الستة ملايين الذين أزهقت أرواحهم". ويتفق عبد الوهاب المسيري مع باومان» لكنه يبرز أهمية
المصطلحات الاسكاتولوجية مثل مفهوم شعب الله المختار والحلولية اليهودية التي تسبغ القداسة على اليهود»
وهي مصطلحات تعمق عملية التخصيص فتتحول الإبادة من قضية اجتماعية تاريخية إنسانية إلى إشكالية
تستعصي على الفهم الإنساني» وإلى نقطة ميتافيزيقية تتجاوز الزمان والمكان والتاريخ [المترجم] .
143 ,126 . مم ,كتلسلتن) عط دنه أكنتدء1010 عط بأتممممم2 ]ا ع معدا ر2)
م31 .18601311 :دما
الفصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
من إحداث كوارث على شاكلة أوشفيتس . وقد وقف ليو كوبر على هذه الحقيقة قاتلا :
(أدعت الدولة القّطرية ذات السيادة أنه من حقهاء كجزء لا يتجزأ من سيادتهاء أن ترتكب
جرائم الإبادة الجماعية» أو أن ترتكب مذابح إبادة بحق شعوب تحكمهاء خاصة وأن الأم
المتحدة» من الناحية العملية» تدافع عن هذا الحق !100 .
وأحد الأدوار التي بوسع الهولوكوست أن تلعبها في حياتنا بعد زوالها يتمثل في قدرتها
على إضاءة «أوجه أخرى» غيز ملحوظة لمباديء المجتمع التي يقدسها التاريخ الحديث .
وأرى أنه ينبغي التعامل مع تجربة الهولوكوستء بعد أن قتلها المورخون بحثاء على أنها
«معمل» سوسيولوجي . فقد كشفت الهولوكرست سمات مجتمعنا الغربي» وفضحتها في
بيئة (غير بيئة المعمل»» وهي سمات ما كان بإمكاننا أن نكتشفها ونتحقق منها تجريبيا .
وبعبارة أخرىء» أنتوي تناول الهولوكوست على أنها اختبار نادر» له دلالته ومكانته» لما
لدى المجتمع الحديث من إمكانات خفية .
معنى سيرورة التهذيب الحضاري الغربي
أسطورة العلة المَرضيّة المهيمنة على الوعي الذاتي لمجتمعنا الغربي تروي قصة البشرية
وهي تخرج من كهف بربرية ما قبل اجتماعية . كانت هذه الأسطورة مصدر إلهام وشهرة
لعدد من النظريات السوسيولوجية والسرديات التاريخية المؤثرة» وحظيت هي الأخرى في
المقابل بتأييد علمي واسع! وفي الآونة الأخيرة» تجلت الصلة بين هذه الأسطورة
والنظريات السوسيولوجية في الشهرة المفاجئة والنجاح السريع لأطروحة نوربير إلياس عن
«سيرورة التهذيب الحسضاري» (050655 01112108ه) . أما الآراء التي يطرحها أصحاب
النظريات الاجتماعية المعاصرة الأخرى والتي تبرز تزايد العنف العسكرى وإطلاق العنان
في استخدام القهر كأهم سمات الحضارات الحديثة» فأمامها طريق طويل عليها أن تشقه
قبل أن تنجح في إزاحة هذه الأسطورة من الوعي الجماهيرى العام» أو حتى إزاحتها من
المأثورات والأساطير الشعبية المنتشرة بين علماء الاجتماع أنفسهم . والمحاولات التي بذلت
في سبيل إزاحة هذه الأسطورة تتجلى في التحليلات الدقيقة للسيرورات الحضارية
ملقلا نوع ج81 بججعل[ا) الاناكتعن) طاء ناس +1 عطا دز عونا 1[مع6 ناه 5اآ :ع10ء20ه0) ,تعمنذا معنا (1)
1 .م,(1981 رذوعءط باتو حاتملا
310
الحداثت والهولوكوست
المتنوعة» لاسيما الدراسات التاريخية والمقارنة عند ميشيل مان» والدراسات التوفيقية
والنظرية عند أنتوني جيدنز.
لكن العوام يحقرون بوجه عام من شأن أية محاولة للتشكيك في هذه الأسطورة» فهم
يجدون تأييدًا لها من تحالف كبير يضم آراء معتبرة ومستنيرة ذات مرجعيات قوية» ومن
ع
أهمها:
. «رؤية ويج» للتاريخ بوصفه صراعًا مصيريا بين العقل والخرافة -١
. رؤية قيبر للترشيد باعتباره الطريق الأمثل لتحقيق المزيد ببذل القليل -١
“- وعد طب التحليل النفسى بأن يكشف حقيقة الحيوان الذي يسكن داخل الإنسان وبأن
يروضه ويقضي عليه .
5- نبوءة كارل ماركس العظيمة بأن تخضع الحياة والتاريخ لسيطرة كاملة على يد الإنسان
بمجرد التحرر من الوهن الفكري القائم .
4- تصوير نوربير إلياس للتاريخ الحديث على أنه تاريخ استتئصال العنف من الحياة
اليومية .. ناهيك عن الخبراء الذين يطمئنوننا بأن المشكلات الإنسانية تنجم عن سياسات
خطأء. وأن السياسات الصحيحة تعنى استئصال المشكلات . وخلف هذا التحالف»
تقف الدولة الحديثة المكلفة «بأعمال البستنة»» وتتعامل مع المجتمع الذي تحكمه على أنه
بستان يخضع للتخطيط» والفلاحة» ومكافحة الحشائش الضارة وإبادتها(!" .
وانطلاقًا من هذه الأسطورة التي تملكت من الحس السليم لعصرناء لايمكن فهم
الهولوكوست إلا بوصفها عجزا للحضارة عن احتواء النزعات الرضية الطبيعية داخل
)١( صورة «البستنة» بالإنجليزية : (8هنهء1مدع) هي الصورة المجازية المحورية في نقد باومان للحداثة الغربية
والحركة النازية» ويرى كيث تيستر #عاقع1' )لع ك1 ور جد افير اليشمين ,اعمال يارماة: أن هذه الكلمة
سكها إرنست جلئر (1995 -1925) 0611565 820656 . بيد أن هذه الصورة المجازية ظهرت قبل أن يولد جلنر
نفسه بقرن من الزمان تقريبّاء إذ احتفى بها عالم البيولوجيا توماس هنري هكسلي (1875- 1814)» لكن
هكسلي استخدمها في تأكيد الرؤية الهوبزية والداروينية للعالم» بينما استخدمها جلئر وباومان في نقد الفكر
القومي والحداثة الغربية . وقد أشاد عبد الوهاب المسيري بهذه الصورة المجازية في كثير من أعماله؛ لاسيما
«العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة» »)7٠١1( وخصِص لها عدة صفحات ليكشف مقدرتها التفسيرية العالية
في معالحة ظهور الدولة القومية المطلقة ونزعتها الإقصائية [المترجم].
ط// /6 801 مثا
المصل الأول: علم الاجتماع بعد الهوتلوكوست
الإنسان» أي العجز عن إقرار السلوك الإنساني الذي يحكمه العقل والأهداف. فمن
الواضح أن العالم الذي تصوره توماس هوبز لم نُحكم السيطرة عليه تمامّاء وأن المشكلة
التي طرحها لم نجد لها حلاً جذريًا. وبعبارة أخرىء إنتا لم نصل إلى المستوى الحضاري
المطلوب» فسيرورة التهذيب الحضاري لم تتبلور» ولم تكتمل . وإذا كان هناك حمقًا درس
مستفاد من جرائم القتل الجماعي» فهو يتمثل في الوعى بأن منع مثل هذه الجرائم البربرية
مازال يتطلب المزيد من الجهود الحضارية. وهذا الدرس لا ينطوي على أي تشكيك في
الفاعلية المستقبلية لمثل هذه الجهود ونتائجها النهائية! فنحن على يقين بأننا نسير في الاتجاه
الصحيح» وإن كنا نسير بسرعة غير كافية ! ْ
صحيح أن البحث التاريخي قدم صورة كاملة عن الهولوكوست,ء لكن ظهر نموذج
تفسيري بديل يبدو أكثر قبولاً لأنه يرى في الهولوكوست حدنًا يكشف عن ضعف النفس
البشرية في لحظات تختفي فيها كراهية الإنسان للقتل» ونبذ العنف» والخوف من تأنيب
الضمير» وتحمل مسؤولية السلوك غير الأخلاقي . هذه اللحظات تظهر بوضوح عندما
يواجه الإنسان أعظم إنجازات الحضارة: التكنولوجياء والأسس العقلانية للاختيار» وتبعية
الفكر والفعل لما تمليه براجماتية الاقتصاد والقدرة على تحقيق التتائج المطلوبة . فعالم الذئاب
الذي وقعت فيه الهولوكوست لم يخرج إلينا فجأة من قبره الضحل» ولم يحيه اضطراب
الانفعالات غير العقلانية» بل جاء - على نحو مذهل كان سيتبراً منه توماس هوبز بالتأكيد
- في حافلة من إنتاج المصنع » جاء مسلحا بأسلحة لا يكن أن يبتكرها سوى أكثر العلوم
تقدمّاء جاء وهو يسير في طريق رسمته منظومة ثدار على أسس علمية . بالطبع لم تكن
الحضارة الحديثة سببًا كافيًا لوقوع الهولوكوست,. لكنها كانت بكل تأكيد شرطًا ضروريا
لهاء وبدونها لكانت الهولوكوست خارج طوق الفكر. فالعالم العقلاني للحضارة الحديثة
هو الذي جعلها بمكنة : «لم يكن قتل يهود أوروبا على أيدي النازيين نتاجا تكنولوجيا أفرزه
العالم الصناعي فحسبء بل كان نتاجًا تنظيميًا أفرزه المجتمع البيروقراطي أيضً) 17" .
وحسبنا هنا أن نتصور الأسباب التي أخمذ بها النازيون لتكون الهولوكوست جرية فريدة
بين جرائم القتل الجماعي العديدة التي لازمت التقدم التاريخي للبشرية :
لكر د امنووة مان كا عدن لدوم كن رقع دن قل ونه وخر 6 ع1" , وقام مم8 11 طم مك مي 1
148 . مررعلنعمهعت© ,وعلممآ عد مقحم
ا"
الحداثت والهولودكوست
أمدت الدولة إداراتها الحكومية المختلفة بما لديها من خبرة في التخطيط السليم والدقة
البيروقراطية. فمن الجيش» اكتسبت منظومة التذمير دقتها العسكرية» وانضباطهاء
وغلظتها. ومن الصناعة» اكتسبت الحرص الشديد على إعداد الحسابات» والاقتصاد
المفرط في النفقات» وصيانة المنتجات من العطب أو التلف» وكفاءة مراكز القتل التي تشبه
كفاءة المصانع . وأخيراء جاء الحزب السياسي للدولة» وأضفي على المنظومة برمتها نوع
من «المثالية»» وإحساسا «بالرسالة»» وفكرة صناعة التاريخ . . .
واقع الأمر أن المجتمع المنظم كان يؤدي أحد أدواره الخاصة. لقد تورط الجهاز
البيروقراطي الضخم في عبمليات القتل الجماعي على نطاق هائل» لكنه اهتم بمراعاة
الإجراءات البيروقراطية السليمة» والتفاصيل الدقيقة» ودقائق الأمور في التنظيم
البيروقراطي واتباع القانون(27 .
كان «قسم الإدارة والاقتصاد» هو الاسم الرسمي لأحد أقسام المركز الرئيس لفرق
الحرس الخناص المعروفة بالإس إس [51102-5]8461]» وكانت مهمته إبادة اليهود
الأوروبيين» ولذا فإن تسميته أكذوبة إلى حد ماء لكنها تتبع «قواعد الكلام» المعروفة
آنذاك» وهي قواعد وضعت لتضليل من شاهدوا الجرائم دون قصدء ومن اشتركوا فيها
دون عزم. كانت هذه التسمية تريحهم من تأنيب الضمير لأنها كانت تعكس بكل دقة المعنى
التنظيمي للعمل . صحيح أن هذا العمل كان ينطوي على أعمال وضيعة - أو. تحريا للدقة»
على كراهة أخلاقية كبيرة - لكنه لم يختلف بحسب العرف الرسمي المتبع عن كافة أهداف
الممارسات النظامية الأخرى التي كانت الأقسام الاقتصادية والإدارية تضعها وتراقبها
وتشرف عليهاء وهذا هوالمعنى الوحيد الذي يمكن التعبير عنه بلغة البيروقراطية”. بل إن
هذا الهدف الوضيع لا يختلف عن سائر الأنشطة الأخرى الخاضعة للترشيد البيروقراطي»
وهو يتوافق والتحليل الدقيق الذي طرحه قيبر للإدارة الحديثة :
() في كتابها «الهولوكوست والمؤرخون» »)١9/1( ترفض لوسي دافيدوقيتش تشبيه الهولوكوست بحالات القتل
الجماعي الأخرى مثل تدمير هيروشيما ونجازاكي» فهي ترى أن تدميرهما بالقنابل كان الغرض منه إبراز القوة
العسكرية الفائقة التي تمتلكها أمريكاء ولم يكن الهدف إبادة الشعب الياباني. وهذا صحيح» لكن لوسي
دافيدوفيتش تتناسى أن قتل مائتي ألف ياباني كان ينظر إليه (وتم تنفيذه أيضمًا) باعتباره وسيلة مبتغاة وفعالة من
أجل تنفيذ الهدف المرجوء لقد كان هذا القتل بالفعل نتاجا لعقلية الحل العقلاني للمشكلات (المؤلف) .
0ن 611111 ما
الفصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
الدقة» والسرعة» والوضوح» ومعرفة الملفات» والاستمرارية» والحيطة» والوحدة»
والمرؤوسية الصارمة» وتقليل الاحتكاك والمناكفة» وتخفيض التكاليف الشخصية والمادية,
كل هذه الأمور تصل إلى أعلى مستوى من الإتقان في ظل الإدارة البيروقراطية الصارمة
... فاتباع النظام الإداري البيروقراطي يتيح غالبًا أفضل إمكانية لتفعيل مبدأ الوظائف
الإدارية المنتخصصة وفق اعتبارات موضوعية محضة . . . وأداء العمل يعني في المقام
الأول القيام به وفق قواعد محسوبة ودون اعتباز للأشخا ص '١( .
هذا الوصف الذي قدمه قيبر لا يسمح برفض التعريف البيروقراطي للهولوكوست؛
فهو ليس بتمثيل هزلي للحقيقة أو تهكم لاذع .
بيد أن الدور الكبير الذي تلعبه الهولوكوست في فهمنا للعقلنة البيروقراطية الحديثة لا
يقتصر بالأساس على تذكيرنا- وكأننا في حاجة إلى مثل هذا التذكير- بأن الهوس بفكرة
الكفاءة هو مجرد اهتمام شكلي يفتقر إلى البصيرة الأخلاقية . بل إن أهمية هذا الدور لا
تظهر بصورة كاملة بمجرد أن ندرك مدى اعتماد القتل الجماعي غير المسبوق على توفر
مهارات عالية ومتطورة للغاية» ودأب على تقسيم العمل بصورة منظمة ومفرطة في الدقة»
والتزام بطاعة الأوامر» وتوفير للمعلومات بسهولة وانتظام» وتنسيق جيد غير شخصي
للأنشطة المستقلة والمتكاملة. فهذا كله باختصار مجرد مهارات وعادات تنمو وتتطور فى
أفضل صورها في بيئة المكتب؛ لكن الضوء الذي تسلطه الهولوكوست على معرفتنا
بالعقلانية البيروقراطية يحيرنا أشد حيرة عندما ندرك إلى أي مدى كانت فكرة الحل النهائى
للمشكلة اليهودية إحدى نتائج الثقافة البيروقراطية . ١
إننا ندين بالفضل إلى كارل شلوينر”"؟» فهو الذي طرح فكرة «الطريق المتعرج نحو
تصفية يهود أوروبا». هذا الطريق لم تضعه رؤية واحدة لوحش مجنئون» ولم يختره
الزعماء بدافع الأيديولوجية في بداية «حل المشكلة»» بل ظهر شيئًا فشيئناء وكان يؤدي في
كل مرحلة إلى وجهة مختلفة تحددها الظروف عند كل أزمة جديدة تعتترضه» وسار
-عك1 ع عملم د10 تصملممآ) معطء؟؟1 عدوا سوعط ,(. كله) كان أطعن17 .© يع طنرع0 .11 .11 (1)
214,215 .مم ,(1970 ,[دنوط صوع
,28655 111101115 0 اذك تتانا) ماأكتطعكعتسة 10 2020 15515160 عط ,معستعلطاءذ .ذخ أتهكا . 01 (2)
. (1970
5
الحدائن والهولوكوست
النازيون فيه تحت شعار «سنعبر الجسر عندما نصل إليه». هذه الفكرة التي طرحها شلوينر
تمثل أفضل تلخيص لما توصلت إليه المدرسة الوظيفية في تأريخ الهولوكوست - وقد لاقت
هذه الفكرة قبولاً قويًا على حساب أنصار المدرسة القصدية الذين يواجهون صعوبة متزايدة
في الدفاع عن تفسير وحيد ومهيمن للهولوكوست يعزو الإبادة إلى منطق قصدى لدى
هتلرء واتساق غير مسبوق في قوله وفعله.
توصل أنصار المدرسة الوظيفية إلى أن هتلر هو من حدد هدف النازية في «التخلص من
اليهود» والأهم من ذلك إخلاء المجال الحيوى لدولة الرايخ من اليهود»» دون أن يحدد
كيفية تنفيذ الهدف7١2؛ لكن فور تحديد الهدف» سار كل شيء بالضبط كما شرحه قيبر
بكل وضوح عند تحليله للإدارة الحديثة : القتاوجل الاعي النناسى القزية اث موقم (انجد
الهواة» وهو يقف بجانب «الخبير العالم»؛ وأمام المسؤول المحترف الذي يتولي إدارة
الأعمال7'' . لابد من تنفيذ الهدفء أما كيفية التنفيذ فكانت تتوقف على الظروف
والملابسات التي يقدرها الخبراء من حيث إمكاناتها وتكاليف البدائل الأخرى. ولذا كان
تهجير اليهود الألمان هو الخيار الأمثل» والحل العملى الأول لتحقيق هدف هتلر ؛ ذلك لأنه
سيجعل «ألانيا خالية من اليهود). لاسبما |فاكانت الدول.الأخرى أكثر ترحيبًا بهم
وأحسن ضيافة لهم . وعندماتم ضم النمسا إلى ألمانيا الكبرى» نال أدولف آيخمان7" أول
وسام له لما بذله من جهد في إدراة عمليات تهجير يهود النمسا. بيد أن الأراضي الخاضعة
للحكم النازي بدأت تتسع » ووجدت البيروقراطية النازية في بداية الأمر أن الغزو وتوسيع
لمجال الحيوى الاستعماري فرصة كانت تحلم بها من أجل تنفيذ أوامر الزعيم بحذافيرها.
ويبدو أن حكومة الزعيم الهم كانت تستطيع توفير المزبلة اللازمة للتخلص من اليهود
الموجودين في أراضي ألمانيا أو أزض النقاء العرقي .. وخصصت الحكومة النازية مكانا
احتياطيًا منعزلاً لتلك «الولاية اليهودية» المستقبلية قرب نيسكوء أو ما كان يعرف باسم
بولندا الوسطى قبل الغزو. بيد أن البيروقراطية الألمانية المسؤولة عن إدارة المجال الحجيوي
عمط بكواط ]و دوع زواع كلطل] :مملمهم.ط) 51033ق رز أعتتدع0 1ق عط !' ,كنسدكة . 15 اعقطء841 (1)
41 .م,(1987 ,لظلة!
232 .م “تعطاء 1/7 وهاننا عروء ,115تآلا كى طاتيء0 (2)
(") النطق الصحيح للكلمة كما سمعته على مدار سنوات في ألمانيا هو «آيشمان»؛ لكني آثرت استخدام النطق
الشائع منعًا لكل لبس [المترجم].
طاة م /ة 0 أق1. 1660131 دصار
الفصل الأول علم الاجتماع بعد الهولوكوست
البولندي السابق اعترضت على تلك الخطة» حيث كان لديها ما يكفي من المشكلات
الخاصة بالتعامل مع اليهود المحليين. ولذا قضى آيخمان عامًا بأكمله في إعداد «خطة
مدغشقر»7١؟. ومع هزيمة فرنساء أصبح من الممكن تحويل هذه المستعمرة البعيدة إلى
الولاية اليهودية التي لم تفلح إقامتها في أوروبا. بيد أن مشروع مدغشقر كان هو الآخر
محكومًا عليه بالفشل بسبب المسافة الهائلة» وححجم السفن اللازمة لهذا الغرض» إضافة
إلى وجود الأسطول البريطاني في أعالي البحار .قي الوقت نفسه» أخذ المجال الحيوي
الاستعماري في الاتساع» وتزايدت أعداد اليهود الخناضعين للنفوذ الألماني» ويات
١مشروع أوروبا النازية»» وليس «دولة الرايخ الموحدة»» إمكانية واقعية أكثر فأكثر . رويد
رويداء ولكن بلا هوادة» تحول الحلم بتأسيس.دولة الرايخ التي ستدوم ألف عام إلى الحلم
بأوروبا التي ستتخضع للحكم الألماني . عندئذ لم يكن بإمكان الخطة التي كانت تهدف إلى
جعل «ألمانيا خالية من اليهود» إلا أن تواكب الأحداث» وكيا فقينا: وتصور #تدرمعة
للغاية» تحولت الخطة إلى مشروع يطمح إلى جعل «أوروبا خالية من اليهود». ولم يكن
لخطة مثل خطة مدغشقر» رغم إمكانية تنفيذهاء أن ترضي مثل هذه الطموحات الجامحة -
رغم وجود دليل» كما يقول إبرهارد جيكل » يؤكد أنه حتى عام 1154١ » عندما توقع هتلر
هزيمة الاتحاد السوقيتي خلال أسابيع » كان يشار إلى المجال الحيوى الروسي خلف حدود
مدينتي أستراخان وأرخانجاسك على أنه المزبلة النهاتية لجميع اليهود في أوروبا تحت
السيادة الآلمانية . ومع تأخر هزيمة روسياء وإخفاق البدائل المطروحة في التعامل مع المشكلة
المتفاقمة؛ أصدر هاينرش هيملر أوامره في الأول من أكتوبر عام ١94١ بوقف كافة
عمليات الهجرة اليهودية. وظهرت وسيلة أكثر فاعلية في تنفيذ مهمة «التخلص من
اليهود»» وكانت التصفية الجسدية أفضل الوسائل الممكنة والفعالة لتحقيق الغاية الأساسية
والغاية الكبرى الجديدة. ولم يبق في الأمر سوى التنسيق بين الأقسام المختلفة للدولة
البيروقراطية» والتخطيط الدقيق» وتجهيز التكنولوجيا المناسبة والمعدات الفنية» وإعداد
الميزانية» وإحصاء الموارد اللازمة وحشدها. واقع الأمر أن الموضوع كان مجرد إجراء
روتيني بيروقراطي رتيب .
)١( ظهرت فكرة هذا المشروع عام 2١915٠ وكان الهدف منها ترحيل اليهود إلى جزيرة مدغشقر قرب السواحل
الشرقية للقارة الإفريقية [المترجم].
نف
الحداثة والهولوكوست
ولعل أهم الدروس المستفادة من طرح فكرة «الطريق المتعرج إلى أوش7يتس» هو أن
اخختيار التصفية الجسدية لليهود جاء بعد أن نفدت سائر السهام» وأن التصفية الجسدية
بوصفها الوسيلة المثلى للقضاء على اليهود كانت نتاجًا للإجراءات البيروقراطية الروتيئية:
فكانت مجرد عملية حسابية للوسائل والغايات» وتدبير الميزانية» والالتزام الكامل
بالقواعد. وهذه النقطة تحتاج مزيدا من التوضيح» فهذا الاختيار كان نتيجة للمحاولات
الحادة لإيجاد حلول عقلانية لمشكلات متتالية تظهر فى ظروف وملابسات متغيرة. وقد
تاترعدا سيار بابل العمر قراط الخهيوة إلى | زالحة الأهد اق وهذه مضي ستعادة فى
الماك اللإريية ل كإئنة] علد يرو اللا افمجرة وحرو سو ان مكل و راذا مياد
معينة أدى إلى ظهور مبادرات أكثر وتوسع مستمر في الأهداف الأساسية . وهنا أكرر أن
المهارة العالية كشفت عن قوتها الكامنة» وميلها الشديد نحو تطوير الهدف الذيشيبرر
وجودها.
وعليه فإن مجرد وجود مجموعة من الخبراء اليهود أوجد قوة حركية بيروقراطية معينة
وراء السياسة النازية تجاه اليهود . فبينما كانت عمليات الترحيل والقتل الجماعى على
أشدهاء صدرت أوامر رسمية عام ١147 تمنع اليهود الألمان من اقتناء للبوانات الالينة:
ومن حلق رؤوسهم عند الحلاقين الآريبن» ومن الحصول على العلامة الرياضية المميزة
لدولة الرايخ . لم يتطلب ذلك أوامر عليا بقدر ما كان يتطلب مجرد وجود الوظيفة نفسها
للتأكد من أن الخبراء اليهود التزموا بتنفيذ إجراءات التمييز العنصرى17' .
لم تتعارض الهولوكوست في أية مرحلة من المراحل الطويلة المتعرجة التي مرت بها عملية
التنفيذ مع مباديء العقلانية» ولم تتصادم فكرة «الحل النهائي للمسألة اليهودية» مع السعي
العقلاني للتنفيذ الجيذ والفعال للأهداف . بل نشأت هذه الفكرة عن اهتمام عقلاني حقيقي.
وكانت نتاج منظومة بيروقراطية تتوافق معها في الطريقة والهدف. صحيح أنه جرى ارتكاب
مذابح كثيرة» واعتداءات شعبية مدبرة» وجرائم قتل جماعي - وهي أمثلة ليست ببعيدة عن
الإبادة - دون الحاجة إلى البيروقراطية الحديثة أو المهارات والتكنولوجيا التي تمتلكها أو
الأسس العلمية التي تقوم عليها إدارتها الداخلية» لكن الهولوكوست كانت» 55
خارج طوق الفكر دون هذه البيروقراطية؛ لفم تكن الهولوكوست طوفانًا غير عقلاني من
147 .م ,"525 ادوع تتا مسمسصعع 2 ع1" ,عصتم ه820 (1)
011 بد مار
المُصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
بقايا بربرية ما قبل الحداثة التي لم تُستأصل شأفتهاء بل كانت أحد الأبناء الشرعيين في دار
الحداثة» كانت حقًا من هؤلاء الأهل الذين لا يشعر ون بالألفة في أية دار أخرى .
لا أعنى بذلك أن الهولوكوست كانت نتاجًا حتميًا للبيروقراطية الحديثة أو ثقافة
العقلانية الأداتية التي تجسدهاء أو أن البيروقراطية الحديثة لابد وأن تفرز ظواهر مماثلة
للهولوكوست. بل ما أعنيه حقًا هو أن قواعد العقلانية الآأداتية ليس بإمكانها وحدها أن
تمنع مثل هذه الظواهر» فلا يوجد في هذه القواعد العقلانية ما يستبعد الأساليب المنهجية
للهندسة الاجتماعية المشابهة للهولوكوست باعتبارها أساليب غير صحيحة» ولا يوجد في
هذه القواعد ما يستبعد الأفعال التي نتجت عنها باعتبارها أفعالاً غير عقلانية . بل ونحن
نذهب إلى أن الثقافة البيروقراطية تدفعنا إلى أن نرى المجتمع موضوعاا للإدراة» ومجموعة
من المشكلات المتعددة التي لابد من حلهاء أو طبيعة لابد من السيطرة عليها والتحكم فيها
وتطويرها أو إعادة تشكيلهاء أو هدفًا مشروعا للهندشة الاجتماعية . وبوجه عام» تدفعنا
الثقافة البيروقراطية إلى رؤية المجتمع بوصفه بستانًا لابد من تصميمه والحفاظ على روئقه
بالقوة - حيث يتحرك الاتجاه الفكرى في أعمال البستنة إلى تقسيم النباتات إلى «نباتات
نافعة» تستحق العناية و«حشائش ضارة» يجب اقتلاعها . هذه الثقافة هي النموذج السائد
الذي أدى إلى إمكانية التفكير في الهولوكوست. وتطوير مراحلهاء وتنفيذها في هدوء
وسلاسة . ونحن نرى أن روح العقلانية الأداتية ونظامها البيروقراطي المؤسسي الحديث قد
جعلا ابتكار الحلول على طريقة الهولوكوست ليس أمراً مكنا وحسب» بل وأمرا معقولاً
إلى حد كبير . كما نرى أنهما أسهما في زيادة احتمالية اختيار هذه الحلول على نحو يتجاوز
مجرد العلاقة العارضة بقدرة البيروقراطية الحديثة على تنسيق عمل فريق كبير من أفراد
على خلق من أجل تحقيق أية أهداف» لاسيما الأهداف غير الأخلاقية.
الإنتاج الاجتماعي لللاميالاة الأخلاقية
أوجز الدكتور سرقاتيوس» محامي آيخمان في القدس» الحجة الرئيسة في دفاعه عندما
قال: «ارتكب آيخمان أفعالا يكرم المرء على أدائها إذا انتتصرء وتنصب له المشائق إذا
انهزم». وهذه بالتأكيد إحدى أقوى العبارات اللاذعة في القرن العشرين لأنها لا تخفق
مطلقًا في إثارة التفكيرء وهي تبعث برسالة واضحة وبسيطة مفادها أن القوة تصنع الحق .
زف
الحداثت والهولوكوست
بيد أن هناك رسالة أخرى» وإن كانت ليست واضحة بالقدر نفسه؛ رغم أنها لا تقل
سخرية» بل إنها أكثر خطورة» وهي أن آيخمان لم يفعل شيئًا يختلف اختلاقًا جوهريًا عما
فعله المتتصرون. فالأفعال ليس لها قيمة أخلاقية جوهرية» كما أنها ليست غير أخلاقية في
حد ذاتها. فالتقييم الأخلاقي خارج لعبة الفعل نفسه» وهو يتحدد وفق معايير غير تلك
التي تقود الفعل وتشكله .
إن رسالة الدكتور سرقاتيوس جد خطيرة . فإذا جردناها من سياقهاء ودرسناها دراسة
عامة وموضوعية» نجدها لا تختلف جوهريًا عما يقوله علم الاجتماع منذ زمن بعيد. إنها
لا تختلف في واقع الآمر عن إدراكنا لمجتمعنا العقلاني الحديث» ذلك الإدراك الذي قلما
يخضع للنقد والمراجعة . وهذا هو بالضبط السبب الذي يجعلها رسالة مؤلمة» فهي تكشف
بوضوح حقيقة ُفضل السكوت عنها؛ وطالما يوجد قبول للحقيقة العامة على أنها بديهية
وواضحة» فلا يوجد أية طريقة سوسيولوجية مشروعة تّحول دون تكرار ما فعله آيخمان.
وكما يعلم الجميع الآن» فشلت كافة المحاولات التي تفسر الهولوكوست بأنها إحدى
الفظائع التي ارتكبها مجموعة من المجرمين» والساديين» والمعتوهين» ومعدومي الضمير
والأخلاق» فلم نعثر على دليل يثشبت هذه الادعاءات من وقائع القضية» بل إن البحث
التاريخي أكد الفشل الكامل لهذه الادعاءات والتفسيرات. ويوجز الباحثان جورج كرين
وليون رابوبرت التغير الحالي في التفسير التاريخي كما يلي :
#وفق المعايبر الإكلينيكية التقليدية» لا يمكن اعتبار أكثر من عشرة بالمئة من فرق اللإس
إس «حالات شاذة غير سوية. » وهذه الملاحظة تتوافق والاتجاه العام لشهادات الناجين
الذين أشاروا إلى أنه كان يوجد في معظم المعسكرات فرد أو بضعة أفراد من فرق الإس إس
يتسمون بالهياج الوحشي السادي . ولا يعني ذلك أن الباقين كانوا دوم أناسًا محترمين»
ولكن سلوكهم كان على أقل تقدير مفهوما للسجناء؟ .
ونحن نذهب إلى أن أغلب أفراد الإس إس. والضباط والجنود. كان بمقدورهمء
وبكل سهولة؛ اجتياز كافة الاختبارات النفسية المعتادة للقوات التى تلتحق بالجيش
الأمروكي ا رشرظلة عدون كا نايس لبر ك0 ١
7/0 .م ,51515 ) 41 تله أكنادء 25010 عط'!' ,تتمممممة] ل معك1 (1)
171.1 مثا
الفْصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
هذا التفسير يبعث على القلق الأخلاقي» فمعظم من شاركوا في الإبادة كانوا أناسا
أسوياء لهم القدرة على اجتياز أي اختبار نفسي بسهولة مهما كانت صعوبته . وهذا أمر
يبعث على الحيرة على المستوى النظري أيضمّاء لاسيما عندما نراه يلتحم ب«الحالة الطبيعية)
لتلك الهياكل التنظيمية التي تست أفعال هؤلاء الأفراد الأسوياء في عملية الإبادة. ونحن
نعلم علم اليقين أن المؤسسات المسؤولة عن الهولوكوست,» حتى وإن ثبت أنها إجرامية؛
لم تكن مؤسسات مَرَضِيَة أوغير سوية بالمعنى السوسيولوجي الصحيح . والآن نرى أن
الأفراد الذين خضعت أفعالهم لأسس ونظم إدارية لم ينحرفوا عن المقاييس المعروفة للحالة
الطبيعية. ولذا لم يبق لنا خيار سوى أن نستعين بهذا التفسير التاريخي الجديد» وأن ندقق
النظر في النماذج الطبيعية للفعل العقلاني الحديث» وهي غماذج نزعم أننا استوعبناها تماما .
ونأمل بذلك أن نكشف النقاب عن الإمكانية الخفية التي ظهرت للعيان وآثارت المفاجآت
في زمن الهولوكوست .
إن أصعب مشكلة واجهها مبتكرو فكرة «الحل النهائي»؛ وتمكنوا من حلها ببراعة»
وصفتها هانا أرينت في عبارة شهيرة بأنها «كيفية القضاء على الرأفة الحيوانية التي يتأثر بها
كافة البشر الأسوياء عندما يشاهدون الإيذاء الجمسدي”7١2. إننا نعلم أن القتلة الذين شاركوا
بصورة مباشرة في عمليات القتل الجماعي لم يكونوا ساديين شواذ أو متعصبين متطرفين .
وبإمكاننا أن نفترض أنه كان لديهم النفور الإنساني الغريزي من الإيذاء الجمسدى والتنكيل
بالآخرين» بل كانوا يؤمنون بالتحريم العام لقتل النفس . إننا نعلم أيضاء على سبيل المثال»
أنه عندما انضمت إلى القتال وحدات المهام الخاصة «آينزتسجروين؟ (81110260 22 قمذ8)
وغيرها من الوحدات الأخرى التى كانت على مسافة قريبة من ساحة عمليات القتل» كان
تاك تسر مين هد دقان المخلس من كاف الأدراد لوي اللمية التفديلةه زالاممالنة
المشحونة والحماس الأيديولوجي المفرط» وذلك بالمنع أو بالطرد من الخدمة . كما نعلم أن
المبادرات الشخصية لم تلق قبولاً» وأن جهدا كبيرا قد بذل حتى يتم تنفيذ المهمة برمتها في
إطار عملي وغير شخصي تّامًا. ولذا خخضعت المصالح والدوافع الشخصية بشكل عام
للرقابة والعقاب؛ ولذا فإن من كان يرتكب جرائم القتل التي تتحكم فيها الأهواء
م8 للوظ أن واتلفصدظ عطا ده أعممعه 2 تسملدستول صذ ممفيسطءةظ ,الدعية تلمصمذكة (1)
106 . م,(1964 ,رؤووعرظ عمكلك7؟ :عملا
37/6
الحداثيّ والهولوكوست
والرغبات» بخلاف الجرائم المنظمة تنفيذا للأوامرء كان يتعرض للمحاكمة والإدانة على
أقل تقديرء تماما مثل القتل العمد أو القتل الخطأ. وقد عبر هاينرش هيملر في أكثر من
مناسبة عن حرصه الشديد» الحقيقي في أغلب الظن» على الحفاظ على الاتزان العقلي
والالتزام بالمعايير الأخلاقية لمرؤوسيه الذين كانوا يتعهدون كل يوم بمهام غير إنسانية . وكان
هيملر يفتخر ويؤمن بأن الصحة العقلية والأخلاقية لمرؤوسيه كانت سليمة تمامًا. ولنعود
مرة أخرى إلى ما تقوله هانا أرينت : «من منطلق الموضوعية والحيدة» تبرأت فرق «الإس
إس» من الشخصيات «الانفعالية» مثل يوليوس شترايشرء ذلك «الأحمق الذي لم يدرك
الواقع"١؛ وأيضًا من بعض الشخصيات المهمة في «الحزب التيوتوني الجرماني» من كانوا
يتصرفون وكأنهم مخلوقون من طينة آخرى)70'؟2. لقد اعتمدت قيادات فرق «الإس إس»
على الروتين التنظيمي والانضباط» وليس على الحماس الشخصي والولاء الأيديولوجي»
وكان الإخلاص للمؤسسة هو الذي يكفل التفاني في تنفيذ المهام الملطخة بالدماء .
لم يكن من الممكن طرح فكرة «القضاء على الرأفة الحبوانية» وتنفيذها عن طريق إطلاق
العنان للغرائز الحيوانية الدنيئة لأنها كانت ستفشل في أغلب الظن عند مقارنتها بإمكانات
العمل التنظيمي» وما كانت كثرة القتلة الهائجين لتضاهي فاعلية البيرقراطية المنضبطة ذات
التنسيق الصارم . ولم يكن من الواضح آنذاك على الإطلاق إذا ما كان يمكن الاعتماد على
غرائز القتل والبطش لدى كل تلك الآلاف من الموظفين البسطاء والمتخصصين الذين لابد
وأنهم قد تورطوا في الجريمة في ضوء حجمها الهائل في المراحل الإجرائية المختلفة. يقول
هيلبرج :
لم يكن الحناة الألمان نوعنا خاصا من الألمان. . . إننا نعلم أن طبيعة التخطيط الإدراي»
وهيكل السلطة» ونظام الميزانية أموز تمنع الانتقاء والتدريب الخاص للموظفين. فأي عنصر
من عناصر شرطة النظام كان يمكن أن يعمل حارسًا في أحد الأحياء اليهودية أو أحد
(1) يوليوس تسترايشر (1886 -1445) 5©لءة»86 ونائانال» أحد أركان النظام النازي» ومؤسس جريدة
«المهاجم» 505115065 1061. لعبت جريدته دور بارزًا في آلة الدعاية النازية المعادية لليهودء وكان شعارها
«اليهود مصيبتنا» كلءنااعم[آ عتعىمنا 0دزة معله1 عنط).؛ أما الصورة المجازية المحورية التي استخدمها
شترايشر لإبراز خطورة اليهود في المجتمع الألماني فهي «عيش الغراب الجذاب المميت» [المترجم] .
. 69 . هر م216 سناع آل قل لتلتقسطء1ك؟ ,الوععة (2)
011/3 دما
المّصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
القطارات» وأي ممحام في المكتب الرئيس لأمن دولة الرايخ كان يفترض أنه يصلح للقيادة
في وحدات القتل المتنقلة» وأي خبير مالي في المكتب الرئيس للإدارة والاقتصاد كان
يصلح للخدمة في أحد معسكرات الموت . بعبارة أخرى, كان بإمكان أي من الموظفين
الموجودين تنفيذ كافة العمليات الإجرائية المطلوبة7' .
فكيف تّحول الألمان الأسوياء إلى جناة في جريمة كبرى؟ هذا السؤال أجاب عنه هربرت
كلمان7؟2 عندما قال إن الوازع الأخلاقي ضد الفظائع العدوانية يميل إلى الاختفاء بمجرد
تحقق ثلاثة شروط» جميعا أو فرادى :
-١ تفويض استخدام العنف من خلال الأوامر الرسمية الصادرة عن الجهات القانونية
المعنية .
؟- تنميط العمل عبر الممارسات النظامية المنضبطة والتوزيع الدقيق للأدوار.
*- تجريد ضحايا العنف من الصفات الإنسانية بواسطة التعريفات والمذاهب الأيديولوجية .
وسنخصص مساحة خاصة لتناول الشرط الثالث . أما الشرطان الأول والثاني فيبدو أنهما
أصضيتها شر ظينٌ نيهي : وقد تناولناهما باستفاضة عند معالجتنا لمباديء الفعل العقلاني
التي التزمت بها أعرق مؤسسات المجتمع الحديث التزامًا مطلقًا .
المبدأ الأول الذي يهمنا بكل وضوح هو الانضباط المؤسسيء أي ضرورة الالتزام بأوامر
الرؤساء إلى حد استبعاد كافة الدوافع والمؤثرات الأخرى للفعل» إضافة إلى وضع الإخلااص
للمؤسسة ونجماحهافوق كافة الاعتبارات والواجبات الأخرى. وتعد وجهات النظر والميول
الشخصية من أبرز المؤثرات الخارجية التي تتدخل في روح الولاء للمؤسسة:» ولذا من
الواجب استبعادها والقضاء عليها. وبذلك يصبح الانضباط المثالي هو التماهي الكلي مع
المئؤسسةء وهذا لا يعني أي شيء سوئى الاستعداد لمحو إنسانية الإنسان» ومحو هويته من
الوجودء والتضحية بدوافعه الشخصية التي تتعارض وأهداف المؤسسة . والأيديولوجية
المؤسسية ترى الاستعداد لمثل هذا النوع المتطرف من التضحية بالنفس فضيلة أخلاقية تلغي
1011 ,193ل شفعتروعياك1 عط 06 دوتع داوع عط] رمد 11115 (1)
-15 لق501 08 لقتناو[ ,”اتلد نامع 1 لمعنه11 الامطات؟ ععصع 711" الممصساع؟1 , ل امعطع8 . 01 (2)
29-61 .مم ,(1973) 29 .801 ,روعناة
0
الحداثت والهولوكوست
كافة الأوامر الأخلاقية الأخرى . ويصبح التمسك بهذه الفضيلة شرف الموظف, أو كما قال
قيبر في عبارته الشهيرة: «شرف الموظف في قدرته على تنفيذ أوامر السلطات العليا بكل
إخلاص كما لو كانت الأوامر تنوافق وقناعته العقلية» ولا يختلف الأمر إذا وجد الموظف
الأوامر غير سليمة» أو إذا أصرت السلطات على الأوامر رغم اعتراضه عليها. «والموظف
يرى في تنفيذه للأوامر «أعلى درجات الانضباط الأخلاقي وإنكار الذات2172. وبذلك أصبح
نزع الشرعية عن كل ما يخالف القواعد التنظيمية الداخلية كمرجعية للصواب وحماية له هو
أسمى الفضائل الأخلاقية» رغم ما ينطوي عليه ذلك من إنكار لمرجعية الضمير الإنساني .
كما أن إصرار رئيس العمل على أنه هو وحده المسؤول عن أعمال مرؤوسيه - طالما أنهم
ينفذون أوامره - يوازن المتاعب الناجمة عن بمارسة مثل هذه الفضائل في بعض الأوقات . إن
مفهوم قيبر عن شرف الموظف يؤكد بشدة «#المسؤولية الشخصية الكاملة» للقائد» وهي
«مسؤولية لا يمكن» ولا يجب, أن يتنصل منها أو يلقي بها على غيرة». وقد استحضر أوتو
أوهلندورف هذا المعنى للمسؤولية بدقة عندما طلب إليه أثناء محاكمة نورمبرج أن يفسر عدم
رفضه قيادة وحدات المهام الخاصة رغم أنه هو شخصيًا كان يستنكر جرائمها. لقد أدرك
أوهلندورف أنه لو كشف ما حدث حتى يتبرأ من مسؤولية ارتكاب الجرائم التي قال إنه كان
يستنكرهاء «لوقع الاتهام ظلمًا» على مرؤوسيه. ويظهر أنه كان يتوقع أن المسؤولية الأبوية
نفسها التي التزم بها تجاه مرؤوسيه كان سيلتزم بها رؤساؤه تجاهه؛. وهذا ما صرفه عن هموم
الانشغال بالتقييم الأخلاقي لأفعاله».وهي هموم كان بوسعه أن يتركها لمن أصدروا إليه
الأوامر. يقول أوهلندورف: «لا أعتقد أني في وضع يسمح لي بأن أحكم إذا ما كانت
الإجراءات . . . أخلاقية أو غير أخلاقية . . . فأنا أخضع ضميري الأخلاقي إلى حقيقة
واحدة. وهي أنني كنت جندي » وأنني كنت مجرد ترس بسيط في آلة ضخمة)(1 .
إذا كان الملك ميداس استطاع أن يحول كل شيء يلمسه إلى ذهب. فإن الإدارة المسؤولة
عن فرق الإس إس استطاعت أن تحول كل شيء يقع في نطاقهاء بما في ذلك الضحاياء إلى
جزء متمم من سلسلة الأوامر» وإلى منطقة تخضع إلى قواعد الانضباط الصارم دون أن
95 . مرععطءع/ا! دولا سروع! , مانلا ؟ طتروعي (1)
ااا د غه تالتناعع5 لأمسمم لكوك 10 أمععط !1 ع للأمخوطة" ,عتاه 71 أروط30] رعاقة 000160 (2)
. 64 .م,(1980 لالتتل 450 . مو ككطقطة آه دلممم ,”22220102 210 ععوع ع1
0113 دما
العّصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
تصغي إلى صوت الضمير الأخلاقي. فكانت الإبادة عملية مركبة اشتملت» كما يؤكد
هيلبرج » على جرائم ارتكبها الألمان وأخرى ارتكبها الضحايا اليهود أنفسهم تنفيذًا لأوامر
ألمانية اقترنت في أغلب الأحيان بالطاعة العمياء . وهنا يكمن التفوق التقني الأداتي
العقلاني للقتل الجماعي على حالات الهياج الانفعالي للقتل المزاجي العشوائي . ورغم أن
تعاون الضحايا مع المجرمين أمر لا يمكن تخيله» فقد كان جزء] من خطة التعاون مع
مسؤولي فرق الإس إس» وشرطًا مهما لنجاحها: «اعتمد جزء كبير من العملية كلها على
تورط الجماعات اليهودية في الأعمال البسيطة على المستوى الفردي وعلى مستوى النشاط
المنظم للمجالس اليهودية . . . إذ لجأ رؤساء العمل الألمان إلى المجالس اليهودية من أجل
الحصول على المعلومات والمال والعمل وأفراد الشرطة» ولقد زودتهم المجالس اليهودية
بكل هذه الوسائل ليلا ونهار». هذا النجاح المذهل لقواعد السلوك البيروقراطي وصل
إلى ذروته من خلال عدم الاعتراف بأي ولاء بديل أو أي وازع أخلاقي آخرء وشمل نجاح
السلوك البيروقراطي الضحايا أنفسهم عبر توظيف مهاراتهم وجهدهم في حفر قبورهم
بأنفسهم . وقد تحقق هذا النجاح - مثلما تحقق في الأنشطة المعتادة لكل نظام بيروقراطي
آخر» سواء كان سيئًا أو صا ًا - من خلال عملية ذات شقين. يتمثل الشق الأول في
تخطيط بنية الجيتو تخطيطًا جيداء بحيث تصبح كافة أعمال الرؤساء والمرؤوسين أعمالاً
«وظيفية» موضوعية تخدم الأهداف الألمانية: «فكان كل شىء تم تصميمه للحفاظ على
حيوية الجيتو وبقائه يخدم هدقًا ألمانيًا. . . وبذلك كانت الكفاءة اليهودية في تنظيم معيشة
سكان الجيتو امتدادا للكفاءة الألمانية» كما كانت الغلظة اليهودية في فرض الضرائب
واستغلال العمالة تكريسا لغلظة الإلزام الألمانية» حتى نظافة اليد اليهودية كان من الممكن
أن تكون أداة في يد الإدارة الألمانية . » أما الشى الثاني فكان يتمثل في توخي الحذر بشدة في
كل مرحلة من مراحل الطريق» فكانت تُوضع الضحايا في موضع اختيار يتوافق والمعايير
العقلانية أو الفعل العقلاني» وفي موضع اختيار يتطابق فيه القرار العقلاني و«الخطة
الإدارية». وقد «حقق الألمان نجاحًا ملحوظًا عندما قاموا بترحيل اليهود على مراحل لأنهم
أدركوا أن كل يهودي ينتظر دوره في الترحيل سَيِحَكّم عقله» ويسلم بأنه لابد من التضحية
بالقليل من إخوانه لإنقاذ الكثيرين72١. بل إن الذين تم ترحيلهم كان لديهم الفرصة في
. 1042 ,1036-8 . درم ,ومع ل 102076233 عط 0 سوتاء سسادء2 عط ,م1151 (1)
كا
الحداثت والهولومكوست
واقع الأمر لتوظيف عقلانيتهم للغاية نفسهاء أماغرف الغاز التي كانت تسمى تضليلاً
الأدشاش» فكانت ملاذًا كريًا بعد معاناة لعدة أيام في عربات الحيوانات القذرة المزدحمة .
أما الذين أدركوا الحقيقة» ولم تسيطر عليهم أية أوهام» فكان لا يزال لديهم الاختيار بين
موت «سريع غير مؤلم» وموت تسبقه آلام أخرى أعدت لمن لا يؤدون فروض الولاء
والطاعة. ولم يقتصر الأمر على الاستفادة من المظاهر الخارجية لبنية الجيتو المفروضة على
الضحايا لتكون امتدادا لآلة سفك الدماء» بلتم توظيف القدرات العقلانية اللموظفين» في
استخراج سلوك مستمد من فكرة التعاون والولاء لأهداف بيروقراطية محددة .
الانتاج الاجتماعي للعمى الأخلاقي
حتى الآن» حاولنا إعادة صياغة الآلية الاجتماعية الخاصة بمقولة «القضاء على الرأفة
الحيوانية»» أي الآلية الاجتماعية لخلق سلوك لا يتوافق والوازع الأخلاقي الفطري» وهى
آلية تُحول أفراد لا يتسمون بالفساد الأخلاقي بأي حال من الأحوال إلى قتلة أو شركاء عن
وعى في جرائم قتل . بيد أن الهولوكوست تكشف عن آلية اجتماعية أخرى تنطوي على
إمكانية أكثر شراء ومن خلالها يتورط في عملية الإبادة عدد أكبر من أفراد لم يواجهوا على
الإطلاق أية صعوبة في الاخمتيار الأخلاقي. أو في منع تأنيب الضمير أثناء ارتكاب
الجريمة . ففكرة الصراع حول القضايا الأخلاقية لم يكن لها وجود على الإطلاق» إما لأن
الأبعاد الأخلاقية للفعل لم تكن واضحة بصورة مباشرة» أو لأن اكتشافها ومناقشتها قد
متعاعن عمد؛ فالسمة الأخلاقية للفعل كانت غير واضحة أو محجوبة عن عمد.
ولنعد مرة أخرى إلى كلام هيلبرج : «لابد أن نضع في الاعتبار أن معظم المسؤولين
عن الإبادة لم يطلقوا النيران على الأطفال اليهود» ولم يلقوا الغاز في غرف الغاز. . .
فمعظم البيروقراطيين يعدون التقازير والمذكرات» ويضعون الخطط» ويتحدثون عبر
الهاتف» ويشاركون في المؤتمرات . إنهم يستطيعون أن يدمروا شعبًا بأكمله دون أن
يتحركوامن مكاتبهم72١2. ولو أنهم كانوا يدركون المحصلة النهائية لهذا الانهماك
الوظيفي الذي لا يبدو في ظاهره أي ضررهء لظل هذا الإدراك في أفضل الأحوال سرا
مكتومًا في صدورهم . كان من الصعب عليهم رصد أية علاقات سببية بين ما يقومون به
. 1024 . م , 5”اع لل لتوع و 0طتاظا معطا 01 ملاع ب طدع2آ1 عط 1 روره11115 (1)
1 60731.16 / دما
الفصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
وبين جرائم القتل الجماعي» ولم يكن الميل الإنساني الطبيعي لتجنب القلق المفرط وعدم
الاكتراث بالمسلسل الطويل للأحداث وتطورها عيبًا أخلاقيًا . ولكى نفهم كيف كان هذا
العمى الأخلاقي الفظيع أمرا تمكثاء علينا أن نتخيل عمالاً يعملون في مصنع أسلحة وقد
ترا بيغا اه عبكمه يعون اسمراز عدي فى ليت القدام؟- وهم في
الوقت نفسه ينوحون بكل أسى على المذابح التي يرتكبها الإثيوبيون والإريتريون ضد
بعضهم البعض . علينا أن نتصور كيف أن «انخفاض أسعار السلع» يزف إلى العالم
بشرى سارة» وفي الوقت نفسه. وبالقدر نفسهء يتحسر العالم بكل أسى على موت
الأطفال الأفارقة جوعا)» .
طرح جون لاكس منذ بضعة سنوات مفهوم «وساطة الفعل»» بمعنى قيام شخص آخر أو
شخص وسيط بأفعال تَحُصني» فيقف حائلاً بيني وبين أفعالي» بحيث يستحيل أن تقع
الأفعال في إطار تجربتي بصورة مباشرة. ورأى لاكس أن هذه الظاهرة هي إحدى أبرز
السمات الرئيسة للمجتمع الحديث . فهناك مسافة كبيرة بين النوايا والتنفيذ» إذ يفصل
بينهما عدد هائل من الأفعال الدقيقة والوسطاء؛ مما يجعل «الفاعل الوسيط» يحجب نتائج
الفعل عن فاعل الفعل .
ينجم عن كل ذلك مجموعة كبيرة من الأفعال يقوم بها الإنسان دون وعى» ويرى
الشخص الذي نفذت الأفعال نيابة عنه أنها محض خيال أو كلام فحسبء وهولن
يعترف بها لأنه لم يفعلها بنفسه . أما الشخص الذي قام بها في الواقع» فسيراها دائمًا
باعتبارها أفعال شخص آخر» وسوف يرى نفسه مجرد أداة بريئة تخضع إلى إرادة غير
إرادته .
يترتب على انعدام مباشرة الفاعل لأفعاله التحرك في فراغ أخلاقي حتى وإن كان
الفاعل أحسن الناس خلقًا. فالإدراك النظري المجرد للشر ليس هاديًا مرشدا أو دافعًا
كافيًا. . ولاغرابة أن أناس صالحين يصدر عنهم سلوكيات وحشية قاسية أغلبها عن غير
عمدء بل تكمن الغرابة في أننا لا نعجز عن إدراك الأفعال الخطأ أو حالات الظلم الشديد
عندما نراها أمام أعيننا. إن ما يثير دهشتنا هو كيف أنها حدثت ولم يقترف أي منا ظلمًا
بحق أحد . . . من الصعب أن نقبل بأنه لا يوجد في الغالب شخص أو مجموعة قامت
الم
الحداثيّ والهولوكوست
بالتخطيط لها أو تسببت في وجودها. والأصعب من ذلك أن نرى كيف أن أفعالناء من
خلال أثرها البعيد تتسبب في عذاب الآخرين وشقائهب7(! .
عندما تزداد المسافة الفيزيائية أو النفسية» أو كلاهماء بين الفعل والعواقب المترتبة
عليه يحدث تعليق للوازع الأخلاقي» بل تنلاشى القيمة الأخلاقية للفعل» وتختفي كافة
ألوان الصراع بين فكرة مكارم الأخلاق وانعدام أخلاقية العواقب الاجتماعية للفعل . وهنا
يتوارى الصراع الأخلاقي ويختفي» وقلما توجد فرصة للمراجعة والاختيار الأخملاقي
الواعي طاما أن أغلب الأفعال الاجتماعية المهمة تتم عبر سلسلة طويلة من التبعية الوظيفية
السببية المعقدة .
ثمة أثر مشابه على قدر مماثل من الأهمية» وأعني بذلك الإخفاء النفسي للضحايا
أنفسهم » وهو بكل تأكيد أحد العوامل الحاسمة المسؤولة عن تصاعد الخسائر البشرية في
الحرب الحديثة . ويرى فيليب كابوتو أن مسألة الحرب «تبدو مسألة مسافة وتكنولوجيا.
إنك لا يمكن أن تفشل أبدا إذا قتلت الناس عن بعد باستخدام أسلحة متطورة»!؟2 فمن
خلال القتل «عن بعد » قد تظل العلاقة بين القتل والأفعال البريئة مجرد فكرة نظرية بحتة»
لاسيما الأفعال التي تقتصر على سحب الزناد أو تشغيل التيار الكهربي أو الضغط على زر
لوحة مفاتيح الحاسب الآلي. هذا الأمر يؤكده انعدام التوازن بين العواقب والسبب
المباشر» وهو يتحدى بوضوح الفهم المترسخ في التجربة العامة . وعليه أصبح من الممكن
أن يقوم طيار بإلقاء قنبلة على هيروشيما أو دريسدن, وأن نتفوق في أداء المهام التي توكل
إلينا في قاعدة صواريخ موجهة» وأن نبتكر أنواعا أكثر تدميرية من الرؤوس النووية» كل
ذلك دون قدح للاستقامة الأخلاقية أو الاقتراب من حافة الانهيار الأخلاقي - لقد كان
عدم رؤية الضحايا عاملاً مهما أيضًا في التجارب الفظيعة التي أجراها ميلجرام . فإذا
وضعنا ما يحدثه خفاء الضحايا في الاعتبار» لن يستعصي علينا فهم التحولات المتتالية في
تكنولوجيا الهولوكوست . ففي مرحلة الاستعانة بوحدات المهام الخاصة» كان الضحايا
يساقون إلى المدافع الرشاشة» ويطلق عليهم النار على مدى مباشر. ورغم المحاولات التي
ركعاوع مدآ بممنطعص8) جاع لع 50 35400 د لمسلتجتلس1 11187 1 10001111
12-8 .22 ,(1981
. 229 .م,(1977 ردماكمةالا ع امقطعمتظا ,عامط عتروك؟ بوع]8) عجه؟ ]0 “تام مسسخل ث ,مغنامه0 متلتطط (2)
011/3 دما
الفصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
بذلت من أجل إبعاد الأسلحة لأكبر مسافة بمكنة عن الخنادق التي كان تسقط فيها القتلى»
كان القتلة يواجهون صعوبة بالغة في تجاهل العلاقة بين إطلاق الرصاص والقتل . ولذلك
رأى المسؤولون عن الإبادة أن هذا الأسلوب بدائي» ويعوزه الكفاءة» ويمثل خطراً على
الروح المعنوية للجنود. ولذا عكفوا على البحث عن أساليب بديلة تَحول دون رؤية القتلة
للضحايا. وقد تحقق مرادهم» وتوصلوا إلى اختراع غرف الغاز المتنقلة» ثم غرف الغاز
الثابتة» وهي أعظم اختراع ابتكره النازيون آنذاك لأنها اختزلت دور القاتل إلى دور «عامل
الصحة العامة» الذي يعهد إليه تفريغ كيس من «المواد الكيميائية المعقمة» من خلال فتحة في
سقف مبنى دون أن يزوره أبدا .
يعزى النجاح الإداري والفني للهولوكوست في جانب منه إلى الاستخدام الجيد لم
يسمى «أقراص النوم الأخلاقي». وهي أقراص وفرتها البيروقراطية والتكنولوجيا الحديثة»
وكان أشهرها الإخفاء الطبيعي للعلاقات السببية في نظام معقد للتفاعل وإخفاء النتائج
الأخلاقية البشعة بحيث لا يستطيع الفاعل رؤيتها. بيد أن النازيين تميزوا في استخدام
طريقة ثالئة ليست من ابتكارهم هي الأخرى». لكنهم طوروها إلى درجة لم يسبق لها
مثيل » وأعني بذلك إخفاء إنسانية الضحايا .
طرحت الباحثة هلن فاين مفهوم «عالم الالتزام»» وهو عبارة عن جماعة من الناس
تربطهم التزامات متبادلة لحماية بعضهم البعض» وتوحدهم مرجعية مقدسة أو إله
مقاايد 200 هذا المفهوم أسهم كثيرا في إبراز العوامل الاجتماعية والنفسية القابعة وراء
الفاعلية المفزعة الناجمة عن إخفاء إنسانية الضحاياء ويشير «عالم الالتزام» إلى الحدود
الخارجية للفضاء الاجتماعي الذي تطرح فيه القضايا الأخلاقية بأي شكل وبأي معنى .
وخارج هذا العالم» لا تكون الوصايا الأخلاقية ملزمة» ولا يقام وزن للتقييم الأخلاقي»
ولا يبقى سوى طرد الضحايا من عالم الالتزام حتى يتسنى إخفاء إنسانيتهم .
إن الرؤية النازية للعالم تنظلق من قيمة سامية فريدة ووحيدة هي حقوق الأمة الألمانية»
وهذه الرؤية تستوجب حرمان اليهود من انتمائهم للأمة الألمانية ومجتمع الدولة حتى
يتسنى استبعادهم من عالم الالتزام. ويصف هيلبرج هذه المصيبة في عبارات لاذعة
4 .م بك مس0 «0ة وستكسدمععة ,صل6؟ (1)
,م
الحداثت والهولوكوست
وموجعة: «في أوائل عام ١977 تحدد مصير اليهود الأوروبيين عندما كتب أول موظف
أول تعريف في القانون الحكومي للشخص الذي «لا يتدمي إلى الجنس الآري70١2. لكن
ضمان تعاون الأوروبيين غير الألمان» أو حتى مجرد اللامبالاة والصمت من جانبهم» كان
يحتاج أكثر من ذلك . فإذا كان سلخ اليهود من هويتهم الألمانية يبدو أمرا كافيًا لفرق الإس
إس الألمانية» فإنه لم يكن كافيًا بشكل واضح للأم التي لم تجد أسبابًا تجعلها تخشى
إدعاءهم باحتكار الفضيلة الإنسانية وتحتقره» حتى وإن استهوت هذه الأم أفكار حكام
أوروبا الجدد. وماإن تحول الهدف من مجرد جعل «ألمانيا خالية من اليهود» إلى مشروع
يطمح إلى جعل (أوروبا خالية من اليهود؛ , كان لابد من طرد اليهود واقتلاعهم من الأمة
الألمانية عبر نزع صفاتهم الإنسانية كُلَّيةٌ. ومن ثمء ظهرت عبارة هانز فرانك المفضلة
«اليهود والقمل»» وهي تشير إلى تغير في البلاغة يعكس تحويل المسألة اليهودية من سياق
الدفاع العرقي عن النفس إلى الخطاب اللغوي الذيقيبرز «النظافة الشخصية» و «الصحة
السياسية العامة». ناهيك عن ملصقات جدران الأحياء اليهودية وتحذيراتها من حمى
التيفوس» وإصدار «الشركة الألمانية لمكافحة الآفات» الأوامر بتفويض المواد الكيميائية
بتنفيذ المهمة الأخيرة .
العواقب الأخلاقية لسيرورة التهذيب الحضاري
رغم وجود صور سوسيولوجية كثيرة لفكرة سيرورة التهذيب الحضاري الغربي؛ فإن
أكثرها شيوعا وشهرة ترتكز إلى قاعدتين أساسيتين : أولاً» كبت الدوافع غير العقلانية
المضرة بالعلاقات الإنسانية الاجتماعية» وثانياء القضاء على العنف من الحياة الاجتماعية
تدريجيا ولكن أيضا بلا هوادة» أو لنكون أكثر دقة» تركيز العنف في قبضة الدولة وتوظيفه
في حماية محيط المجتمع القومي وأؤضاع النظام الاجتماعي . وتلتقي هاتان القاعدتان
الرئيستان في تصور المجتمع المتحضر على الأقل في شكل مجتمعنا الغربي الحديث باعتباره
في المقام الأول قوة أخلاقية» ومنظومة من مؤسسات تتعاون وتتكامل مع بعضها البعض
في سبيل إقرار النظام وسيادة القانون» ومن ثم توفير الظروف اللازمة للسلم الاجتماعي
والأمن الذاتي الذي لم.توفره مجتمعات ما قبل الحضارة إلا على نحو ضثيل .
. 1044 . م ,كلع أل الع تنا عا 01 اوناع نا تطوع12 عط!' ,عه1]1115 (1)
31 .18607311 :دما
المْصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولوكوست
هذا التصور ليس مضللاً بالضرورة؛ لكنه يبدو في ضوء الهولوكوست تصور متحيزا
بالطبع . ففي الوقت الذي يفتح فيه هذا التصور أبواب المراجعة والنقد للئيارات المهمة في
التاريخ الحديث» فإنه يغلق باب النقاش أمام تيارات لا تقل أهمية . إن تركيز هذا التصور
على مظهر واحد من مظاهر الحركة التاريخية يرسم خطًا عشوائيًا فاصلاً بين الحالة السوية
والحالة الشاذة. فمن خلال نزع الشرعية عن بعض مظاهر الحضارة التي تعود إلى ما كانت
عليه إذا زال المانع» يَدَعى هذا التصور باطلاً أن هذه المظاهر ذات طبيعة عرضية عابرة»
ويخفي في الوقت نفسه التناغم المثير بين أبرز مسمات هذه المظاهر وبين الافتراضات
المعهودة للحداثة الغربية. بعبارة أخرى» يصرف هذا التصور الانتباه عن استمرارية
الإمكانية التدميرية لفكرة سيرورة التهذيب الحضاري» ويكمم الآفواه؛ ويهمش النقاد
الذين يصرون على إزدواجية المنظومة الغربية الاجتماعية الحديثة .
ونحن نذهب إلى أن الدرس الرئيس للهولوكوست هو ضرورة تناول النقد بجدية»
ومن ثم توسيع النموذج النظري لفكرة سيرورة التهذيب الحضاري بحيث يشمل جنوح
المشروع الحضاري نفسه إلى الحط من قدر الدوافع الأخلاقية للعمل الاجتماعي وإقصائها
وإلغاء شرعيتها. إننا بحاجة إلى النظر في الدليل الذي يقول إن سيرورة التهذيب الحضاري
هي عملية فصل استخدام العنف وانتشاره عن الحسابات الأخلاقية» إنها تحرير شهوات
العقلانية من تطفل الأعراف الأخلاقية أو الوازع الأخلاقي . فإذا آمنا بأن ترويج العقلانية
إلى حد إقصاء المعايير البديلة للفعل» لاسيما الجنوح إلى ربط استخدام العنف بالحسابات
الرياضية العقلانية» هو السمة الرئيسة للحضارة الغربية الحديثة» فينبغي الاعتراف بأن
الظواهر الممائلة للهولوكوست هي نتائج شرعية لعملية التحضر وإمكاناتها الدائمة .
وعندما نقرأ من جديد تحليل قيبر لآلية الترشيد وشروطها من أجل إمعان الفكر
والمراجعة» نجده يكشف عن هذه العلاقات المهمة التي لم تنل الاهتمام الكافي حتى الآن .
إننا نرى بكل وضوح أن شروط السلوك العقلاني للعمل تشبه الفصل المخزي بين البيت
والعمل أو بين الدخل الخاص ومال الدولة» وهي في الوقت نفسه عوامل قوية تفصل
العمل العقلاني الأداتي عن التفاعل مع عمليات تحكمها قواعد (غير عقلانية كما
يسمونها). ومن ثم فإن شروط السلوك العقلاني هي تحصين ضد التأثير الذي يحكم
مباديء التعاون المشترك» والتضامن» والاحترام المتبادل» إلى غير ذلك من المباديء التي
م
الحداثتّ والهولوكوست
تسود العلاقات التراحمية . فلا غرابة أن هذه الفضيلة العامة للعقلانية اكتسبت صبغة
قانونية ومؤسسية في البيروقراطية الحديثة» وعند إعادة قراءة هذه النزعة العقلانية» وإعادة
النظر فيما مضىء» يتضح أن كتم أنفاس الأخلاق هو اهتمامها الرئيس» بل هو في واقع
الأمر الشرط الأساسي لنجاحها كأداة للتنسيق العقلاني للفعل . هذه النزعة تكشف قدرتها
على إيجاد حلول على شاكلة الهولوكوست» وتواصل مهامها اليومية في حل المشكلات
على نحو عقلاني معصوم من الخطأ .
وفق هذه الخطوط المطروحة» تستوجب إعادة التنظير لمفهوم سيرورة التهذيب الحضاري
تغييرا في علم الاجتماع نفسه . فقد توافقت منهجية علم الاجتماع والمجتمع الحديث الذي
كان محل دراسته وتنظيره» بمعنى أن علم الاجتماع كان يربطه علاقة المحاكاة بموضوع
الدراسة» أو أنه كان يرتبط بالصور الخيالية للموضوع الذي بناه وقبل به إطارا الخطابه . وفي
إطار القواعد الملزمة لهذا الخطاب» حرص علم الاجتماع على عدم طرح الإشكالية
الأخلاقية في أي شكل غير الأيديولوجية التي يقرها المجتمع وإلا تعارضت مع الخطاب
السوسيولوجى (العلمي العقلاني). فالحديث عن مفاهيم مثل «قدسية الحياة الإنسانية
وحرمتها» أو «الواجب الأخلاقي» يثير الغرابة في الخطاب السوسيولوجىء والمكاتب
الببروتر اط تمعدرب هذا اتقديث وشخلص هن مثل هذه التاهيه]
وبمراعاة مثل هذه المباديء في الممارسة المهنية» لم يفعل علم الاجتماع شيئًا سوى أنه
شارك في الثقافة العلمية» وهي جزء لا يتجزأ من عملية العقلنة والترشيد» ومن ثم لا يمكن
لهذه المباديء أن تفلت من الفحص والمراجعة . لقد كشف الصمت الإلزامي للعلم بعد هذا
العناء عن بعض جوالبه الأقل شهرة عندما وصف مشكلة زيادة أعداد الحجثث وصعوبة
التخلص منها في أوشقيتس بأنها «مشكلة طبية» . وليس من السهل أن نتجاهل تحذيرات
فرانكلين ليتيل عن أزمة المصداقية التي تواجهها الجامعة الحديثة : «أي نوع من كليات الطب
تلك التي تعلم فيها جوزف منجل وزملاؤه؟17' . وأي نوع من أقسام علم الأنشروبولوجيا
)١( جوزف منجل ١911١( -191/4) 21/168816 10561: هو أحد الملتخصصين البارزين في علمي الجينات وتحسين
النسل» وأثناء خدمته بالجيش الألماني» حقق نجاحات عديدة» ونال أوسمة كثيرة» لكنه أصيب بجراج بالغة أنهت
خدمته بالجيش . وفي عام 14517» التحق منجل بمعسكر أوشفيتس -بي ركناو» وعمل رئيسًا للأطباء في معسكر
عائلات الغجر» ثم رئيس للأطباء في مستشفي الذكور في معسكر بيركناو» واستغل منجل هذه الفرص في إجراء -
01 000
الفصل الأول: علم الاجتماع بعد الهولومكوست
تلك التي أعدت أعضاء هيئة تدريس ١معهد وراثة الأسلاف» بجامعة ستراسبورج؟١١) فإذا
أردنا أن نعرف لمن تقرع الأجراسء» وإذا أردنا أن نتتجب إغراء الاستهانة بهذه الأسئلة
باعتبار أنها ذات أهمية تاريخية وحسب. فلسنا بحاجة إلى بحث يتجاوز تحليل كولن
جراى للقوة الدافعة وراء سباق التسلح النووى المعاصر : ابالضرورة يتسابق أهل العلم
والتكنولوجيا في كل جانب حتى يقللوا من جهلهم» فالعدو ليس التكنولوجيا السوقيتية.
بل الحقائق الفيزيائية المجهولة التي تجذب الانتباه العلمي. . . والعلماء الذين يتمتعون
بدافعية عالية وتقنية تنافسية وتنويل كاف سوف يبتكزون حتما سلسلة غير نهائية من الأفكار
المسلحة الجديدة أو المعدلة)(/ .
- تجاربه العلمية على الغجر» لاسيما دراسة مرض النوما أو سرطان الماء» والتوائم من أطفال الغجر» وتغيير لون
العين. وقد توصل منجل إلى علاج لهذه الحاللات» لكنه بنظر الكثيرين مجرم نازي جعل الإنسان مادة بشرية
مستهدفة» بل يقال إنه كان أهم مور لغرف الغاز والأفران» وقد خصّصالباحث المصري رمسيس عوض
فصلاً كاملاً عن جوزف منجل وتجاربه العلمية على الفتيات والأطفال وغيرهم في كتابه «محرقة اليهود؛ الصادر
عن مكتبة الأنجلو المصرية عام ٠١١5 [المترجم].
.مم ,55طففم غ0 كلمسخة ,”م5303 أكتتلدء11010 سذ كلمادع دس مسد“ ,لاأعننا .31 ستللمصط (1)
.213 .م,(1980 119ال) 450
.مم ,(1976 ,ع15ا0آ1 تامعتة5 نومأ صلجمآ) م882 عنسة سدعأتع سخ -اء5051 عط" ,بيهت ستام (2)
. 40 ,39
/الى
10010220
والإبادة ( آ (
10010220
المّصل الثاني: الحدائنّ والعنصريتّ والايادة (أ)
يبدو أن هناك علاقات سببية قليلة أوضح من العلاقة السببية بين معاداة السامية
والهولوكوست . فعادة ما يقال إن يهود أوروبا قد قتلوا لأن الألمان وأعوانهم كانوا يكرهون
اليهود؛ أي أن الهولوكوست كانت حصادا لقرون طويلة من الاحتقان الديني»
والاقتتصادي, والثقافي. والقومي. وهذا هو أول تفسير يخطر ببالنا عند دراسة
الهولوكوست,. وهو تفسير يقبله العقلء» بيد أن وضوح هذه الصلة السببية بين
الهولوكوست ومعاداة السامية لا يفسر لنا شيعًا إذا دققنا النظر في الأمر .
نعلم الآن بفضل البحث التاريخي الدقيق أنه قبل صعود النازيين إلى السلطة» وعقب
تسلمهم مقاليد الحكم في ألمانياء لم تكن المعاداة الشعبية الألمانية لليهود شيئًا مذكورا إذا ما
قورنت بمعاداة اليهود في الدول الأوربية الأخرى. وقبل أن تضع جمهورية قايمار بزمن
بعيد اللمسات النهائية لجهدها الرامي إلى إعتاق اليهود» كانت الجماعات اليهودية في
أنحاء العالم تنظر إلى ألمانيا باعتبارها ملاذًا للمساواة والتسامح الديني والقومي. كما
دخلت ألمانيا القرن العشرين وهي تحتضن أعدادا غفيرة من الأكاديميين والمتخصصين اليهود
تفوق أعداد من هم في أمريكا أو بريطانيا هذه الأيام. فلم تكن المعاداة الشعبية لليهود
منتشرة أو متوغلة» وقلما ظهرت في شكل اندلاع للعنف الشعبي كما كان الحال في أنحاء
أخرى من أوروبا. كما اتضح أن المحاولات النازية الرامية لاستغلال مشاعر المعاداة الشعبية
عبر بث مشاهد العنف ضد اليهود تأتي بتتائج عكسية» وتتطلب جهدا لمواجهتها. ويرى
هينري فينجولد» أحد أعظم المؤرخين الملتخصصين في دراسة الهولوكوستء أنه لو كان
لدينا صناديق استطلاع للرأى العام من أجل قياس حدة الاتجاهات المعادية لليهودية أثناء
حكم قايمارء لربما اكتشفنا أن كراهية:الآلمان لليهود أقل بكثير من كراهية الفرنسيين
لهم»١2. وحتى خلال الإبادة لم تتحول معاداة اليهود إلى قوة فاعلة ومؤثرة» وأغلب
الظن أنها ساعدت بطريقة غير مباشرة في ارتكاب جرائم القتل الجماعي» وفي غرس
الإحساس باللامبالاة في نفوس الألمان تجاه مصير اليهودء بوعى أو عن غير وعى . يقول
حلملا طالوع ا سمصصصمهن) متستعم؟ آه عمسم عوط 500165 عنقله2 ,لطم تمدع81 ,ل[معماعظ تضفطط (1)
. 2.م,(1985 تعصصتصطن5) ك4 . مد تإاتمع
65
الحداثيّ والهولوكوست
نورمان كون: «لم يكن الناس على استعداد بالتحرك نيابة عن اليهود» وبالتأكيد كانت
اللامبالاة السائدة؛ وسهولة تبرؤ الناس من اليهود ومصيرهم» نتاجا للإحساس الخفي بأن
اليهود مصدر للغموض والخطر إلى حد ما)2'7. أما ريتشارد روبنستين فيتجاوز هذه الرؤية
إلى حد ما عندما يقول إن حالة اللامبالاة الألمانية» أي تعاون الألمان العاديين لصالح
لمعي » إن جاز التعبير» لا يمكن فهمها بحق إلا إذا طرحنا السؤال التالي : «هل كان معظم
الألمآن ينظرون إلى التتخلص من اليهود باعتباره فائدة؟27 رغم ذلك» طرح مؤرخحون
آخرون تفسيراً وجيها يتمثل في فكرة «التعاون بعدم إبداء المقاومة» وعدم الاحتياج إلى أية
معتقدات عن طبيعة اليهود أو جوهرهم . وهنا يؤكد والتر لاكير أن عدد المهتمين بمصير
اليهود كان قليلاً جداء فالناس كانت تواجه مشكلات أكبر من ذلك بكثير؛ بل لم يكن
طرح هذا الموضوع مقبولاً» فالتفكير فيه لم يكن يغني أو يسمن من جوع» ولذا لم تكن
مناقشة مصير اليهود موضع اهتمام» وتجاهلته الناس» والتزمت الصمت تجاهه حتى إشعار
آخر )0 ,
ثمة مشكلة أخرى تعجز عن مواجهتها معاداة اليهود كنموذج تفسيري للهولوكوست .
فمنذ آلاف السئين» كانت معاداة اليهود في غالب الأمر ظاهرة عالمية» سواء كانت هذه
المعاداة اقتصادية أو ثقافية أو عرقية» معتدلة كانت أو متطرفة. ورغم ذلك» فإن
الهولوكوست كانت حدثًا لم يسبق له مثيل . وكل مذبحة من مذابح الهولوكوست لها طابع
فريد. فمهما بلغ ما سال فيها من دماء» فإنه يصعب مقارنتها بالمذابح الأخرى التي ارتكبت
ضد جماعات صِنّفت في الماضي على أنها جماعات إما غريبة أو معادية أو خطيرة. ول
كانت معاداة اليهود ظاهرة شائعة» فإنها لا تستطيع بمفردها أن تفسر الطابع الفريد
للهولوكوست . ولكى نضع الهولوكوست في سياقها المركب» فلا يمكننا الجزم بأن معاداة
اليهود كانت سببًا كافيًا لهاء رغم أننا نقر بأنها كانت شرطًا أساسيًا لممارسة العنف ضد
اليهود. ويرى نورمان كون أن السبب الواقعي وراء العنف ضد اليهود هو وجود مجموعة
من «محترفي قتل اليهود» - وهذا أمر غير منفصل عن معاداة اليهود» لكنه متماثل معها لا
. 2267-8 .جزم ,(1967 ,عل045700م5 عق عدوظ :مملدم.ا) مهمه 102 امخفعة 1 باساه 1م1168 (1)
.م بطةممعك/ة ,10[معوماع1 (2)
. (1980 ,5ك800[1 تتناصمعء2 :ه0517 مممصسمط) أعععع5 عأطتاس !"1" , الاعدلوم] رعخلة11 (3)
10 دما
الفصل الثاني: الحداثنّ والعتصريم والابادة (أ)
محالة - وبدون هذا السبب لم تكن معاداة اليهود» مهما بلغت حدتهاء لتتحول أبدا إلى
نمارسة العنف ضد جيران يهود.
ويبدو أن تفسير الإبادة على أنها انفجار عفوي صدر عن غضب عامة الناس هو أسطورة
من الأساطير . واقع الأمر أنه لا توجد واقعة مثبتة قام فيها سكان إحدى المدن أو القرى
بالاعتداء على جيرانهم اليهود والإجهاز عليهم. وهذه حقيقة حتى في العصور
الوسطى . . . وفي العصور الحديثة لا يوجد دليل قاطع على تورط عامة الناس في شيء
من هذا القبيل» وكانت الجماعات النظامية نفسها لا تتقن عملها إلا إذا التزمت بسياسة
سلطة معيئة واهتدت برعايتها(! .
يظل تفسير العنف ضد اليهود بوجه عام» والهولوكوست بوجه خاص» تفسيرا اختزاليا
ضعيمًا يفتقر إلى الأدلة» التاريخية منها والمعاصرة؛ طالما نظرنا إليه بوصفه بلوغ المشاعر
المعادية لليهود مداهاء أو باعتباره تجسدا لمعاداة اليهود في أشد صورهاء أو على أنه انفجار
صدر عن غضب عامة الناس ضد اليهود. فمعاداة اليهود وحدها لا تستطيع أن تفسر
الهولوكوست. بل إن العداء في حد ذاته ليس تفسيرا جيدً لأية إبادة. وإذا كان صحيحًا أن
معاداة اليهود قد لعبت دوراً؛ وربما دور أساسياء في التفكير في الهولوكوست وتنفيذهاء
فإن هناك حقيقة أخرى لا تقل وزنّاء وهي أن معاداة اليهؤد لدى القائمين بتخطيط الإبادة
وإدارتها لابد وأنها كانت تختلف في بعض الجوانب المهمة عن معاداة اليهود لدى من نفذوا
الإبادة» ومن تورطوا فيهاء ومن شاهدوها ولزموا الصمت تجاهها. ولا مراء أن تحويل
فكرة الهولوكوست إلى أمر واقع قد تطلب الجمع بين معاداة اليهود» أيَا كان نوعهاء
وعوامل معينة ذات طابع مختلف تمامًا. فالأجدر بنا أن نبحث الآليات الاجتماعية
والسياسية القادرة على صياغة مثل هذه العوامل » وأن ندرس رد فعلها الانفجاري الكامن
مع موروث العداء داخل الجماعات بدلاً من أن ننشغل بالبحث في خبايا النفس البشرية .
بعض خصوصيات انعزال اليهود
منذ أن ظهر مصطلح «معاداة السامية»» وشاع استخدامه قبيل نهاية القرن التاسع عشرء
أصبح من المتعارف عليه أن الظاهرة التي يحاول المصطلح تسجيلها لها تاريخ طويل يعود
04
الحداثت والهولومكوست
إلى أزمنة سحيقة» وتبين أن لهذه الظاهرة استمرارية لم تنقطع عبر تاريخ معاداة اليهود
والتمييز ضدهم على مدار ألفي عام . وهناك شبه إجماع بين المؤرخين على أن بداية معاداة
السامية تعود إلى تدمير المعبد الثاني عام ١ ميلادية وبداية الشتات الجماعي» وثمة
دراسات أكثر أهمية تتناول جذور الآراء والممارسات المعادية للسامية في أزمنة سحيقة تعود
إلى منفى العصر البابلي» إذ نشر المؤرخ السوقيتي سالومو لوريا في أوائل العشرينيات من
القرن العشرين دراسة مثيرة للجدل حول المعاداة «الوثنية» للسامية .
إن مصطلح «معاداة السامية» غير دقيق من حيث الاشتقاق اللغوي لأنه يترك المشار إليه
بصورة فضفاضة على وجه العموم دون تحديد دقيق» كما أنه يغفل تحديد الهدف الحقيقي
لتجلياته الإقصائية . بل إن النازيين» وهم أفضل المتمرسين في معاداة السامية في التاريخ
الحديث» لم يبالوا بهذا المصطلح أثناء الحرب عندما تحول الوضوح الدلالي للمصطلح إلى
قضية سياسية خطيرة» حيث كان المصطلح يشير بصورة واضحة إلى بعض حلفاء ألمانيا
المخلصين! وبوجه عام» لم تشهد الممارسة العملية أي جدل دلالي» وكان مفهوم الكلمة
يصيب هدفه المحدد بلا أخطاء . وأصبح مصطلح «معاداة السامية» يشير إلى «معاداة
اليهود»» وإلى الاعتقاد بأن اليهود جماعة غريبة معادية غير مرغوبة» كما أصبح يشير إلى
الممارسات التي تنجم عن هذا الاعتقاد أو ترسخه في الأذهان.
ثمة اختلاف مهم بين معاداة اليهود وألوان العداء الأخرى بين الجماعات. فالعلاقات
الاجتماعية التي ربما تشمل الأفكار والممارسات المرتبطة بمعاداة اليهود لم تكن أبدا علاقات
بين جماعتين وطنيتين قويتين تتنافسان على أساس التكافؤ والمساواة» بل كانت علاقات بين
أغلبية وأقلية» بين مجتمع مضيف وجماعة صغيرة تعيش في كنفه وتحتفظ بهويتها
المنفصلة . وهكذا أصبحت هذه اللجماعة الصغيرة القطاع البارز من المعارضة» أي الآخر
(هم) المنعزل عن الأنا الأصلية «نحن». وفي غالب الأمرء كانت معاداة اليهود تستهدف
الغرباء الذين يثيرون الالتباس الدلالي والوهن النفسيء, كما كانت تلبي حاجة الجماعات
إلى وضع حدود قوية منيعة وفواصل واضحة على الدوام. وأغلب الظن أن حدة معاداة
اليهود كانت تتناسب طرديًا مع أهمية وضع الحدود وقوتها(١. وفي أغلب الأحيان»
1347 سه كوكل؟ أن“ مذ عأمما كتطا مه :119ل عتمم مع كم ملأقط [تمقسلد8 -000 1 (1)
1 11لا روم1ء'1' , ””ماعع[11'
م 631.1 | دما
المُصل الثاني: الحداثيَّ والعنصريت والابادة (1)
كانت معاداة اليهود أحد التجليات الظاهرية للرغبة في الحفاظ على الحدود وما تسببت فيه
هذه الرغبة من قلاقل ومسخاوف عملية .
ترتبط هذه السمات الفريدة لمعاداة اليهود ارتباطًا وثيقًا بظاهرة الدياسبورا أو الشتات
اليبهودي7١2. بيد أن الدياسبورا اليهودية تختلف هي الأخرى عن كافة ألون الهجرة
وأشكال إعادة التوطين الجماعي . ولعل أهم الخنصائص الرئيسة البارزة للدياسبورا
اليهودية هي الامتداد الهائل للزمن التاريخي الذي احتفظ خلاله هؤلاء «الغرباء في عقر
الدار» بانعزالهم الذى اتسم بالاستمرارية الزمنية وتوافق الهوية الذاتية . ولذاة احنت
الجهود التي تعاملت مع الوجود اليهودي وقتا كافيًا بأن تتراكم» وبأن تتأصل كطقوس
رمزية ذات قدرات كامنة» وبأن تتزايد من تلقاء نفسها حتى أصبحت عملية الانعزال أكثر
مرونة . وثمة خصوصية أخرى للدياسبورا اليهودية» وهي الصبغة العالمية للتيه اليبهودي
(00616555655)» ولعلها السمة الوحيدة الى ميعن الوه والغجر . أما الارتباط
الأصلي لليهود بأرض إسرائيل فقد بات ارتباطًا واهيًا عبر القرون» كما اختفت كافة أبعاد
هذا الارتباط باستثناء الارتباط الروحي» وقد عارضت شعوب الدول الأوربية المضيفة
هذا الارتباط الروحي عندما أصبحت أرض إسرائيل هي الأرض المقدسة بألف لام
التعريف» وادعت هذه الشعوب بأحقيتها في هذه الأرض باسم أجدادهم المسيحيين»
وذلك يعني أنه مهما بلغت معاداة الشعوب المضيفة للوجود اليهودي في بلادهم» فإنهم
سيعادون بشكل أقوى الاستعادة السريعة للأرض المقدسة على أيدي أناس يرون أنهم
ملعن غير شرعبين .
هذا التيه الدائم المزمن لليهود كان جزء! أساسيًا من هويتهم منذ بداية الدياسبورا تقريبًا .
وقد استغل النازيون هذه الحقيقة كحجة أساسية ضد اليهود» واستغلها هتلر في إثبات
صحة الادعاء بأن العداء لليهود يختلف اختلافًا جذريًا عن أتماط العداء التقليدية» وعن
العداء بين الشعوب أو الأعراق المتنازعة .
)١( تناول عبد الوهاب المسيري مفاهيم مثل الدياسبورا اليهودية» والشتات اليهودي» والمنفى اليهودي» وانتشار
الجماعات اليهودية» وكان يفضل الحديث عن «الجماعات اليهودية في العالم وانتشارها فيه»؛ ذلك لأن
استخدام كلمات مثل «الشتات» و«المنفى» و«الدياسيورا» و«الهجرة» و«المهجر» له ظلال دينية تفترض علاقة
كلية جمعية بين أعضاء الجماعات اليهودية وعلاقة قومية ما بينهم وأرض فلسطين [المترجم] .
40
الحداثت والهولوكوست
أوضح إبرهارد جيكل أن التيه الشامل والدائم لليهود دون سواهم هو الذي ميزهم في
عيون هتلر عن كافة الشعوب الأخرى التي كان يكرهها ويتمنى أن يستعبدها أو
يدمره7١" . فقد رأى هتلر أن اليهود شعب بلا أرض»ء ولذا ليس بإمكانهم أن يلعبوا دور
في الصراع العالمي للقوة في إطار الحرب التقليدية القائمة على غزو الأراضي» بل إنهم
يلجؤون إلى المكر والخديعة ودسائس الظلام التي جعلتهم عدو لدودا مخيفًا لا يمكن إشباع
رغبته أو ترويضهء بل لابد من تدميره حتى ييختفي ضرره(2 .
بوجه عامء لم تكن خصوصية اليهود في أوروبا قبل بداية الحداثة عائقًا أمام اندماجهم
في النظام الاجتماعي السائد» فالاندماج كان ممكنًا لأن حدة التوتر والصراع الناجمين عن
عمليات وضع الحدود وحمايتها كانت بسيطة نسبيًا . بيد أن ما سّهل الاندماج هو طبيعة
البناء الاجتماعي في عصر ما قبل الحداثة» فهو بناء قائم على تقسيم المجتمع إلى طوائف
وطبقات اجتماعية كان الفصل بينها أمرا طبيعيًا . في هذا البناء» كان اليهود مجرد طائفة من
الطوائف أو طبقة اجتماعية بين طبقات متعددة» وكان اليهودى يستمد هويته من الطبقة
التي كان يتدمي إليهاء أو من خلال المزايا التي كان يتمتع بهاء أو الأعباء التي كانت تقع
على عاتقه . وكان هذا هو.العرف السائد الذي كان ينطبق على كل فرد من أفراد المجتمع .
صحيح أن الجماعات اليهودية كانت منعزلة» لكن لم يكن ذلك مقصورا عليهاء وكانت
الممارسات العامة للحفاظ على النقاء ومنع الاختلاط هي التي تحدد وضع اليهود. مثلما
كانت تحدد وضع الجماعات والطوائف الأخرى» وتدافع عنهاء وتضمن بقاءها. وكان
القاسم المشترك بين هذه الممارسات» رغم تنوعهاء هو خلق حيز من التباعد الآمن الذي لا
يمكن تجاوزه قدر المستطاع. أ أن الفصل بين الجماعات كان يتحقق من خلال عدم
الاحتكاك المباشر والحد الأدنى من صور الاحتكاك التي تكاد تخضع لرقابة وطقوس
صارمة. وكان ذلك يعني تمييز الغرباء» أو التتحريض على الانفصال الروحي بين
الجماعات لمنع الاندماج الثقافي بينهاء والحيلولة دون تسوية المعارضات الثقافية الناجمة
عن هذا الانفصال.
. (1964 ,لمماعمظ بوعا! أو ووععظ زواع كلونا :مماأاووظ) 1135401 دا تتعلاقط ,أععاعة[ لممطتعطاظ8 (1)
.(1964 رووعاظ 01097 اطملدم.آ) عل800 أعنعءةم 1111145 . 01 (2)
1 06031.16 / دما
الفصل الثاني: الحداثي والعنصريت والإبادة (1)
منذ آلاف السنين» كان الناس ينظرون إلى اليهودي على أنه شخص يعيش في ركن
منعزل من المدينة» ويرتدى لباسًا مير للغاية» شرعه القانون أحياناء لاسيما عندما فشل
العرف الاجتماعي في متابعة الالتزام به. بيد أن انفصال مكان الإقامة لم يكن كافياء
وكانت العلاقات الاقتصادية بين الأحياء اليهودية والمجتمع المضيف تتلاحم في أغلب
الأحيان» ما استلزم الاحتكاك المباشر . ولذا كان من الضروري أن يصاحب التباعد المكاني
طقوس مقئنة بدقة وإحكام حتى تظل مثل هذه العلاقات في إطار رسمي ووظيفى لا يمكن
تجاوزه. أما العلاقات التي كانت تُبدي مقاومة لهذا الإطار الرسمي وهذا الاختزال
الوظيفي فكانت ممنوعة أو غير مقبولة. وكما هو الحال في أغلب طقوس الحفاظ على
الهوية داخل الطوائف والطبقات المنغلقة» سادت طقوس محاربة الاختلاط » وتحرم
الزيجات المختلطة وتناول الطعام على مائدة واحدة. وكذلك كافة أشكال التبادل
والاحتفالات باستثناء التعاملات الوظيفية الصارمة .
ويجدر بنا أن نشير إلى نقطة مهمة» وهى أن هذه الإجراءات العدائية الواضحة كانت
أيضًا وسائل للتكامل الاجتماعى ؛ إذ أزالت الخطر الذي يشكله «الغريب فى عقر الدار)
على الهوية الذاتية للمجتمع المضيف وتطوره الذاتي . إنها وضعت شروطًا جعلت إمكانية
التعايش دون اختكاك أمراً تمكناء وأرست قواعد سلوكية إذا أتقن المجتمع الالتزام بهاء فإنه
سينعم بالتعايش السلمي في أجواء مهددة بالصراع والانفجار. وقد أكد جورج زيميل17)
أن النظام المؤسسي القائم على طقوس محددة حَوَل الصراع إلى أداة تربط الأفراد بالجتمع
وتحقق التماسك الاجتماعي بينهم . وطالما احتفظت ممارسات الانفصال بقوة تأثيرهاء فهي
ليست بحاجة إلى دعم المواقف العدائية . فاختزال التجارة إلى مجرد عمليات تبادلية
إجرائية صارمة لم يتطلب سوى الالتزام بالقواعد والتدريب على التأفف من انتهاكهاء
وكان ذلك يتطلب بالتأكيد قبول المضطرين إلى الانعزال بمكانة أدنى من مكانة أبناء الممجتمع
)١( جورج زيميل )١1918-1١868( أعسصنة عرمء6, عالم اجتماع وفيلسوف وناقد ألماني» أثرت نظرياته في
مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية» ويبدو تأثير زيميل واضحا في فكر باومان وإحدى الصور المجازية
المحورية في أعماله» وأعني بذلك صورة «الغريب» والتي كتب عنها زيميل في بداية القرن العشرين وأوضح
علاقتها بالجماعات اليهودية في أوروباء وقد طور عبد الوهاب المسيري هذه الصورة المجازية ووضعها في
تموذج أكبر أطلق عليه «الجماعة الوظيفية» [المترجم] .
ون
الحداثتّ والهولوكوست
المضيف» علاوة على قبولهم بسلطة المضيفين في تحديد مكانتهم» أو فرضهاء أو تغييرها.
وفي أغلب المراحل التاريخية للدياسبورا اليهودية» ظل القانون بشكل عام سلسلة من منح
الامتيازات ونزعها. أما فكرة المساواة القانونية» لاسيما المساواة الاجتماعية» فلم تكن
موضع نقاش» ولم تكن طرحا عمليًا بأي حال من الأحوال» وحتى بداية الحداثة» كان
انعزال اليهود لا يعدو أن يكون مثالا على الاختلاف العالمى للطوائف والطبقات
الاجتماعية التى تتألف منها سلسلة الوجود.
شذوذ اليهود من العائم ا مسيحي إلى الحداثة
بالطبع لا يعني التحليل الذي قدمناه أن انعزال اليهود لم يحظ باهتمام بين كافة حالات
الانعزال» أو أنه لم يطرح في إطار نظرى بوصفه حالة فريدة لها خخصوصيتها الكاملة .
فقبل عصر الحداثة» ساد الاعتقاد بين النخب المتعلمة فى أوروبا بأن اليهود مثال للغرابة
والشذوذء وبأنهم كيان يتتحدى الوضوح الإدراكي والانسجام الأخلاقي للكون. وكان
هذا الاعتقاد شائعًا أيضًا بين رجال الدين المسيحي وعلماء اللاهوت والفلاسفة الذين
عفوية التجربة الحياتية . كان اليهود شيئًا غريبًا وشاذّاء فلم يكونوا من الوثنيين الكافرين»
أو الهراطقة الضالين» فهم لم يتدموا إلى أي من هاتين الجبهتين اللتين يناضل العالم
المسيحي من أجلهماء ولا يتوانى في الدفاع عنهما باستماتة حتى يدخلا حظيرة الويمان .
بل كان اليهودء إن جاز التعبير» مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ فهم
الآباء الأجلاء للعالم المسبيحي» لكنهم كانوا أيضا المنتقصين المبغضين له . فلا يمكن تفسير
رفضهم للتعاليم المسيحية على أنه إحدى علامات الجهل الوثني الذي لا يلحق ضررا بالغ
أحد الخراف الضالة ويمكن تصحيحه . فلم يكن اليهود ببساطة من الكافرين قبل إيمانهم أو
بعده» بل هم أناس رفضواء وهم في كامل وعيهم., أن يصدقوا الحقيقة الإلهية عندما
واتنهم الفرصة . ومن ثم» فإن وجود اليهود ظل يزعزع حقيقة الرسالة المسيحية» والسبيل
الوحيد لتبديد ما يثيرونه من ميخاوف. أو على الأقل التقليل من خطورتهاء هو تفسير
المكابرة اليهودية بأنها نتيجة للمكر السىءء وسوء النية» والفساد الأخلاقى . وهنا نضيف
111/10 / دما
الفصل الثاني: الحداكت والعنصريت والابادة (1)
صورة مجازية أخرى سترد كثيرا في نقاشنا بوصفها أحد أبرز مظاهر معاداة اليهود
وأهمها. فقد كان اليهود.ء إن جاز التعبير» متلازمين مع المسيحية في الامتداد والهدف»
ولهذا السبب كانوا يختلفون عن كافة الجماعات الأخرى التي لم تندمج في العالم
المسيحى وظلت تبعث على القلق. فبخلاف الجماعات المارقة الأخرىء لم يكن اليهود
مشكلة محلية أو مشهد في قصة لها بداية محددة ونهاية مأمولة» بل كانوا رفقاء المسيحية
على الدوام في كل مكان» كانوا بمثابة «القرين» أو «الأنا الأخرى الشعائرية» للكنيسة
المسيحية .
لم تكن العلاقة بين المسيحية واليهود علاقة صراع أو عداء . وهذه حقيقة» لكنها كانت
أكثر من مجرد حقيقة. فلم يكن للمسيحية أن تطور نفسهاء وتمد سيطرتهاء وتبسط
نفوذهاء دون حماية أسس الانفصال اليهودىء أي دون رؤيتها لنفسها وريمًا لبني
إسرائيل . واقع الأمر أن المسيحية كانت تستمد هويتها الذاتية من انفصال اليهود» وأن هذه
الهوية تمخضت من موقف اليهود الرافض لهاء كما أنها استمدت قوتها المتزايدة من رفضها
لليهود. وليس بإمكان المسيحية أن تضع الإطار النظري الذي يحدد وجودها إلا من خلال
الإشارة إلى اليهودء ذلك لأن المسيحيين ينظرون إلى المكابرة اليهودية المتواصلة على أنها
دليل بأن مهمة الرسالة المسيحية لم تكتمل . كما أن الاعتراف اليهودي بالخطأ» والتسليم
بصدق الرسالة المسيحية» وربما الاعتناق اليهودي الجماعي للمسيحية في المستقبل »
سيكون بمثابة الانتصار الحاسم للمسيحية7١2. من هذا المنطلق» ووفق الاعتقاد الحقيقي في
فكرة «القرين؟ أو «الأنا الأخرى»»؛ أصبغت المسيحية اليهود بصبغة أخروية عندما أبرزت
الوجود اليهودى وأهميته» وألبست اليهود لباس سحر شيطاني مخيف ما كان بوسعهم أن
يلبسوه بدونها.
)١( عالج عبد الوهاب المسيري هذه الصورة المجازية بالتفصيل في موسوعته وأعماله» لكنه أبرزها من خلال مفهوم
لالشعب الشاهد» الذي يشير في جانب منه إلى رؤية الكنيسة لليهود باعتبارهم الشعب الذي أنكر المسيح
اللخلص وصلبوه بدلاً من الإيمان به».لكنه يشير أيغمًا إلى أن الوضع المتردي لليهود وتمسكهم بشعائر دينهم
يجعلهم شعبًا شاهدا على صدق الكتاب المقدس وعظمة الكنيسة . ويرى المسيري أن مفهوم «الشعب الشاهد»
قد تمت علمنته منذ بداية الحداثة بما يطلق عليه «الشعب العضوي المنبوذ؛» وهو الأساس الفكري لمعاداة اليهود
والصهيونية [المترجم].
34
الحداثيّ والهولوكوست
لذا لم يكن وجود اليهود في العالم المسيحي» على أرضه» وفي تاريخه» وجودا هامشيا
أو عارضا قطء ولم تكن خصوصيتهم مثل خصوصية أي من الأقليات الأخرى لأنهم كانوا
جزءا من الهوية الذاتية للمسيحية . ومن ثم» فإن الرؤية المسيحية لليهود تتجاوز التعميم
بشأن بمارسات الإقصاء داخل المجتمع ؛ فهي أكثر من مجرد محاولة تأسيس منظم لطقوس
النصوصية والتي كانت تنبثق من تمارسات الانفصال بين طوائف وطبقات المجتمع
وتشكلها أيضا. فلم تكن الرؤية المسيحية لليهود تتعلق بالجذور العرقية أو العلاقات المتبادلة
بين الجيران أو احتكاكاتهم» بل كانت تتخضع لمنطق آخر تمثل في التطور الذاتي للكنيسة
وبسط نفوذها العالمي» ومن ثم الاستقلال النسبي لما يسمى «المسألة اليهودية)7١2 فيما يتعلق
بنمط الحياة السائد ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعياء ومن ثم أيضًا السهولة النسبية التي كان
يمكن من خلالها عزل هذه المسألة عن سياق الحياة اليومية وحمايتها من تقلبات التجربة
اليومية . كان المسيحيون المضيفون يرون اليهود أهدافًا حقيقية للتواصل اليومي» وفي
الوقت نفسه كانوا يرونهم تجبسدا كاملاً لجماعة لها خخحصوصيتها في التعامل . هذه الرؤية
الأخيرة لليهود لم تكن أساسية أو حتمية وفقا للرؤية الأولى» وهذا بالطبع هو السبب وراء
إمكانية فصلها نسبيًا وبسهولة عن الرؤية الأولى وتوظيفها في الأفعال التي ترتبط بصورة
فضفاضة:. إذا ارتبطت أصلاً» بممارسات الحياة اليومية. ووفق رؤية الكئيسة لليهود.
تبلورت معاداة اليهود بغض النظر عن الوضع الحقيقي لليهود في المجتمع. . . وأغرب ما
في الأمر أن هذه المعاداة يمكن أن تظهر بين أناس لم يروا يهوديا في حياتهم قطء بل وفي
بلدان لم يوجد بها يهود منذ آلاف السنيين”"2. واستمر هذا الوضع فترة طويلة بعد أفول
السيطرة الروحية للكنيسة وغروب سطوتها على رؤية العالم» وورث عصر الحداثة الغربية
نموذج «اليهودى» الذي لا علاقة له على الإطلاق باليهوديين واليهوديات تمن عاشوا في
)١( ظهرت هذه العبارة في بريطانيا العظمى في القرن الثامن عشر» ثم في فرنسا مع الشورة الفرنسية» ثم في ألمانيا
عام "1841 عندما نشر برونو باور كتابًا يحمل عنوانه هذه العبارة نفسهاء وارتبطت العبارة بالقضايا والحلول
المتعلقة بالوضع الاقتصادي والقانوني لليهود في أوروباء كما كانت تشير إلى محاولة حل القضايا اليهودية
بتأسيس دولة يهودية. وبين عامي ١88٠١ و1970غ تمثل حل المسألة في هجرة موجات كبيرة من يهود شرق
أوروبا من المذابح الشعبية المدبرة إلى غرب أوروبا والولايات المتحدة» وانتهى جزء كبير من المسألة اليهودية
بتصديرها إلى الشرق الأوسط وبتأسيس دولة إسرائيل [المترجم].
252 .م ,08010 10 أسمعرة؟؟ رمطمن) (2)
0110 أ نومام
المْصل الثاني: الحداثيّ والعنصريت والابادة (أ)
مدن هذا العصر وقراه. فبعد أن لعب اليهودي النماذجى دور «القرين» أو «الأنا الأخرى»
للكئيسة بنجاح» خضع «اليهودي النماذجي» لعمليات إعداد حتى يلعب دور مشابها في
علاقته بالمؤسسات العلمانية الجديدة .
من أبرز سمات صورة اليهود وأخطرها في نظر الكنيسة المسيحية هي افتقارها المتأصل
إلى المنطق والعقلانية . إنها صورة تجمع بين عناصر متنافرة يستحيل التوفيق بينهاء وهذا
التنافر المطلق هو ما يميز ذلك الكنيان اليهودي الأسطوري . إنه كيان يجمع كافة العناصر
المتنافرة ويجعلها قوة شيطانية خارقة تبعث على الانبهار الشديد والاشمتزاز الحاد في آن
واحدء بل وتثير الخوف والفزع . هذه الصورة الأسطورية المتخيلة عن اليهود كانت أرض
المعركة التي شهدت الجهاد الأبدي في سبيل الحفاظ على الهوية الذاتية للكنيسة وحدودها
الزمانية والمكانية . وكان هذا الكيان الأسطوري مستودعا دلاليًا يجمع بين مدلولات لا
تجتمع » ومن ثم كان خصما طبيعيًا لأية قوة تحاول أن ترسم الحدود أو تضع معان لا تحدمل
غير تفسير واحد. وارتبطت الصورة الأسطورية المتخيلة لليهودي بالكتلة اللزجة كما يقول
سارتر» وبما هو موحل ومقزز كما تقول ميرى دوجلاس» وهي صورة ممجازية تعكس
تحدي اليهود لنظام الأشياء» وتعريضه للشبهة» أو الفضيحة, أو الخطر. إنها تجسيد
وصورة مصغرة عن هذا التحدي الذي يتجلى في العلاقة المتبادلة بين الممارسة الثقافية
العامة لرسم حدود الأشنياء والإنتاج الكوني المماثل للطين الموحل النتن؛ وقد تناولت هذه
القضية باستفاضة في الفصل الثالث من كتابي «الثقافة بوصفها ممارسة عملية» .
هذه الصورة المتخيلة عن اليهودي تؤدي وظيفة بالغة الأهمية» فهي تشير إلى تجسيد
اليهود للعواقب الوخيمة الناجمة عن انتهاك الحدود والخروج عن حظيرة الجماعة» كما أنها
تعكس عواقب كل سلوك لا يلتزم بولاء لا تقيده شروط. واختيار لا يكتنفه غموض .
فاليهودي هو النموذج الأصليء والمثال الأول للانشقاقء والضلالء. والشذوذء
والانحراف . هذا اليهودي المتخيل هو الدليل على اللامنطق الغريب للانحراف» وهو
بذلك يشوه من البداية النظام الذي ظلت الكنيسة تحدده» وتسرده» وتمارسه . ولهذا كان
اليهودى أحد أفضل حراس الحدود الذين يمكن الاعتماد عليهم في حفظ هذا النظام . لقد
حملت الصورة المتخيلة عن اليهودى رسالة محددة» وهي أن البديل لهذا النظام هنا والآن
ليس نظامًا جديداء بل الفوضى والخراب .
ل
الحداثة والهولوكوست
ونحن نذهب إلى أن شذوذ اليهود بوصفه نتاجًا ثانويًا لتأسيس الكيان الذاتي للكنيسة
المسيحية وانتشار نفوذها كان سببًا رئيسًا في ظهور اليهود في مقدمة الشياطين الداخلية التي
تسكن أوروبا. هذه الشياطين وصفها نورمان كون وصِمًا بليعًا في دراس رائعة عن المطاردة
الأوروبية للسحرة أصحاب الأفكار الهدامة» وكان من أبرز النتائج التي توصل إليهاء
ولاقت تأيبدًا مطلقًا في عديد من الدراسات» هي الانعدام الواضح لوجود أية علاقة متبادلة
بين حدة الذعر من السحرة والمخاوف اللاعقلانية بشكل عام من جهة وإنجازات المعرفة
العلمية والمستوى العام للعقلانية اليومية من جهة أخرى . واقع الأمر أن سطوة المنهج العلمي
الحديث والخطوات القوية السريعة نحو ترشيد الحياة اليومية في السنوات المبكرة للعصر
الحديث اقترنت بأكثر الأحداث ضراوة وعنمًا في التاريخ فيما يتعلق بتعقب السحرة
وأصحاب الأفكار الهدامة. ويبدو أن اللاعقلانية التي انطوت عليها أساطير السحر
واضطهاد السحرة كانت ترتبط بصورة فضفاضة بتخلف العقل بألف لام التعريف. كانت
هذه اللاعقلانية» من جهة أخرى» ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحدة القلاقل والتمزقات التي أثارها
أو أحدثها انهيار النظام القديم وظهور النظام الحديث. فقد اختفت نظم الأمن القديمة,
وكانت نظم الأمن الجديدة تظهر ببطء» وكان من المستبعد أن تتمتع بالصلابة التي كانت
النظم القدية تدميز بهاء ومن ثم اتتهت الفروق والحواجز التي استمرت أزمنة طويلة»
وانكمشت المسافات الآمنة» وخرج الغرباء من جحورهم» واختلطوا بالجيران» وفقدت
الهويات الآمنة الثبات واليقين والاستقرار والدوام. أما ما تبقى من الحدود القديمة فكان
يحتاج إلى دفاع مستميت» وكان لابد هذه المرة من رسم حدود جديدة تحدد الهويات الجديدة
في ظل ظروف تتسم بالحركة الشاملة والتغير السريع . والأداة الرئيسة في تنفيذ هاتين المهمتين
كان لابد وأن تكون الحرب ضد «الطين الموحل الُْنن»» فهو العدو الحقيقي النماذجي الذي
يهدد وضوح الحدود والهويات وأمنها. ولم يوجد مفر من هذه الحرب» واشتدت ضراوتها
على نحو لم يسبق له مثيل لأن جسامة المهام الحديثة نفسها لم يسبق لها مثيل .
إن المشاركة الفعالة أو السلبية» المباشرة أو غير المباشرة» فى الاهتمامات الشديدة التى
أزلاها العصر الفديق ارسي اللتدود طناك هلبياء كللت أر معام المورة الإدراكية
التي تبناها المجتمع عن الجماعات اليهودية . ونحن ذهب إلى أن هذه الصورة الإدراكية تم
تأويلها تاريخيًا بأنها «اللزوجة» الكلية للعالم الغربي» بمعنى أن اليهودي كان يتأرجح في
71.1160 / دما
الفصل الثاني: الحداثت والعنصريت والابادة (أ)
الغالب الأعم فوق كل متراس في كافة الصراعات التي مزقت المجتمع الغربي عبر تاريخه .
إن مجرد استحضار هذا اليهودي الأسطوري - وهو يتبنى مواقف غير واضحة فوق
متاريس عديدة مختلفة جرى تشييدها على خطوط مواجهة عديدة لا رابط بينها ظاهريًا-
قد زاد من الحدة المجهولة المفرطة للزوجة اليهودية الموحلة المقززة. كانت الطبيعة اللرجة
لليهودى غموضًا متعدد الأبعاد» وكان تعدد الأبعاد نفسه شذودًا إدراكيًا إضافيًا لا وجود له
في كافة الجماعات اللزجة الأخرى التي تمقخضت عن صراعات الهوية (وكانت بسيطة
ومحصورة ومنعزلة ومميزة من الناحية الوظيفية) .
قدم هنا وقدم هناك قوق كل متراس
لكل ما سبق» ليس بإمكاننا التعامل مع ظاهرة معاداة اليهود على أنها أحد تجليات
العداء الديني أو الشثقافي أو القومي؛ فلم تكن معاداة اليهود أحد تجليات المصالح
الاقتصادية المنعارضة» رغم أن هذه المصالح كانت تُستغل في إقامة الحجج التي تدعم
ظاهرة العداء لليهود في عصرنا الحديث القائم على المنافسة. وهو عصر يتحدث بلغة
جماعات المصالح واللعبة الصفرية . وقد وجدت معاداة اليهود تأييدًا كاملاً من أصحاب
المصالح الذين استحوذ عليهم إثبات وجودهم وتحديد هوياتهم ؛ فهي معاداة ناجمة عن
رسم الحدود لا النزاع عليها . وهكذا فإن ظاهرة معاداة اليهود تنحدى التفسير القائم على
مجموعة من العوامل المحلية المنوافقة» كما أن قدرتها المذهلة في خدمة أهداف ومصالح
عديدة متباينة تكمن تحديدا في شموليتها وعموميتهاء وفي تجاوزها لملابسات الزمان
والمكان. إنها تصلح تمَامًا لخدمة كثير من القضايا المحلية المتعددة لأنه لا تربطها أية علاقة
نيية :آنة قفني كانت الفيوو» الادراعة الخامية بالبتاعات الميؤؤرة سدور ما ناس
مع ملابسات قضايا متباعدة» ومتناقضة غالبّاء ومحل خلاف شديد دائمًا. وكان هذا
التتحوير يعمل على تفاقم عدم الاتساق المتأصل في هذه الصورة الإدراكية» وهذا ما
جعلهاء رغم ذلك» موذجا تفسيريا أكثر قبولاً وإقناعًا لأنه يعزز سطوتها الشيطانية» إن
جاز التعبير . فما كتبه ليو بينسكر عام ١1887 عن اليهود لا يمكن أن يقال عن أية جماعة
أخرى في العالم الغربى : «يرى الأحياء في اليهودي إنسانًا ميتّاء ويراه أهل البلد رجلا
غريبًا ومتسكعا متسولاً» ويراه الفقراء والمستغّلون مليونيراء أما محبو الوطن فيرونه رجلاً
الخال
الحداثت والهولوكوست
بلا وطه)(١) . أوما قيل بصورة جديدة دون تغير يذكر عام ١957 : «إن اليهودى يمكن أن
يكون تجسدا لكل شيء : نحتقره ونخشاه ونزدريه؛ فهو المنذر بالثورة البلشفية ضد الأوضاع
الاجتماعية والسياسية» لكنه فى الوقت نفسه» وهنا تكمن المفارقة الغريبة» رمز الروح
الفيبرالية للديمقراطية الغربية الفاسدة. فعلى المستوى الاقتصاديء» كان اليهودي رمز
الرأسمالية والاشتراكية على السواء . كما كان اليهودي ينهم بأنه داعية سلام كسول, لكنه
كان أيضاء بالمصادفة الغريبة» المحرض الأبدي الذي يشعل نيران الحرب»)2" . ناهيك عما
كتبه وليام روبنستين مؤخر في إشارة إلى بعد واحد فقط من أبعاد الطبيعة اليهودية اللزجة
التي لا تعد ولا تحصى : (إن امتزاج معاداة اليهود التي كانت تستهدف عامة اليهود مع
الأشكال المختلفة لمعاداة النخب اليهودية ربما ساعد على تفشى المعاداة الأوروبية لليهود
بصورة غير معهودة. ففي حين كانت أفراد الجماعات الأخرى تتعرض للازدراء» إما لأنهم
من عامة الناس أو لأنهم من علية القوم» كان من المحتمل أن ت: تتعرض الجماعات اليهودية
وحدها للازدراء لأنها تنتمي إلى عامة الناس وعلية القوم في آن واحد»(" .
الجماعة اليهودية كمنشورات زجاجية
قدمت آنا زوك» الأستاذة بجامعة لوبلين» دراسة حديثة تصف اليهود بأنهم «طبقة
متنقلة) ؛ فهم موضوع المشاعر والانفعالات التي تكنها الطبقات الاجتماعية العليا نحو
الطبقات الدنياء وهم أيضا موضوع المشاعر والانفعالات التي تبديها الطبقات الدنيا نحو
الطبقات الاجتماعية العليا»7؟2. وتتناول زوك بالتفصيل الدقيق صراع الصور الإدراكية في
بولندا القرن الثامن عشر كنموذج يعكس ظاهرة سوسيولوجية عامة ومهمة للغاية في تفسير
معاداة اليهود؛ إذ كان اليهود البولنديونٍ على وجه الإجمال خدما للنبلاء والأعيان» وكانوا
. 188 .م,(1972 بعاتا 01 1 011 11151017 4 وتتاعناو0ما تعالة 7لا وعاقد 0110160 (1)
1ن 8لإتتقصاةء© خط متطكتمامطء5 آأه مه عط]' :ونتوكوع 128:01 5301615 ,اعاعمماء77 عردالة (2)
28 .م,(1946 ,عاأتكتامصآ علتاضعتء5 ط15ل810] عاع0ل؟ بوعل8) عاممعءط طوزموع( عطا أممتدعة
,(1982 بصساعط ومن :نطهلطه.اآ) تعلق ع1 32320 رخطعل1 عطا رألاعا ع1 ,متعاكساط سا .10 .1717 (3)
78-9 .22
51 تامتاوءعةءج لهلء50 غ18 ا أسعتدعاء عجتاءعء قزطدد ع1 . كموكء عللأطمدم ف ,علدك فحجدخ (ك4)
لأمة8 :مم1 0) 2 .701 ,رسمتامط ص ,””مهسهله2 بتتتطامعه طلأامععغطعاء 2ه عامجسسدىي عط :ووول
.1163-8 .مم ,(1987 ,لاع ساعواظ8
0601.1 دما
الفصل الثاني: الحذائت والعنصريت والابادة (1أ)
يمارسون كافة الأعمال التي يشمكز منها عامة الناس ويبغضونهاء وهي أعمال كان يتطلبها
إحكام السيطرة الاقتصادية والسياسية للنبلاء وأصحاب الأراضي»ء مثل تحصيل الإيجار
والتحكم في محاصيل الفلاحين وغلالهم . وذلك يعني أن اليهود كانوا يشكلون «جماعات
وسيطة» . وكانوا بالمعنيين النفسي والاجتماعي «دروعا واقية» لملاك الأراضي الحقيقيين .
وقد تميز اليهود في أداء هذا الدور عن أية جماعة أخرى لأنهم لم يطمحوا- وماكان
بوسعهم أن يطمحوا - إلى الترقي الاجتماعي الذي كان من الممكن أن يحققه لهم دورهم
امهم . ولما كان اليهود عاجزين عن منافسة سادتهم على المستويين الاجتماعي والسياسي»
ارتضوا بدلاً من ذلك قبول مكافآت مالية فحسب . ولذا لم يقتصر الأمر على كون اليهود
أقل مكانة من سادتهم على المستويين الاجتماعي والسياسي» بل كان ذلك قدرهم المحتوم .
وكان أصحاب الأراضي يعاملون اليهود مثلما كانوا يعاملون جميع الخدم الآخرين من
طبقات المجتمع الدنياء ولم تختلف صورة اليهود عند النبلاء عن النمط العام المبتذل
المعروف عن الطبقات الاجتماعية الدنياء فكان أصحاب الأراضي ينظرون إلى اليهودء
مثلما كانوا ينظرون إلى الفلاحين وعامة الشعب من الحسضرء على أنهم أناس يتسمون
بالبربرية والقذارة والجهل والطمع» فجرى عزل اليهود تمامًا مثل عامة الناس الآخرين. ولما
كان تجنب الاختلاط باليهود نهائيًا غير ممكن بسبب أهمية أدوارهم الاقتصادية» كانت هناك
مراعاة دقيقة وصارمة لقواعد انفصالهم الاجتماعي . وبوجه عام حظيت هذه القواعد
باهتمام أكبر من أية علاقات طبقية أخرى لا يكتنفها غموض أو مشاكل .
بيد أن الفلاحين وعامة الشعب من الحضر كانوا يرون اليهود بصورة مختلفة تماما.
فالوظيفة التي كان اليهود يؤدونها لأصحاب الأرض ومستغلي المنتجين الأصليين لم تكن
في الأصل مجرد خدمة اقتصادية» بل خدمة وقائية تمثلت في حماية النبلاء وأصحاب
الأراضي من الغضب والهياج الشعبي . فبدلاً من أن يقتص الساخطون على الأوضاع من
الظالم الحقيقي» كانوا يحشدون أنفسهم» ويصبون غضبهم على الوسطاء اليهود. أما
طبقات المجتمع الدنياء فكانت ترى اليهود أعداء» فهم المستغلون الوحيدون الذين
يعرفونهم معرفة شخصية . فلم تذق تلك الطبقات ظلمًا مباشرا سوى الظلم اليهودي»
ولذا رأت أن اليهود في حقيقة الأمر هم الطبقات الحاكمة . فلا غرابة أن اليهود الذين كانوا
في المكانة المتدنية نفسهاء ولم ينالوا حقوقهم في المجتمع, تمامًا مثل الساخطين عليهم»
يل
الحداثت والهولوكوست
أصبحوا هدقًا للعدوان الموجه نحو طبقات المجتمع العليا. لقد وضع اليهود في وجه المدفع
باعتبارهم وسطاء لا يجهلهم أحدء ومن ثم أصبحوا هدقًا رئيسا لعنف الطبقات المطحونة
والمظلومة .
ويبدو أن اليهود تورطوا في صراع طبقي» وهذه ظاهرة لا علاقة لها مطلقًا بخصوصية
اليهودء ولا تصلح وحدها لتفسير السمات المميزة للخوف المرضي من اليهود
(012طمم1106) . وقد حظي تورط اليهود في الصرائع الطبقي بنوع من الخصوصية الحقيقة
لأنهم أصبحوا أهدافًا لنوعين متعارضين من التناحر الطبقي» وكان كل خصم متورط في
الصراع الطبقي يرى الوسطاء اليهود في الجهة المقابلة من المتراس . ويبدو أن المنشور
الزجاجي كصورة مجازية للجماعات اليهودية يصور هذا الموقف على نحو أفضل من
صورة «الطبقة المتنقلة» . فتبعًا لزاوية النظر إلى اليهود» تُشبه الجماعات اليهودية كافة
المنشورات الزجاجية» إذ تكسر أشعة مختلفة تمامّاء بعضها يعكس طبقات المجتمع الدنيا
الهمجية الفجة الفظة» والبعض الآخر يعكس طبقات المجتمع العليا الباطشة المتعجرفة .
تقتصر دراسة الباحثة آنا زوك على فترة تنتهي عند بداية التحديث البولندي» ولذا لم
تتضخ العواقب الكاملة لازدواجية الرؤية التي اكتشفتها ببراعة فائقة. ففي عصور ما قبل
الحداثة» كان التواصل بين الجماعات محدودا» ومن ثم كانت توجد فرصة ضعيفة للنمطين
الشائعين المتعارضين من الصراع الطبقي بأن يلتقيا معًا ويتحولا في نهاية الأمر إلى خليط
مضطرب على غرار معاداة اليهود الحديثة . ولما كان التواصل بين الطبقات محدوداء شن
كل خصم.ء إن جاز التعبير» «حربًا خاصة» ضد اليهود» وكان بوسع الكنيسة أن تقرن
ذلك» لاسيما حرب طبقات المجتمع الدنياء بتفاصيل أيديولوجية لا ترتبط بالأسباب
الحقيقية للصراع إلا بصورة واهية. وحسبنا هنا أن نذكر المذبحة التي حرض عليها بطرس
الناسك في حوض نهر الراين» إضافة إلى محاولة الأمراء المحليين والنبلاء والأساقفة أن
يدافعوا عن «يهودهم» ضد التهم التي لآ تمت بصلة إلى مثل هذه المظالم والقنابل الموقوتة
التي يجلبها اليهود على أنفسهم ويبطلون مفعولها.
لم تجتمع الأطياف المتنوعة المتنافرة لليهود الغرباء وتندمج بوضوح إلا مع ظهور
الحداثة» إذ كانت هذه الأطياف تعيش حالة اغتراب نتيجة ممارسات التمييز الممنهجة.
ما .186031 / دصار
الفْصل الثاني: الحداثتّ والعنصريتّ والابادة (1)
كانت الحداثة تعني» فيما كانت تعني» دور جديد للأفكار» ويعود ذلك إلى أسباب
ثالداثة : ْ ّ
١ - اعتماد الدولة على التعبئة الأيديولوجية من أجل تعزيز كفاءتها الوظيفية .
7- الجنوح المعلن للدولة نحو التماثل والتجانس كما تجلى في ممارسات الحملات الصليبية
الثقافية .
- فكرة الرسالة الحضارية؛ للذولة وسيفها التبشيرى!!؟.
ناهيك عن سعي الدولة إلى استقطاب الطبقات والجيوب المحلية الهامشية وجعلها على
تواصل حميم ومقدس مع مركز توليد أفكار الكيان السياسي للدولة . والمحصلة النهائية
لكافة هذه التطورات الجديدة هو الازدياد الواضح في معدلات التواصل بين الطبقات . كما
احتفظت السيطرة الطبقية بالأشكال التقليدية للتواصل» وجعلت نفسها مصدر الهداية
الروحية» ونشرت امباديء العليا للكيان السياسي وديباجاته الثقافية . وأسفر هذا التواصل
عن مواجهة بين الصور الإدراكية المتناقضة عن اليهود» وتحول التناقض الذي كان غير
ملحوظ من ذي قبل إلى مشكلة» فكان لابد من ترشيد المشكلة وعقلنتها كأي شيء آخر في
مجتمع يشهد تحديثًا سريع الوتيرة. كان لابد من فك التناقض عبر الرفض الكامل للصور
المجازية الموروثة باعتبارها غير متوافقة تمامًا أو عن طريق الحجاج العقلاني الذي يضع أسسا
جديدة مقبولة للتناقض القائم .
واقع الأمر أن هاتين الاستراتيجيتين قد جربتهما أوروبا في صدر الحداثة . فكان
الأوربيون يصورن اللاعقلانية الواضحة لطبيعة اليهود على أنها مثال آخر للعبثية العامة
للنظام الإقطاعي» وعلى أنها إحدى الخرافات التي تحول دون تقدم العقل . أما المخصوصية
الواضحة التي حظيت بها الجماعات اليهودية» :فلم ير المجتمع الأوروبي أنها تختلف بأي
حال من الأحوال عن الخصوصيات الهائلة التي تقبلها النظام القديم وتعهد النظام الحديث
بتفجيرها. ولذا كان المجتمع يتعامل مع المنصوصية اليهودية مثلما يتعامل مع العديد من
الخصوصيات المحلية الغربية» فكان ينظر إليها على أنها مشكلة ثقافية بالدرجة الأولى» أي
كظاهرة يمكن» بل ويجب» استئصالها من خلال الجهد التربوي الدؤوب. وسادت
(1987 بممععط واتاوط بمو لتعطصسد) مسعاء موس له كمه اكاععآ بمقسيلة8 تمسصور 22 (1)
١ ١و7
الحداثجّ والهولوكوست
التوقعات بأنه فور تطبيق المساواة القانونية الحديثة على اليهودء فإن خصوصيتهم ستتبخرء
وأنهم» أي اليهود بوصفهم جمعًا من أفراد أحرار ينعمون بحقوق المواطنة» سيذوبون في
المجتمع الذي أصبح متجانس على المستويين الثقافي والقانوني.
رغم ذلك» صاحب ميلاد الحداثة عمليات تسير في اتجاه معاكس تمامًا. فبعد أن وصم
الشذوذ المتأصل اليهود باللزوجة والنزعة التفكيكية لدلالات الألفاظ في واقع يسوده النظام
والشفافية» ظهر هذا الشذوذ وكأنه ينجه إلى التأقلم مع الظروف الجديدة» وإلى الامتداد
والانتشار من خلال الهجوم على أشكال جديدة من الشذوذ. ونعني بذلك أنه اكتسب أبعادا
جديدة وحديثة» وفي ظل غياب علاقة متبادلة بين هذه الأبعاد» تحول إلى شذوذ الشذوذ
(اأتاتعدمع-ماع22) . وكانت الجماعات اليهودية التي التتصقت بها صورة اللزوجة والطين
الموحل على المستويين الديني والطبقي أكثر عرضبة من غيرها للتأثر بالاضطرابات والتناقضات
الجديدة التي أفرزتها الطفرات الاجتماعية للثورة التحديثية . وكان معظم أفراد المجتمع يرون
أن مجيء الحداثة يعني تدمير النظام والأمن» فنظروا مجددا إلى الجماعات اليهودية على أنها
تقف على مقربة من مركز التدمير» وظنوا أن ما حققه اليهود من تحول اجتماعي وتقدم سريع
وغامض يلخص الدمار الذي ألحقته الحداثة التقدمية بكل شيء مألوف وبسيط وآمن .
منذ قرون» كان اليهود منغزلين في أمان داخل أماكن تحيط بها السياج» أحيانًا بمبحض
إرادتهم» ورغمًا عنهم أحيانًا أخرى. أما الآن» فقد خرجوا من عزلتهم. وحازوا
الممتلكات» واستأجروا العقارات في أحياء كانت مسيحية خالصة؛» وأصبحوا جزءا من
واقع الياة اليومية وشركاء في تواصل شامل لا يقتصر على الطقوس الشكلية. منذ قرون»
كان يمكن تمييز اليهود بمجرد رؤيتهم» فقد كانوا يلبسون لباس العزلة على أجسادهم
بالمعنيين ا حرفي والمجازى . أما الآن فإنهم يلبسون كما يليس الناس بما يتماشى ووضعهم
الاجتماعي لا وضعهم الطبقي . منذ قرون» كان اليهود جماعة منبوذة» وكان يحق لأدنى
الناس مكانة بين المسيحيين أن يحقر من شأنهم . أما الآن فقد تبواً بعض هؤلاء اليهود
المنبوذين مناصب لها نفوذ ووقار اجتماعي بفضل مهاراتهم الفكرية أو بفضل أموالهم,
حيث اكتسبت المهارات والأموال الآن قوة كاملة تحدد المكانة الاجتماعية» ولم يعد يعجزها
فيما يبدو اعتبارات المكانة والأصل والدسب . واقع الأمر أن مصير اليهود أوجز النطاق
المهول للطفرة الاجتماعية» وقدم رسالة قوية تذكر باختفاء الأمور اليقينية القديمة وسيولة
111/0 دما
المْصل الثاتي: الحداثت والعتصريت والايادة (1)
كل شيء كان يعده الناس صلبًا ودائمًا. ولذا كان كل من يشعر بفقدان التوازن» أو
التهديد» أو الإزاحة من مكانه. كان بإمكانه بكل سهولة وعقلانية أن ينظر إلى ما يساوره
من قلق على أنه بصمة الشذوذ اليهودي التدميري .
وبذلك تورطت الجماعات اليهودية في أشد الصراعات التاريخية شراسة» وهو الصراع
بين عالم ما قبل الحداثة وعالم الحداثة الزاحفة . وكشف هذا الصراع عن نفسه أول مرة في
الممانعة العلنية التى أبدتها طبقات النظام القديم عندما أوشك النظام الاجتماعي الجديد على
اقتلاع جذورهاء وحرمانها من الإرث» واجتثائها من فوق أراضيها الاجتماعية الآمنة.
لقد رأت هذه الطبقات أن النظام الجديد لا يعبر عن شيء سوى الفوضى» وعندما خسرت
معركتها الأولى ضد الحداثة» وأصبح انتصار الحداثة أمرأ لا يقبل الشك» أخذ الصراع
يعمل في الخفاء. وكان يعبر عن حضوره في خوف شديد من الفراغ. وشهوة متلهفة لا
تشبع وراء اليقين» وأساطير تستحوذ عليها نظرية المؤامرة» وبحث مسعور عن هوية
متملصة ومحيرة على الدوام . فى نهاية المطاف» حفرت الحداثة قبرها بنفسها عندما زودت
عدوها بالعتاد والأسلحة المتطورة التي لم تكن لتظهر لولا هزيمته. وتلك هي المفارقة
الكبرى لأن أشكال الهلع المناهضة للحداثة فَرغت شحتتها عبر قنوات وأشكال ليس
بإمكان أحد أن يطورها سوى الحداثة . ولذا جرى استئصال شياطين أوروبا عبر استخدام
الأدوات التكنولوجية المتطورة والإدارة العلمية والقوة المركزية للدولة» أي عبر كافة
الإنجازات العظيمة للحداثة .
كان الشذوذ اليهودى وسيلة لقياس العمر التاريخى للشذوذ المتطرف» وظل اليهود
تهجسدات حية للشياطين الداخلية في وقت فرض فيه المجتمع حظرا رسميًا على طرد
الأرواح الشريرة بالتعاويذ» واضطر إلى فعل ذلك في الخفاء. فعبر فصول التاريخ
الحديث. كان اليهود حاملى القلاقل والمخاوف التى أعلنت الحداثة محوها من الوجود»
لكنها زادت من حدتها بشكل غير مسبوق» وأمدتها بأدوات هائلة للتعبير عن نفسها(١' .
)١( اليهود كشياطين؛ من الصور الأساسية المتواترة في أدبيات معاداة اليهود: ويحاول زيجمونت باومان وعبد
الوهاب المسيري تفكيك هذه الصورة لأنها تفترض وحدة اليهودة عبر التاريخ وأنهم يمتلكون قوة سحرية
شيطانية» ويطرح المسيري إضفاء صفة الإنسانية بدلاً من الشيطانية على اليهود لأن ذلك يعني إمكانية دراستهم
وفهمهم والتمييز بينهم [المترجم].
ا
الحداذي والهوتلوكوست
أبعاد حديثة للشذوذ اليهودي
كان اليهود أغنياء» لكنهم كانوا محل ازدراء» إذكانت الضربات الموجعة المناهضة
للحداثة تقع على رؤوسهم باعتبارهم تجسيدا حي لنقطة تتقاطع فيها سطوة المال» والازدراء
الاجتماعي» والاستهجان الأخلاقي» والنفور الجمالي . وهذا هو بالضبط التصور الذي
كان يُؤجج العداء للحداثة» لاسيما في صورتها الرأسمالية. فإذا ما وجدت علاقة بين
الرأسمالية والجماعات اليهودية؛ يُسهل إدانة الرأسمالية بأنها شيء غريب» وشيطاني»
وعدواني» وخطير»ء ومنفر. وكان من اليسير تأسيس هذه العلاقة» فقوة المال كانت تقتصر
على أطراف المدينة - تحت مسمى «الربا» الذي ينظر إليه الناس نظرة احتقار - وكانت تعاني
من عبء الإدانة الرسمية طالما بقيت الجماعات اليهودية بين جدران الأحياء اليهودية . وقد
انتتقلت هذه القوة إلى مركز الحياة - تحت المسمى الوقور «رأس المال» - واكتسبت سلطة
واحترامًا أول ما ظهرت الجماعات اليهودية في وسط المدينة .
تجلى أول تأثير للحداثة على اليهود الأوروبيين عندما أصبحوا الهدف الرئيس لمقاومة
الحداثة . وكان أوائل المعادين لليهود في العصر الحديث من الداعين لمناهضة الحداثة» أنامن
مثل فورييه» وبرودون» وتوسينيل . اجتمع كل هؤلاء على العداء اللدود لقوة المال
والرأسمالية والتكنولوجيا والنظام الصناعي» إذ ارتبطت ألد أشكال معاداة اليهود إبان
المراحل المبكرة للمجتمع الصناعي بمناهضة الرأسمالية في صورتها التقليدية . هذه المعارضة
للنظام الرأسمالي الزاحف كان لا يزال يراودها الأمل بأن تواجه التيار» وتوقف الزحف.
وتستعيد النظام «الطسيعي»» الخيالي أو الحقيقي» الذي كانت جماعة البارونات الجدد
أصحاب الأموال تهدف إلى تفكيكه . ولأسباب استعرضناها فيما سبق بإيجاز» كانت قوة
امال هي اليهود» وكان اليهود هم قوة المال. وكان يعتقد أن العلاقة بينهما علاقة سببية,
وكان من الأهمية بمكان الاستعانة بالتطابق المجازى الذيقيبرز «القرابة الروحية» بينهما أو
«القرابة الاختيارية» (279/8119761580501811» إذا استتخدمنا المصطلح المفضل لدى ماكس
قيبر. فما أيسر محاربة الرأسمالية التي ألقت بظلالها المخيفة على منظومة المباديء
الأخلاقية الخاصة بعمل الحرفيين واستقلالهم المصون إذا ما توحدت بالقوة التي أقر الجميع
بشذوذها وسوء سمعتها. فذهب كل من فورييه وتوسينيل إلى أن اليهود يرمزون إلى كل
1110 دما
الفصل الثاني: البحداثي والعنصريت والإيادة (أ)
شيء يكرهونه في الرأسمالية المتقدمة والعواصم الحضرية الممتدة في غير نظام» وبذلك
كانت اللعنات التي تُصب على اليهود تستهدف نظام المجتمع الجديد المخيف القبيح» حتى
أن برودون رأى أن اليهودي بطبيعته مناهض للإنتاج» فهو ليس مزارعًاء ولا تاجرا
210 ,
استطاعت معاداة اليهود المناهضة للحداثة أن تحتفظ بطابع عقلاني وجاذبية شعبية طالم
ظهر أن الواقع يؤيد الأمل في وقف زحف النظام الجديد واستبداله بيوتوبيا البرجوازية
الصغيرة المتدكرة في عباءة الفردوس المفقود . واقع الأمر أن معاداة اليهود هذه قد تلاشت
تقريبًا قبيل منتصف القرن التاسع عشر عندما أخفقت المحاولة الكبرى الأخيرة لتغيير مسار
التاريخ » وأصبح لا مناص من قبول انتصار النظام الجديد بصورة نهائية لا رجعة فيهاء وإن
كان ذلك عن غير رغبة صادقة . عندئذ ظهرت أنواع توافقية جديدة من معاداة اليهود
أعادت صياغة العلاقة بين قوة المال والطبيعة أو الروح اليهودية» وكانت العلاقة تختفي
حيئّاء وتظهر بشدة حيئًا آخرء لكنها لم تبتعد أبدا عن التيار العام للمقاومة المناهضة
للرأسمالية» ولعبت دور بارا في تاريخ الاشتراكية الأوروبية .
كان كارل ماركس الأب الروحي للاشتراكية العلمية» ونعني بذلك الاشتراكية التي
جعلت من الانتتصار على التطور الرأسمالي وتجاوزه لا إيقافه هدقًا لهاء وأقرت بأن
التحول الرأسمالي لا يمكن العدول عن مساره» وقبلت طبيعته التقدمية» وتعهدت أيضا
بالشروع في بناء مجتمع جديد أفضل يصل إلى المستوى الذي حققه التقدم الرأسمالي في
التقدم الإنساني العالمي . واقع الأمر أن ماركس هو من حول معاداة اليهود المناهضة
للرأسمالية من صورة رجعية إلى صورة تقدمية» وهو من وظف معاداة اليهود في خدمة
المعارضة المناهضة للرأسمالية في وقت كان سيتبدد فيه الوهم الأخير بأن الرأسمالية كانت
مرضًا مؤقنًا يمكن علاجه أو طرد زوحه الشريرة. لقد آمن ماركس بمقولة «القرابة
الاختيارية), بين اروح اليهودية» وروح الحداثة» وأكد أنهما يلعبان دورا بارزا في ترويج
مفاهيم المصلحة الذاتية» والمساومة» والتكالب على جمع المال. ومن ثم كان لابد من
التخلص منهما معًا إذا ما أرادت البشرية للتعايش الإنساني أن يركن إلى أساس أكثر أمنا
وم مسقل 104 دعوو وا ون جرم كقح توم قاقا501 لقطاظ عل اذه بعووم1 !1 .-آ عؤزمء6 20
154 .م ,(1978 بده5 ع غمعطآ . 54 . ل :دمل
115
الحداثّ والهولوكوست
وسلامة. كانت الرأسمالية واليهودية تواجهان مصيراً مشتركاء انتصرا سوياء وسينهاران
مراه قلا تكن [العدهها اماق عان نيد لياة بعد موث لاحن لابد من تدمير
الرأسمالية حتى تختفي اليهودية والعكس ؛ فالتحرر من الرأسمالية يعني التحرر من
اليهودية والعكس صحيح .
هذه الرغبة في اخلط بين اليهودية والمال والقوة» وأيضا بين اليهودية والمساويء الكريهة
للرأسمالية» ظلت مرضا مستوطنًا في الحركات الاشتراكية» وكَثْرت الهجمات المعادية
لليهود في أكبر النظم الديموقراطية الا: شتراكية في القارة الأوروبية» أي في الديموقراطيات
الألمانية والنمساوية المجرية . وفي عام 141/4» أث زعيم الديموقراطية الالمانية أوجست
بيبل بشدة على كارل أويجن وجري سس بعاليم بين بعاد ليرد . هذا السلوك
دفع إنجلز بعد مرور عامين إلى تأليف كتيب يرد فيه على من جعل من نفسه نبيًا للاشتراكية
الألمانية» لكنه لم يفعل ذلك دفاعًا عن اليهود» بل حفاظًا على سمعة ماركس باعتباره مثل
السلطة الأيديولوجية التي تتبعها حركة العمال المتنامية . بيد أنه في بعض الأحيان أخفقت
الجهود المبذولة لتوظيف المشاعر المناهضة لليهود في لعب دورها المطلوب» أي دورها
الحتمي» وإنكان ثانوياء في مقاومة الرأسمالية. فانقلبت الأمور» .وأصبحت الرأسمالية
أحد مشتقات التهديد اليهودي. ولذا فإن معظم أنصار أوجست بلانكوى» الشهيد
الفرنسي الصامد في الحرب ضد الرأسمالية» قد ساروا على نهج أعز أصدقائه» إرنست
جرانجرء بداية من كومونة باريس الاشتراكية (0001211826 ولعةط) وحتى الحركة
الاشتراكية القومية البازغة. ولكن مع ظهور الحركة النازية» انقسمت المعارضة الشعبية
للرأسمالية في نهاية المطاف. وشن الجناخ الاشتراكي حربًا لا هوادة فيها ضد معاداة اليهود
لصد التيار المتنامي للفاشية
في الغرب الأوروبي» كانت أشد مقاومة للنظام الصناعي الجديد قادمة في أغلبها من
جانب أبناء الحضر والريف أصحاب الأراضي الزراعية الصغيرة. أما في الشرق الأوروبي»
فقد جاءت الاستجابة النموذجية من جبهة كبيرة تناهض ال رأسمالية والتمدن والقيبرالية .
ولما كان أعضاء الطبقة الأرستقراطية أصحاب الأراضي مازالوا يحتفطون إلى حدما
بنفوذهم الاجتماعي وسيطرتهم السياسية» ظلت المهن الحضرية في أدنى درجات السلم
0111100 8 نومام
الفصل الثاني: الجداثت والعنصريتّ والابادة (1أ)
الاجتماعي» وكانت محل اشمئزاز وازدراء. فجميع سبل الثراء غير الزواج أو العمل
بالزراعة كانت لا تليق بطبقة النبلاء الحقيقيين» بل إن الزراعة» بجانب الأنشطة الاقتصادية
الأخرى» كان يعهد بها إلى خدم يعملون بالأجرة أو إلى مستأجرين لا وزن لهم . وفي ظل
معاداة النخب الوطنية لتحدى التحديث أو عدم اكتراثها به كان اليهود باعتبارهم غرباء عن
الثقافة الوطنية إحدى الجماعات المعدودة المتحررة من قبضة القيم الأرستقراطية الراقية»
ومن ثم كانت الجماعات اليهودية تمتلك قدرة تمكنها من انتهاز الفرص التي أتاحتها الثورات
الصناعية والمالية والتكنولوجية . بيد أن مبادرات الجماعات اليهودية لاقت رفضًا مطلقّاء
واصطدمت بالرؤية المهيمنة للنبلاء . وفي دراسة وافية تتناول مرحلة التصنيع في بولندا في
القرن التاسع عشر»ء وهي مرحلة لم تكن تختلف كثيرا عن النمط السائد في بقية الشرق
الأوروبي» توصل جوزيف ماركوس إلى أن المواطنين والنخب التي كان يسودها النبلاء
كانوا يرون في مجيء الصناعة كارثة قومية . يقول ماركوس :
بينما كان المقاولون من الجماعات اليهودية يشيدون السكك الحديدية» كان أحد علماء
الاقتتصاد البولنديين البارزين يحذر بأن السكك الحديدية هي النار التي لا تبقي ولا تذر.
وعندما شيدت الجماعات اليهودية المنشآت الصناعية» اتهمها أصحاب الأراضي بتدمير
الزراعة التي كان يقال إنها تعاني من نقص العمالة. وعندما بدأت المصانع في العمل»
بغضت النخب الاجتماعية والأدبية أصحاب المصانع » بل وأشفقت عليهم لأنهم تركوا حياة
النعيم والمتعة والحرية البوهيمية من أجل بيئة المصنع الموحشة التي تستعبد الإنسان وتُدمره .
ينبغى أن نعلم أن المجتمع الذي تبنى بشدة مواقف نظرت إلى التقدم المادي على أنه غير
جدير بالأهمية وإلى جمع المال باعتباره أمرا مشيئاء لم يكن بإمكانه أن يشجع المبادرات
والمجازفات التي كان عصر التصنيع الرأسمالي يتطلبها. وليس غريبًا أيضا أن المتحمسين
الوحيدين للتقدم الصناعي في بولندا كانوا من اليهود البولنديين والمستوطنيين الأجانب .
كذلك أصبح أعضاء الطبقة البرجوازية اليهودية المبشرين الرئيسين بالأفكار الغربية
الشيبرالية. وكان في ذلك» وفي «المادية الغربية» عموماء من وجهة النظر البولندية
الأرستقراطية والكاثوليكية المحافظة» تهديد للتراث البولندي والروح القومية(١.
نستنء8) 1919-1939 لسمله© دز وتتعل عغطا 01 8351015 لدع الله 20د لدأ50 ,كتععة]5 معدو[ (1)
. 97-8 .رم ,(1983 ,81011402
١1
الحداذن والهولوكوست
كان اليهود البولنديون يتحولون في عبيون النبلاء المذهولين إلى الطبقة البرجوازية
اليهودية» فكانوا بذلك مصدر تهديد كبير للنخب القوية؛ إذ كانوا يجسدون صراع قوة
اجتماعية جديدة تعتمد على المال والصناعة ضد قوة تقليدية تعتمد على امتلاك الأراضي
ورعاية الممتلكات والأطيان بالوراثة. كما جسد اليهود البولنديون الوهم بالتوازن الدقيق
يدها على مواقع النفوذ والقوة بينما تصعد سلما التقطته من حثالة القيم المنبوذة7١2. أما
النبلاء الذين كانوا حريصين على الاحتفاظ بالزعامة القومية فقد رأوا أن التصنيع تهديد
مردوع: يسبب ما كان يحدث» وبسبب من كان يقف وراء ما كان يحدث . فكانت المبادرة
الاقتصادية اليهودية خطرا يهدد السيطرة الاجتماعية القائمة» وضربة للنظام الاجتماعي
الكلي القائم على تلك السيطرة. ولذا كان من السهل الربط بين اليهود أنفسهم والحالة
الجديدة من الاضطراب وعدم الاستقرار» إذ كان المجتمع الغربي يرى اليهود قوة تدميرية
شريرة» وعملاء يشيعون الفوضى والبلبلة» تمامًا مثل المادة اللزجة التى تطمس الحدود بين
أشياء ينبغي الفصل بينهاء تلك المادة التي أضاعت الثقة في فكرة التدرج الهرمي للصعود
الاجتماعى» وأذابت كل ما هو صلب» ودنست كل ما هو مقدمن .
عندما اقتربت حملات الاندماج اليهودية من السقف المحدد الذي وضعته المجتمعات
المضيفة» اتجهت النخب المتعلمة اليهؤدية بشدة نحو النقد الاجتماعى» فنظر إليها كثير من
المواطنين المحافظين قوة تهدد الاستقرار بطبيعتها. وقد أوجز ديقيد بياليى ذلك بذكاء شديد
و 01 2 ع ع
والثوريين» التي لم تجمع على أي شيء آخر»ء بأن مجتمعات أوروبا في شكلها المعاصر لا
)١( لجماعة وظيفية» ترجمة للمصطلح الإغجليزي «ناهةع 25610304 وهذا المصطلح يقترب من مفهوم «الجماعة
الوظيفية» الذي سكه عبد الوهاب المسيري» وكان يترجمه إلى الإنجليزية نامرع 0081ناء2نا» وقد أدرك
باومان والمسيري أهمية دراسة الجماعات اليهودية في بولندا لأنها تكشف بكل وضوح دور اليهود كجماعات
وسيطة ارتبطت مكانتها الاجتماعية بالتغيرات الاقتصادية والسياسية» ويؤكد باومان أن تطرف الفكر القومي
في بولندا أدى إلى وجود اعتقاد قوى بأن اليهود جسم سام وغريب يعيش على الجسد العضوي البولندي»»
وكان باومان نفسه ضحية لهذه الصورة الإدراكية عندما طُّرد من بولندا وجرد من جنسيته فى النصف الثانى من
القرن العشرين [المترجم] .
110 / دما
الفصل الثاني: الحداثيّ والعنصريت والإيادة (أ)
ترحب باليهود . فلا يمكن حل مشكلات اليهود في أوروبا إلا من خلال إحداث تغيير مأ
للمجتمع أو عن طريق تغيير علاقة اليهود بالمجتمع » وأصبحت «الحالة الطبيعية» تعني
التجارب الاجتماعية والمثل اليوتوبية التي لم تكن موجودة من ذي قبل170 .
إن ارتباط اليهود بالميراث القيبرالي الحركة التنوير أضاف بعد جديدا لحالة «اللزوجة»
اليهودية؛ إذ كان اليهود» من دون الجماعات الأخرى» يحظون بمنافع ومصالح بفضل
فكرة المواطنة التي روجت لها القيبرالية» وقد أوجززتهانا أرينت ذلك في عبارة شهيرة
قر ل يكف كان الدب عاق كنك وياعاك هوه 1ت شل رقب وما ونه
خلال الكيان السياسي للدولة» ولما لم يوجد لهذا الكيان واقع اجتماعي غيره» كانت
الجماعات اليهودية تعيش من الناحية الاجتماعية في فراغ)(22. وكان ذلك مصير اليهود
عبر تاريخ أوروبا قبل الحداثة أيضاء إذ كان اليهود أملامًا ودروعا واقية للملوك أو الأمراء
أبناء الملوك أو أمراء الحرب حسبما تقتضي مرحلة النظام الإقطاعي أو طبيعتها. وعليه فإن
مكانة الجماعات اليهودية ولدت في عالم السياسة» واستمدت بقاءها من هذا العالم.
وعلى نحو تماثل» تحررت الجماعات اليهوية ككل من المكائد الاجتماعية» إذ ظلوا خارج
البناء الاجتماعي» مما يعني أن الانتماءات أو الصراعات الطبقية لم يكن لها علاقة تقريبًا أو
أية علاقة على الإطلاق بتحديد وجود الجماعات اليهودية في البناء الاجتماعي . ولا كانت
الجماعات اليهودية امتدادا للدولة في قلب المجتمع » فلم تخضع بطبيعتها للتشريع الوطني
بالمعنى الاجتماعي» بل واضطرت أن تلعب دور المنطقة العازلة في الصراع الشرس بين
المجتمع وكبار ساسته» وتلقت أشد الضربات عندما وصلت الصراعات إلى نقطة الغليان.
وقد زودت الدولة الجماعات اليهودية بسبل الحماية المطلوبة» بيد أن ذلك بالضبط هو ما
جعل الجماعات اليهودية تركن دائما إلى كرم الحكام السياسيين وإحسانهم» وتعجز أشد
العجز عندما تصطدم بطمع الملوك ومكرهم . هذا الشذوذ الناجم عن موضع الجماعات
اليهودية في الفراغ بين الدولة والمجتمع انعكس تمامًا في رد فعل شاذ ومساو في المقدار
بلععاعمطء 5 انه ببجعلط) و«رماول طكتعصعل صز ودوعمدمعء 201 له عاع20 ,81214 103910 (1)
.2 .1986(,5
4 .1962(,2 ,تتأجدنآ عل معللخ :«ملدمم.آ) سكتسفترة)تلهاه'!' 01 عسأع 0 ,المععخ طمممصدآ (2)
116
الحداثتّ والهولومكوست
لعمليات التفكيك الاجتماعي والسياسي التي اتسم بها مجيء الحداثة . فقد تطلب إنهاء
التواكل اليهودي الأزلي على الحكام السياسيين اكتساب قاعدة اجتماعية غير سياسية
وتحقيق قدر من الاستقلال السياسي» وهذا ما وعدت به القيبرالية عندما أكدت مفاهيم
البناء الذاتي وتوكيد الأفراد الأحرار لذواتهم . رغم ذلك» تبين أن الحق في ممارسة تعاليم
الليبرالية يتوقف على القرارات السياسية» تمامًا مثل كافة الامتيازات الأخرى التي كان
اليهود يتمتعون بها في الماضي . وعليه فإن الانعتاق من قبضة الدولة كان من الممكن
تحقيقه» أو هكذا كان يبدو» من خلال الدولة وحدها. صحيح أن جماعات أخرى فضلت
الدفاع عن نفوذها الاجتماعي من التطفل المفرط للدولة» لكن لم يكن بإمكان الجماعات
اليهودية اكتساب مثل هذه الحقوق دون وجود دولة متطفلة لديها الاستعداد لبذل جهد كبير
في سبيل تفكيك احتكارات النظام القديم للمكانة الاجتماعية وحصونه الحصيئة . فلا غرابة
أن النخب الاجتماعية المهيمنة كانت تنظر إلى الجماعات اليهودية على أنها بذور دمارء
ليس فقط بسبب نجاحها المللحوظ وصعودها المفاجيء؛ بل وبسبب انهيار الأمن الذي
يعكسه هذا النجاح وذلك الصعود. ويستشهد ببتر يولتسر بمقولات غطية شائعة تحذر بأن
الأقوى سلاح تمتلكه البهودية هو ديموقراطية غير اليهود»» وأن «اليهودي لا يحتاج إلى شيء
سوى أن يجد حزب دعاة التنوير والفردية حتى يقسوض من الداخل الأسس التي ترتكز
عليها بنية الإطار الاجتماعي الألماني» ومن ثم لا يحتاج اليهودي إلى أن يلعب بذيله
للوصول إلى قمم المجتمع بعد أن فرض على الألمان نظرية اجتماعية تلتزم ياعتلاء اليهود
القمم الشاهقة)217. أما انشغال الجماعات اليهودية بالشكل الجديد للحماية السياسية فقد
مكن البرجوازية الوطنية العصامية من حماية اليهود في مقابل معسكر أعداء التوكيد
الاجتماعي الذاتي والحرية الاجتمناعية. وبذلك؛ وفي آن واحد» ظهرت #صورة من
المعاداة القشيبرالية للجماعات اليهودية»). وهي معاداة وضعت اليهود والنبلاء في سلة
واحدة» وادعت بأنهم يمثلون تحالفًا ماليًا ضد البرجوازية الصاعدة)7" .
-ج!20) ,113)كتتث 2180 71©11192157) 127 تتند ةا تمطرءدلاسة لق 1ائله 01 عدوت عط 1 ,ععدانط . [ . © .2 (1)
1 .م ,(1964 ,قده5 عك ز19/11 صسطمل بعتملا .
20 .2 ,لاقتصقتعها 101211 01 كصاع 00 ,المععة (2)
11.11 د مام
الفْصل الثاني لحداثيّ والعنصريتٌ والابادة (1)
جماعات غير قومية في عالم القوميات
تقول هانا أرينت : «كان اليهود جماعة غير قومية في عالم قوميات قائمة أو بازغة)7١2.
هذه الحقيقة كانت أقوى من كافة أبعاد الشذوذ اليهودي في تأثيرها على شكل المعاداة
الحديثة لليهود. لقد كانت الجماعات اليهودية أمة داخل القوميات أو أمة غير قومية بسبب
انتشارها وتنائرها في أقطار العالم» كما أنها كانت بمثابة تذكير دائم بنسبية الهوية الذاتية
والصالح العام وحدودهما. في المقابل» سعت فكرة القومية إلى حسم هذه النسبية من
خلال سلطة مطلقة ونهائية» وعليه كانت الجماعات اليهودية هي «العدو الداخلي» في
الدولة القومية. لقد كانت حدود الأم القومية ضيقة إلى حد يصعب فيه تحديد الجماعات
اليهودية وتعريفهاء وكان المدافعون عن مستقبل التراث القومي عاجزين عن إدراك
هويتهم . فلم يكن اليهود مختلفين عن أية أمة أخرى فحسب. بل كانوا مختلفين عن أية
جماعة أجنبية أخرى. باختصار»ء قوضت الجماعات اليهودية أسس الاختلاف بين
المضيفين والضيوف» والمواطئين والأجانب . وعندما أصبحت القومية الأساس الحاكم لبناء
الكيان الذاتي للجماعات» قوضت الجماعات اليهودية أهم الاخمتلافات الجوهرية :
الاختلاف بين (نحن» و«هم)» . علاوة على ذلك؛ كانت الجماعات اليهودية تتميز بالمرونة
والقدرة على التكيف مع المستجدات» كانت عربة فارغة يمكن أن تحمل أي حمل حقير
يتهم اهم» بحمله. وهكذا رأى توسينيل الجماعات اليهودية حاملات سموم تستهدف
البروتستانتنية والقومية الفرنسية» في حين اتهمها صمويل جوتليب ليشينج» عدو حركة
ألمانيا الفتاة» بأنها تصدر روح بلاد الغال الفرنسية المدمرة إلى ألمانيا!
ظهر بوضوح تجاوز الجماعات اليهودية للقوميات في مرحلة مبكرة من بناء الدولة
القومية» وذلك عندما زادت الصراعات على الحدود بين الأسر الملكية الحاكمة» وهي
صراعات زادت من حدتهاء أو على الأقل عقّدتهاء ادعاءات جديدة غير مسبوقة باسم
كيانات قومية متنوعة . هذه الصراعات أبرزت أهمية اليهود في تحقيق تواصل يتجاوز
زعماء الدول المتناحرة والجبهات الأمامية للقتال. كما أن هذه القدرة اليهودية على
الوساطة استغلها حكام أنهكت قواهم» رغم إرادتهم غالبّاء في صراعات أساؤوا فهمهاء
1١17
الحداتي والهوتوكوست
وتمنوا أن يضعوا نهاية لها. هؤلاء الحكام كانوا لا يحلمون بشيء سوى حل وسطء أو على
الأقل بأسلوب للتعايش يمكن أن يحظى بقبول أعدائهم ورعاياهم المدافعين بشراسة عن
الأمة القومية. أما في الحروب التي كانت تهدف غالبا أو فقط. للوصول إلى صيغة أكثر
قبولا للفعايش 6 فكانك المتماعات البيودية ققالةجمافات دولية ظبيعية » إذا جان التعيير:
إذ كانت تلعب دور رسل السلام القادرين على إطفاء نار الحرب .
بيد أن هذا الإنجاز المحمود أضرهم بشدة بمجرد أن تحولت تركات الأسر الملكية الحاكمة
إلى دول قومية حقيقية تحكمها العصبية القومية . لقد أصبح هدف الحرب هو تدمير العدو,
وحلت الحمية الوطنية محل الولاء للملك» وطغى حلم السيادة على الرغبة في السلام»
وانقسم العالم تمام إلى فضاءات قومية لاغير» ولم يكن هناك مجال للدعوة إلى الأمية
(دصد نت لهم00 2 معام ز). وباتت كل بقعة صغيرة غير آهلة من بقاع الأرض هدقًا دائمًا
للعدوان. هذا العالم المكتظ بالشعوب والدول القومية كان يبغضالفراغ القومي» وكان
اليهود يحيون في مثل هذا الفراغ» بل كانوا هم الفراغ نفسه. فكانت الجماعات اليهودية
تبعث على الشك والريبة» ليس لشيء سوى أنها تمتعت بالقدرة على التفاوض حينما كان
السلاح هو لغة التواصل الوحيدة. وما اجتمعت الأطراف المتناحرة في الحرب العظمى
على شيء سوى الشك بأن اليهود في بلادهم ينقصهم الحمية الؤطنية والحماس اللازم
لذبح أعداء الأمة. هذه السمة اليهودية تنم عن خيانة عظمى» لكنها كانت قضية فرعية إذا
ما قورنت بعدم الانتماء الفطري المزمن الذي يعاني منه اليهود؛ فاليهود كوزموبوليتانيون لا
ينتسبون لوطن معين .
هذه الظنون السيئة أكدتها الرغبة المعلنة لليهود في إبراز حصانتهم الدولية عبر تحيزهم
الاستفزازي لمفاهيم مثل «القيم الإنسانية»» و«الإنسان كإنسان»» و«النزعة العالمية». إلى
غير ذلك من الشعارات التي تفتقر إلى التعبئة القومية والحمية الوطنية . وفي بواكير العصر
القومي» حذر هينرش ليو من الجماعات اليهودية قائلاً :
إن البروز الملحوظ لليهود بين أم العالم يعود إلى امتلاكهم عقل يصيب كل شيء بالصدأ
والتآكل والتعفن . فإذا كان هناك بعض الينابيع التي تُحول كل شيء يلقى فيها إلى حجارة»
فإن اليهود منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا ما فتئوا بُحولون كل شيء يقع في مدار حياتهم:
الروحية إلى عمومية غامضة مجردة .
11.110 / دما
المْصل الثاني: الحداثتّ والعنصريت والابادة (1)
اليهود تسيل حي لفكرة «الغرباء» عند جورج زيميل » فأنظارهم تتطلع دائما إلى الخارج
حتى وهم بالداخحل» وهم يدرسون الأمور المألوفة كما لو كانت غربية» ويسألون أسئلة لم
يسألها قوم غيرهم » ويراودهم الشك فيما لا شك فيه» ويجادلون فيما لا جدال فيه . فبداية
من لودفيش بورنا رفيق هاينرش هايناء مرورا بكارل كروس قبيل سقوط عائلة هاسبورج ء
وانتهاء بكورت توخولسكى قبيل الانتصار النازي» نجدهم جميعا قد سخروا من سخافة
الفكروضيق الأفق والتسمتادل والسؤلكروالشرور والعفرية» وتخاريى الكل اللنهتي
القومي والرضا بموت التذوق الجمالي والفني. فلا غرابة ألا تسمح البلاد الغربية القومية
لمن يتخذ مثل هذا الموقف بالانتماء إلى كيان الأمة لأن الكيان القومي يستمد تعريفه من
التسليم بوجوده والاستعداد للتعايش معه في سلام. من هذا المنطلق» قدم فريدريش روز
عدة نصائح للمجتمع الغربي» وكان من أهمها أن الخصوصية القومية يجب أن تعلو فوق
كافة أشكال العمومية الغامضة المجردة. هذه النصيحة لم تكن غريبة ؛ «فاليهودي لا ينتمي
حمًا إلى البلد التي يعيش في كنفها. وما أن اليهودى البولندي ليس بولندياء واليهودى
الإنجليزي ليس إنجليزياء واليهودى السويدي ليس سويديّاء فإن اليهودي الألماني لا يمكن
أن يكون ألمانيّاء واليهودى البروسي لا يمكن أن يكون بروسيًا»7"" .
رغم أن.التصورات القومية نفسها غالبًا ما كانت غريبة ومتناقضة» فإن مصير التناقض
اليهودي لم يكن أفضل حالاً» فالقاعدة تقول: «لكل أمة ظالم تخشاهء ومظلوم تزدريه.»
وقليل من الأم دافعت باستماتة عن حق الآخرين في المعاملة بالمثل» وطوال فترة
الاضطراب التي شهدها عصر بناء القوميات . كانت القومية لعبة المجموع الصفري؛ فسيادة
إحدى الأم كانت تعني التعدى على سيادة أمة أخرى. كما أن الدفاع عن حقوق إحدى
الأم لم يكن يعني سوى عدوان أمة أخرى أو طغيانها أو غرورها.
كانت عواقب هذه اللعبة وخيمة في شرق أوروبا ووسطهاء إذ كانت هذه البقعة في
القرن التاسع عشر معملاً حقيقيًا للقوميات» سواء أكانت قوميات قديمة لم ترو ظمأهاء أو
قوميات ناشئة تتضور جوعا. وكان من المستحيل التحيز لتوجه قومي دون استعداء أمم
رع08نطصسة)) 1700-1933 تاسكتكتص 5- تكسف :مامتأعداماوع12 م معتقس له سوم بعلم امول (1)
. 161,87 .مم ,(1980 رومععط رانو حندت] لممحتدكط : . 184255
116
الحداكتي والهولوكوست
أخرى عديدة قائمة أو صاعدة» ما جعل اليهود فى موقف لا يحسدون عليه7١؟ , بقول ستو
إن بنيتها الوظيفية» ومستويات التعلم العالية بوجه عام» وحاجتها إلى الأمن السياسي,
جعلت اندماجها فى القوميات «التاريخية العريقة» المهيمنة - البولنديين» والمجريين»
والروس - أيسر من اندماجها فى القوميات القروية المطموسة «غير التاريخية» - على
سبيل المثال» التشيكيين» والسلوفاكيين» والأوكرانيين» والليتوانيين. ولذا تخلص اليهود
في جاليشيا والمجر من وصمة الانتماء الألماني» رغم أن ذلك لم يسعفهم كثيرا مع الأجناس
التي كانت تتعرض في المقابل إلى الظلم على أيدي البولنديين والمجريين7" .
وفي حالات تعد على أصابع اليد» كانت نخب القوميات القائمة أو البازغة تسعى إلى
توظيف الحماسة اليهودية والموهبة اليهودية كلتيهما فى إحداث تطورات لا تحظى على
الأرجح بتأييد عامة الناس الذين كانوا - غالبا رغم إرادتهم - أهدافًا للتبشير القومي
والتحديث الاقتصادي . ففي المجر» وفي ظل حكم عائلة هابسبورج» احتفت الطبقة
الأرستقراطية من ملاك الأراضي باليهود الفرحين بالاندماج الثقافي» واعتبرتهم أكثر
العملاء ولاء وكفاءة فى تعزيز سطوة القومية المجرية على الجماعات الإثنية فى المناطق
الهامشية النائية» غالبًا المناطق السلاقية» حيث كان النبلاء يأملون فى السيطرة عليها فى
إطار دولة المجر المستقبلية المستقلة. كما كان اليهود وراء عمليات التحديث الصارم
للاقتصاد الزراعى المتخلف الراكد» أما النخب اللتوانية الضعيفة فكانت تحرص على
توظيف الحماسة اليهودية في ترويج أحقيتها في حكم جماعات دينية ولغوية وإثنية متنوعة
فى الأراضى القديمة لدولة لتوانيا العظمى التاريخية أملاً فى إقامتها من جديد. وبوجه
)١( كان وضع الجماعات اليهودية أكثر خطورة وتعقيد! في شرق أوروباء إذ ظهرت اتهامات لها بالولاء المزدوج أو
عدم الانتماء القومي عندما اتخذت مواقف محايدة من الصراعات الدائرة» وتكرر هذا الوضع خلال الحرب
العالمية الثانية عندما رحبت الجماعات اليهودية في شرق بولندا بذخول الجيش الأحمر عام ١978 واعتبرته
حماية لها من النازيين ومعاداتهم العلنية لهم . وكان كل من تبقى من يهود بولندا بعد الاحتلال النازي يرون أن
الجيوش السوفيتية الزاحفة قوات تحرير وإنقاذ» لكن كان كثير من البولنديين يرون الروس والألمان غزاة أجانب
في المقام الأول ولذا وجدت الجماعات اليهودية نفسها في مأزق كبير (المؤلف) .
. 138-9 .مم بمسكتاتسع كص لمعكتاوط له عد183] ,بععلوط (2)
1110 دما
الفصل الثاني: الحداثت والعنصريسٌ والايادة (1أ)
ضرورية» لكن كانوا يستنكفون عن القيام بها بأنفسهم. لكن بمجرد انتفاء الحاجة الملحة
للخدمات اليهودية» كان بإمكان النخب الاستغناء عنها بسهولة. ومن ثم يصبح «لوم
اليهود وردعهم» محل ترحيب من قبل الجماهير الشعبية التي كان اليهود يتولون أمرها نيابة
عن النخب . هذا اللوم وذلك الردع يحليان شرابًا لاذعا تريد النخب الحاكمة بعد أن تملكت
زمام الأمور أن تسقيه الجماهير الغاضبة .
رغم ذلك لم يكن بوسع النخب أنفسهاء ولو يصورة مؤقتة. أن تثق بالتحالفات
اليهودية ثقة تامة. فالجماعات اليهودية» بخلاف أبتاء المجتمع القومى. رأت أن الانتماء
الوطني مسألة اختيارية» ومن ثم كان الانتماء من حيث المبدأ قابلاً للإلغاء احتى إشعار
آخر . » آنذاك كانت حدود المجتمعات لا تزال غير ثابتة ومحل نزاع» ولذا كان الشعور
لتضع الحدود والفواصل» والويل كل الويل لمن كان يجرؤ على المرور بها أو امتراقها.
ولذا فإن حرية الحركة التي كانت الجماعات اليهودية تنعم بها حينما تشاء بين الحصون
القومية المختلفة أثارت مخاوف عميقة لأنها تتحدى الحقيقة الأساسية التى أقامت عليها
كافة الأم القديمة والجديدة ادعاءاتها: عصبية السيادة القومية» والوراثة القومية من الآباء
إلى الأبناء» وطبيعية الكيانات القومية. صحيح أنه ظهر حلم قيبرالي قصير الأجل يهدف
إلى الاندماج اليهودي» وبوجه أعم إلى التعامل مع «المسألة اليهودية» على أنها مسألة
ثقافية في الغالب الأعم» ومن ثم ضرورة حلها من خلال الاندماج الثقافي الطوعي» لكن
هذا الحلم انهار على أنقاض التناقض الجوهري بين فكرة القومية وفكرة الاختيار الحر.
ورغم ما ينطوي على ذلك من تناقض: كان لابد للقوميين الأوفياء أن يبغضوا القوى
الراعية للاندماج في أوطانهم» وأن يرحبوا بالثناء الذي أغدقه المعجبون بالأمة على
فضائلهاء واشترط القوميون حفل احتضان يمنحون فيه المغرمين بالدولة القومية إحسان
السادة وحمايتهم بموجب تابعيتهم لهم. رغم ذلك» قلما غفر القوميون تفسير الإعجاب
بالدولة القومية على أنه حق شرعي للانتماء إلى الجماعة القومية» حتى وإن كان إعجابا
مكتسبًا بالممارسة أو محاكاة تعدل الانصهار والذوبان في المجتمع . يقول جيوف دنش في
1١
الحداث والهولوكوست
نصيحة بليغة لكافة الأم التابعة (5ه8]10ه 6معذاك) : «أعلنوا إيمانكم بالعدالة والمساواة في
المستقبل» هذا جزء من اللعبة» ولكن لا تنتظروا ذلك أن يتحقق)17' .
ويتبين من خلال هذا الاستعراض الموجز للقائمة العريضة من أشكال الشذوذ اليهوردي
أنه لم يكن بوسع الجماعات اليهودية أن تخرج عن مسار الحداثة الذي انتهى بانعتاقها من
حياة الحيتو دون إصابات بالغة» بل ظلت الجماعات اليهودية تعكس انعدام شفافية العالم
المقاتل في سبيل الشفافية» وغموض العالم المتلهف لإرساء اليقين. وقفت الجماعات
اليهودية فوق كافة المتاريس» وفرجت سيقانها عليهاء وأغرت طلقات الرصاص بأن تنهال
عليها من كل حدب وصوب . واقع الأمر أن الصورة الإدراكية المتخيلة عن الجماعات
اليهودية أصبحت هي النموذج الأصلي «للَّرُوجة؛ التي تتحدى حلم الحداثة بالنظام
والوضوح» والعدو الرافض لكافة أشكال النظام القدية والجديدة والمأمولة .
حداثة العنصرية
حدث شيء مهم للجماعات اليهودية على طريق الحداثة ؛ إذ سلكته وهي في عزلة تامة
خلف أسوار حارات اليهود. الحجرية أو الخيالية . وكانت هذه العزلة إحدى حقائق الحياة»
مثل الهواء أو مباديء الأخلاق» لكنها لم تقتض تأجيج المشاعر الشعبية» أو المناظرات
الكبرى» أو تأهب الحراس المتيقظين. فالعادات السلوكية لم تكن ترتبط غالبًا بالقوانين»
وكانت كفيلة بإعادة إنتاج التغريب المتبادل الذي حافظ على دوام الانعزال. كل ذلك تغير
مع مجيء الحداثة» ومع تفكيكها للفروق التي سنها القانون» ومع احتفائها بشعارات
المساواة القانونية وبأكثر بدعها غرابة: بدعة المواطنة . يقول ياكوب كاتس :
عندما عاشت الجماعات اليهودية حياة الجيتو» وأيضا فور تركها لهذه الحياة» انهالت
عليها الاتهامات من قبل المواطنين الذين كانوا يحتلون مكانة قانونية لم تنعم بها الجماعات
اليبهودية. كانت تلك الاتهامات لا تهدف إلى شيء سوى تبرير الوضع القائم» وفرضه
كأمر واقع» وإيجاد أساس منطقي لإبقاء اليهود في مكانة اجتماعية وقانونية وضيعة .
والآن» رغم ذلك» تصدر هذه الاتهامات عن مواطنين بصفتهم مواطنين على قدم المساواة
02001 آ) ,عع 212 اكتطسسة 01 ونعسمكئم : :ماع50 دعم 2) عطا صل كع1 أ أ مططالا ,بطعمعءطا أمع0 010
259 .نم ,(2,1986كلآ1
71171610 / دما
الفصل الثاتي: الحداثيّ والعنصريت والايادة (أ)
أمام القانون» وكان الهدف منها التأكيد على أن الجماعات اليهودية ليست أهلاً للمكانة
الاجتماعية والقانونية التي منحت لها)(21.
لم تكن المكانة الاجتماعية أو الأخلاقية وحدها هي بيت القصيدء وكانت المشكلة أكثر
تعقيدا إلى أبعد الحدود. وبالطبع كان جزء من المشكلة يكمن في تصميم الآليات التي لم
يمارسها الناس من قبل واكتساب المهارات التي لم يتصورها العقل حتى الآن - فهما أمران
ضروريان لاصطناع ما كان في الماضي معطيات طبيعية . في عصور ما قبل الحداثة. كان
اليهود جماعة من الجماعات» وطبقة من الطبقاتء ولم يمثل قيزهم أية مشكلة. أما مع
بداية الحداثة» صارت عزلة اليهود مشكلة» فكان لابد من إخضاعهاء مثل كافة الظواهر
الأخرى في المجتمع الحديث؛ إلى عمليات التصنيع» والتشييد» والإقناع العقلاني»
والتخطيط التكنولوجيء والإدارة» والرقابة. كان بإمكان المسؤولين عن مجتمعات ما قبل
الحداثة أن يلعبوا الدور المتواضع الهاديء الذي يلعبه حارس منطقة الصيدء فيحرسون
مجتمعًا يعتمد على موارده الذاتية ويعيد إنتاج نفسه تلقائيًا عام بعد عام وجيلاً بعد جيل
دون تغير ملحوظ . أما المسؤولون عن المجتمعات الحديثة فلم يلعبوا هذا الدور. ففي
الأزمنة الحديثة» لا يمكن التسليم بأي شيء» وما ينبغي لشيء أن ينمو إلا إذا زرعه المجتمع
بنفسهء أما كافة النباتات التي تنمو من تلقاء نفسها فهي نباتات شيطانية» ومن ثم فهي
نباتات خطيرة تهدد النظام العام أو تفسده. وبذلك فإن حالة الرضا التي يتميز بها حارس
منطقة الصيد رفاهية لا ينعم بها المرء في عصر الحداثة» بل يحتاج الإنسان الحديث إلى رؤية
البستاني ومهاراته» ذلك الرجل المسلح بتخطيط مفصل للمرج والحدود. والخطوط التي
تفصل المرج والحدود. البستاني يمتلك رؤية للآلوان المتناسقة ورؤية للفرق بين التناسق
الذي يبعث على البهجة» والتنافر الذي يبعث على الاشمئزاز. إنه لا يتهاون مع النباتات
التي تنمو من تلقاء نفسها وتتدخل في. خطنه ورؤيته للتناسق والنظام» بل يتعامل معها على
أنها حشائش غريبة» وهو يمتلك الآلات والسموم اللازمة لإبادتها والحفاظ الكامل على
التنظيم الشامل للبستان وتقسيماته .
فقدت عزلة اليهود طبيعيتها المرتبطة في الماضي بانفصال الجماعات وبملابسات كثيرة
فرضت نفسهاء وتبين أن هذا العزلة مصطنعة وهشة تمامًا. فما اعتدنا النظر إليه على أنه
3 .م لماع سوعط 0 ععنلسز ععط سوط ,حتف كا (1)
يهن
الحداث والهولوكوست
حقيقة ثابتة» وفرضية مقبولة» أصبح الآن مجرد حقيقة على المرء أن يشرحها قيبرهن
عليهاء وصار مجرد «جوهر) يختفي وراء ظواهر تتناقض معه بوضوح . لابد الآن أن نتقن
تشكل الطبيعة الجديدة وفق سلطة مسختلفة عن تلك السلطة التي ترتكز إلى دليل
الانطباعات الحسية . يقول باتريك جيرار:
إن الاندماج اليهودى في المجتمع المضيف واختفاء الفروق الدينية والاجتماعية أفرزا
وضعًا لا يمكن فيه التمييز بين اليهود والمسيحيين. فبعد أن أصبح اليهودي مواطنًا مثل أي
مواطن آخر يختلط بالمسيحيين عبر الزواج» لم يعد من الممكن تمييزه. هذه الحقيقة كان لها
أهمية كبيرة لدى منظري معاداة اليهود. يقول إدوارد درومون في كتابه «فرنسا اليهودية» :
«إن فلانًا اليهودي» السيد كوهين مثلاً» الذي يذهب إلى المعبد» ويأكل الطعام المباح في
الشريعة اليهودية» هو رجل جدير بالاحترام» ولا أحمل في نفسي ضغينة له» بل أحملها
بالتأكيد لليهودي الخفي . »
وهناك أفكار مشابهة في ألمانياء حيث كان ازدراء اليهود الذين يقصبون شعرهم»,
ويرتدون القفطان» أقل حدة من ازدراء أقرانهم المتدينين والمحبين لوطنهم من الألمان اليهود
الذين كانوا يحاكون المسيخيين أبناء الوطن . إن معاداة اليهود الحديثة ليست ناجمة عن
الاختلاف الكبير بين الجماعات؛ بل عن التهديد الذي يمثله غياب الفروق» ومجانسة
المجتمع الغربي» وإلغاء الحواجز القانونية بين اليهود والمسيحيين7! .
ألغت الحداثة الفروق والاختلافات» أو مظاهرها الخارجية على الأقل» كما هدمت
الجوهر الذي تستند إليه المسافات الرمزية بين الجماعات المنعزلة . وفي ظل غياب هذه
الاختلافات» لم يكن كافيا التغني الفلسفي 18 الواقع كما كان الحال في الماضي » وهذا
ما فعلته المسيحية عندما سعت إلى فهم العزلة اليهودية الفعلية. أما مع الحداثة» فلم يوجد
مفر من ابتداع الاختلاف أو التشبث به في مواجهة القوة الكاسحة لأفكار المساواة
الاجتماعية والقانونية والتبادل الثقافي الشامل .
20 ,ع1 ,51015157015 ل , 0ك لتمعمتكسم 01 كعصم نه لصحده"1 235011 ,لعدعزت عاعتطوط 2
-تمطع]آ :مماعسنطعة77) علملكصتنا . 8 1[ع30 .له ,أكتتوءم[10 تجدلظ عغطا ده 855335 :ككمتقاعءمعوط
70-71 .مم ,(1980 ,توإصدومددهن) عمنطمتاطوط عععطمهة
01 6 لدمناما
الفصل الثاني: الحداثن والعنصريتٌ والابادة (1)
إن التفسير الديني المتوارث لفكرة الحد الفاصل» أي رفض اليهود للمسيح» لم يصلح
مطلقًا لأداء المهمة الجديدة . فمثل هذا التفسير كان يعني بالضرورة إمكانية الخروج من
بوتقة العزلة . فطالما كانت معالم الحد الفاصل واضحة ومحددة تمامّاء كان هذا التفسير
يحقق هدمًا جيدا» ويسمح بربط مصير البشر بحريتهم المفترضة في تحقيق الخلاص أو
ارتكاب الخطاياء وقبول الرحمة الإلهية أو الجحود بها. هذه المرونة حققت هذا الهدف
دون التهوين من صلابة الحد الفاصل نفسه» ولكن تبين أن عنصر المرونة ذاته يجلب
المصائب بمجرد أن تفقد تمارسات التمييز والانعزال همتها وحماستها؛ وتعجز عن الدفاع
عن طبيعية الحد الفاصل» وتجعله بدلاً من ذلك مرهونًا بتقرير المصير الإنساني. على أي
حال» أكدت الرؤية الحديثة للعالم القدرة غير المتناهية للتعليم والاكتمال الذاتي» و أصبح
كل شيء ممكنًا بالعزم الجيد والجهد الكافي . فالإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء أو خزانة
فارغة تمتليء رويدا رويدا عبر سيرورة التهذيب الحضاري بمحتويات تضخها الأفكار
الثقافية المشتركة للجميع . ويكمن التناقض في أن عزو الاختلافات بين اليهود والمسيحيين
المضيفين إلى اختلاف الدين والشعائر فحسب قد ظهر متسقا تمامًا مع الرؤية الحديثة للطبيعة
البشرية. فنبذ خرافات اليهودية واعتناق دين أسمى» ونبذ أشكال التحامل والتحيزء كل
ذلك كان فيما يبدو وسائل مناسبة وكافية لتطوير الذات» وحافزا لا يتوقعه أحد» وعلى
مثل هذا النطاق الواسع» إلا عن طريق الانتصار النهائي للعقل على الجهل والضلال .
بالطبع لم يكمن التهديد الحسقيقي لصلابة الأسوار الفاصلة القديمة في النهج
الأيديو لوجي للحداثة» بل في رفض الدولة العلمانية الحديئة تشريع تمارسات اجتماعية
مختلفة ومتمايزة. ولم يوجد التباس طالما ظل اليهود أنفسهم» في صورتهم المفضلة لدى
إدوارد درومون» يتشبثون بممارساتهم المميزة» رافضين الانسياق وراء الدولة في سعيها
نحو التماثل والتجانس . أما الالتباس النقيقي فنشأ عن قبول أعداد غفيرة ومتزايدة من
اليهود دعوة الدولة واعتناقهم مذهبًا جديداء سواء في شكله الديني المتوارث أو في صورته
الحديثة الخاصة بالاندماج الثقافي. وفي فرنسا وألمانيا والأقطار التي غلب عليها النفوذ
الألماني في الإمبراطورية النمساوية المجرية» كان هناك احتمال قوي بأن المجتمع سيدمج
جميع اليهود» أو أن اليهود سيدمجون أنفسهم, عاجلاً أم آجلاً» ويجعلون يهوديتهم طي
النسيان» ويذوبون في المجتمع وثقافته. وفي غياب تمارسات التمييز التي رسختها
156
الحداثت والهولوكوست
الأعراف القديمة والتشريعات القانونية» لم يكن غياب علامات واضحة للاختلاف يعني
شيئًا سوى إزالة الحد الفاصل نفسه .
تطلب التمييز في ظل الحداثة أسلوبًا حديثًا لإقامة الحدود الفاصلة بحيث يستطيع
مقاومة وتحييد الإمكانات المزعومة غير المتناهية للقوى التمدينية والتربوية. لقد احتاج إلى
تخصيص منطقة «ممنوع الاقتراب منها» تكون مهمتها تحسين المهارات الذاتية وأصول التربية
وتحديد سقف الطاقة الكامنة للثقافة. وقد جرى تطبيق هذا الأسلوب بإتقان شديد»
وبنجاح متفاوت» على كافة الجماعات التي أريد لها أن تظل دائما في مكانة ثانوية تابعة»
مثل الطبقة العاملة والنساء. ومن أجل إنقاذ تميز اليهود من عدوان المساواة الحديثة» كان
لابد من صياغة هذا التميز وفق أسس جديدة أشد قوة من قوى الثقافة وحرية الإرادة. كان
لابد أن تحل الهوية العرقية اليهودية (1671582655) محل الديانة اليهودية (510نة300)» أو
كما قالت هانا أرينت: «صحيح أن اليهود تمكنوا من الفرار من الديانة اليهودية والاهتداء
إلى دين الحداثة الجديد» لكن لا مفر من الهوية العرقية اليهودية)7١' .
كان على الهوية العرقية اليهودية. بخلاف الديانة اليهودية» أن تفوق الإرادة الإنسانية
والطاقة الإبداعية. كان عليها أن تصل إلى مستوى القانون الطبيعي» وهو قانون ينبغي
اكتشافه ودراسته وتسخيره في خدمة البشرية فيما بعد بحيث لا يمكن العبث به أو اللعب به
أو إهماله» ليس دون عواقب وخيمة على الأقل . هذا القانون المقترح من عينة القوانين التي
كان إدوارد درومون يسعى إلى تذكير قرائه بها: «ذات مرة» سأل دوق فرنسي أصدقاءه
قائلاً: «أتريدون أن تروا كيف يفصح الدم عن أصله؟» وقد تزوج هذا الدوق من فتاة من
مدينة فرانكفورت من عائلة «روتشيلد» اليهودية» وقد فعل ذلك رغم عن أمه» ولم يبال
بدموعه”" . وفي حضور أصدقائه» دعا الدوق ولده الصغير» وأخرج من جيبه قطعة
نقود ذهبية فرنسية من عهد الملك لويس» وأراه إياهاء فبرقت عيناه فرحاء فققال الدوق
(؟) كانت عائلة روتشيلد تتألف من رجال المال ويهود البلاط ؛ وهي من أهم العائلات التي لعبت دور كبيراً في
الرأسمالية الغربية بدء! من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين, لكن باومان لا يورد تفاصيل أخرى عن
هذه العائلة في هذا الكتاب» أما عبد الوهاب المسيري فقد خصص مدخلا كبيراً لهذا الموضوع في موسوعته عن
اليهود» وأوضح أن هذه العائلة دعهت التشكيل الإمبريالي الغربي والمشروع الصهيوني في فلسطين [المترجم] .
0 60.16 8 نومام
الفْصل الثاني: الحدائيٌ والعنصريتٌ والإيادة (1)
#أترون! إن الغريزة اليهودية تكشف عن نفسها دون تردد!» وفي موضع آخرء أعلن
تشارليز مورس عن إيمانه بأن «طبيعة الشخص تحدد مساره من البداية» وليس بإمكان وهم
الاختيار ووهم العقل إلا أن يؤديا إلى تشرد شخصي وكارثة سياسية. وإغفال هذا القانون
الطبيعي ربما يحدث في حالة واحدة» وهي عندما يلقي المرء بنفسه والجميع في التهلكة. أو
كما قال موريس باريس: «الطفل حبيس عالم الكلمات» لا يربطه أي رباط بحقائق
الواقع» فالمذهب الكانطي يقتلع جذوره من أرض أسلافه , وفائض من الشهادات الدراسية
يخلق ما يمكن أن نطلق عليه» كما يقول بيسمارك «بروليتاريا الخريجين». هذا هو اتهامنا
للجامعات لأن ما يحدث لنتاجهاء أي «المفكر»» أنه يصبح عدوا للمجتمع2172. ونتاج
الاهتداء والتحول» سواء كان ثقافيا أو دينياء ليس تغير الجودة» بل فقدانهاء حيث يقبع في
الجانب الآخر للتحول فراغاء وليس هوية أخرى. فالمهتدى أو المنحول إلى الدين الجديد
يفقد هويته دون اكتساب أي شيء في المقابل» والإنسان «يكون» قبل أن «يفعل»» ولا شيء
يفعله يمكن أن يغير طبيعته» وهذا هو تقريبًا الجوهر الفلسفي للعنصرية .
,88 .مم ,(1970 ,عمق تمطتهصمل :دملدم.آ) أطعن8 طعدعع؟1 عط" ,(. هع) لسمقتاعل0ء51 . 5 .[ (1)
32,175
1
10010220
الفصل الثالث
الحداتة والعنصرية
والإبادة ( ب )
10010220
العصل الثالت: الحداكت والعنصريي والابادة (ب)
ثمة تنافض واضح في تاريخ العنصرية» لاسيما العنصرية النازية .
لعبت أبرز الوقائع العنصرية دورا في إثارة المخاوف وتأجيج المشاعر المناهضة للحداثة»
وربما استمدت العنصرية أهميتها وفاعليتها من هذا الدور» والذي استغله كل من أدولف
شتوكر» وديريش إيكارت» وألفريد روزنبرج» وجرجور شتراسر» وجوزيف جوبلز,
ومعظم أنبياء القومية الاشتراكية أو منظريها أو مناصري أيديولوجيتها. فكل هؤلاء وظفوا
شبح العرق اليهودي أداة مهمة تربط بين المخاوف الواضحة لضحايا التحديث في الماضي
والمستقبل من جهة. والشعب العضوي المثالي المستقبلي الذي تصوره أنصار الاشتراكية من
أجل وقف زحف الحداثة من جهة أخرى . ففي استشهادهم بأهوال الطفرة الاجتماعية التي
شرت بها الحداثة» عرف أنصار الاشتراكية الحداثة بأنها سطوة القيم الاقتصادية والمالية,
واتهموا الخصال العرقية اليهودية بالمسؤولية عن هذا الانتهاك الوحشي لأسلوب حياة
الشعب العضوي الألماني والقيم الإنسانية السامية . ولهذا كان القضاء على اليهود مرادقًا
لرفض النظام الحديث . هذه الحقيقة توحي بطابع ما قبل حداثي للعنصرية؛ فهي تكشف
القرابة الطبيعية» إن جاز التعبير» بين العنصرية والمشاعر المناهضة للحداثة» كما أنها تبرز
القدرة الانتقائية للعنصرية كوسيلة للتنفيس عن :المشاعر المعادية للحداثة .
رغم ذلك» لم يكن لأحد أن يتخيل العنصرية رؤية للعالم» بل وأداة فعالة للممارسة
السياسية» دون تقدم العلم الحديث, والتكنولوجيا الحديثة» والأشكال الحديثة لسلطة
الدولة . هذا بالضبط ما جعل العنصرية نتاجًا حديثّاء فلولا الحداثة ما كانت العنصرية
أمرا مكنا . الحداثة هي التي خلقت طلبًا على العنصرية» والعصر الحديث جعل التقدم
المقياس الوحيد للقيمة الإنسانية» وكان بحاجة إلى إحدى نظريات العزو حتى يسترجع
المخاوف الناجمة عن رسم الحدود وحراستها نحت ظروف جديدة جعلت عبور الحدود
استخدم في صراعات ما قبل حداثية» أو على الأقل في صراعات لم تكن حديثة من
195
الحدائثت والهولودكوست
من الخوف المرضي من الآخر المختلف إلى العنصرية
ثمة اعتقاد شائع؛ وإن كان خطأء بأن العنصرية أحد أشكال العداء أو التحامل بين
الجماعات . وأحيانًا تنفصل العنصرية بفضل حدتها الانفعالية عن مشاعر أو معتقدات
أخرى تنتمي إلى دائرة أعم وأشمل . وأحيانًا أخرى» تنفصل العنصرية عن أشكال العداوة
الدفينة غير العنصرية بين الجماعات بسبب صلة العنصرية بالتهم الوراثية والبيولوجية
والثقافية التي تتصمنها عادة. وفي بعض الحالات» يشير الباحثون المهتمون بالعنصرية إلى
المقولات العلمية التي لا تمتلكها عادة نماذج شائعة سلبية أخرى غير عنصرية عن الجماعات
الأجنبية. ومهما اختلفت زاوية النظر إلى ظاهرة العنصرية» قلما يخرج الباحثون عن
عادتهم في تحليلاتهم وتفسيراتهم لها في إطار ضرب أعم من ضروب التحامل .
تكتسب العنصرية اهتمامًا ملحوظً بين أشكال العداء بين الجمناعات» وهي وحدها
تكشف عن صلة قرابة واضحة بالروح العلمية للعصر . وهناك تيار تفسيري معاكس وشائع
يميل إلى توسيع مفهوم العنصرية ليشمل كافة الأشكال المتنوعة للعداء. هذا التيار يفسر
جميع أشكال التحامل بين الجماعات على أنها تجليات عديدة لنزعات عنصرية طبيعية
فطرية . وربما ينبغي علينا ألا نبالغ في الانبهار بمثل هذا التغير في التعريفات» وأن ننظر إليه
نظرة فلسفية على أنه مجرد مسألة تتعلق بتعريفات يمكن على كل حال أن نقبلها أو نرفضها
كما نشاء . وإذا أمعنا النظرء سنجد أن الرضا بهذا التغير خسارة كبيرة . فإذا كانت الضغائن
بين الجماعات أشكالاً للعنصرية» وإذا كان البحث الإثنولوجي والتاريخي قد تمكن من
التوثيق الواسع للميل إلى عزل الغرباء وكراهية التواصل معهم على أنه فيما يبدو سمة
كونية أبدية» فلا يوجد شيء جديد يختلف جوهريًا وجذريا عن العنصرية التي حظيت بمثل
هذا الاهتمام في زمننا. وبذلك تكون العنصرية مجرد تكرار لمسرحية قديمة تعرض على
خشبة المسرح مع إدخال بعض التعديلات على صيغة الحوار» خاصة أن هذه المسرحية
تهمش العلاقة الوطيدة بين العنصرية والجوانب الأخرى للحياة الحديثة أو تنكرها تماما .
أعد بيير أندريه تاجييف دراسة حديثة واسعة عن التحامل» وفيها يتناول مفهوم العنصرية
ومفهوم الخوف المرضي من الآخر المختلف (00512م620اءا) على أنهما مفهومان
100 أ نومام
المُصل الثالث: الحداثت والعتصرية والإبادة (ب)
مترادفان(١2» ويحدد لهما 'ثلاثة مستويات» أو ثلاثة أشكال تتدرج في التعقيد. «العنصرية
الأولية؛ عنصرية كونية عالمية» بمعنى أنها رد فعل طبيعي لوجود إنسان غريب مجهول أو
شكل من أشكال الحياة الإنسانية التي تثير الغرابة والبلبلة . والاستجابة الأولى للغرابة هي
الكراهية» وهي تفضي غالبا إلى العداء والعدوانية. وترتبط هذه الاستجابة في كافة الأحوال
والأمكنة ارتباطًا وثيمًا بالعفوية» فالعنصرية الأولية لا تحتاج إلى من يشعلهنا أو يؤجج
نيرانهاء كما أنها ليست بحاجة إلى نظرية كي تضفي شرعية على الكراهية الطبيعية» رغم
إمكانية تقويتها كأداة للتعبئة السياسية وتوظيفها عند الحاجة'؟2. عندئذ يمكن للعنصرية أن
تنتقل إلى مستوي جديد من التركيب والتعقيد أو عنصرية «الدرجة الثانية» - العنصرية ذات
التسويغ العقلاني . ويحدث هذا التحول عند طرح نظرية تكون مرجعية نفسهاء فتضع أسسا
منطقية للكراهية » وتصور الآخر المكروه على أنه خبيث النية» أو مصدر للضرر والأذى «من
وجهة نظر موضوعية»» وفي كلتا الحالتين يمثل الآخر المكروه تهديدا لبقاء الجماعة الكارهة .
على سبيل المثال» يمكن تصوير الجماعة المكروهة على أنها جماعة تتآمر مع قوي الشر من
خلال خريطة إدراكية يشكلها دين الجماعة الكارهة» أو يمكن تصويرها على أنها منافس
اقنصادي يفتقر إلى المباديء الأخلاقية . وهذا يعني أن اختيار الحقل الدلالي لتنظير اضرر)
الآخر المكروه تحدده المصالح الاجتماعية والصراعات والانقسامات. والخنوف المرضي من
الأجانب (18ط0طمممة5)؛ أو تحديدا إيمان المرء بأن شعبه وجنسه وثقافته من الأصل تفوق
غيرها (0قلامء206طاء)» هو أحد أكثر الحالات المعاصرة شيوعا لما يسمى اعنصرية الدرجة
الثانية» . وقد بلغت هذه العنصرية مداها في عصر القومية الجامحة الذي كان الناس يدافعون
فيه عن معالم الهوية بلغة التاريخ والتراث والثقافة المشتركة . أخيراء تأتي عنصرية الدرجة
الثالثة» أو العنصرية التي تَحْفي رهانات سياسية محضة» وهي تقتضي ضمنًا المستويين
السابق ذكرهماء وتتميز بتوظيف براهين ؤحجج شبه بيولوجية .
ويبدو أن الشكل الذي طرح فيه تاجييف هذا التصنيف الثلاثي معيب من الوجهة
المنطقية . فإذا كان المستوى الثاني من العنصرية يتميز بتنظير كراهية أولية» فلا يوجد سبب
001115 ك5ع5 أع طاكاعهة" ع1 لاد لهدده :6156م تل 06 هآ بللمندهة1 نمه عصماط عه (1)
.(1988 ,عتتع7تتامعه0آ1 8[ :امتتوط)
.69-70 .2 ,6056م 1 م101 هآ لأعنناعة'1 (2)
نهف
الحداثة والهولوكوست
وجيه لاستبعاد أيديولوجية واحدة فقط من أيديولوجيات ممكنة عديدة تُستخدم أو يمكن
استخدامها لهذا الغرض على أنها سمة يتميز بها «مستوي أعلى» من العنصرية . فالمستوي
الثالث من العنصرية يشبه إلى حد كبير وحدة في المستوي الثاني . وربما استطاع تاجييف أن
يدافع عن تصنيفه لو لم يفصل النظريات البيولوجية بسبب طبيعتها التي يفترض أنها تحجب
عن العيان أهدافًا سياسية محضة. فبإمكاننا أن نحادل بلا نهاية بشأن درجة التعمية السياسية
في نظريات العنصرية الأخرى التي تنتمي إلى المستوي الثاني . وكان على تاجييف أن يشير
إلى أن الجدال البيولوجي يميل إلى التأكيد بأن «آخرية» الآخر الضارة المؤذية المككروهة داء
مستعص لا راد له. واقع الأمر أن البيولوجيا عامة» والوراثة جاصة» يرمزان في الوعي
العام إلى تلك المنطقة التي ما زالت تستعصي على التطويع الثقافي» في عصرنا الذي يتسم
باصطناعية النظام الاجتماعي» والقدرة المطلقّة للتربية والتعليم» والقدرة غير المحدودة
لعصر الهندسة الاجتماعية بوجه أعم . إنهما يرمزان إلى شيء لا نعرف كيف نصلحهء
ونصوغه» ونعيد تشكيله كيفما نشاء. رغم ذلك» يصر تاجييف على أن الشكل العلمي
البيولوجي الحديث للعنصرية لا يبدو «مختلمًا في طبيعته وآليته ووظيفته عن الخطاب
التقليدي للإقصاء والذي يسقط حقوق الآخر وأهليته»» ويتمركز حول «١جنون الاضطهاد»
أو (الوسواس القهري) والبسداك التي تدميز بها اعنصرية المستوى الثالث76) .
ونحن نرى غير ذلك تمامًا» ونذهب إلى أن طبيعة العنصرية ووظيفتها وآليتها تحديدا هي
التي تختلف كل الاختلاف عن الخوف المرضي من الآخر المختلف . إنها تختلف عن تلك
الأشكال المتنوعة الأقرب إلى الإحساس العاطفي وليس الإحساس العملي بالقلق
والانزعاج أو الخنوف الذي يشعر به البشر على نحو طبيعي كلما اصطدموا بمثل هذه
«المكونات الإنسانية» الوجودية التي يستعصي عليهم فهمها فهما كاملاً. ولا يستطيعون
التعامل معها بسهولة أو التنبؤ بمسارها. ويبدو أن الخوف المرضي من الآخر المختلف مثال
جيد لظاهرة أعم وأشمل من القلق الناجم عن إحساس الرءِ بأن الأمور خرجت عن
سيطرته» ومن ثم الإحساس بالعجز عن التأثير في مسار الأحداث أو التنيؤ بعواقب
الأفعال. وربما يبدو الخوف من الآخر مُوضعة (ه860 تنأو ز0)» واقعية أو غير واقعية»
لثل هذا القلق» لكن القلق الذي نحن بصدده قد يستهدف دائمًا «موضوعا) يركن إليه.
91 م بعس ز4هم نسل مم1 هآ ,لمعه (1)
و ط اوها اةم 3.1و 6 مثا
الفصل الثالث: الحذاثيّ والعنصريتّ والإبادة (ب)
وهذا يعني أن الخوف المرضي من الآخر المختلف ظاهرة شائعة إلى حد ما في كل زمان»
ومازال هذا الموقف أكثر شيوعًا في عصر الحداثة» وهو عصر ازدادت فيه المواقف
والتجارب التي «تخرج عن السيطرة»» وأصبح تفسيرها على أنها تدخل خبيث من جماعة
إنسانية غريبة تفسيرً معقولاً أو مقبولاً في ظاهر الأمر .
علينا أن نفرق على المستوي التحليلي بين الخوف المرضي من الآخر المختلف» كمأ
وصفناه آنمًا (018م66670) ٠ وعداوة الانفصال عن الحدود الاجتماعية (أصماوع ام
لإأنتضدء)» وهي حالة أكثر خصوصية من العداوة الناجمة عن الممارسات البشرية الخاصة
بالبحث عن الهوية ورسم الحدود بين الهويات المختلفة . في حالة عداوة الانفصال» تبدو
مشاعر الكراهية والضغينة أقرب إلى التوابع الانفعالية لعملية الانفصال» والانفصال نفسه
يتطلب نشاطاء وجهداء وفعلا طويل البقاء. رغم ذلك» ليس الغرباء في حالة النوف
المرضي من الآخر المختلف مجرد جماعة تثير المخاوف والتهديدات والمخاطر أو جماعة
منفصلة انفصالا واضحاء ويسهل ققييزها والاحتفاظ بمسافة معينة منها. بل إنهم جماعة لا
تتضح معالم «هويتها الجمعية»» وربما تختلف جماعة الغرباء الدخلاء نفسها على هويتها
الجمعية وتُخفيها أو تدكرها. هؤلاء الغرباء في هذه الحالة يهددون باختراق الجماعة القومية
والانصهار فيها إن لم يراقبهم المواطنون الأصليون ويتخذوا الإجراءات الوقائية ضدهم.
ومن ثم» فإن الغرباء يهددون وحدة الجماعة القومية الوطنية وهويتهاء لا لأنهم يزعزعون
سيطرتها على مساحة من الأرض أو حريشها في الفعل على نحو مألوف. بل لأنهم
يطمسون حدود الأرض نفسهاء ويمحون الاختلاف بين أسلوب الحياة المألوف (الحق)
وأسلوب الحياة الغريب (الباطل). إنهم يجسدون فكرة «الغريب في عقر دارنا»» وهي
حالة تتسبب في هرج ومرج عنيف يشعل ترسيم الحدود بين الهويات ويولّد انجارات
العداوة والكراهية لمن تثبت إدانته أو لمن ينهم بالولاء المزدوج والرقص على كافة الأجناب
والفاريم.
تختلف العنصرية عن الخنوف المرضي من الآخر المختلف وعداوة الانفصال . هذا
الاختلاف لا يكمن في حدة المشاعر أو في نوع الحجج والبراهين التي تسوغها العنصرية
على أساس عقلاني . بل تكتسب العنصرية طابعها الخاص من ممارسة هي في أصلها جزء
150
الحداثت والهولوكوست
من العنصرية وتضفي عليها طابع العقلانية . هذه الممارسة تجمع بين استراتيجيات علوم
مختلفة مثل العمارة والبستنة والطب» وهي تهدف إلى اختلاق نظام اجتماعي عبر فصل
حقائق الواقع القائم التي لا تنوافق والواقع المثالي المتخيل والتي لا يمكن تغييرها حتى
تتوافق معه.
في هذا العالم الذي يتباهى بقدرته غير المسبوقة على تحسين الأوضاع الإنسانية عن
طريق إعادة تنظيم الواقع الإنساني وفق أسس عقلانية» تأتي العنصرية بأدلة وبراهين تثبت
أن جماعة معينة من البشر لا يمكن دمجها في النظام العقلاني مهما حاولنا ومهما بذلنا من
جهد. وفي هذا العالم الذي يتميز باخمتراقه المستمر الحدود التطويع الثقافي والتكنولوجي
والعلمي» تأتي العنصرية لتؤكد أن عيوبًا معينة لجماعة معينة من البشر لا يمكن التخلص
منها أو تصحيحهاء أي أن هذه الجماعة لا يمكن إصلاحها وستظل على حالها هذا إلى
الأبد. وفي هذا العالم الذي يؤكد القدرة الهائلة للتدريب والتحول الثقافي» تأتي
العنصرية لتفصل جماعة معينة بحجة أنه لا يجدي معها النقاش والجدال» وأنه لا أمل في
إصلاحها كما ينبغي عبر أية أدوات توجيهية وتثقيفية أخرى» ومن ثم لابد أن تظل جماعة
غريبة إلى الأبد. خلاصة القول» في العالم الحديث الذي يتمينز بطموحه في التحكم
الذاتي والإدارة الذاتية» تقرر العنصرية أن ثمة جماغة من البشر مصابة بداء مستعص يقاوم
التحكم والسيطرة» وأنه لاسبيل إلى علاجها أو إصلاحها. ويمكننا تلخيص ذلك في
صورة مجازية من عالم الطبء فالمرء بإمكانه أن يدرب أعضاء الجسد «السليمة» ويتحكم
في حركتهاء ولا يمكنه ذلك مع الأورام السرطانية التي لا يمكن «علاجها» إلا باستئصالها .
والنتيجة المنطقية:تتنلخص في أن العنصرية ترتبط حتما باستراتيجيات النفور والعداء»
فإذا كانت الظروف مواتية» تستوجب العنصرية طرد الجماعة المكروهة من أرض الدولة .
وإذالم تسمح الظروف بذلك» تتطلب العنصرية التصفية الجسدية للجماعة المكروهة.
فالطرد والتدمير وجهان لعملة واحدة هي الإقصاء .
يقول ألفريد روزينبرج في إحدى كتاباته عن اليهود: «يطلق ليوبولد تسونتس على
الديانة اليهودية «نزوة النفس اليهودية»» وليس بإمكان اليهودي أن ينفصل عن هذه «النزوة)
حتي لوتم تعميده عشر مرات» والمحصلة الحتمية لهذه النزوة ستظل دائمًا كما هي :
600.6 6 لدمناما
الفصل الثالث: الحذاثت والعتصريت والابادة (ب)
الحمودء والمادية» والعداء للمسيحية) ١7 ., وماهو صحيح عن التأثير الديني لهذه النزوة
ينطبق على كافة التأثيرات الخارجية الثقافية الأخرى., فلا أمل في إصلاح اليهود» ولا سبيل
إلى تحاشي ضررهم سوي عزلهم أو قطع الصلة بهم أو حبسهم خلف الأسوار أو تدميرهم .
العنصرية أحد أشكال الهندسة الاجتماعية
لم تظهر الأهمية الحقة للعنصرية إلا في سياق التخطيط للمجتمع المثالي والعزم على
تنفيذ هذا التخطيط ال مثالي عبر جهد منظم ومتواصل . وفي حالة الهولوكوستء تمئلت
الخطة في تأسيس دولة الرايخ التي ستدوم ألف عامء أو ملكة الروح الألمانية الحرة» المملكة
التي لا ترحب بأي شيء سوى الروح الألمانية . فلا مكان فيها لليهود العاجزين عن تطهير
أنفسهم والاهتداء إلى روح القولكء أو الشعب العضوي الألماني (77011). هذا العجز
الروحي صورته النازية على أنه سمة وراثية أو سمة تتعلق بالدم» وجعلته تهسيدا للجانبت
الآخر من الثقافة» والأرض التي تعجز الثقافة عن الحلم بحرثها وزراعتهاء والبريّة التي لن
تتحول أبدا إلى أرض صالحة لأعمال البستنة - لم تكن آفاق الهندسة الوراثية موضع
اهتمام جاد أنذاك .
كانت الثورة النازية تدريبًا على الهندسة الاجتماعية . وكان «المخزون العرقي» هو حلقة
الوصل في سلسلة الإجراءات الهندسية . فالحيئيات الرسمية للسياسة النازية التي نُشرت
باللغة الإنجليزية بمبادرة من وزير الخارجية الألماني ريبنشتروب خدمت أغراض الدعاية
الدولية وخرجت في لغة تتميز بالحذر والهدوء الشديدين. وفي عرض هذه الحيثيات»
وضعب ل نكسو ار شرك هريس لح الضيطة القري زرو لدان مضه عابي
للحكم النازي بأنها «سياسة نشطة تتبع مبدأ الحفاظ على الصحة العرقية»» كما شرح
الاستراتيجية التي تتطلبها هذه السياسة قائلاً: «إذا سهلنا تكاثر المخزون الصحي عن طريق
الانتقاء النظامي للعناصر السليمة وإقصاء العناصر غير السليمة» سنمتلك القدرة على
تحسين المقاييس الجسدية للجيل الحالي» بل والأجيال القادمة أيضا» . لم يساور الدكتور
جوت أي شك في أن الاستراتيجية المزدوجة للانتقاء والإقصاء «تتطابق من جميع الأوجه
مع أبحاث كوخ» وليستر» وباستير» وغيرهم من العلماء الأجلاء»» ومن ثم فهي امتداد
196 .م ,(1970 ,عم سمطاهدم1 :صمنكممآ) كعسنا؟1] 0عاعه561 ,عبعطدعده1 لعكقلة (1)
1
الحدادن والهولوكوست
طبيعي ومنطقي لتقام العلم الحديث. بل ودليل على بلوغ هذا العلم أعلى درجات
التقدم(!2 .
شرح الدكتور فالتر جروس» رئيس مكتب التنوير الخاص بالسياسة السكانية والرفاهة
العرقية» حيثيات السياسة العرقية» وأكد أنها تتمثل في عكس مسار التيار الحالي الذي
يظهر «معدلات إنجابية متضائلة بين السكان الأكثر صحة وسلامة» ومعدلات إنجابية مفرطة
بين المصابين بالأمراض الوراثية»؛ وأصحاب الأمراض العقلية» والمعتوهين, والبلهاءء
والمجرمين ممن يجري الإجرام في عروقهم مجرى الدم17' . هنا لم يتجاوز الدكتور جروس
التأكيد على ضرورة تعقيم أصحاب الأمراض الوراثية لأنه كان يخاطب جمهورا عالميًا لن
يرحب على الأرجح بعزم النازيين - الذين لم يبالوا بأشياء غير عقلانية من شاكلة الرأي
العام أو التعددية السياسية - على كشف النتيجة المنطقية التي وصلت إليها إنجازات العلم
الحديث والتكنولوجيا.
بيد أن حقيقة السياسة العرقية كانت أكثر بشاعة» إذ لم يجد النازيون سببًا لتقصر
سياستهم على «الأجيال القادمة»» بل بذلوا في حدود الإمكانات والموارد جهدا كبيراً من
أجل تحسين الجيل المعاصر لهم . وكان أسرع الطرق لتحقيق هذا الهدف هو الإزاحة العنيفة
لكل كائن أو حياة عديمة القيمة (6061.آ[ 1127115) . وكانت كل وسيلة علمية ستلعب
دوراً في هذه الإزاحة لضمان التقدم إلى الأمام على هذا الطريق السريع . وكانت
الملابسات والحيثيات تقتضي استخذام مصطلحات مثل «الإزالة»» و«التخلص»)»
و «الإخلاء»» و «التخفيض»» وجميعها يعني «الإبادة» . وبعد أن أصدر هتلر أوامره في
الأول من سنتمبر لعام 19179..ظهرت مراكز بحثية في براندنبرج» وهادامار
وزونينشتين» وآيشبيرج» وكانت كلها تتخفي وراء مسميات تنطوي على تضليل مزدوج»
فكان يطلق عليها في حوارات صامتة «معاهد اليوثينيجيا أو القتل الرحيم) (512عمعطاناء) ؛
بينما كانت معروفة على نطاق أوسع بأسماء أكثر خداعا وتضليلاً مثل «المؤسسة الخيرية
6157/0511 انظ وماصمط] تدصملدم]) معتهوم5 'تمقصدع 6 مذ , وعتاو© سمككقاسووط: نا مستطاكق )010(
.هم ,(1938
68 .م رمكلهعم5 '(للقصطاء© طنز , اتاعتامط!' لدتعم1 اعتلد 50 لهم0 ه11 ,5وه02 ععاله 717 (2)
1 دمام
المْصل الثالث؛ الحددائي والعنصريت والابادة (ب)
للرعاية المؤسسية» أو «جمعية نقل المرضي». 0ك وهي شفرة تهوينية مشتقة من
العنوان 4 شارع تيرجارتن» برلين» حيث موقع مكتب تنسيق جميع عمليات الإبادة0"؟ .
وكان لابد من وضع نهاية لهذا التضليل في ١8 أغسطس عام ١95١ نتيجة للاحتجاجات
القوية التي أبدتها شخصيات بارزة بالكنيسة» لكن لم يتخل النازيون عن مبدأ «الإدارة
النشطة للتيارات السكانية» . كل ما في الأمر أن بؤرة الاهتمام وتكنولوجيا القتل بالغاز التي
تطورت بفضل حملة القتل الرحيم استهدفت جماعة مختلفة» أي اليهود. وتحولت إلى
أماكن مختلفة مثل زوبيبور أو شيلمنو.
أصبحت «الحياة أو الكائنات عديمة القيمة» هى الهدف على طول الطريق» وكان
النازيون الذين رسموا خطة المجتمع المثالي يرون أن المشروع الذي يسعون إليه ويصرون
على تنفيذه من خلال الهندسة الاجتماعية يسم الحياة الإنسانية إلى حياة نافعة ذات قيمة
وحياة غير نافعة عدية القيمة. الأولي تحظى بعناية بالغة وتنعم بموطن للحياة ومجال
حيوي(1ناة16661151)» أما الثانية فتعزل» وإذا لم يكن العزل حلاً عمليًا لها فتباد.
والسياسية العرقية الصارمة لم تستهدف من كانوا مجرد غرباء» أو من كان يسهل
إخضاعهم لاستراتيجيات قدية موثوقة ترتبط عادة بعداوة الانفصال الاجتماعي . وعليه
كان لابد من وضع الغرباء وراء سياج وتحت حراسة مشددة. أما المعاقون ذهنيًا وبدنيًا
فكانوا يشكلون حالة أكثر صعوبة» وكانوا يتطلبون سياسة جديدة مبتكرة» فلم يكن من
الممكن طردهم أو حبسهم وراء سياج وأسوار لأنهم ليسوا من «الأعراق الأخرى»» ولم
يكونوا أهلآ لدخول دولة الرايخ الألمانية التي ستدوم ألف عام. وكانت الجماعات اليهودية
تمثل حالة مشابهة» فلم تكن عرقًا مثل الأعراق الأخرى؛ بل كانت جماعات ضد العرق»
كانت عرقًا يقوض جميع الأعراق الأخرى ويهدمهاء فهي لم تستهدف تدمير هوية عرق
بعينه» بل تدمير النظام العرقي ذاته . وهذا التصوير يستحضر صورة اليهود باعتبارهم «أمة
غير قومية»» وعدوا لدودا للنظام القائم على فكرة القومية. وقد استحسن روزبيرج هذا
)١( يُعلّقَ عبد الوهاب المسيري )١4417( على استخدام النازيين لهذه الشفرة العلمية الجافة المحايدة قائلاً: وهو
اسم يصلح لأية شركة تجارية أو سياحية أو حتى دواء مقو»؛ وأنه من الأفضل تسميته «القتل العلمي' أو «القتل
المحايد) أو «القتل الأداتي» أو «القتل الملوضوعي» [المترجم].
رقوع؟2 لاأزوقء كتطلآ 01070 :0:1010) سم دلوك لمستط عط فس “8110 ,عسمنسعاط للمجع0 .1ن (2)
23-5 .مم ,(1986
1585
الحداثي والهولوكوست
التصوير» واستشهد بالمقولة المهيئة التى تصف اليهود بأنهم «شبكة متماسكة غير مرئية من
فطريات الوحل الإسفنجية أو جرثومة الملاريا الموجودة منذ قديم الأزل والمنتتشرة في كافة
أرجاء الأرض2170 . ولذا لم يكن عزل اليهود سوي نصف إجراء» أو محطة على الطريق
المؤدي للهدف النهائي؛ ولم يكن ممكنا أن ينتهي الأمر بتطهير ألمانيا من اليهود. حتي وإن
كانت الجماعات اليهودية تعيش بعيدًا عن الحدود الألمانية» فإنها كانت ستواصل تقويض
أسس المنطق الطبيعى للكون حتى تدمره. وعندما أمر هتلر جنوده بأن يقاتلوا في سبيل
رفعة العرق الألماني» كان يؤمن أن الحرب التي أوقد نيرانها إنما هي حرب باسم جميع
الأعراق» وأنها خدمة أسداها للجنس البشري الذي يقوم نظامه على فكرة العرق .
ونستشف مما سبق أن الهندسة الاجتماعية عمل ذو أسس علمية يهدف إلى تأسيس نظام
جديد أفضل» وأنها تستلزم احتواء» أو بالأحري إقصاءء كافة العوامل الهدامة. ولكل
هذا تصبح العنصرية في واقع الأمر متناغمة مع الحداثة ورؤيتها للعالم وممارستها. ويتضح
هذا التناغم في أمرين على الأقل .
أولآ» شهد عصر التنوير «تأليه | 1 لطسعة» وشرعنة العلم بوصفه دينها أ لخنيف» والعلماء
بوصفهم أنبياءها وكهنتها»7؟". وبات كل شيء من حيث المبدأ قابلاً للبحث الموضوعي ؛
وصار من الممكن معرفة كل شيء بثقة ويقين. وغدت الحقيقة والخير والجمال» أي كل ما
هو كائن؛ وكل ما ينبغي أن يكون» أشياء يمكن إخضاعها للملاحظة الدقيقة المنهجية. ولم
يكن مكنا لأي شيء أن يكتسب أية شرعية إلا من خلال المعرفة الموضوعية القائمة على
الملاحظة المنهجية. يقول جورج موس في موجز دراسته الفريدة لتاريخ العنصرية : لمن
المستحيل أن نفصل خطاب فلسفات التنوير حول الطبيعة الفيزيائية عن رؤيتها للأخلاق
والطبيعة البشرية. . . فمنذ البداية. . . كان العلم الطبيعئ والمثل الجمالية والأخلاقية يدا
واحدة». فاتسم النشاط العلمى الذي صاغه عصر التنوير بمحاولة «تحديد المكان الصحيح
وكتقطظط .ج12 بطاعتصتطة) قتساط 'قصنى ا متكا بتتدعاعظ طاعتفعانا ,ز.لع) عععطمعدم8 لعاخ (1)
1]377) 1510138 1001222312337 لذ ::110نان) أجوقاظ رع1/1055 . ب[ عع نمع تعاكة 0001660 . (1928
77 م1981 رععام80 مععاعمطه5 عاعره ا
(1) «تأليه الطبيعة» فكرة محورية في أعمال باومان والمسيري» وكلاهما يربطها بفكرة «تأليه الإنسان؟» بحيث
يصبح حلول الإله في الطبيعة أو الإنسان هو النموذج التفسيري المحوري في فك شفرة عصر التنوير واحتفائه
بالمادية العقلانية والنظريات العرقية العنصرية والنماذج الآلية [المترجم].
110 دما
الفصل الثالث: الحدائن والعتصريئ والإبادة (ب)
للإنسان في الطبيعة من خلال الملاحظات والقياسات والمقارنات بين الجماعات البشرية
والحيوانية»» كما اتسم «بالإيمان بوحدة السد والعقل» . وساد الإيمان بأن العقل يعبر عن
نفسه بطريقة مادية ملموسة يمكن قياسها وملاحظتها»(١2. أما علم فراسة الدماغ (فن معرفة
السمات العقلية والخلقية من خلال دارسة الجمجمة) وعلم فراسة الوجه (فن معرفة
السمات العقلية والخلقية من خلال دراسة ملامح الوجه) فقد حظيا بثقة كاملة من عصر
العلم الحديث واستراتيجيته وطموحه. وأصبحت الطبيعة المادية تحكم المزاج والخلق
والذكاء الإنساني والملكات الجمالية البشرية وحتى الانتماءات السياسية. كما أصبح في
مقدورالمرء أن يسبر غور السمات الروحية الدفينة والمحيرة من خلال الملاحظة الدقيقة
ومققارنة الأساس المادي المرئي . فالأصول المادية للانطباعات الحسية كانت مفاتيح عديدة
تسبر أغوار الطبيعة» وعلامات تحتاج إلى تفسير» وسجلات مدونة في شفرة لابد للعلم أن
وما كان على العنصرية إلا أن تُسلّم بوجود توزيع منهجي جيني تناسلي للسمات المادية
الخاصة بالكائن البشري» وبمسؤولية هذا التوزيع عن السمات الخلقية والأخلاقية والجمالية
والسياسية . هذه المهمة أنجزها نيابة عن العنصرية رواد العلم الأجلاء الذين قلما وضعهم
الناس في قائمة.رواد العنصرية أو لم يحسبونهم كذلك أبدا . ولما كان العلماء يلاحظون
الواقع كما هو بلا تحامل أو تحيزء لم يكن في مقدورهم إغفال التفوق «الموضوعي» اليقيني
المادي الملموس الذي يتمتع به الغرب دون سائر الأم التي تعيش في أرجاء المعمورة. ولذا
قام كارل لينايوس» أبو التصنيف العلمي» بتسجيل الاختلاف بين سكان أوروبا وسكان
أفريقيا بدقة متناهية تضاهي دقة تسجيله للاختلاف بين القشريات والأسماك. فأخذ يصف
العرق الأبيض بأنه عرق خلاق» ومبدع» ومنظم» وممتثل للقوانين. . . أما الزنوج فنعتهم
بكافة الصفنات السلبية التي تحولت إلى دليل يثبت أفضلية العرق الأبيض ؛ فهم أناس
كُسالى ومنحرفون وعاجزون عن حكم أنفسهم»217. أما جوزيف جوبينو» أبو «العنصرية
العلمية»» فلم يوظف طاقاته الإبداعية في وصف العرق الأسود بأنه عرق قليل الذكاء» بل
صسكء 182 سمعمه س1 عن ورماكت؟ خى تسوتاساه5 لمسذظ1 عط لجهعره؟ ,ء31555 [١ . ععرمه6 (1)
.2 .م,(1978 ,ص50 عل غوع0آ1 .34 . ل ,مملدم)
. 20 .م هلامك لهصذظا عط لعوجه!' ,ء55ه510 (2)
1١5١
الحداثت والهولوكوست
وصفه بأنه عرق تفشت فيه الحسية الشهوانية» ومن ثم فالعرق الأسود قوة فجة مخيفة»
قاما مثل الغوغاء الهائجة؛ أما العرق الأبيض فهو عرق يعشق الحرية والشرف وكل شيء
0000
في عام ١191 وصف ولتر فرانك اضطهاد اليهود بأنه قصة ملحمية اللبحث العلمي
الآلماني في صراعه ضد يهود العالم . ) فمن اليو م الأول لتولي النازيين مقاليد الحكمء
أنشئت معاهد علمية أدارتها نخبة متميزة من الأساتذة الجامعيين المتخصصين في علوم
الأحياء والتاريخ والعلوم السياسية من أجل بحث 'المسألة اليهودية» وفق «المعايير الدولية
للعلم المتقدم) : «معهد الدولة الألمانية لتاريخ ألمانيا الجديدة». و«معهد دراسة المسألة
اليهودية». و«١معهد أبحاث التأثير اليهودي على الحياة المسيحية الألمانية)» و «معهد
روزينبرج لدراسة المسألة اليهودية» . هذه المعاهد مجرد أمثلة من المراكز العلمية العديدة التي
اهدمت بالقضايا النظرية والتطبيقية للمسألة اليهودية من خلال تطبيق الطرق البحثية
المنهجية؛ ولم ينقص تلك المراكز جماعات الباحثين الأكفاء ذوي المؤهلات الأكاديمية
والعلمية المعتمدة. وكانت الرؤية البحثية لهذه المعاهد 3: تتحرك وفق أساس منطقي نموذجي :
منذ عشرات السنين» كانت جميع مناحي الحياة الثقافية تتحرك تحت تأثير الفكر
البيولوجي» لاسيما الفكر الذي ظهر في منتصف القرن التاسع عشرء بفضل تعاليم دارون
وميندل وجالتون» وتبلور هذا الفكر فيما بعد بفضل دراسات بلوتس وشالاير وكورينز
ودوفريس ورودن وباور وفيشر ولنتس وغيرهم . وتمخض عن هذه الدراسات إيمان بأن
القوانين التي تسير على النبات والحيوان من الأرجح أن تسير على الإنسان7" .
ثانيًا» منذ بداية عنصر التنوير» اتسنم العالم الحديث بسعي حثيث ونزعة هندسية نحو
الطبيعة ونحو نفسه أيضًا. فلم يكن العلم غاية في حد ذاته» بل كان في المقام الأول أداة
خارقة تسمح لمن يمتلكها بأن يغير الواقع» وبأن يعيد تشكيله وفق تصورات وخطط بشرية»
وبأن يُسهم في اندفاع الواقع نحو تحقيق كماله الذاتي. وكانت البستنة والطب موذجين
53 . م ,تامنفسطاه5 لهسأ عط) 10:0 رءووه31 .4 (1)
05 75مقطتاتدءة) صل موتطدوسفامطء5 له اعجو عط :وعمووع نوع 1111165 بطعتعتصةء7؟ عدالة (2)
.56,33 .مم ,(1946 ,عتتطتاقمآ عتمتامع5 ط10035؟ عتره؟ بجعلط) عامصرمعءع8 طامتجوعل عط أمستدعد
111110 دما
الفصل الثالث: الحداثت والعنصريتّ والايادة (ب)
أصليين لتلك الرؤية التأويلية» وكانت السلامة العقلية والصحة البدنية والنظافة الشخصية
هي الصور المجازية النماذجية للمهام والاستراتيجيات البشرية في إدارة الشؤون البشرية .
وبذلك أضحى الوجود الإنساني والتعايش الإنساني هدفين لآليات الإدارة والتخطيط»
اح اك لبوا أو لفو ااي 1 تترك لحالها بلا راع؛
خشية أن تقضي عليها الحشائش أو أن تنفشى فيها الأورام السرطانية . صحيح أن البستنة
والطب شكلان متمايزان وظيفياء لكنهما يؤديان المهمة نفسهاء وهي فصل العناصر النافعة
التي من حظها أن تحيا وتزدهر عن العناصر الضارة التي ينبغي القضاء عليها واجتثاثها من
فوق اللأرض.
لم يسأم هتلر لغة الخطابة التي تفوح بالصور المجازية الموحية بالمرض والطاعون
والعدوي واكتساح الطفيليات ووباء الآفات(١؟. لقد شبه المسيحية والبلشفية بالطاعون
ومرض الزهري. ووصف اليهود بأنهم بكتيريا وجراثيم وآفات وطفيليات ميتة(؟2. وفي
حديثه إلى هاينرش هيملر ذات مرة عام ١1947 أكد هتلر أن «اكتشاف الفيروس اليهودي»
هو «إحدى أعظم الثورات التي شهدها التاريخ» فالمعركة التي نخوضوها اليوم هي المعركة
نفسها التي شنها لوي باستير وروبرت كوخ خلال القرن الماضي» فكم من أمراض عديدة
تعود إلى هذا الفيروس اليهودي» والسبيل الوحيد لاستعادة صحتنا هو إبادة اليهود»7" .
وفي أكتوبر من العام نفسه» صرح هتلر قاتلاً: «عندما نبيد تلك الآفات» فإننا نسدي بذلك
)١( «طفيلية اليهود» أحد أهم الموضوعات التي تناولها زيجمونت باومان وعبد الوهاب المسيري» وهي صورة
مجازية تقارن اليهود بالحيوانات أو النباتات التي تعيش على غيرها. لكن المسيري» بخلاف باومان» يؤكد أن
هذه الصور لا تقنصر على الخطاب النازي» وأنها موضوعات كامنة أساسية في الأدبيات الصهيونية أيضّاء إذ
وصف المفكر الصهيوني أهارون جوردون يهود العالم خارج فلسطين بأنهم طفيليون» واستخدم المفكر
الصهيوني الألماني ماكس نوردو كلمة «البكتريا» لوصف وضع اليهود في المنفى . يقول المسيري (19919):
«ولعل الاختلاف الوحيد هو أن الصهاينة يفضلون الطريقة البلفورية على الطريقة الهتلرية» [المترجم].
(؟) هناك دلائل كثيرة بأن اللغة التي كان هتلر يستتخدمها عند الحديث عن «المسألة اليهودية» لم تكن بلاغية أو ذات
قيمة دعائية فحسب» بل كانت تعكس الهوس الفعلى لدى هتلر بالنظافة أو الصحة كقاعدة سلوكية . فعندما
الاك ع 317 مات ااه لبور صر تاك لانت لي ارال باك
كل يهود ميونيخ على المشانق مميدان مارينبلاتس إلى أن يتعفنوا وتخرج رائحتهم الكريهة» بمعنى أنه سيتركهم
معلقين على المشانق طالما سمحت مباديء النظافة والصحة بذّلك (المؤلف) .
. 2 .م ,(1953 ,قم0دم.آ) علله1 ع[طه1 5' 81141 ,بعمهظ-و ه15 .11.8 (3)
155
الحداذي والهولوكوست
خدمة كبيرة للبشرية»217. إن من نفذوا وصية هتلر» لطا ما أشاروا إلى إبادة اليهود على أنها
«مداواة أوروبا»» و«تطهير ذاتي»» و«تطهيسر اليهود». وفي نوفمبر عام »114١ تُشرت
مقالة بعنوان «الإمبراطورية الألمانية»؛ وفيها أشاد جوزيف جوبلز باستخدام شارة نجمة داود
كإجراء وقائي من الأمراض . وبذلك كان عزل اليهود عن المجتمع الألماني الذي يتميز
بالنقاء العرقي قاعدة أولية للصحة الاجتماعية والقومية والعرقية. وكانت حجة جوبلز في
ذلك أن الناس منهم السليم ومنهم العليل» تمامًا مثلما توجد حيوانات سليمة وحيوانات
مريضة : (إذا كان اليهودي يعيش بينناء فذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أنه واحد مناء
ماما مثل الذبابة التي لا تصير حيوانًا أليفًا لمجرد أنها تعيش في المنزل2272 . لقد كانت المسألة
اليهودية» كما قال رئيس إعلام دكي ون اننا رس وميا ا تخيابة الضيدة الساسية,
واستطاع عالان ألمانيان شهيران» وهمنا عالم البيولوجيا إروين باور وعالم
الأنثروبولوجيا مارتن شتيملر» أن يترجما ما كان يعبر عنه قادة ألمانيا النازية بلغة الخنطاب
السياسي العاطفي والانفعالي إلى اللغة الدقيقة التي يتميز بها العلم التطبيقي :
إن كل مرب للماشية يعلم أنه إذا ذبح أفضل ما عنده من الحيوانات دون أن يتركها
تتكاثر» واستمر في تربية الأنواع الرديئة» فإنه خاسر لا محالة . هذا الخطأ الذي لا يرتكبه
أي فلاح مع حيواناته وزراعته نسمح به نحن فيما بيننا إلى حد كبير. ولكي نستعيد إنسانيتنا
اليوم» لابد وأن ندرك أن الأنواع الرديئة من البشر ليس لها أن تتكاثر. إننا لسنا في حاجة
إلى أي شيء سوى عملية بسيطة لا تستغرق دقائق معدودة حتى نجعل هذا الحلم واقعا دون
مضيعة للوقت . لا أحد يؤيد قوانين التعقيم الجديدة أكثر ما أؤيدهاء لكن يجب علي أن
أؤكّد مرة أخرى أنها مجرد بداية. »
الانقراض والبقاء قطبان تدور حولهما حياة الكائنات كافة» إنهما الآليتان اللتان تستمر
7 .2 ,(1967 ,ع0157000م5 2 ع8 :200ه.آ) 220106 :ند ضة 11 رمطمن) للقمترولة (1)
لتنا ععساتاكةخ سه 71000 عتاطد6 :كسقصحء © عط لجيه عد ؟آ 1111165 متتعمزع)5 . 0 كتاتة31 (2)
-1ت815ل1آ متط0 :مقط ,كمعطاف) 116 عل . 3 . 8 مفسسمط]' . مممن ,جد ]1 1010 لموعع5 عطا عدا
. 37 .م.,(1977 ,ووععظ 515
ع1 ع معمله1] علعملا بجع81) سورعل ممعم مس1 عط" 01 دسمتاأعتد؟12 عط رعءط1111 لنامجظ (3)
. 1023 .مآ .701 ,(1983
0 01 8 نومام
الفصل الثالث: الحداثيّ والعنصرين والابادة (ب)
بهما الحياة . . . فالانقراض تدمير بيولوجي للعناصر الوراثية الرديئة من خلال عمليات
التعقيم» إنه قمع كمي للعناصر غير السليمة وغير المرغوب فيها. إن مهمتنا هي حماية
اللشتومق العهق المفريظ [المن ا 017
خلاصة القول» حاول النازيون قبل بناء غرف الغاز أن يبيدوا زملاءهم المعاقين ذهنيًا
والمشوهين بدنيًا عبر ما يطلق عليه «القتل الرحيم» (أو ما يسمى تضليلاً «اليوثينيجيا»» وأن
يساعدوا على تكاثر الجنس الأفضل باستخدام أفضل الرجال من الناحية العرقية في تلقيح
أفضل النساء من الناحية العرقية» وهذا ما يعرف باسم علم تحسين النسل (0105م181186) .
فكانت إبادة اليهود» تمامًا مثل هذه المحاولات» تدريبًا على الإدارة العقلانية للمجتمع»
ومحاولة نظامية نمنهجة لتوظيف رؤية العلم التطبيقي وفلسفته ونتائجه فى خدمة تلك
الادانة20:
من العزل إلى الإبادة
يقول جورج موس : «الم يحرض اللاهوت المسيحي يوم ما على إبادة اليهود بل دعا
إلى عزلهم عن المجتمع باعتبارهم الشعب الشاهد الذي عليه أن يقرر مصيره» وكان عزل
اليهود داخل الجيتوات يسبق في الأهمية القضاء عليهم»227. وتقول هانا أرينت: «الجريمة
تستوجب العقابء أما الرذيلة فلابد من استعصالها)7؟ .
الحديثة العلمية العنصرية. ولم يتهم اليهود بتهمة الرذيلة المستعصية أو تهمة العيب الفطري
الذي لا يفارق صاحبه إلا مع التجسد الحديث لمعاداة اليهود . أما قبل ذلك» فكان اليهود
31-3,34 .مم 5055ووع2«017 11141655 ب اعتعمماع77 (1)
(؟) طبقت المنظومة العلمية برعاية الاشتراكية القومية أضول تربية الماشية في حل «المسألة اليهودية»» بل وجعلتها
مصدر إلهام للسياسة الاجتماعية برمتهاء إذ أكد أندريز فالتير» عالم الاجتماع البارز في ألمانيا النازية» أن
(الإنسان لا يستطيع أن يغير الطبيعة الإنسانية من خلال التعليم والبيئة المحيطة وأن الاشتراكية القومية لن تكرر
الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها في الماضي عندما اقتتصرت في عملية التقدم الحضري على بناء المنازل
والتحسينات في مجالي الصحة والنظافة . فالبحث السوسيولوجي سيحدد من يستحق البقاء» أما الحالات التي
لا أمل فيها فلابد من التتخلص منها (المؤلف) .
. 134 . م ,سمتنكسلهك نمسا عط 0كه 10 ,عو5ه378/010)
. 87 .م ,(1962 مستسحمتا ع معللف :مملدمآ) مسكتسمسهانلهاه1 1ه مسنع ك0 ,المععث مطحممحظ (4)
16
الحداثت والهولوكوست
مجرد مذنبين مثل غيرهم من مقترفي الذنوب» وكان لابد أن يعانوا من أجل ذنوبهم في
دنياهم أو أخراهم حتى يتوبوا وينالوا الخلاص إذا أمكن. كان الهدف أن يري الناس
معاناتهم» ومن ثم يشهدون عواقب الخطيئة والحاجة إلى التوبة. هذه الفائدة لا يمكن أن
يصل إليها الإنسان بمجرد الابتعاد عن الرذيلة» حتي وإن رأى الإنسان الرذيلة والعقوبة مع
كما تقول ماري وايت هاوس . فالأورام السرطانية والآفات والحشائش. لا توبة لهاء إنها لم
ترتكب خطيئة » بل تعيش وفق طبيعتها وحسبء ولا يوجد شيء تعاقب على فعله . إن
طبيعة شرها تستوجب استئصالها. وقد عبر جوزيف جوبلز عن ذلك في مذكراته في لحظة
صفاءء وبدقة متناهية تضاهي تلك التي أشرنا إليها من قبل في الدراسة التاريخية المجردة.
التي قدمها روزنبيرج: «لا أمل بأن نقود اليهود إلى مصاف الإنسانية اللتحضرة عبر
العقوبات الصارمة . إنهم سيعيشون يهوداء ويموتون يهوداء تمامًا مثلما نعيش نحن عرقًا
آريّاء ونموت عرقًا آريًا»17. رغم ذلك» كان جوبلزء بخلاف روزينبرج «الفيلسوف».
وزيرا في حكومة تمتلك سلطة قوية هائلة بفضل إنجازات الحضارة الحديثة» ما جعلها تفكر
في إمكانية الحياة دون مرض السرطان» ودون الآفات» ودون الحشائش . بل كانت الدولة
تمتلك الموارد المادية اللازمة لتحويل هذه الإمكانية إلى واقع .
من المسحيه ورعافة المفيضي» تفيل احد إلى كر ة إبادة شعي باكمله وين
وجود تصورات مجازية عرقية» أي دون تخيل مرض ميت وبائي مستعص وقادر على
التكاثر الذاتي إن لم يخضع لرقابة مستمرة. من الصعبء وربما من المستحيل» أن يصل
أحد إلى مثل هذه الفكرة دون المزاولة الدقيقة لمهنة الطب وغماذجه المعتمدة للسلامة البدنية
والصحة العقلية» واستراتيجياته في الفصل والإقصاءء وتقنياته في العمليات الجراحية -
الطب بمعناه الحرفي كمجال يهتم بالجسم البشري؛ إضافة إلى جميع التطبيقات المجازية
الهائلة لهذا المفهوم . من الصعب» وربا من المستحيل» أن يتصور أحد فكرة إبادة شعب
بأكمله بمعزل عن النزعة الهندسية نحو المجتمع» والإيمان بالطبيعة المصطنعة للنظام
الاجتماعي, أو بمعزل عن المؤسسة الاجتماعية وأهل الخبرة» وممارسة الإدارة العلمية
عط ده 155295 زوكه"اعومء© لخنة ركتستاء1/؟ ,كوأ سك ص رولعططع0© طمعوول 2ه وعقاط (1)
002028107 مققتطذ1[طناظ عتعطم كتمع ناماع سنتطعه177) ع1[ه0قم1نا .8 زع10 . 0ه ,أقتتدء21010 21و
1 .م,(1980
11 ونام
المْصل الثالث: الحداثت والعنصريت والابادة (ب)
الخاصة بالمحيط الإنساني والتفاعل البشري . لكل هذاء لابد وأن نتعامل مع الإبادة القائمة
على معاداة اليهود بوصفها ظاهرة حديثة تماماء بمعنى أنها لم تكن لتحدث إلا في مرحلة
متقدمة من الحداثة . وكل هذه العلاقات التى ذكرناها ليست العلاقات الوحيدة التى تربط
بين معخططات الإبادة وتطورات الحضارة الحديثة . فالعنصرية وحدهاء حتى وإن ساندها
التوجه التكنولوجي للعقل الحديث» يصعب أن تصنع ما صنعته الهولوكوست . وإذا ما
أرادت العنصرية تذليل هذه الصعوبة» كان لابد لها وأن تمتلك القدرة على ضمان الانتقال
من النظرية إلى التطبيق . وربما يعني ذلك تعبئة عمالة بشرية كافية من خلال قوة الأفكار
المحركة للأفعال» بحيث تضمن التعامل مع حجم المهمة وتدعم تفانيهم في العمل طوال
المدة التى تستغرقها المهمة. وربما يعنى ذلك أنه من خلال التدريب الأيديولوجى والدعاية
وغسيل المخ» ستتمكن العنصرية من تعبئة الجماهير من غير اليهود بمشاعر قوية من الكراهية
والبغضاء تجاه اليهود بحيث يصدر عنهم أفعال عدوانية ضد اليهود حيث يجدونهم .
بيد أن المؤرخين أجمعوا أن ذلك لم يحدث . فرغم الموارد الهائلة التي كرسها الحكم
النازي للدعاية العنصرية» ورغم الجهود المضنية التي بذلها التعليم النازي؛ ورغم التهديد
الحقيقي بالإرهاب ضد مقاومة الممارسات العنصرية» فإن القبول الشعبي للبرنامج
العنصري وعواقبه النهائية المنطقية لم يتجاوز مستوي العنف القائم على تأجيج المشاعر
الانفعالية . هذه الحقيقة توضح مرة أخرى غياب الاستمرارية أو التطور الطبيعي بين الخوف
المرضى من الآخر المختلف أو عداوة الانفصال الاجتماعى من جهة والعنصرية من جهة
أخرى . رغم ذلك» حتي إذا حالف النهج العنصري الحظ - وهو أمر غير محتمل في واقع
الأمر- وحتي إذا تضاعفت جموع المتطوعين لنصب المشانق وقطع الرقاب» سيفتقر عنف
الغوغاء بكل تأكيد إلى الكفاءة» وسيظهر بوضوح كنظام بدائي للهندسة الاجتماعية أو
كصورة بدائية للمشروع الحديث الحق أو كشكل بدائي للصحة العرقية. وهذا ما تؤكده
دراسة زابينا وسيلفر لحادثة ليلة الزجاح المحطم الاسهشيدرة اكب يشكال ناخت»)
(21اعةه11ة135؟1)» وهي أكثر الأحداث نجاحًا من حيث الانتشار والتأثير المادي في تاريخ
العنف الجماعى ضد اليهود فى ألمانيا :
كانت ليلة الزجاج المحطم مذبحة شعبية وأداة للإرهاب» أداة نفطية للموروث التاريخي
الخاص بالمعاداة الأوروبية لليهود» فهي لم تكن أداة للنظام النازي الحديد» ولم تكن إبادة
1١7
الحداثنّ والهولوكوست
منظمة ليهود أوروبا. فعنف الغوغاء شكل بدائي غير فعال للإبادة» وهو وسيلة فعالة
لإرهاب الناس فحسب. هذا العنف الغوغائي يرغم الناس على لزوم بيوتهمء أو ترك
معتقداتهم الدينية أو السياسية» ولم يكن أي من ذلك هدمًا من أهداف هتلر فيما يتعلق
باليهود» إذ كان يرمي إلى تدميرهه7(" .
لم تكن هناك جموع كافية من الغوغاء حتى تكون عدوانية» بل إن مشاهد القتل والدمار
عطلت الطاقات العدوانية بقدر ما أشعلتهاء وفضلت الأغلبية الساحقة أن تغمض عيونها
وتصم آذانها وتلجم ألسنتها. فلم يصاحب الدمار الشامل ثوران الانفعالات واهتياج
العواطف» بل صاحبه الصمت الرهيب الناجم عن عدم الاكتراث. فلم تكن نشوة
الجماهير هي المحك» بل كانت اللامبالاة خيطًا مجدولاً يشد حبل المشنقة الذي لف بلا
هوادة على رقاب مئات الآلاف2"7. فالعنصرية سياسة عملية في المقام الأول وأيديولوجية
في المقام الثاني» وهي تحتاج» مثل كافة السياسيات العملية» إلى منظومة ومديرين
وخبراء. وهي تتطلب لتنفيذهاء مثل كافة السياسات» تقسيمًا للعمل وعزلاً للمهمة عن
التأثير الذي يفسد النظام عبر العفوية في الآداء. إنها تتطلب ترك المتخصصين يؤدون
مهمتهم في هدوء وحرية .
لا يعني ذلك أن اللامبالاة نفسها كانت حيادية وغير متحيزة» فهي لم تكن كذلك
بالتأكيد طالما تعلق الآمر بنجاح فكرة الحل النهائي للمسألة اليهودية . إن الشلل الذي
أصاب هذه الجماهير هو الذي فشل في أن يتحول إلى حالة غوغائية» إنه شلل صدر عن
الانبهار والخوف الناتج عن إظهار القوة» فانطلق المنطق المميت لحل المشكلات في طريقه
دون اعتراض . أو كما يقول لورانس ستوكس : «العجز الذي أصاب الجماهير عندما أعلن
النظام إجراءاته غير الإنسانية جعل فنع النهاية المنطقية أمرا مستحيلاً تقريبّاء مهما كانت
هذه النهاية مرفوضة ومستهجة292. فكان انتشار الهلع من اليهود يبدو كافيًا بألا تحنج
لذ نععطعاءكد0ن) عندع]ئ) 3 طكذت أمععمسصتط عط عستووىئوع 12“ 3116 "سما ع تمنطدة .11 معطو (1)
. 329 .م ,015و ناء مزع عط 300 , كمتتاء1؟ , 015 1كتتاة مذ ,اأكنتقء 1010 عطا كه تتع10[ما زوم 5010
© لاعتمعقء]؟ نمملدهآ) طعنع 2 تصنط؟ عط هن 1115457 [ق50 يه ,وس طمنتف9 لمقطءت؟ (2)
. 460 .م ,1971 ردسمكامطع ةلكا
لالع آل لتقع 07 تا ع1 04 مت أعتاعايع1 عا ممه عارمع2 سحصدحع م عطلا"' روععا510 ععمعروة.][ (3)
167-91 .مم,(1973) 22 . 20 ,111501397 ممعموتتاط لمعتمعت ,"1
نومام
الفصل الثالث: الحداثت والعنصريتٌّ والإبادة (ب)
الجماهير الألمانية ضد العنف» حتي وإن لم تحبذ الأغلبية ذلك وظلت ترفض غرس الأفكار
العنصرية في الأذهان. ووجد النازيون أمثلة عديدة جعلتهم على قناعة تامة بتلك الحقيقة:
وتشير سارة جوردن في دراسة دقيقة رائعة عن التوجهات الألمانية إلى مقتطف من تقرير
نازي رسمي يصور بكل وضوح خخحيبة الأمل النازية تجاه ردود أفعال الجماهير فيما يتعلق
بحادثة ليلة الزجاج المحطم :
نعلم أن معاداة اليهود في ألمانيا اليوم تق: تقتصر في جوهرها على الحزب ومؤسساته» وأن
هناك مجموعة معينة من الناس بيئنا لا ته تفقه ما تعنيه معاداة اليهود؛ وهم أناس يعانون من
تبلد المشاعر.
وفي الأيام التي تلت حادثة ليلة الزجاج المحطم» هرع هؤلاء الناس على الفور إلى
المتاجر اليهودية . .
إننا بكل تأكيد شعب معاد لليهود ودولة معادية لليهود . بيد أن معاداة اليهود لا يعبر
عنها الشعب والدولة في جميع مناحي الحياة» ومازالت توجد جماعات برجوازية من غير
المثقفين ومن غير المستنيرين بين الشعب الألماني تتحدث عن اليهود الفقراء ولا تفقه شيئًا عن
التوجهات الألمانية المعادية لليهود» بل وتتشفع لليهود في كل حين» فينبغي ألا ينفرد الحزب
والقيادة وحدهما بمعاداة اليهود17" .
رغم ذلك» اقترن نبذ العنف الظاهر والمعلن عن قصد بتوجه أكثر تعاطفًا تجاه
الإجراءات الإدارية التي اتّخذت ضد اليهود؛ إذ رحب عدد كبير من الألمان بأعمال
حماسية ضاخبة معلنة تستهدف عزل اليهود» وإضعاف شوكتهم» وهذه هي اللغة التقليدية
للخوف المرضي من الآخر أو عداوة الانفصال الاجتماعي . كما رحب كثير من الألمان
بالإجراءات التى كانت النازية تصورها على أنها عقوبات لليهودي - طالما كان من الممكن
الإدعاء 52 العقوبة هو اليهودي الموجود في مرأة الخيال. وكانت هذه الإجراءات
تتدوجاذ تغيلكا :و إن كان مسولا : لفواحتن ومشاوف كفيقة قاماةنوإن كانت اغسر
شعورية» من فقدان المكانة والإحساس بعدم الآمان. ومهما كانت أسباب ترحيب هؤلاء
حنهلآ «مأععسصلط بومأءعصلط) اسمأاوعه0) طاوتجوعل عط كسة رمسقوط © ,811161 روملعه0 جود (1)
. 159-60 .مم ,(1984 ,ووععط 117ددء؟ا
18
الحداتي والهولوكوست
الألمان بمثل هذه الإجراءات» يبدو أنهم كانوا يختلفون اختلافًا جذريًا عن الألمان المحرضين
على العنف أمثال النازي يوليوس شترايشر باعتبار أن هذا العنف طريقة واقعية إلى حد كبير
للتكفير عن جرائم اقتصادية وجنسية متخيلة .
رأي عباقرة القتل الجماعي أنه لابد من قتل اليهود» لا لأنهم كانوا محل ازدراء» أو
على الأقل ليس في الأصل لهذا السبب» بل لأنهم يستحقون الموت» وهم محل ازدراء
لهذا السبب. فاليهود هم من وقفوا حائلاً بين هذا الواقع الذي يفتقر إلى الكمال ويسوده
الاضطراب وبين عالم يأمل الناس أن يجلب لهج السعادة والطمأنينة . وكما سنرى في
الفصل التالي» كان اختفاء اليهود أمر جوهريا في تحقيق عالم الكمال» وكان يعني بكل
دقة الاختلاف بين عالم الكمال والعالم الناقص المعيب هنا والآن.
استطاعت سارة جوردن من خلال فحص مراجع نقدية محايدة أن تسجل استحسانًا
وترحيبًا متزايدا لدى «الألمان البسطاء» تجاه إقصاء اليهود من مراكز القوة والثشروة
والنفوذ(١2. فقد كان الاختفاء التدريجي لليهود من الحياة العامة يلقى ترحيبًا حار أو
تجاهلاً مدروسًا. باختصار. صاحب إحجام الجماهير عن المشاركة الشخصية في اضطهاد
اليهود غض الطرف عن أفعال الدولة أو على أقل تقدير عدم التدخل فيها: «فإذا لم يكن
معظم الألمان أناسا متعصبين أو مصابين بجنون معاداة اليهود» فإن معاداتهم لليهود كان
يغلب عليها اللين والدمول والسلبية» إذ أصبح اليهودي في نظرهم كيانًا غريبًا سقطت عنه
كافة السمات الشخصية وخرج من نطاق التعاطف الإنساني» وأصبحت «المسألة اليهودية»)
في نظرهم مسألة تقليدية تخضع لسياسة الدولة وتستوجب الحل)0 .
هذه الآراء توضح مرة أخرى الأهمية الجوهرية للصلة الوظيفية الثانية» وليس بالأحرى
الصلة الأيديولوجية؛» بين الإبادة القائمة على معاداة اليهود والحداثة . قامت الصلة الأولى
على التأكيد بأن فكرة إبادة اليهود تختلف تمامًا عن الخنوف المرضي التقليدي من الآخر
المختلف. وأنها ترتكز إلى ظاهرتين حديثتين مترابطتين: النظرية العنصرية والدلالات
171 .م مكتتقطحة © ,11111 ,بمملءهت .1© (1)
,(1985 ,تعتاعل/1 ع قعصساهم1 :عتره 7 بن 1ا) مطاصه8 امتعلة1 ,عستم جتمع8 .غ1 لأعطمماحتصتط0) (2)
106
دما
الفصل الثالث: الحدائت والعنصريت والإبادة (ب)
الطبية العلاجية. بيد أن فكرة الإبادة الحديئة كانت بحاجة إلى وسائل حديثة مناسبة
لتنفيذهاء وقد وجدت ضالتها في البيروقراطية الحديثة .
إن الحل الأمثل للمشكلات التي تفترضها الرؤية العنصرية هو الاستئصال الكامل
الصارم للأعراق الوبائية من خلال العزل التام أو التصفية الجسدية . وهذه مهمة فظيعة
ومريعة بطبيعتهاء ومن الصعب تصورها دون توافر موارد هائلة» ووسائل تعبئة وتوزيع
منظم لهاء ومهارات تقسيم المهمة الكلية إلى عدد كبير من المهام والأدوار الجزئية
الملنتخصصة من أجل تنسيق أدائها. خلاصة القولء لا يمكن تصور هذه المهمة دون
البيروقراطية الحديثة . كان لابد وأن تتزوج معاداة اليهود الحديثة من البيروقراطية الحديئة
حتى تثبت فاعليتها وتتحدث التأثير المطلوب . وهذا ما حدث في ألمانيا .
أشار رئيس المكتب الرئيسي لأمن دولة الرايخ راينهارد هايدرش في مؤتمر فانزي إلى
(مباركة» الفوهرر (الزعيم) أو «إقراره» سياسة التعامل مع اليهود كما وضعها المكتب
الرئيس لأمن دولة الرايخ 15114 [وهي اختصار للكلمة الأمانية -متهطاتعطتعاء تقطءنع.
غصمة ١] . ومن أجل مواجهة المشكلات المتعلقة بالفكرة والهدف - أو «النبوءة» كما كان
يسميها هتلر - اجتهد «المكتب الرئيس لأمن دولة الرايخ» بوصفه مؤسسة بيروقراطية»
وأخذ يطرح حلولاً عملية مناسبة» وسار على نهج النظم البيروقراطية؛ فأعد كشف
حساب بالتكاليف»: وقدر حبجم التكاليف في مقابل الموارد المتاحة» ثم سعى للتوفيق بينهما
لتحقيق أفضل المكاسب . كما أكد راينهارد هايدرش الحاجة إلى تراكم الخبرة العملية
وشدد على الطبيعة التدريجية للعملية وخصوصية كل مرحلة في نطاق المعرفة التقنية
العملية المحدودة آنذاك. كان على المكتب الرئيس لأمن دولة الرايخ أن يجد أفضل
الحلول. صحيح أن الزعيم أعرب عن رؤيته الرومانسية لعالم طهور من العرق المريض
الذي لا أمل في شفاته» لكن تنفيذ-هذه الزؤية لم يكن شيمًا رومانسيًا بأي حال من
الأحوال» بل كان عملية بيروقراطية عقلانية بعيدة كل البعد عن الرومانسية .
كانت وصفة الإبادة تتكون من طموح حديث غمطي للهندسة الاجتماعية وسيطرة حديثة
على السلطة والموارد والمهارات الإدارية . هذه الوصفة شرحتها سارة جوردن في كلمات لا
راممة عق عتا نم اوقوط) واكتهال قواكع نان ها عه علط ومتكسامه لوعء مسعسيك 191 عمتكوول عن[ (1)
. 52-3 .مم ,(1960 رعستهءهمطمعاصمء عكتداز دمنلئة مع
ك16١
الحداثتٌ والهوتلوكوست
تنسي : ااعندما تأملت ملايين الضحايا من اليهود وغيرهم في مصيرها المحتوم وتساءل كل
واحد منهم: «بأي ذنب أقتل؟ لكانت أبسط إجابة أن السلطة كلها كانت في يد رجل
واحد» وتصادف أن هذا الرجل كان يكره «العرق اليهودي7'. فليس بالضرورة أن
تتوافق الكراهية التي يحملها هذا الرجل والسلطة المتمركزة في يده. واقع الأمر أنه لا توجد
نظرية مقنعة حتي كتابة هذه السطور تثبت أن الأنظمة الشمولية تستلزم معاداة اليهود. ولا
توجد نظرية تقول عكس ذلكء أي لا توجد نظرية تقول إن وجود معاداة اليهود في شكلها
الحديث العنصري يؤدي بالضرورة إلى ظهور مثل هذه الأنظمة . على سبيل المثال» اكتشف
كلاوس فون بيما في دراسة حديثة» أن الكتائبيين الفاشيين الأسبان كانوا يشعرون بالفخر
الشديد لغياب إشارة واحدة معادية لليهود في مؤلفات أنطونيو بريمو دي ريفيراء بل إن
فاشيا «من الطراز الأول» مثل سرانو سونير» سبلف فرانسيسكو فرانكوء ظل يؤكد أن
العنصرية بوجه عام هرطقة لا تليق بالكاثوليكيين الصالحين. ناهيك عن المناصر الفرنسي
للفاشية الجديدة موريس بارديش والذي كان يهيم في غيابات الفاشية» ومع ذلك قال إن
اضطهاد اليهود كان أسوأ أخطاء هتلر”'؟. رغم ذلك» التقت معاداة اليهود بالأنظمة
الشمولية» وربما تلتقي بها مرة أخرى في المستقبل .
نظ رٌإلى الأمام
تبدت قصة معاداة اليهود الحديثة في شكل الخنوف المرضي من الآخر المختلف وفي
صورتها العنصرية الحديثة على السواء . لكن هذه القصة لم تكتمل بعد, تماما مثل تاريخ
الحداثة بصفة عامة وتاريخ الدولة الحديثة بصفة خاصة؛ إذ يبدو أن عمليات التحديث
أصبحت تتجاوز أوروباافي أيامنا هذه. إن مسيرة الانتقال إلى الثقافة الحديثة القائمة على
نموذج البستنة» وكذلك التصدعات الاجتماعية الناجمة عن تفكك النظام القديم في
المجتمعات التي شهدت عمليات التحديث» قد تطلبت وجود أداة ترسم الحدود بين
الهويات. لكن اخختيار اليهود للقيام بدور هذه الأداة كانت تمليه على الأرجح التقلبات
الخاصة بالتاريخ الأوروبي . فالعلاقة بين الخوف من اليهود والحداثة الأوروبية كانت علاقة
6 .2 ,221213315 ,1413 ,ه0010 (1)
,55 ) علصوئظط :00002آ) "تنظ لععاوء 15 13 مستمتسه مامكا عمسا -أطوت] ,عصوعظ نمم ونحك؟ 02(
12885
0 دما
الفصل الثالث: الحداثت والعنصريت والابادة (ب)
تاريخية» بل كانت علاقة تاريخية فريدة. ومن المعلوم أن المثيرات الثقافية تنتقل بحرية
نسبية حتى وإن لم تصاحبها ظروف بنيوية ترتبط بها ارتباطًا وثيقًا في مصدرها. فهناك
صورة إدراكية نمطية عن اليهود تجعل منهم قوة تدميرية للنظام» وتُجسدهم في خليط متنافر
من المتناقضات التي تُذيب كافة الهويات وتهدد كافة الجهود الرامية إلى تحقيق الإرادة الحرة
وتقرير المصير. هذه الصورة ترسخت منذ زمن بععيد في الثقافة الأوروبية المهيمنة»
وأصبحت جاهزة للاستغلال في صفقات التصدير والاستيراد بين الدول» شأنها في ذلك
شأن أي شيء في هذه الثقافة الأوروبية التي يعترف الجميع بأنها ثقافة رفيعة وموثوقة . هذه
الصورة الإدراكية النمطية» مثل كافة الصور والمفاهيم والمصطلحات الأخرى التي صاغها
المحيط الثقافي» يمكن استغلالها في حل المشكلات الداخلية» حتي وإن كانت التجربة
التاريخية التي صدرت عنها لم تكن موجودة بالداخحل» وحتي وإن كانت المجتمعات التي
استغلتها لم يكن لها معرفة سابقة مباشرة باليهود .
اكتشفت دراسات حديثة أن معاداة السامية كان عمرها أطول من الجماعات المستهدفة
منها. وفي البلاد التي اختفي منها اليهود تقريبّاء استمرت معاداة اليهود بلا هوادة» حيث
اقترنت معاداة السامية كحالة شعورية بممارسات تتعلق في المقام الأول بأهداف أخرى غير
اليهود. والأهم من ذلك هو الفصل بين قبول المشاعر المعادية لليهود وأي تميبز عنصري أو
ديني أو قومي آخر يُعتقد أنه وثيق الصلة بها. بل إن المشاعر المعادية لليهود لا تتعلق اليوم
بخصوصيات غريبة أو غير مألوفة لدى أفراد أو جماعات» بل لا تتعلق خاصة بالمشكلاات
المعقدة المثيرة للقلق والانعدام الخطير لليقين» وما إلى ذلك . وقد تتبع برند مارتن الحالة
الاسترالية التي ظهرت فيها «معاداة اليهود بدون اليهود»؛ وسك مصطلح «الترسب
الثقافي» (062621052نله5 [118اآدات) حتئى يفسر ظاهر احديدة سيا وهي أن بعض
الملامح البشرية أو الأماط السلوكية المشينة أو الغريبة أو القبيحة أصبح يربطها الوعي
الشعبي بالسلوك اليهودي. وفي ظل غياب اختبارات عملية لهذا الارتباط» ترسخت
علاقة قوية بين التعريف الثقافي السلبي وكراهية السمات التي يشير إليها(١" .
كته ططدنا تسعكتاسة رذعل مل ,اأكسدوء8010 «عاقة لطع ع«ملعط سدتاتسء ملسف ,متممك8 لمعظ . كك (1)
(1987 ,عاه8 لمقطمعت لمة علقلاهط اعقطع 34 نمملدم.ة) لهه:0 ه10 . له بمممعلا ما عسسطلنت
169
الجداذن والهولوكوست
بيد أن التفسير الذي يطرحه مصطلح «الترسب الثقافي» لا يصلح إذا ما طبقناه على
حالات أخرى عديدة من معاداة اليهود المعاصرة .
ففي قريتنا العالمية الصغيرة تنتشر الأخبار عبر العالم بسرعة البرق» وأصبحت الثقافة
لعبة لا يحدها حدود. ولا تبدو المعاداة الحديثة لليهود نتاجا للترسب الثقافي» بل تبدو
نتاجًا للانتشار الثقافي (6805108ذل 1531ا01): وهو انتشار يحدث هذه الأيام على نحو
أقوي من أي وقت مضى . ومن هذا المنطلق» تحتفظ معاداة اليهود بعلاقتها مع صورتها
الأصلية» وتتحول في انتقالها بين البلدان إلى شكل أكثر حدة وثراء حتى تتكيف مع
مشكلات البلد الجديد واحتياجاته . وما أكثر المشكلات في زمن «التطور غير المنتظم)
للحداثة وما يصاحب ذلك من اضطرابات وأزمات . وهنا تأتى الصورة الإدراكية النمطية
للخوف من اليهود لتقدم إجابات سهلة وجاهزة لجميع الأزمات المخيفة المعقدة وكافة ألوان
المعاناة التي لم يمر بها الإنسان من ذي قبل . على سبيل المثال» حظيت هذه الصورة النمطية
بشهرة واسعة في اليابان في الآونة الأخيرة» وأصبحت مفتاحا عايًا لفهم العواقب غير
المتوقعة في طريق التوسع الاقتصادي» وبدأ اليابانيون ينظرون إلى أنشطة يهود العالم على
أنها كفيلة بأن تفسر ظواهر عديدة» مثل المغالاة في معدل صرف الين الياباني » والتهديد
المزعوم بتهاطل التسربات الإشعاعية حال وقوع كارثة نووية على شاكلة كارثة تشرنوببل
النووية يتبعها تعتيم سوفيتي جديد"!" .
أشار نورمان كون بالتفصيل إلى أن إحدى الصور النمطية الشائعة المعادية لليهود تجعل
منهم جماعة تنسح خيوط مؤامرة عالمية بهدف تدمير كافة القوي. وتفكيك جميع الثقافات
والموروثات المحلية؛ وتوحيد العالم تحت إمرة اليهود. هذه الصورة» بكل تأكيد» هي أكثر
الصور خطورة وأشرسها هجوم في تاريخ معاداة اليهود. وقد تذرع النازيون بهذه الصورة
النمطية» وبها شرعوا في إبادة اليهود. كانت الصور المجازية لليهود متعددة الأوجه.
وكانت تُستوحى من أبعاد متعددة «للشذوذ اليهودي»؛ لكن في عالمنا المعاصر أصبح يجري
اختزال كل هذه الصور في صورة واحدة مباشرة وصريحة . إنها صورة نخبة يهودية تنجاوز
القوميات وتتعداها. إنها صورة القوة الخفية وراء كافة القوى الظاهرة. إنها صورة المدير
2 .م1988 تزله3 15 ,عالعنسصمع© طمتووعل (1)
1 دما
النصل الثالث: الحداثنٌ والعنصرينٌ والايادة (ب)
الخفي لتقلبات القدر التي يقال إنها طبيعية وتلقائية ولا يمكن التحكم فيهاء لكنها مشؤومة
110 3
إن النموذج السائد لمعاداة اليهود الآن هو نتاج النظرية» وليس نتاج التجربة المباشرة .
وهو نموذج يستند إلى قاعة الدرس لا إلى استجابات وتجارب واقعية تتعلق بسياق التفاعل
والتواصل اليومي . ففي بداية هذا القرن» كان أكثر أشكال معاداة اليهود انتشاراً في البلدان
الأوروبية الغنية يستهدف العوام الغرباء والفقراء المعدمين من المهاجرين اليهود. هذه
المعاداة نشأت عن تجربة مباشرة مع الطبقات الدنيا من المواطنين الأوروبيين الذين كانوا
وحدهم على اتصال بهؤلاء اليهود الأجانب الغرباء» وكانوا ينظرون بعين الشك والريبة
إلى وجودهم الذي يخلق جوأ من البلبلة وعدم الاستقرار. أما صفوة المجتمع الأوروبي
فلم يبالوا مثل هذه المشاعر لأنهم لم يدخرطوا في احتكاك مباشر مع المهاجرين الجدد
المتحدثين اليديشية» ولم يروا أن المهاجرين يختلفون اختلاقًا جوهريًا عن باقي الطبقات
الدنيا الفوضوية الخطيرة المنبوذة. فطالما ظلت ظاهرة الخوف المرضي من الآخر في مأمن من
التنظير الذي لم يكن يمارسه سوى المفكرون من أبناء الطبقة الوسطي أو صفوة المجتمع» لم
تكن تداعياتها تتجاوز المستوى الذي أسماه لينين «وعي النقابات العمالية». وكان من
الصعب أن.تتجاوز هذا المستوى طالما أن الإشارة إلي الخوف المرصي من الآخر كانت
تنحصر في النطاق الضيق للتفاعل اليومي مع فقراء اليهود. بيد أن هذا الهلع كان من
الممكن أن يتحول بكل بساطة إلى منبر للاضطراب العام عبر تضخيم الهواجس الفردية
وتصوير المشكلات الخاصة على أنها قضية مشتركة» مثلما فعلت الحركة البريطانية الفاشية
بقيادة أوزولد موزلي» وهي حركة كانت تستهدف في المقام الأول منطقة إيست إند بلندن»
أو الجبهة القومية البريطانية التي كانت تستهدف مناطق مثل ليستر ونوتينج هيل» أو الجبهة
القومية الفرنسية التي كانت تستهدف مارسيليا. وكان من الممكن أن يصل هذا الهلع من
)١( يرى عبد الوهاب المسيري أن فكرة «المؤامرة اليهودية» تقدم إجابات جاهزة لكل المشكلات التي نعجز عن
التعامل معها. فاليهود هم وراء كافة أشكال الانحلال» وهم وراء البهائية» وهم وراء سقوط الدولة العثمانية»
وهم وراء اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. فالحكومات الأمريكية المتعاقبة تبرر عجزها عن مساندة الحق
العربي بتعاظم النفوذ الصهيوني . أما الحكومات العربية» فتستخدم هذه الأسطورة المريحة لتفسير تخاذلها
وهزيتها [المترجم].
0ك
الحداثنّ والهولوكوست
الآخر إلى حد المطالبة ب«ترحيل الغرباء إلى حيث أتوا» . بيد أن هذا النوف من الآخر أو
حتى هاجس رسم الحدود لدى عامة الشعب» وهو «شأن خاص» بالطبقات الدنيا إلى حد
ماء لم يجد طريقًا يتحول من خلاله إلى نظريات علمية متطورة ذات طموحات عالية» مثل
نظرية «الشعب الفتاك المميت' أو «الموّامرة العالمية» . فإذا أرادت هذه النظريات أن تجذب
خيال عامة الناس وتثير اهتمامهم» لابد وأن تشير إلى حقائق تجهلها الجماهير ويتعذر
الوصول إليها ولا توجد في نطاق الخبرة اليومية المباشرة .
مع ذلك» نستخلص من هذا التحليل السابق أن الدور الحقيقي للأشكال النظرية
المتطورة الخاصة بمعاداة اليهود لا يكمن بصورة كبيرة في قدرتها على إثارة الجماهير
وأفعالهم العدوانية العدائية بقدر ما يكمن في علاقته الفريدة بخطط الهندسة الاجتماعية
للدولة الحديثئة وطموحاتهاء أو على نحو أدق» في علاقته بالأشكال العنصرية المتطرفة
المختلفة لمثل هذه الطموحات . والواقع يقول إن التيارات المعاصرة تؤيد انسحاب الدولة من
الإدارة المباشرة لكثير من مناحي الحياة الاجتماعية التي كانت تخضع لسيطرتها في الماضي »
كما أنها تتجه نحو التعددية وحياة اجتماعية يقودها نظام السوق . واستنادا إلى هذا الواقع
يبدو من غير المحتمل أن تلجأ دولة غربية مجددا إلى شكل عنصري من أشكال معاداة
اليهود كأداة تستغلها في مشروع ضخم من مشاريع الهندسة الاجتماعية . ويندو المستقيل
المتوقع» أو على نحو أدق» احتفاء المجتمعات الغربية بعصر ما بعد الحداثة والنزعة
الاستهلاكية؛ قد أسس بنيانه على شفا جرف هار. صحيح أن المجتمعات الغربية تتميز
بتفوق اقتصادي هائل يضمن في الوقت الراهن احتياطيًا هائلاً للغاية من الموارد العالمية»
لكن ذلك لن يدوم إلى الأبد. وليس ببعيد أن يشهد المرء مواقف تدفع الدولة إلى استحواذ
مباشر على الإدارة الاجتماعية . عندئذ قد تستقطب الرؤية العنصرية المترسخة الرائجة
أنصاراً جددا . وفي الوقت نفسه. ربما تدفع مواقف عديدة أقل تطرقًا إلى توظيف الهلع من
اليهود في أشكاله الأخرى غير العنصرية والأقل إثارة كأداة للدعاية والتعبئة السياسية .
يشهد الوقت الراهن تحول اليهود على نحو كبير إلى الطبقات فوق المتوسطة» وهذا
يجعلهم بعيدين عن الاحتكاك المباشر بعامة الشعب. أما مظاهر العداء التي تتبناها
جماعات تساورها مخاوف جديدة برسم الحدود والحفاظ على الهويات فتستهدف العمال
06011 | زدمثانا
الفصل الثالث: الحداثت والعنصريت والايادة (ب)
المهاجرين في معظم الدول الغربية . وما أكثر القوي السياسية التي ترغب في الاستفادة من
مثل هذه المخاوف» وعادة ما تستخدم هذه القوى السياسية لغة قامت العنصرية الحديثة
بتطويرها للدفاع عن عمليات التمييز العنصري والإقصاء وراء الأسوار» وهي لغة وظفها
النازيون بنجاح في طريقهم إلى السلطة لكسب تأيبد عامة الشعب وإثارة مشاعرهم
العداونية من أجل تحقيق أهدافهم العنصرية . وفي كافة الدول التي جذبت أعداذا هائلة من
العمال المهاجرين أثناء إعادة البناء الاقتصادي في فترة ما بعد الحرب» ابتكرت الصحافة
القومية والساسة أصحاب الاتجاهات الشعبوية أمثلة لا تعد ولا تحصي:من الاستخدامات
الجديدة التي ارتدت رداء العنصرية الحديثة وتحدثت لغتها. وفي الآونة الأخيرة» نشر كل
من جيرار فوكس وبيير جوف وعلي مجودي مجموعة كبيرة ودقيقة من التحليلات لهذه
الاستخدامات7١'. ويمكن قراءة العدد الصادر عن صحيفة لوفيجارو بتاريخ 7١ أكتوبر
6 إذ اهتم بطرح السؤال التالي : «هل سنظل فرنسيين خلال الثلاثين عاما القادمة؟)
ناهيك عن رئيس الوزراء الفرنسي جاك شيراك وهو يتحدث في نفس واحد عن عزم
حكومته على أن تناضل بكل قوة من أجل تقوية الأمن الشخصي وهوية المجتمع القومي
الفرنسي . أما القاريء البريطاني» فلا داعي» بكل تأكيد» أن يهتم بالكّتاب الفرنسيين في
رحلة البحث عن لغة شبه عنصرية أو مبنية على خطاب الفصل العنصري وتخدم تعبئة
التمييز العنصري والخوف الشعبي من تحطيم الآخر للحدود والهويات .
صحيح أن الهلع من الآخر ومخاوف صراع الحدود من الأمور المقيتة التي تنطوي على
مخزون مهول من عنف متوقع» لكنها لم تؤد بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الإبادة .
إن الخلط بين الخوف من الآخر من جهة والعنصرية والجرائم المنظمة على شاكلة
الفولو وسيم من يحي ا حرق قن ار مشا و ويعككر :قطنا يرن بالقا ريك ترف يد
التحليل عن الأسباب الحقيقية للكارثة, زهي أسباب تضرب بجذورها في بعض مظأهر
العقلية الحديثة والمؤسسة الاجتماعية الحديثة» وليس في ردود أفعال سرمدية تجاه الغرباء أو
حتي في صراعات هوية أقل وضوحا وإن كانت موجودة في كل مكان وفي جميع
عصعاط :(1987 ,ومدزك نمضده©) 62زاو تعتصططة'! عل 068 غ1 بأسوععاقع" 115 ,رمطعبظ لندت06 .01 (1)
«لإم اع عأنتاود نوعط عرآ عأعها[-صدعل عق 15نل-دمم دع1 أء عاتل وعر]آ ,التامعة21 تأخ ع عحتاول
. (1988 ,عت تجراوءهء2آ1 م[ تمموط) عوولفقسقء
1١ 01/
الحداثت والهولوكوست
الأوقات. ومن بداية التفكير في الهولوكوست وحتي تنفيذهاء لم يلعب الخوف التقليدي
من الآخر سوي دور ثانويًا. أما العوامل الأساسية التي لم يكن من الممكن الاستغناء عنها
حقًا فكانت تكمن في أشياء أخرى» وكانت تربطها فقط علاقة تاريخية على أكبر تقدير
بالأشكال المعتادة للشحناء والبغضاء بين الجماعات . لقد ضربت إمكانية الهولوكوست
بجذورها في سمات كلية عامة للحضارة الحديثة» أما تنفيذها فقد ارتبط بعلاقة خاصة
وليس علاقة كلية عامة بين الدولة والمجتمع . وهذا ما سنتناوله في الفصل التالي بشيء من
التفصيل .
110 ا نومام
الفصل الرابع
الهولوكوست بين
الأيقنة والأنسنة
10010220
الفصل الرايع: الهوثوكوست بين الأيقدت والأنسدن
اعندكل تسلل الشر- إذ لابد من وجود اسم لهذا التزامن المذهل الذي جمع ملابسات
تبدو غير متوقعة في ظاهر الأمر - تسلل الشر شيئًا فشيئاء في سكونء وعلى مراحل بدت
خالية من أي ضرر. . . بيد أن نظرة فاحصة متأنية إلى أحداث الماضي تُظهر بوضوح أن
كثرة الشواهد والإرهاصات لم تكن مجرد نتاج للمصادفات» بل كانت» إن جاز التعبير»
إمكانية كامنة» ظلت مختفية تمامًاء مثل سيل جوفي ما يلبث أن يتضخم ويتسع قبل أن
يندفع بغتة وبشدة فوق سطح الأرض . فما كان علينا سوى أن نستحضر الماضي الذي شهد
الإرهاصات الأولى المنذرة بالسوءء وأن نرسم صورة تشخيصية لظهورها الحتمي».
(خوان جويتسوتو- مشاهد بعد المعركة)
يخاطب مؤرخ الهولوكوست الشهير راؤل هيلبرج قراءه قائلاً: «ألن تشعروا بالفرح إذا
كان بإمكاني أن أثبت لكم أن جميع من ارتكبوا تلك الجرائم كانوا مجموعة من المجانين؟2)
وما كان بإمكان هيلبرج أن يثبت ذلك» فالحقائق التي ساقها لا تبعث على الراحة» ولا
تجعل أي إنسان يشعر بالفرح ؛ إذ كان المجرمون علماء عصرهم» وهذا هو لب القضية كلما
تأملنا معنى الحضارة الغربية بعد أوش فيتس . لقد تتخطى تطورنا الحضاري قدرتنا على
الفهم» فلم يعد بإمكاننا الادعاء بأننا أدركنا كل الإدراك آليات مؤسساتنا الاجتماعية
وأنظمتنا البيروقراطية وأدواتنا التكنولوجية7!' .
هذه بالتأكيد أخبار سيئة لا تروق الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء اللاهوت وجميع
أصحاب العلم والفهم والتفسير من الباحثين والباحثات . فالنتائج التي توصل إليها هيلبرج
تعني أن هؤلاء جميعا لم يؤدوا واجبهم على أكمل وجهء ولم يستطيعوا أن يفسرواما
حدث. ولماذا حدث» وليس بمقدورهم أن يساعدونا على فهم ما حدث . وهذه تهمة قاسية
تنال من العلماء اللتخصصينء وهي كفيلة بأن تؤرق مضاجعهم» وربما تعيدهم إلى نقطة
الصفر» لكنها ليست في حد ذاتها سببًا لإثارة القلق العام . رغم ذلك» هناك أحداث مهمة
لنلقء ستاظ روع06010] -أمتسقء15010 عط ص ,”أعتدعء 15010 عطا 2ه ععصى كتمونزك“ ,عوطائط انمع (1)
-18 ونلديكا1 :11 ,11111000 541100 اتطنر5 عل معلسهة للع 2 تمصع . لع ,عللعمسء0) له ر«وعمقنه
. 101-2 .مم ,(1980 ,كسملقء تاطوط لدممتتممرعا
أكا
الحداثن والهولوكوست
في الماضي نشعر أننا لم نستوعبها حق الاستيعاب» ونحن نغضب لذلك أحياثاء لكننا لم
نشعر أنها طامة كبرى» بل نواسي أنفسناء وندعي بأنها أمور تخص الاهتمام الأكاديمي.
ولكن هل هي كذلك بالفعل؟
واقع الأمر أن الهولوكوست ليست ما نجد صعوبة في استيعاب أهوالها وبشاعتهاء بل
حضاراتنا الغربية التي جعلتها الهولوكوست لغزاً يستعصي على الفهم» إذ وقعت
الهولوكوست في وقت اعتقدنا أننا قد قبلنا الحضارة الغربية» وأدركنا بواطن بواعثها وآفاق
مستقبلها! لقد وقعت الهولوكوست في وقت شهدت فيه حضارتنا انتشار) ثقافيًا عاميًا غير
مسبوق! فإذا كان هيلبرج على صواب» وإذا كنا نفتقد حقًا القدرة الذهنية والعملية على
فهم أغلب مؤسساتنا الاجتماعية المهمة» فينبغي ألا يقتصر الإحساس بالكارثة على
الأكاديميين المتخصصين دون غيرهم . صحيح أن الهولوكوست حدثت منذ ما يقرب من
نصف قرن مضى» وصحيح أن عواقبها المباشرة تنزوي بخطى مسرعة في طيات الماضي»
وصحيح أن الجيل الذي عاصرها قد انقرض الآن. لكن» بكل ما تحمله كلمة الكن» من
دلالات مفزعة» هذه السمات المعهودة عن حضاراتنا فيما مضى والتي جعلتها
الهولوكوست لغرً غامضا من جديد مازالت تستحوذ على جانب كبير من حياتنا. فهي لم
تختف» بل ولم تختف إمكانية الهولوكوست هي الأخرى .
إننا نتجاهل هذه الإمكانية» بل ونقول «أف) للقلة القليلة القلقة من أغضبهم راحة بالنا
وطمأنينتنا! بل ونلقبهم ب«أنبياء القدر المشؤوم»» وهو لقب يبعث على السخرية
والازدراء. فمن السهل ألا نكترث بتحذيراتهم البائسة. ألسنا على حذر الآن؟ ألم تُدن
العنف والوحشية والفساد الأخلاقي؟ ألم نكرس إبداعاتنا الخلاقة ومواردنا الضخمة
المتزايدة كي نحارب كل ذلك؟ والسؤال الأهم» هل يوجد في حياتنا أي شيء يشير إلى
مجرد إمكانية وقوع كارثة؟ فالحياة وردية» وتزيد رغد ورفاهية يوما بعد يوم. وبوجه
عام» يبدو أن مؤسساتنا تتغلب على المصاعب والمشكلات . إننا نحيا في حصون محصنة
من العدوء ولن يمسنا أصدقاؤنا بسوء. صحيح أننا نسمع من حين لآخر عن أعمال وحشية
ترتكبها شعوب ليست متحضرة بالقدر الكافي وتفتقر إلى الوازع الديني والروحي ضد
0ن ة .مان
الفصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقني والأنسدن
جيران يتسمون بالقدر نفسه من البربرية . نسمع أن قبائل الإيوي ذبحت ما يقرب من مليون
شخص من قبائل الإيبو بعد أن وصموهم في بداية الأمر بأنهم كائنات دون البشر ودون
ثقافة» وبأنهم مجموعة من الهوام والمجرمين ومغتصبي الأموال7١؟. ونسمع أن العراقيين
استخدموا الغازات السامة ضد أبناء وطنهم الأكراد. ونسمع أن التاميل ذبحوا السنغاليين»
وأن الأثيسوبيين أبادوا الإرتريين» وأن الأوغنديين أبادوا أنفسهم بأنفسهم (أم كان
العكس؟). بالطبع كلها مآسي ولكن ما شأننا بذلك؟ وإن دلت هذه المأسي على شيء»
فإنما تدل على حقيقة مفادها أن اختلاف الناس عنا أمر سيىء» أو أنه لا يوجد أروع من
العيش في أمن واستقرار في كنف حضاراتنا الغربية الراقية .
وكم من الصعب أن نرضى في نهاية المطاف عن أنفسنا ما إن تذكرنا أنه في عام ١515١
لم يتوقع أحد حدوث الهولوكوست. بل لم يتوقعها أحد بعد أن أدركنا «حقائق الحالة»
وملابساتها. وكم من الصعب أن نرضى عن أنفسئا ونحن نعلم أنه ما إن مضى عام واحد
على حدوث الهولوكوست حتى بدأ التشكيك فيها في جميع أنحاء العالم . لقد أبى الناس
أن يصدقوا الحقائق الواضحة أمامهم وضوح الشمسء لا لأنهم كانوا من البلهاء أو
الأشرار» بل لأنه لم يوجد أي شيء ما عرفوه يجعلهم يصدقونها. فبرغم كل ما عرفوه
وأمنوا به» كان يصعب عليهم بكل بساطة تصور جرائم القتل الجماعي» بل لم يجدوا لها
اسما آنذاك. مع ذلك» عرفنا في عام ١5// مالم نعرفه في عام ١45١ » عرفنا أنه ينبغي
أن نتضصور ها لا مكن تضورو؟,
المشكلة
ثمة سببان لعدم إمكانية التعامل مع الهولوكوست دون غيرها من موضوعات البحث
الأكاديمي على أنها قضية أكاديمية محضة» وأيضا لعدم إمكانية اختزالها إلى موضوع ثانوي
للبحث التاريخي والتأمل الفلسفي .
1966 تعمات0 12 ,وعبمعو06 16 مذ مصعم مثامت .26 (1)
(1) يقول باومان في رسالة خاصة للمترجم إن إشارته إلى عام ١98/ لا يقصد بها حدثًا استثنائيّاء ولكنها السنة
التى كان يكتب فيها هذا الكتاب» بمعنى أن النصف الثانى من القرن العشرين تضمن أحدانًا دموية كشفت لنا
تمامًا الوجه القبيح للحداثة الغربية في علاقته بالإبادة الحديثة [المترجم] .
كا
الحداذن والهولوكوست
يكمن السبب الأول في أن الهولوكوست أحدثت تغييراً طفيفًا في مجرى التاريخ
اللاحق 2١7 الخاص بوعينا الجمعي وفهمنا لأنفسناء حتى وإن قبلنا بأنها غيرت مجرى
التاريخ اللاحق بها بوصفها «حدنًا تاريخيًا محوريًا»» وباعتبارها حدثًا تاريخيًا لا يقل أهمية
عن الثورة الفرنسية أو اكتشاف أمريكا أو اختراع العجلة. كان للمحرقة تأثير طفيف على
تصورنا فيما يتعلق بمعنى الحضارة الحديثة ونزعتها التاريخية» ولم يكن لها تأثير حقيقي في
العلوم الاجتماعية بصفة عامة» وفي علم الاجتماع بصفة خاصة. باستثناء الحقول
الهامشية للأبحاث المتخصصة؛» وبعض التحذيرات المظلمة المشؤومة من النزعات المرضية
المروعة للحداثة . بيد أن هذه الاستثناءات كانت بعيدة كل البعد عن مباديء الممارسة
السوسيولوجية. ولهذه الأسباب لم يتحسن فهمنا كثيرا للعوامل والآليات التي جعلت
حدوث الهولوكوست أمرا مكنًا. وطالما أن فهمنا لم يتحسن كثيراً على مدار نصف قرن
مضى » سنظل غير مؤهلين لقراءة الشواهد المنذرة وفك شفرتهاء لاسيما أن هذه الشواهد
اواضحة الآن وضوح الشمس .
أما السبب الثاني فيرجع إلى حقيقة مفادها أنه أيا كان ما حدث لمجرى التاريخ آنذاك»
فإن إفرازات التاريخ التي تضمنت على الأرجح إمكانية حدوث الهولوكوست لم تتغير
كثيرأً» أو على أقل تقدير لا نستطيع أن نجزم بأنها تغيرت كثيرا . ففي ضوء كل ما نعرفه» أو
على الأصح» في ضوء ما لا نعرفه» ربما لا تزال تلك الإفرازات التاريخية تعيش بينناء
وتئحين الفرصة والوقت المناسب . إننا نتوجس خيفة من عدم التغير الجذري للظروف التي
أدت في الماضي إلى وقوع الهولوكوست . فإذا كان هناك شيء ما في نظامنا الاجتماعي
تسبب في حدوث الهولوكوست» فمن الصعب التأكد من أن خطره قد زال. وقد حذرنا
باحثون بارزون من أن نضحك على أنفسنا وندعي راحة البال والطمأنينة :
فالأيدي ولوجية والمنظومة اللتان أدتا إلى أوشفيتس ما زالتا على قيد الحياة. هذا يعني أن
الدولة/ الأمة نفسها لا يمكن السيطرة عليهاء وآنها قادرة على تحريض أفراد المجتمع على
أكل لحوم البشر على نطاق لا يتصوره أحد. فإذا لم يكبح جماح الدولة/ الأمة. فقد تحئرق
كه دعددككة لمع اع بعلل ممع 0 دز الأعندء 181010 عط كذ عسسوتصن] 110“ ,لامعسئء .بآ بصمغآظ (1)
لقطامعدع :اا مساك :دعاععومعث 05.آ) لمآ[ 23910 2 مقصوطمعت0 عرعلة .له ,أكنتدء181010 عط
397 .م ,(1983 ,عقامعت
1 6 لدمنام
الفصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقنت والأنسدي
حضارة كاملة بنيرانها. فهى لا تقدر على حمل رسالة إنسانية لأن جرائمها لا يمكن
للأعراف الأخلاقية والقانونية أن تقف أمامها. إنها مجردة من الضمير (هنرى
5 23200 ,
إن كثيرا من سمات المجتمع المتحضر المعاصر تشجع على اللجوء بكل بسهولة إلى ارتكاب
جرائم الإبادة الجماعية. . . والدولة ذات السيادة تدعى أنه من حقهاء كجزء لا يتجزأ من
سيادتهاء أن ترتكب جرائم الإبادة الجماعية» أو أن ترتكب مذابح إبادة بحق شعوب تحكمهاء
خاصة وأن الأم المتحدة. من الناحية العملية» تدافع عن هذا الحق (ليو كوير)7 .
وفي حدود معينة وضعتها اعتبارات تتعلق بموازين القوى العسكرية والسياسية» ربا
تفعل الدولة المتحضرة أي شيء ترغبه بحق من تحكمهم . فلا يوجد حد أخلاقي يحول بين
الدولة وبين ما تريد أن تفعله» ولا توجد سلطة أخلاقية فوق سلطة الدولة. وموقف الفرد
في الدولة الحديثة» فيما يتعلق بالأخلاقيات والمبادئؤء» يعادل بالكاد تقريبًا ومن حيث
المبدأ موقف السجين في أوشفيتس» إذ لا يملك سوى خميارين اثنين: إما أن يمتثل لمعايير
السلوك السائدة التي يضعها من يملكون السلطة أو أن يتحمل العواقب. فمن اليسير اليوم
أن ندرك أن الوجود الإنسانى أصبح يسير بوضوح وفق المباديء التي تحكم الحياة والموت
في أوشقيتس (جورج كرن وليون رابوبورت)7" .
يميل بعض المؤلفين الذين استشهدنا بآرائهم إلى المبالغة» فهم ينساقون وراء العاطفة
التي لا تعجز في إثارتها مجرد قراءة روتينية لسجلات الهولوكوست . ولذا يبدو أن بععض
تحليلاتهم لا يمكن تصورهاء كما أنها تبالغ بكل تأكيد في إثارة المخاوف . وربما تؤدي هذه
التحليلات إلى نتائج عكسية, بمعنى أنه إذا كان كل شيء نعرفه يشبه أوشقيتس» فبإمكاننا
أن نعيش مع أوشقيتس» وأن نتكيف جيدا نع الظروف . وإذا كانت المباديء التي تحكم
حياة سجناء أوشفيتس ومماتهم تشبه تلك المباديء التي تخضع لها حياتنا ومماتناء فلما كل
.م ,”7 اأكتتدع8010 عطا كز عنتوتمنا 10" ,ل1أموماء1 (1)
حلملا علدلا تمع تو بوع[1) اتتطسع0) 2015 عطا ص عكنا لمعتتله2 115 :2010© ,تعمتكا مع1آ (2)
1 -137.مم.(1981 رووععظ جأاورء؟
«التقطعة ممصسسط؟ 1ه 5أدأ0) عط 220 أمتتدء2010 عط 1 ,ختممممم3] جزمع.ر] ع ومعد1 . ذ ع06015 (3)
. 130,143 .مم ,(1980 ,تعاع قلغ معصسامط عرولا بعلل اناه
156
الحداثت والهولوكوست
هذا العويل والنواح؟ في الواقع سنتسلح بنصائح غالية تحثنا على اجتناب إغراءات من
شأنها أن تجعلنا نوظف الصور المجازية غير الإنسانية الخاصة بالهولوكوست لخدمة تحيزات
معينة تجاه صراعات إنسانية يومية معتادة» سواء كانت كبيرة أو صغيرة. صحيح أن الدمار
الشامل كان أكثر أشكال العداء والاضطهاد تطرفًاء لكن ليست كل حالات الاضطهاد
والظلم والكراهية بين الجحماعات «على شاكلة) الهولوكوست. ومن ثم فإن التشابه
السطحي الواضح أداة ضعيفة للتحليل السيىء. فعلى النقيض ما طرحه كل من جورج
كرن وليون رابوبورت» نجد أن الاختيار بين الامتثال وتحمل تبعات العصيان لا يعنى
بالفسوورة العيان فى أوشقيتين: أما المباديء التى تعظ بها أغلب الدول المعاصرة
وتمارسهاء فهي لا تكفي بأن تجعل مواطنيها على شاكلة ضحايا الهولوكوست .
ليس من السهل أن نستبعد مبعث القلق الحقيقى من دائرة النقاش أو أن نتغاضى عنه
لكونه نتاجًا طبيعيًاء وإن كان مضللاً» لصدمة ما بعد الهولوكوست, ويمكن أن نستخلصه
هر قيقترا متراد ل ١
تتعلق الحقيقة الأولى بالعمليات التصورية التي قد تؤدي بطبيعتها إلى ظهور خطط
الإبادة الجماعية» إضافة إلى الموارد التقنية التي تسمح بتنفيذ مثل هذه الخطط . فهذه
العمليات التصورية والموارد الفنية لم تنسجم مع الحسضارة الحديئة فحسبء. بل كانت
والقوانين الاجتماعية للحداثة» بل إن هذه القوانين والأعراف هى ما جعلت الهولوكوست
حقيقة ممكنة» فبدون الحضارة الحديثة وأعظم إنجازاتها الجوهرية لما كانت الهولوكوست .
الحقيقة الثانية تتعلق بجميع الشبكات المتداخلة للضوابط والعوائق والعقبات التي
أقامتها فكرة التخضر والتي نأمل ونثق أنها ستحمينا من العنف وستكبح جماح القوى
الغاشمة الطامعة. هذه الشبكات المتداخلة أثبتت عدم جدواها. ففي عالم جرائم القتل
الجماعي. وجد الضحايا أنفسهم وحدهم. وخدعهم مجتمع يلتزم بالنظام ويطبق القوانين
ويتسم ظاهريا بالرأفة الإنسانية والسلام» بل إن إحساسهم بالأمن والأمان أصبح من أقوى
العوامل التي عجلت بنهاياتهم .
بصراحة شديدة؛ ثمة أسباب تبعث على القلق لأننا ندرك الآن أننا نعيش في مجتمع قد
جعل الهولوكوست أمرا تمكنّاء ولم يشمل شيئًا كان من شأنه أن يحول دون وقوع
و اط طام»اة مأ .6601311 دقار
الفصل الرايع: الهوتوكوست بين الأيقنت والأنسنيم
الهولوكوست. ولهذه الأسباب فحسبء. لابد من دراسة الدروس المستفادة من
الهولوكوست. ومثل هذه الدراسة لابد وأن تشمل جوانب أكثر أهمية من الاحتفال
بذكرى ملايين القتلى» وتصفية الحسابات مع القتلة» ومعالجة الجروح الأخلاقية المتقيحة
التي يعانى منها شهود العيان السلبيين الذين التزموا الصمت .
والدراسة نفسهاء حتى وإن كانت من أشق الدراسات» ليست ضمانًا كافيًا للحيلولة
دون تكرار وقوع جرائم القتل الجماعي وعودة المنفرجين الُغيّبِين. لكن بدون هذه
الدراسة» لن يكون بوسعنا أن ندرك احتمالية وقوع هذه الجرائم مرة أخخرى .
إبادة غير عادية
لم تكن الإبادة الجماعية اختراعًا حديثّاء فالتاريخ يعج بالصراعات الطائفية الجماعية
التي تنذر في أغلب الأحيان بالدمار والخراب» وغالبًا ما تسفر تلك الصراعات عن عنف
شديد» وأحيانًا تؤدي إلى بعض المذابح» وتسفر عن إبادة شعوب وثقافات بأكملها أحيانًا
أخرى . وربما يبدو أن هذه الحقيقة تنكر أية خصوصية للهولوكوست . ويبدو أنها تدكر
تحديد العلاقة الحميمة بين الهولوكوست والحداثة» وهي علاقة القرابة الاختيارية بين
الهولوكوست والحضارة الحديثة . واقع الآمر أن هذه الحقيقة تشير إلى أن الضغائن الطائفية
الفتاكة دائما ما تحيا بينناء ومن المحتمل ألا تفارقنا أبدا. إنها تشير إلى أن المغزى الؤحيد
للحداثة جاء مناقضًا لوعودها ولتوقعات المؤمنين بهاء فهي لم تصقل آليات التعايش
الإنساني» ولم تضع نهاية واضحة لظلم الإنسان لأخيه الإنسان. لم تف الحداثة بوعدها .
لقد فشلت الحداثة . ولكن الحداثة ليست مسؤولة عن الهولوكوست» فقد رافقت الإبادة
تاريخ البشرية منذ الأزل .
مع ذلك» ليس هذا هو الدرس المستفاد من:الهولوكوست . لا مراء أن الهولوكوست
كانت حادثة معتادة في سلسلة طويلة من محاولات القتل الجماعي» وفي سلسلة جرائم
كاملة متعينة . لكن تنفرد الهولوكوست بسمات تميزها عن حالات الإبادة التي ارتكبت في
الماضي» وهي سمات جديرة بالاهتمام لارتباطها الوثيق بسمات الحداثة . إن سطوة هذه
السمات توحي بأن الحداثة قد أسهمت في حدوث الهولوكوست على نحو مباشر يفوق
ضعفها وقصورها؛ وبأن الحضارة الغربية الحديثة لعبت دور فعالاًفي حدوث
لكا
الحداثة والهولوكوست
الهولوكوست وتنفيذها؛ وبأن الهولوكوست لم تكن إلا نتاجًا للحضارة الحديثة وتعبيراً
عن فشلها. فعلى غرار كل شيء يتبع الطرق العلمية العقلانية الحديثة ذات التنسيق والإدارة
الفعالة» تخطت الهولوكوست كافة النماذج التقليدية للإبادة» بل وكشفت الطبيعة البدائية
المسرفة لكل النماذج التي يزعم البعض أنها تضاهيها . كانت الهولوكوستء مثل كل شيء
آخر فى مجتمعنا الحديث » إنجازًا هائلاً بكل المقاييس» لاسيما إذا ما قيست بالمعايير التى
قدسها هذا المجتمع وجعلها أنشودة مؤسساته . ولذا تعلو الهولوكوست كافة حالات
الإبادة الجماعية الماضية» مثلما تعلو أبراج المنشآت الصناعية الضخمة الحديثة ورش
الحرفيين الصغيرة» أو مثلما تتفوق المزرعة الصناعية الحديثة بكل ما بها من جرارات
البدوية للحشاتشن الضارة.
في التاسع من نوفمبر لعام 1978» وقعت في ألمانيا حادثة تشير إليها كتب التاريخ
باسم (ليلة الزجاج المحطم - كريستال ناخت ]16115]83112861) » حيث انقض حشد من
مثيري الفوضى بممباركة الأجهزة الرسمية في الخفاء على متاجر اليهود» ودور عبادتهم»
ومنازلهم» فدمروها ونهبوهاء وأضرموا النيران فيها. كما حصدت تلك الحادثة أرواح ما
يقرب من مئة شخص . وكانت «ليلة الزجاج المحطم» هي الهسجوم الشعبي الوحيد الذي
وقع على نطاق واسع في شوارع المدن الألمانية طوال الفترة التي وقعت فيها الهولوكوست»
بل كانت الحادثة الوحيدة التى اتبعت النمط التقليدي الثابت للعنف الجماعي الغوغائيى ضد
اليهود. وهي بذلك لا تختلف كثيراً عن سابقاتهاء بل إنها لا تمثل شذودًا عن التاريخ
أزمنة معاصرة تقريبّاء وإن غلب عليها طابع ما قبل الحداثة في روسيا وبولندا ورومانيا.
ولو أن الإبادة النازية لليهود كانت تتألف من ليالي زجاج محطم وأحداث شبيهة, لا
كان بمقدورها أن تضيف شيئًا يذكر سوى فقرة إضافية أو فصل على الأكثر إلى مدونات
تاريخية تتألف من مجلدات عديدة عن المشاعر المسعورة» وسعار القتل» وإعدام الغوغاء
لأشخاص دون محاكمة؛ وعربدة الجنود في البلاد المغلوبة . لكن الإبادة النازية لم تسلك
هذا الطريق .
ا لدمنام
الفصل الرابع: الهولؤكوست بين الأيقنت والأنسدم
لم يكن ذلك ليحدث لسبب بسيط» وهو أنه لا يمكن تخيل أو ارتكاب جرائم قتل
جماعي على شاكلة الهولوكوست وحجمها مهما تكررت ليالي الزجاج المحطم .
تأملوا الأرقام! الدولة الألمانية أبادت ما يقرب من ستة ملايين يهودي . فإذا كان معدل
القتل في اليوم الواحد ٠٠١ شخص.ء فإن ذلك يعني أن ألمانيا كانت بحاجة إلى ٠٠١ سنة
تقريبًا لتنفيذ أهدافها. صحيح أن العنف الفوضوي للغوغاء يستند إلى عوامل نفسية خطأ
وإلى مشاعر عدوانية» وأن هناك أناسًا يمكن إثارة مشاعرهم واستغلالهاء لكن من الصعب
العزف على هذا الوثر 7٠١ سنة. فالمشاعر وأسسها البيولوجية لها مدى زمني طبيعي .
والشهوة» وإن كانت شهوة إراقة الدماء» ستصل إلى مرحلة الإشباع بمرور الوقت. ناهيك
عن تقلب المشاعر التي تتحول وتتبدل . فالقتل الفوضوي الغوغائي لا يمكن الاعتماد عليه
لأنه يمكن أن يتأثر بالرأفة الإنسانية» فربمما يتأثر مثلاً بمعاناة الأطفال» ولا غنى عن قتل
الأطفال إذا كان الهدف إبادة عرق بأكمله .
يتطلب القتل الجماعي الشامل أن تحل البيروقراطية محل الغوغائية» وطاعة السلطة
محل مشاعر الغضب . فالبيروقراطية الواجبة تظهر فاعليتها سواء كان جنودها من المعادين
المتطرفين لليهود أو غير المتحمسين لمعاداة اليهود. وهي بذلك تفسح المجال كثيرا للتجنيد
والتعبئة . والبيروقراطية تحكم أفعال الأفراد» ليس بإثارة المشاعر والانفعالات» بل بتنظيم
الأعمال الروتينية . وهي تضع قواعد نظامية ولا تصغي إلى التفرقة التي تفرضها مشاعر
الأفراد وإرادتهم» مثل التفرقة بين الأطفال والبالغين» والعلماء واللصوصء والأبرياء
والمذنبين» بل تظل البيروقراطية أكثر استجابة لإرادة السلطة العليا في إطار هرمي
للمسؤولية أيَا كانت تلك الإرادة 2١7 .
إن مشاعر الانفعال والغضب والحماسة وسائل بدائية بالية تفتقر إلى الكفاءة. ولا
تصلح للإبادة الجماعية . فمن الطبيعي أن تتلاشى هذه المشاعر قبل انتهاء المهمة المطلوبة .
وليس بالإمكان بناء آمال عريضة وخطط كبيرة على هذه المشاعر» فهي لن تحقق شيئًا يفوق
خ نعط كد20 نجدة1© ه طاتر أسعءعمصم1 عط عستوم ماي 6“ رت بلذة صدا! ع تساطد5 .5 مطمة (1)
5 :2015 عام ع2 له ركستاءأ! روعره ؟تعسسة ص ,لأمسوء1010 عط ؤه رومامط روعومن50
قستطختاطناط عتعطمكتصسعة :سماعمتطعة؟) عاملكما»طز .8 1اع10 . 0ه رأكتددء11010 أهدا8 عط سآ
. 329-30 .جم ,(1980 ,صملئة01م001)
155
الحداثيّ والهولوكوست
الآثار اللحظية التي تسفر عنها موجة من موجات من العنف» أو سقوط نظام قديمء
وإفساح الطريق لإقامة حكم جديد. فلم يكن جانكيز خان أو بطرس الناسك بحاجة إلى
تكنولوجيا حديثة ووسائل علمية حديثة للإدارة والتدسيق» أما ستالين وهتلر فقد استعانا
بكل ذلك . ولقد سمّه مجتمعنا العقلاني الحديث أولئك الهواة أمثال جانكيز خان وبطرس
الناسك» بل وقضى عليهم» ومهد الطريق لأناس برعوا في ارتكاب الإبادة النظامية
الممنهجة بكل إتقان وبرودء مثلما فعل هتلر وستالين.
لايخفى أن الجرائم الحديثة للإبادة الجماعية تتم على نطاق واسع. وأنه في فترة زمنية
قصيرة في عهدي ستالين وهتلر ارتفع عدد القتلى ارتفاعا غير مسبوق . بيد أن ذلك لم يكن
السمة الجديدة الوحيدة» أو حتى سمة جوهرية» بل كان نتاجا طبيعيًا لسمات أخرى أكثر
أهمية . فالقتل الجماعي في الزمن المعاصر يتميز بغياب مفترض لكافة أشكال العفوية
والتلقائية من ناحية» والاحتفاء بالأهداف العقلانية المحسوبة بدقة من جهة أخرى . إنه
يتميز باستبعاد كامل تقريبًا للتصادف والمصادفة» ويلتزم بالتجرد من المشاعر الجماعية
والدوافع الشخصية» كما أنه يتسم بدور صوري أو مهمشء تمويهي أو زخرفي» للتعبئة
الأيدولوجية؛ لكنه يتميز في المقام الأول بالهدف الذي يسعى وراءه :
إن دوافع القتل عمومّاء وبواعث القتل الجماعي خصوصاء تتعدد وتتنوع . فربما تتجلى
في شكل حساب عملي محض للمكاسب» أو كراهية محضة أو خوف تام من الآخر. هذا
هو الإطار الذي تقع فيه معظم الحروب الأهلية وحملات الإبادة الجماعية ضد سكان البلاد
الأصليين. فإذا صاحب هذه الحروب وتلك الحملات نظرية أيديولوجية» فلن تشتجاوز
الأيديولوجية رؤى بسيطة للعالم ؤشعارات اختزالية : (إما نحن, أو هم». أو «هذا المكان
لا يسعنا معا», أو «إن الهندي الطيب الوحيد هو الهندي الميت» . ويتوقع من الخصم أن
يقبل العرض بحذافيره إذا عرض عليه أصلاً . وأغلب أيديولوجيات الإبادة الجماعية تعتمد
على تمائل غير مباشر لأفعال ونوايا ظنية .
الإيادة الحديثة إبادة مختلفة» إنها إبادة ذات هدف,. فالتخلص من العدو ليس غاية فى
حد ذاته» بل وسيلة لغاية» بمعنى أنه ضرورة تنبثق من الهدف النهائي» ضيب
اتخاذها من أجل الوصول إلى الغاية» والغاية نفسها رؤية عريضة لمجتمع يفوق المجتمع
1 دما
الفصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقني والأنسني
القائم» ويختلف عنه اخختلاقًا جذرياء فالإبادة الحديثة أحد عناصر الهندسة الاجتماعية»
ويتعامل مدبرو الإبادة الجماعية الحديثة ومديروها مع المجتمع بوصفه مادة تخضع
للتخطيط والتصميم الواعي . هذا المجتمع بحاجة إلى أكثر من مجرد تغيير جزئية واحدة أو
أكثر من تفاصيله المتعددة» أو مجرد تحسين هنا وهناك» أو مجرد علاج لبعض الأمراض
المزمنة. هذا المجتمع بحاجة إلى أهداف أكثر طموحا وراديكالية بحيث يمكن إعادة هيكلة
المجتمع وإجباره على الامتثال إلى خطة عامة مدروسة علميًا. فالإنمنان يستطيع أن يخلق
مجتمعًا أفضل من المجتمع «القائم فحسب»» ذلك المجتمع الموجود دون تدخل واع من
البشر. كما يوجد دائما بعد جمالي لتلك الخطة العامة» بمعنى أن العالم المثالي المستقبلي
لابد وأن يطابق معايبر الجمال الأسمى . أو كما قال البيرتي في كلماته الخالدة: إذاتم بناء
هذا العالم» فإنه سيبعث على الرضا التام» تمامًا مثل العمل الفني الكامل» وسيكون عائًا
لا يزيده جمالا أية إضافة أو حذف أو تعديل .
هذه هي رؤية البستاني» رؤية تسلط أضواءها على شاشة بحجم العالم . فكل بستاني
يستحق هذا الاسم بحق يحسن المعرفة» ولو بسيطة» بكل أفكار مهندسي العالم المثالي
ومشاعرهم وأحلامهم ودوافعهم. وبعض ال متخصصين في أعمال البستنة يكرهون
الحشائش الضارة التي تفتك بالبستان» إنهم يكرهون القبح وسط الجمال» والشوك وسط
الورود. لكن هناك من لا يهتم إطلاقًا مثل هذه المشاعر نحو الحشائش» فهي مجرد مشكلة
الحالتين لأنها ستستأصل لا محالة. ولو سئل القائمون بأعمال البستئة أو أتيحت لهم
الفرصة بأن يتدبروا الأمرء فلن يختلفوا على ضرورة القضاء على الحشائش» ليس لعلة
فيهاء ولكن لأن الفردوس الجميل يتطلب ذلك .:
الثقافة الحديثة ثقافة بستنة» ثقافة ترى نفسها خخطة لحياة مثالية وتنظيم مثالي للأوضاع
الإنسانية» ثقافة تستمد هويتها من الارتياب في الطبيعة العفوية. واقع الأمر أن الثقافة
الحديثة تُعرف نفسها وطبيعتهاء والفرق بينهماء من خلال ارتيابها المزمن في العفوية» ومن
خلال تطلعها لنظام أفضل ومصطنع بالضرورة. وبغض النظر عن الخطة العامة» يحتاج
١
الحداثيّ والهولوكوست
والاضطرابات التي تهدده. والنظام الذي كان في البداية مجرد خطة أصبح يحدد ماهية
الأداة» وماهية المواد الأولية» وماهية الأشياء عديمة الفائدة» وماهية الأشياء الضارة»
وماهية الآفات والحشائش الضارة. هذا النظام يصنف جميع عناصر الكون وفق علاقاتها
به؛ وهذه العلاقات هي المعنى الوحيد الذي يضفيه عليها ويجيزهاء إنها المنطق الوحيد
الذي تقوم عليه أفعال البستاني» وهي أفعال متمايزة تمامًا مثل هذه العلاقات . والنظام يرى
أن كافة الأفعال أداتية» وأن جميع أهداف الفعل هي تسهيلات أو معوقات .
إن الإبادة الحديثة» مثل الثقافة الحديثئة» مهمة يؤديها البستانى . إنها ليست سوى
نعي الأغمال الروقيية القنديدة الت قوم بها اناس وتعاء لوت مع السيجمع على أله بورد
بستان. وطالما أن نظام البستان يحدد ماهية الحشائش ش الضارةء» فلن يوجد بستان يخلو
منها. وبالطبع سيتم إزالة الحشائش لأن التخلص منها عمل بناء لا هدام» وهو لا يختلف
عن الشهيرة الأخرى ال اتتفاقر من أجل تأسيس جنة الكمال ورعايتها . فجميع الرؤى
ا ا ا شري 0
لحشائش الضارة الأخرى التي لابد من عزلهاء واحتوائهاء ومنعها من الاستشراء.
اسع سه وإذا لم يفلح كل ذلك.» فلابد من إبادتها .
لم يقستل الفسحايا في عهدي هتلر وستالين من أجل الاستيلاء على الأراضي
واستعمارهاء بل قتلوا في أغلب الأحوال بطريقة آلية فاترة مجردة من العواطف الإنسانية
بما في ذلك الكراهية. لقد ثُتلوا لأنهم لا يصلحون لسبب أو لآخر في خطة مجتمع يبلغ
حد الكمال. فلم يكن قتلهم عملاً هداماء بل كان عملا بنَاءُ . فقد أبيد الضحايا حتى يمكن
إقامة عالم إنساني أفضل بحقء عالم أكثر كفاءة وخلقًا وجمالاً. إنه العالم الشيوعي أو
العالم الآري الخالض . وفي كلتا الحالتين» ؛ يتجلى عالم متناسق» ومتناغم» وخال من
الصراعات» وسهل الانقياد بأيدي الحكام . أما من لهم ماض أو جذور معيبة يتغذر
استتئصالهاء ٠ فلا مكان لهم في هذا العالم المشرق الذي لا تشوبه شائبة . فليس بمقدور
باب وس سي وي اس لي يه
عادة تأهيلهم . لابد من إبادتهم لأسباب تتعلق بالوراثة الجينية أو التصورية» أسباب تتعلق
0 طبيعية تقاوم التطويع الثقافي وتستعصي عليه .
كانت الإبادات التي أفرزها النظام الشيوعي وال حلم الآري أشهر أنواع الإبادة وأكثرها
1110 / دما
المصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقنت والأنستن
تطرفًا. إنها لم تنحرف عن روح الحداثة وعن الطريق الرئيس لسيرورة التهذيب الحضاري »
بل كانت أبلغ تعبير عن تلك الروح . حاولت هذه الأنواع الحديثة من الإبادة تحقيق أسمى
أهداف التحضر التي لم تحققها أغلب الأنواع الأخرى» كما كشفت عما تمتلكه الحضارة
الحديثة من جهود وأحلام تطمح إلى التخطيط والترشيد والتحكم» وما يمكن أن تحققه هذه
الجهود والأحلام إذا لم يكبح جماحها أو يبطل مفعولها.
عاشت معنا تلك الأحلام والجمهود زمنًا طؤيلاً» وأتتجت ترسانة قوية وكبيرة من
التكنولوجيا والمهارات الإدارية. كما أفرزت مؤسسات تخدم هدقًا وحيداء ألاوهو
حوسلة7١2 السلوك الإنساني . وهذه الحوسلة تنجلى في السعى إلى تحقيق أي هدف بكفاءة
وحماس. بالتزام أيديولوجي أو بدونه» بوازع أخلاقي أو بدونه. هذه الأحلام والجهود
تضفي شرعية على احتكار الحكام للغايات وحوسلة المحكومين. وهي تُعرف معظم
الأفعال بأنها وسائل» وتّعرف الوسائل بأنها انصياع تام للمنظومة القائمة» أي خضوع
للغاية العظمى» ولمن يضعونهاء وللإرادة العلياء وللمعرفة التي تتجاوز الأفراد.
هذا لا يعني بالتأكيد أننا جميعًا نعيش كل يوم وفق مباديء أوشقيتس . فإذا قلنا إن
الهولوكوست جريمة حديثة» فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحداثة محرقة. بل كانت
الهولوكوست نتيجة ثانوية أفرزتها رغبة حديثة محمومة في الوصول إلى عالم يخضع لخطة
وسيطرة كاملتين ماإن شرعت الرغبة في الخروج عن السيطرة» ورمحت بلا لجام. وفي
أغلب الأحوال» لم ترك الحداثة تفعل ما تشاء لأن طموحاتها تتصادم مع تعددية العالم
الإنساني؛ وهي طموحات لا يمكن لها أن تصير واقعا لأنها تفتقر إلى القوة المطلقة الكافية
والقوة الفاعلة الاحتكارية الكافية التي تمكنها من تجاهل أو سحق جميع القوى المسثقلة التي
تحقق التوازن وتقاوم الإجرام .
خصوصية الإيادة الحديثة
عندما يؤمن بالحلم الحداثي قوة مطلقة قادرة على احتكار الوسائل الحديثة للفعل
العقلانى» وعندما تتحرر هذه القوة من السيطرة الاجتماعية المؤثرة» فلا مفر من الإبادة
)١( مصطلح «حوسلة» يعني تحويل الشيء أو الإنسان إلى جرد وسيلة دون النظر إلى الأبعاد الأخلاقية
والإنسانية» وهو مصطلح سكه عبد الوهاب المسيري عند ترجمته لكلمة سائدة في الخطاب النقدي الغربي
للعقل الحديث» ألا وهي 08ئ2هذ[ةأهعستماكمز المترجم] .
يفن
الحداثتّ والهولوكوست
الجماعية . لا مفر من إبادة حديثة على شاكلة الهولوكوست.ء إنها لحظة لا تتكرر كثيراء
هذه الصدفة قلما تتكرر» وقلما يمر التيار في الدائرة الكهربية القصيرة بين نخبة حاكمة
مهوسة أيديولوجيًا وإمكانات هائلة أبدعها العمل النظامي العقلاني وطورها المجتمع
الحديث. وإذاما حدث ذلك» تتضح جوانب معينة للحداثة وهي جوانب تظهر بوضوح
أقل في ظروف مختلفة » وربما تّستبعد محاولة تفسيرها بكل سهولة .
تتسم الهولوكوست بتفرد مزدوج» إنها فريدة بين حالات تاريخية أخرى للإبادة لأنها
حديثة» وهي أيضا فريدة بالقياس إلى الطبيعة اليومية المألوفة للمجتمع الحديث؛ ذلك
لأنها تجمع بعض العناصر المعتادة للحداثة التي لا تجتمع عادة. وفي هذا التفرد الأخيرء
يكون الجمع التوافقي وحده نادر وغريبّاء وليس العناصر التي تجمع ويوفق بينها. أما إذا
كانت هذه العناصر منفصلة» فإن كل واحد منها يكون عاديا واعتياديًا. فالمعرفة بالملح
الصخرى أو الكبريت أو الفحم لا تكتمل إلا إذا علم المرء وتذكر أنه عند خلط هذه العناصر
فإنها تتحول إلى بارود .
قالت ساره جوردن قولاً بليغًا في ملخص بحثها عن الهولوكوست بوصفها تموذجًا
فريدا وحادثة اعتيادية في آن وأحد:
الإبادة النظامية» على عكس المذابح العشوائية» لم يكن من الممكن أن ينفذها سوى
حكومة قوية للغاية» ولم يكن من الممكن أن تنجح إلا تحت ستار زمن الحرب. فمجيء
هتلر وأتباعه المتطرفين المعادين لليهودء ومركزة السلطة في أيديهم فيما بعد هو ما جعل
إبادة اليهود الأوربيين أمرا ممكنا . . . ..
وتطلبت عمليات القتل والإقصاء المنظم تعاون قطاعات ضخمة من القوات العسكرية
والبيروقراطية؛ إضافة إلى عدم الاكتراث من قبل أفراد الشعب الألماني» سواء كانوا
يباركون الإبادة والاضطهاد النازى أم ل(21 .
وتحدد ساره جوردن عوامل متعددة أدى اتحادها إلى حدوث الهولوكوست:
-91لآ لمأععمة© :لمأععسمط) 02 1م001 طأنز99ه7 ع1 20 ركمس مضا 0 ,81141 , دملنه0 طمنوك 010
. 48-9 . ممم ,(1984 رقوعع 761515
1 دما
الفْصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقنت والأنسنن
١ - معاداة اليهود الراديكالية على شاكلة النازية (وكما أوضحنا فى الفصل السابق» فهى
عوامل حديثة سواء كانت عنصرية أو إقصائية) . ١ ْ
-١ تحويل معاداة اليهود إلى سياسة عملية لدولة مركزية قوية تمتلك جهازا بيروقراطيًا هائلاً
ذا كفاءة عالية» أي «دولة الطوارى» .
“- زمن الحرب المذهل الذي سهل على الحكومة والنظام البيروقراطي الذي يحكمها فعل
أشياء ما كان لهما أن يفعلاها دون اصطدام محتمل بعوائق خطيرة للغاية في وقت السلم .
5 - سياسة عدم التدخل والقبول السلبي لهذه الأوضاع من قبل أفراد الشعب ككل .
إن عاملين من بين هذه العوامل غير جوهريين» وليسا بالضرورة سمتين أصيلتين من
سمات المجتمع الحديث» وإن كانا دائمًا إمكانية له» وربما يمكن اختصارهما في عامل
واحدء وهو أنه مع صعود النازيين إلى السلطة» كانت الحرب لا مفر منها فعليًا. بيد أن
بقية العوامل الأخرى طبيعية تماماء إنها موجودة على الدوام في كل مجتمع حديث»
والمباديء التي لازمت نشأة الحضارة الغربية الحديئة ونهوضها هي التى جعلت وجود هذه
العوامل أمرا مكنا وحتميا .
حاولت في الفصل السابق إبراز العلاقة بين المعاداة الراديكالية والإقصائية لليهود
والتحولات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي عادة ما تُسمى تطور المجتمع الحديث .
وفي الفصل الأخير من هذا الكتاب» سأحاول تحليل تلك الآليات الاجتماعية المعاصرة
التي تُسكت الوازع الأخلاقي أو تُحيّده» ويصد الناس عن مقاومة الشر على وجه العموم.
أما هنا فأريد التزكيز على عامل واحد فقطء لكنه العامل الأكثر أهمية في حدوث
الهولوكوستء. وأعني بذلك الأغاط النماذجية للعمل البيروقراطي التكنولوجي الحديث»
والعقلية التي تؤسسها وتولدها وتعززها وتحافظ على استمراريتها .
ثمة طريقان متضادان لمعالجة الهولوكوست . فبإمكاننا أن نرى فظائع القتل الجماعي
دليلاً على هشاشة الحضارة الغربية» أو أن نتناولها على أنها دليل على إمكاناتها المروعة .
ويمكن للبعض أن يبرهن أنه عند السيطرة على المجرمين يحدث تعليق للآداب المتحضرة
للسلوك» ومن ثم ربما يظهر الحيوان الأبدي المدخفي دائمًا تحت جلد الكائن ادرب على
المهارات الاجتماعية. ويمكن أن يثبت أناس آخرون أنه بمجرد أن يتسلح البشر بما تفرزه
7و1
الحداثت والهولوكوست
الحضارة الحديثة من مفاهيم تصورية ومنظومات تقنية متطورة» فإنهم يقبلون على فعل
أشياء منعهم طبيعتهم من فعلها. بعبارة أخرى» وفي إطار الرؤية الهوبزية» يمكن القول بأن
الحالة غير الإنسانية في مرحلة ما قبل التتحضر الاجتماعي لم يتم القضاء عليها تمامًا رغم
كافة الجهود المبذولة على طريق التحضر . وعلى النقيض من ذلك» نجد طريقا ثانيا يمكن فيه
الإصرار على أن سيرورة التحضر قد نجحت في استبدال الدوافع الطبيعية بأغاط اصطناعية
مرنة للسلوك البشرىء» ومن ثم إمكانية ارتكاب أعمال وحشية وتدميرية على نطاق لا
يتصوره أحد طالما ظلت الميول والنزعات الطبيعية توجه الفعل الإنساني . ونحن نرجح هذا
الطريق الثاني في تناول الهولوكوست,» وسنبين مقدرته التفسيرية في السطور التالية .
يميل معظم الناس وعديد من واضعي النظريات الاجتماعية إلى تفضيل الطريق الأول
على الطرق الثاني . وهذا النزوع دليل على النجاح الملحوظ لأسطورة العلة المرضية التي
وظفتها الحضارة الغربية في أشكال مختلفة على مر الزمان من أجل إضفاء شرعية على
هيمنتها المكانية وتصويرها على أنها أفضلية زمانية . لقد صورت الحضارة الغربية صراعها
من أجل الهيمنة على أنه معركة مقدسة للإنسانية ضد البربرية» معركة العقل ضد الجهل »
والملوضوعية ضد التحامل» والتقدم ضد التخلف, والحقيقة ضد الخرافة» والعلم ضد
السحره والعقلانية ضد الانفعالات والعواطف. كما فسرت الحضارة الغربية تاريخ
هيمنتها بأنه الإحلال التدريجي المتصلب لسيادة الإنسان على الطبيعة محل سيادة الطبيعة
على الإنسان» وقدمت إنجازاتها على أنها في المقام الأول تقدم حاسم في الحرية الإنسانية
في الفعل والإبداع والآمن» بل إنها قرنت الأمن والحرية بنمط نظامها الاجتماعي ووحدت
بينهماء فالمجتمع الغربي الحديث يعني المجتمع المتحضر» ومن ثم كل مجتمع متحضر يشير
إلى حالة قضى فيها الإنسان على القبح الطبيعي والعلة المرضية الطبيعية ومعظم الميول
البشرية الكامنة نحو العنف والوحشية» أو على الأقل إلى حالة كبح فيها الإنسان جماح
هذه الأمراض الطبيعية» فالصورة الشهيرة للمجتمع المتحضر هي تلك التي تتميز في المقام
الأول بغياب العنف» صورة مجتمع ينعم بالأمن والوداعة والرقى.
ربما تكون قدسية جسد الإنسان وطهارته هما أبلغ تعبير رمزي عن الصورة النماذجية
للحضارة الغربية الحديثة ؛ إنهما يعكسان الحذر الذي نتوخاه بألا ننتهك أكثر الأشياء
خصوصية. والحذر الذي نتوخاه في تجنب الملامسة الجسدية» والحذر الذي نتوخاه في
1110 دما
الفصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقنيَّ والأنستن
الالتزام بالمسافة الجحسدية التي تنصح بها ثقافة المجتمع» وإظهار شعورنا بالاشمئزاز والغثيان
كلما رأينا أو سمعنا عن انتهاك هذا الكيان الطاهر المقدس . وبإمكان الحضارة الحديثة أن
توفر القصص والحكايات الخيالية المرتبطة بقدسية جسد الإنسان واستقلاليته» بفضل
الآليات الفعالة للتحكم الذاتي الذي طورته» ونجحت بوجه عام في توليده في عملية التعليم
الفردي . وبمجرد أن تصبح آليات التحكم الذاتي المتولدة فعالة ومؤثرة» فإنها تتخلص من
الحاجة إلى التدخل الخارجي اللاحق في الجسد. إن خصوصية الجسد تؤكد المسؤولية
الشخصية عما يصدر عنه من سلوك» ومن ثم فنهي تضيف جزاءات قوية للتدريبات
الصارمة التي يؤديها الجمسد. وفي السنوات الأخيرة» استغلت السوق الاستهلاكية هذا
الأمر أسوأ استغلال» وشجعت على استبطان الطلب على التدريب الجسدي» وأصبح
تطوير التحكم الذاتي الفردى يميل إلى أن يكون هو نفسه ذاتي التحكم» على طريقة «افعلها
بنفسك» (/آ21). أو #أء5سدامل :1 20 ) . لذلك فإن الحظر الثقافى على الاتصال المباشر
بجبيد أخرعيارة عن وقاية فعاله قبن توخلات متحتملة من شأنها أن ترعرع خط النظاء
الاجتماعي القائم على الإدارة المركزية إذا لم تجد من يقاومهاء فغياب العنف عن التواصل
الإنساني اليومي العام شرط لا غنى عنه؛ وهو إحدى النتائج الدائمة لمركزة القهر.
باخمتصارء الغياب العام للعنف بوصفه سمة من سمات الحضارة الحديثة مجرد وهم
وسراب. إنه» على نحو أدق..جزء متمم لدفاعها عن نفسها وتمجيدها لذاتها. إنه؛
باخشصار» جزء متمم لأسطورتها التي تكتسب منها شرعيتها. وليس صحيحا على
الإطلاق أن حضارتنا الغربية تنبذ العنف بسبب طبيعته غير الأخلاقية المهينة الوحشية .
لو أن الحداثة تنعارض حقًا مع الانفعالات البربرية» فإنها لا تتعارض على الإطلاق مع
الاضطهاد والذبح والتدمير الهاديء الفعال. فكلما ازدادت العقلانية الخاصة بجودة التفكير»
ازداد حجم الدمار. ففي زمئنا هذاء على سبيل المثال» لم يعد التعذيب والإرهاب من أدوات
التعبير عن نوبات الانفعال والغضب» بل أصبحا من أدوات العقلانية السياسية7١" .
ما حدث في حقيقة الأمر خلال فرض سيرورة التهذيب الحضاري هو إعادة انتشار
فتك و إضاذة تررم كاف كان العنف مثل عديد من الأشياء الأخرى التي تعودنا على
140 .م ,كأئات0 عط قصة أمسدء11010 عط ممم مم معدا 11
يفن
الحداثي والهوتلوكوست
مقتها والاشمئزاز منهاء وقد لجأت الحداثة إلى إخفائه عن الأنظار بدلاً من القضاء عليه»
فأصبح الناس لا يرون العنف» إذ اختفى من النطاق الضيق للتجربة الشخصية الخاصة»
وتوارى في مناطق منعزلة خلف السياج والأسوار. وبوجه عام» أخفت الحداثة العنف في
مناطق لا يصلها عامة أفراد المجتمع» وأجلته أو إزاحته إلى «مناطق غامضة».؛ بعيدًا عن
أنظار الغالبية العظمى من أفراد المجتمع» لاسيما الأغلبية التي يحسب لها حساب . كما
صدّرت الحداثة العنف إلى أماكن بعيدة لا علاقة لها بوجه عام بحياة البشر المتحضرين
وعملهمء ونصحت بعدم زيارة مثل هذه الأماكن .
والمحصلة النهائية لكل ذلك هي مركزة العنف» فبمجرد أن يتمركز العنف في يد واحدة
لاينافسها أحدء يصبح بإمكان وسائل القهر تحقيق نتائج لم يسمع أحد بها من ذي قبل»
حتى وإن لم تتسم هذه الوسائل بالكمال التقني . ويعود ذلك إلى أن مركزة وسائل القهر
تعزز تكثيف التطورات التقنية» ومن ثم تتضخم آثار المركزة أكثر وأكثر. وقد أشار أنتوني
جيدنز إلى ذلك كثيرا في كتابيه «النقد المعاصر للمادية التاريخية» )١198١( و«تكوين
المجتمع» :»)١985( حيث أكد أن محو العنف من الحياة اليومية للمجتمعات المتحضرة كان
يرتبط دومًا بعسكرة كاملة للعلاقات داخل المجتمع وبإنتاج اجتماعي داخلي للنظام .
وبذلك جمعت الجيوش المتأهبة وقوات الشرطة بين الأسلحة المتطورة والتكنولوجيا الفائقة
للإداره البيروقراطية . وطيلة القرنين الماضيين» كان عدد الأشخاص الذين لقوا مصرعهم
نتيجة هذه العسكرة في زيادة مطردة» ووصل إلى حد لم يسمع عنه أحد من ذي قبل .
استوعبت الهولوكوست عدذا ضخمًا من وسائل القهر» وسخرت كافة هذه الوسائل
في خدمة هدف واحدء ولذا كانت أيضًا حافزا لمزيد من التخصص والإتقان التكنيكي
الإجرائي. ولكن كان هناك ما هو أهم من عدد وسائل الندمير وجودة التقنية» وأعني
بذلك الطريقة التي استخدمت بها هذه الوسائل التدميرية والجودة التكنيكية. لقد اعتمدت
فاعلية هذه الوسائل اعتمادا كبيراً على إخضاع استخدامها لاعتبارات بيروقراطية وتكنيكية
إجرائية محضة . هذه الاعتبارات أكسبت استخدام الؤسائل مناعة ضد الضغوط المضادة
كالتي يمكن أن تحدث في حالة سيطرة قوى مفككة وغير نظامية على وسائل العنف
واستخدامها على نحو عشوائي . وهنا يتحول العنف إلى تكنيك إجرائي . وهو بذلك.
يتجرد مثل جميع التكنيكات من العواطف ويتسم بالعقلانية المحضة . وإذا كان «العقل»
6 6 لدمنام
الفصل الرايع: الهولوكوست بين الأيقنت والأنسنن
يعنى العقل الأداتى ((دمقدعء] 1511262181 يصبح من المعقول بكافة المقاييس أن نطلق
آلة البطش العسكرية الأمريكية» وقاذفات ب- 575» والنابالم وغير ذلك على فيتنام التي
«تسودها الشيوعية»» وهي «موضوع (00(600) أو هدف غير مرغوب فيه» بكل وضوح؛
فنلعب بذلك دور «العامل الميكانيكي» حتي نحولها إلى الموضوع أو هدف مرغوب
00"
آثارالتقسيم التراتبي والوظيغي للعمل
كلما كانت الوسائل تخضع لمعايير عقلانية أداتية فحسب وتنفصل عن التقييم الأخلاقي
للغايات» كان استخدام العنف أكثر كفاءة وفاعلية. وكما أشرت في الفصل الأول» تجيد
كافة النظم البيروقراطية فصل الوسائل عن القيمة الأخلاقية» بل إن هذا الفصل هو جوهر
العملية البيروقراطية وبنيتهاء وهو سر النمو الهائل للؤمكانية التعبوية النظامية» وهو سر
عقلانية الفعل وفاعليته. كل ذلك حققته الحضارة بفضل تطور الإدارة البيروقراطية .
وبوجه عام» كان الفصل بين الوسائل والقيمة الأخلاقية محصلة عمليتين متوازيتين
ومحوريتين في النموذج البيروقراطي للعمل . تتمثل العملية الأولى في التقسيم الوظيفي
للعمل بدقة شديدة بوصفها عملية إضافية للتدرج الخطي للسلطة والمرؤوسية» وبوصفها
أيضا عملية متميزة عن هذا التدرج في تبعاتها . أما العملية الثانية فتتعلق بإحلال المسؤولية
التكنيكية الإجرائية محل المسؤّولية الأخلاقية .
إن تقسيم العمل والتقسيم الناتح عن ميجرد تدرج السلطة يخلقان مسافة بين أغلب
المشاركين في النتيجة النهائية للفعل الجماعي والنتيجة نفسها. فالمنفذون المباشرون للفعل
هم الروابط الأخيرة في السلسلة البيروقراطية للسلطة» وقبل أن يبدؤوا مهمتهم» تتم كافة
العمليات الأولية التي أدت إلى المواجهة بواسطة أشخاص ليس لهم أي علم أو أية دراية
بالمهمة المطلوبة أحيانًا . لم يحدث ذلك في عالم ما قبل الحداثة» إذ كانت كافة مراحل
العمل تشترك في المهارات المهنية والحرفية نفسهاء وكانت المعرفة العملية لأسرار المهنة تنمو
باتجاه قمة السلم» فالمعلم يمتلك المعرفة نفسها التي يمتلكها تلميذه» وإن كانت أكبر وأفضل
-[3©) 0 اأتاع تع نال مدو مكدع 1 سمصسكط مد عجرو عع )تمده رستقطوععاء11 طمعوه1 (1)
.م,(1976 بمقطععم] . 8 . 177 بمعواعسدع]1 موك) ممكهلتك
1178
الحداثة والهولووكوست
لاغير. أما المشتغلون في سلم البيروقراطية الحديثة فيختلفون كثيرا في نوع الخبرة
والتدريب المهني الذي تتطلبه وظائفهم» وربما يمتلكون القدرة على تخيل أنفسهم فى
موضع مرؤوسيهم, وربما يساعد ذلك على الاحتفاظ ب «علاقات إنسانية طيبة» داخل
حجرة العمل . بيد أن ذلك ليس مناخ الأداء الصحيح للمهام أو فاعلية البيروقراطية بوجه
عام. واقع الأمر أن معظم الأنظمة البيروقراطية لا تأخذ على محمل الجد الوصفة
الرومانسية التي تنطلب من كل موظف بيروقراطي» لاسيما الموظف الذي يشغل المناصب
العلياء أن يبدأ «من القاع» حتى يكتسب وهو في الطريق إلى القمة خبرة العمل من الألف
إلى الياء. فمعظم النظم البيروقراطية تدرك تعددية المهارات التي تتطلبها المهام الإدراية
المتفاوتة في الحجم والأهمية» ولذا فهى تطبق طرق توظيف منفصلة ومستقلة لمستويات
مختلفة من السلطة الهرمية . ربما يكون صحيحا أن كل جندى يحمل عصا مشير في حقيبة
الظهر» بيد أن عددا قليلاً من يتقلدون رتبة مشير أو كولونيل أو نقيب يحتفظون بحراب
الجنود في حقيبتهم .
هذه المسافة العملية والذهنية بين الفاعل والمنتج النهائي تعني أن أغلب الموظفين في
الأنظمة البيروقراطية قد يصدرون أوامر دون دراية كاملة بعواقبها. كما يصعب عليهم في
عديد من الحالات تصور تبعاتها. وعادة ما يكون لديهم معرفة مجردة ومنفصلة عن
المشاعر» وهي معرفة يمكن التعبير عنها على أحسن وجه في صورة إحصاءات تقدر النتائج
دون إصدار أية أحكام» لاسيما الأحكام الأخلاقية. ففي ملفاتهم وأذهانهم» تظهر النتائج
على أحسن وجه في رسوم بيانية على شكل منحنيات وقطاعات دائرية أو مثاليًا على شكل
أعمدة من الأرقام . وسواء كانت الإحصاءات بلغة الأرقام أو الرسم البياني» فالنتائج
النهائية للآوامر لا روح لهاء إذ يقيس الرسم البيانى تقدم العمل دون التطرق إلى طبيعة
العملية أو أهدافهاء كما تجعل الرسوم البيانية مهامًا مختلفة كثيراً قابلة للتبادل. فلا شيء
يهم سوى نجاح أو فشل يمكن قياسه» ومن ثم فلا اختلاف بين المهام .
تتفاقم عواقب التباعد التي أفرزها التقسيم الهرمي للعمل على نحو جذري ما إن أصبح
هذا التقسيم وظيفيا (2068081نة). فلم يعد الأمر مجرد انعدام الخبرة الشخصية المباشرة
بالتنفيذ الفعلي للمهمة التي تسهم فيها سلطة متعاقبة» بل انعدام التشابه بين المهمة المطلوية
ومهمة المكتب ككل » فليست مهمة المشارك نسخة مصغرة أو تمثيل تصويري من المهمة
111110 دما
المّصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقدن والأنسكن
الكبرى» ما يجعل المشارك بعيدا عن الوظيفة التي تؤديها البيروقراطية التي هو جزء منها.
والآثر النفسي لمثل هذا الإبعاد كبير للغاية . فإعطاء الأوامر بشحن القنابل في الطائرة أمرء
والتقاية بالأمداة امعط للصلب في مصاع القنابل أمر متختافت تمامًا.. في اللالة الأول:
ريما لا يكون لدى المكلّف بالأمر فكرة قوية وتصورية عن الدمار الذي ستحدثه القنبلة . أما
في الحالة الثانية» لا يضطر مدير الإمداد بمحض اختياره أن يفكر أساسا في الغرض الذي
صنعت القنبلة من أجله. حتي من الوجهة النظرية» ليس للمعرفة التصورية المحضة
بالمحصلة النهائية أهمية تذكرء ولا علاقة لها بنجاح دور الموظف في العملية بالتأكيد. ففي
إطار التقسيم الوظيفى للعمل» يصبح كل شيء يفعله المرء متعدد النهايات في الأساس»
بمعنى أنه يمكن أن يمتزج ويتكامل في أكثر من وحدة كاملة محددة للمعنى . فالوظيفة
(02اعصدة) مجردة من المعنى» ومعناها النهائي لا تمتلكه أفعال الفاعلين بأي حال من
الأحوال» بل سيكون «الآخرون» المجهولون البعيدون عن المشهد في أغلب الأحيان هم
من يحددون هذا المعنى . وهنا يتساءل الباحثئان كرن ورابوبورت : هل بإمكان العمال في
المصانع الكيميائية التي تننج النابالم أن يتحملوا المسؤولية تجاه الرصّم الذين أحرقتهم نيران
النابالم؟ وهل لدى هؤلاء العمال مجرد وعي بأن أناسًا آخرين ربما يعتقدون على نحو
معقول أنهم كانوا مسؤولين عن ذلك؟17) بالطبع لا. ولا يوجد سبب بيروقراطي يستوجب
ذلك . فتقسيم عملية حرق الأطفال إلى مهام وظيفية دقيقة. وفصل تلك المهام عن بعضها
البعض» قد جعلا مثل هذا الوعي في غير محله؛ بل جعلا اكتسابه صعبًا إلى أبعد حد.
ناهيك أن المصانع الكيميائية هي التي تنتج النابالم» وليس أفرادها العاملين.
ترتبط العملية الثانية المسؤولة عن إبعاد الموظف عن المهمة الكلية ارتباطًا وثيقًا بالعملية
الأولى . فإحلال المسؤولية التكنيكية محل المسؤولية الأخلاقية لا يمكن تصوره دون الفصل
والتشريح الوظيفي الدقيق للمهام: أو على الأقل لا يمكن تصوره بالقدر نفسه. هذا
الإحلال يحدث بالفعل إلى حد كبير داخل التدرج الخطي الخالص للتحكم والسيطرة»
فكل موظف داخل السلطة الهرمية مسؤول أمام رئيسه المباشر» ومن ثم يكون مهتما بطبيعة
الخال برأيه وباستحسانه العمل الذي يؤديه. ومهما تكن أهمية ذلك الاستحسان» فهو لا
يزال يدرك» وإن كان من الناحية النظرية فقط» ماذا ستؤول إليه المحصلة النهائية لعمله .
141 .م ,مسقت عط لسه أمسمء11010 ع1 بأمممممة ع معت]1 (1)
1م1١
الحداثتٌ والهولوكوست
ولذا فهناك على الأقل فرصة مجردة لقياس وعى ما بوعى آخرء وكذلك اختبار كرم
الرؤساء بالقياس إلى بشاعة التبعات. وكلما كانت المقارنة ممكنة» كلما كان الاختيار مكنا
أيضا . ففي إطار التقسيم الهرمي للسلطة» تظل المسؤولية التكنيكية ضعيفة» على الأقل من
الناحية النظرية » بل من الممكن أن يُطلب إليها أن تبريء نفسها بلغة أخلاقية وأن تنازع
الضمير الأخلاقي . على سبيل المثال» ربما يقرر الموظف (11003539عهت) أن إصدار رئيسه
لأمر ما يتجاوز اختصاصاته وصلاحياته لأنه انتقل من نطاق الاهتمام التكنيكي المحض إلى
المغزى الأخلاقي . فقتل الجنود بالرصاص أمر عادى, أما قتل الأطفال أمر آخر. فالواجب
الذي يحتم طاعة الأوامر العليا لا يصل إلى حد تبرير ما يراه الموظف أعمالاً غير مقبولة من
الناحية الأخلاقية . بيد أن جميع هذه الاحتمالات النظرية تختفي أو تضعف إلى حد كبير
بمجرد إضافة التدرج الخطي للأوامر أو الاستعاضة عنه بالتقسيم الوظيفي للمهام وفصلها.
وهنا تتتصر المسؤولية التكنيكية انتصار كاملاً وغير مشروطء وهو انتصار لا هزيمة بعده من
الناحية العملية .
تختلف المسؤولية التكنيكية عن المسؤولية الأخلاقية في أنها تتغاضى عن كون الفعل
مجرد وسيلة للوصول إلى شيء يتجاوزه .. فعندما يتحقق استبعاد الروابط الخارجية للفعل
من مجال الرؤية» يتحول عمل الموظف البيروقراطي إلى غاية في حد ذاته» ومن ثم يمكن
الحكم عليه فقط من خلال معاييره الداخلية الخاصة بالجودة والنجاح . فالاستقلال النسبي
الذي يتباهى به المسؤول المحكوم بتخصصه الوظيفي يصاحبه انعزال عن النتائج الكلية التي
يحققها العمل المتفرق والمنسق للمنظمة ككل . فإذا ما انعزلت الأفعال الأكثر تخصصاً من
الناحية الوظيفية عن عواقبها البعيدة» فإنها تجتاز الاختبار الأخلاقي بسهولة أو لا تبالي
بالعواقب الأخلاقية . وعندما لا يصطام الفعل بموانع أخلاقية» يمكن ببساطة الحكم عليه
وفق أسس عقلانية جلية. ما يهم هو إذا ما كان الفعل قسدتم وفق أفضل الخبرات
التكنولوجية المناحة» وإذا ما كانت نتيحة الفعل ذات تكلفة اقتصادية معقولة. فالمعايير
واضحة ومحددة وسهلة التشغيل .
وهنا نستشف نتيجتين مهمتين من نتائج العمل البيروقراطي . أولاً» إذا نظرنا إلى
المهارات والمعرفة المتعمقة والقدرة على الإبداع والتفاني في العمل والدوافع الشخصية التي
6 6 لدمناما
الفصل الرايع: الهولودكوست بين الأيقنن والأنتسنن
تشجع العاملين على التوظيف الأمثل لهذه السمات» نحد أنه من الممكن تعبئتها وتسخيرها
في خدمة الهدف البيروقراطي العام حتى وإن احتفظ العاملون باستقلال وظيفي نسبي تجاه
هذا الهدف», وحتى ولو لم يتوافق هذا الهدف والفلسفة الأخلاقية للعاملين. باختصارء
النتيجة هي انعدام أهمية المعايبر الأخلاقية للنجاح التكنيكي الخاص بالعملية البيروقراطية .
ويرى تورشتين فبلن أن غريزة إتقان العمل موجودة في كل إنسان فاعل» وهي تتمركز تماما
حول الأداء الصحيح للوظيفة المطلوبة . وقد يعزز الحرص العملي على إتقان المهمة أي من
العوامل التالية :
١ - الشخصية الضعيفة للعامل وصرامة رؤسائه .
1- حرص العامل على الترقية أو طموحه أو فضوله المجرد من العواطف .
- عديد من الظروف والبواعث الشخصية الأخرى أو سمات الشخصية .
ولكن» على وجه.العموم» تفي غريزة إتقان العمل بالغرض حتى في غياب كافة هذه
العوامل . وعلى العموم» يرغب الإنسان الفاعل في أن يتفوق في العمل » فهو يريد أن يتقن
ما يفعل مهما يكن ما يفعله . وبفضل التمبيز الوظيفي المعقد داخل النظام البيروقراطي »
أصبح الإنسان الفاعل معزولاً عن النتائج النهائية للعملية التي يشارك فيهاء وأضحت
اهتماماته الأخلاقية تنصب على الأداء الجيد للوظيفة المطلوبة . وبذلك أصبحت الأخلاق
تتلخص في تحول الإنسان إلى عامل وخبير مشهود له بالكفاءة والجد وجودة الآداء .
نزع إنسانية الأهداف البيروقراطية
أما النتيجة الثانية للعمل البيروقراطي فتتمثل في تجريد أهداف العملية البيروقراطية من
الصفات الإنسانية» وهذا يعنى إمكانية التعبير عن هذه الأهداف بعبارات تكنيكية محضة
ومحايدة من الناحية الأخلاقية .
تعرضوا للمهانة وتضاءلت قدراتهم على الفعل إلى المستوى الأساسي من مستويات البقاء
البدائي . فقد جرى حرمان السجناء من استخدام الرموز الثقافية السلوكية والجسدية الخاصة
بالكرامة الإنسانية» بل وجردوا من كل صفة تربطهم بعالم البشر. أو كما قال بيتر مارش :
كما
الحداثت والهولوكوست
اعندما يقف المرء بجانب سور أوشقيتس متأملا هذه الهياكل العظمية النحيلة والبشرة
المتكمشة والعيون الْمجَّوفّة» يتساءل قائلاً: من يستطيع أن يصدق أن هذه الهياكل كانت
بشر بالفعل؟72١أغير أن هذه الصور تمثل إحدى التجليات المتطرفة لنزعة يمكن أن نجدها في
كافة الأنظمة البيروقراطية» مهما كانت المهام وديعة وحميدة. وأرى أنه عند مناقشة الميل
إلى نزع إنسانية الإنسان ينبغي أن ينصب الاهتمام على قضايا أكثر كلية وعمومية والتي
تشكل بذلك أهمية أكبر» بدلاً من التركيز التجليات الحسية المثيرة المخزية غير المألوفة .
يبدأ التجريد من الإنسانية» بفضل خلق المسافات بين الذات والموضوع أو الفاعل
والمفعول» عندما يمكن أن تُختزل أهداف العملية البيروقراطية إلى مجموعة من المقاييس
الكمية. واللغة التي يفهمها مديرو السكك الحديدية عند التعامل مع الهدف هي لغة
الأطنان والكيلومترات» فهم لا يتعاملون مع بشر أو حيوانات أو أسسلاك شائكة» بل مع
الحمولة» وهذا يعني التعامل مع كينونة تتألف برمتها من مجموعة أحجام كمية خالية من
أية اعتبارات كيفية . ويرى معظم البيروقراطيين أن كلمة عامة ومحايدة مثل «الحمولة» تشير
إلى شيء له مواصفات واضحة ومحددة» ولايهمهم شيء سوى الإنجازات المالية
لأعمالهم» ولا يشغل بالهم سوى المال. المال هو الهدف الوحيد الذي يظهر في طرفي
المدخلات والمخرجات, أو كما قال القدماء في مثلهم البليغ «المال ليس له رائحة)7"' .
وعندما تنمو الشركات البيروقراطية» فقلما تحصر نفسها في مجال عمل واحد مميز
نوعياء بل تنتشر في مسارات جانبية» ويوجهها الانتحاء المالي» وهو نوع من النمو الذي
توجهه جاذبية العوائد المرتفعة في رؤوس الأموال. وكما قلنا من قبل» كان «قسم الإدارة
الاقتصادية للمكتب الرئيس لأمن دولة الرايخ» هو من يدير عملية الهولوكوست برمتهاء
ولم تكن هذه الإدراة الاقتصادية مجرد حيلة أو مناورة أو عملية تمويهية .
عندما يجري اختزال البشر - مثل كافة الأهداف الأخرى للنظام البيروقراطي - إلى
مجرد أحجام كمية محضة منفصلة عن القيمة» يفقد البشر ما يميزهم» ويجردوا من
إنسانيتهم» بمعنى أن اللغة التي تستخدم في سرد ما يحدث لهم» أو يفعل بهم» ترمى بهم
.120 .م ,(1978 رقهه5 عن غصوط .11 . :ممكدمآ) ععصعلوة7؟ 01 سمأكسال؟ ع5 تمعوعة ,طومهاة ماعط (1)
(؟) هذا المثل يعني أنه لا يوجد أحد يأنف من رائحة المال؛ وأن الإنسان يحب المال حبًا جما [المترجم] .
71.11 / دما
الفصل الرابع: الهولودكوست بين الأيقنت والأنسنن
خارج عالم الحكم الأخلاقي. واقع الأمر أن هذه اللغة لا تصلح للمقولات الأخلاقية
المعيارية» فالبشر وحدهم هم من يصلحوا أهدافًا للمقولات الأخلاقية. صحيح أن
المقولات الأخلاقية قد متد لتشمل أحيانًا كائنات حية أخرى من غير البشر» ولكنها تفعل
ذلك فقط من منطلق مرجعية بشرية أصلية . والبشر يفقدون هذه المقدرة الأخلاقية ما إن
أختزلوا في مجرد أرقام .
يرتبط نزع إنسانية الإنسان ارتباطًا وثيقًا بأهم سمة للبيروقراطية الحديثة وأكثرها نزوعا
نحو العقلنة والترشيد. فجميع الأنظمة البيروقراطية تؤثر نوعا ما على بعض المواد البشرية
المستهدفة» ولذا فإن التأثير المضاد للتجريد من الإنسانية له حضور أكبر بكثير من مجرد
اقتران شبه كامل بآثاره التدميرية . فالجنود يتلقون الأوامر بإطلاق الرصاص على «أهداف»)
تسقط عندما «تُضرب»» والعمال تُحرضهم الشركات الكبرى على تدمير «المنافسة»,
وموظفو مؤسسات الرفاه الاجتماعي يهبون «المنح والجوائز التقديرية» تارة و «الاعتمادات
الشخصية) تارة أخرى . فأهدافهم عبارة عن «مستلمي إعانات إضاضية». ومن الصعب
إدراك وتذكر البشر الذين يختفون وراء كافة هذه المصطلحات التكنيكية المحايدة. بل إن
الأصل هو أنه عندما يتعلق الأمر بالأهداف البيروقراطية» فمن الأجدر ألا تدخل هذه
الأهداق مجال الإدراك أو التذكر .
فما أن يتحقق نزع إنسانية أهداف بشرية خاضعة لمهام بيروقراطية» ومن ثم نزع قدراتها
كذوات فاعلة كامنة لها حقوق أخلاقية» ختى ينظر البيروقراطيون إليها بعين اللامبالاة
الأخلاقية والتي سرعان ما تتحول إلى استنكار واستهجان عندما تتسبب مقاومة الأهداف
البشرية أو عدم تعاونها في بطء التدفق الهاديء للروتين البيروقراطي . ومن المحتمل ألا
يكون بمقدور هذه الأهداف البشرية التئ جردت من الصفات الإنسانية أن تكون صاحبة
«قضية وطنية»» والأصعب أن تكون صاحبة ١قضية عادلة», فلا «أهمية» لها يمكن أخذها
في الاعتبار» ولا حتى أي حق في المطالبة بالتعبير عن ذاتيتهم الإنسانية -ل#ناءةزطاناة
2١7. )57( ولذلك تصبح الأهداف البشرية «مصدر إزعاج»» بل إن تمردها يعزز احترام
)١( يشير مصطلح «الذاتية» بالمعنى الفلسفي إلى المقدرة الإنسانية التي يعبر بها البشر عن رؤاهم وآرائهم ومشاعرهم
ورغباتهم [المترجم].
146
الحداثي والهولوكوست
الذات وأواصر الصحبة بين جماعة الموظفين الذين يرون أنفسهم رفقاء في معركة صعبة
تدعو إلى التحلي بالشجاعة والتضحية بالنفس والتفاني في العمل دون النظر إلى المصلحة
الشخصية. وهذا يعني أن الذوات الفاعلة (8اعءزطناة)» وليس المواد البشرية المستهدفة
(15ءءزا0)في الفعل البيروقراطي » هم من يعانون أثناء القيام بالفعل» ومن ثم فهم أهل
للتعاطف والثناء الأخلاقي . وربما يحق للموظفين القائمين بالفعل أن يشعروا بالفخر
والكرامة من سحق تمرد ضحاياهم» مثلما يشعرون بذلك كلما تغلبوا على كل عقبة من
العقبات التي تواجههم . إن تجريد الأهداف من الصفات الإنسانية والتقييم الذاتي
الأخلاقي الإيجابي يساندان بعضهما البعض» والموظفون ربما يؤدون أي عمل بإخللاص
دون أن يفسد ضميرهم الأخلاقي .
خلاصة القول؛ يشتمل أسلوب العمل البيروقراطي بالصورة التي تطور بها خلال
عملية التحديث على جميع العناصر التكنيكية التي ثبت أنه لا غنى عنها في تنفيذ مهام
الإبادة الجماعية . هذا الأسلوب يمكن أن يخدم أي هدف من أهداف الإبادة الجماعية دون
مراجعة تذكر لبنيته» أو آلياته» أو أغاطه السلوكية .
البيروقراطية على عكس ما يتصور الكثيرون ليست مجرد أداة يمكن استتخدامها في
تحقيق أغراض وحشية ودنيئة تارة وأغراض إنسانية تارة أخرى . وحتى إذا رفنت
البيروقراطية في خدمة هدف من الأهداف» فإنها تشبه لعبة النرد؛ فتعمل وفق منطقها
الداخلي وبنيتها الداخلية؛ فتجعل بعض الحلول أكثر احتمالاً» والبعض الآخر أقل
احتمالاً. فعندما تنطلق الرمية الأولى» يتنجاوز النرد بسهولة كافة الحدود التي ربما قد يتقف
عندها كثير من من أعطوه هذه الدفعة إذا كان زمام الأمور مازال بأيديهم » وهنا يشبه النرد
مكنسة صبي الساحر١؟. فالبيروقراطية مبرمجة على أن تصل إلى الأفضل » وهي مبرمجة
على أن تقيس الأفضل بلغة لا تيز بين هدف بشري وهدف بشري آخرء أو أن تميز بين
الأهداف البشرية وما دونها. فلا شيء أهم من الكفاءة وخفض التكاليف في التعامل مع
الأهداف.
(1 موده العيورة البجازية فى النقامة التريةة ]إلى الصونة كتياس ونه قراف لاسب :الناخرااه وى نكل قمية
ساحر طاعن في السن يترك صبيه للقيام ببعض الأعمال» ولما تعب الصبي من جلب الماء بالدلو؛ سحر مكنسة
لآداء الغرض» بيد أن الماء أخل يتدفق» ولم يستطع الصبي أن يوقف تدفقه لأنه لا يعرف السبيل إلى ذلك
[المترجم].
او طن )ةمأ 200.16 وه 8 | لدمتار
المّصل الرابع: الهوتلوكوست بين الأيقنت والأنسنت
دورالبيروقراطية الحديثة في الهولوكوست النازية
هذا ما حدث في ألمانيا منذ نصف قرن حينما عهد بمهمة تطهير ألمانيا من اليهود إلى
البيروقراطية . بدأت هذه البيروقراطية من حيث بدأت الأنظمة البيروقراطية الأخرى»
بمعنى أنها بدأت بصياغة تعريف دقيق للهدف» وسجلت من ينطبق عليهم هذا التعريف».
وفتحت ملمًا لكل واحد منهم . ثم أخذت تفصل من وردت أسماؤهم في الملفات عن بقية
السكان. وفي النهاية» تحركت لإجلاء الفئة المعزولة من أرض الآريين التي تم العزم على
تطهيرها بدفع هذه الفئة إلى الهجرة وترحيلها إلى أراض غير ألمانية بمجرد سيطرة الألمان
على مثل هذه الأراضي . عندئذ قامت البيروقراطية بتطوير مهارات فائقة في عمليات
التطهير» وهي مهارات لا يمكن تبديدها أو تركها حتى تصدأ . فالبيروقراطية التي أبلت بلاء
حسنًا في مهمة تطهير ألمانيا جعلت من الممكن إنجاز مهام أكثر طموحًاء وجعلت اخختيار
هذه المهام أمرا طبيعيًا . والسهولة المذهلة لمثل هذا التطهير أثارت السؤالين التاليين: لماذا
نتوقف في عملية التطهير عند حدود وطن الجنس الآري؟ ولماذا لا نُطَهّر الإمبراطورية
الآرية بأسرها؟ صحيح أن الإمبراطورية كانت عندئذ مسكونية عالمية» ولم يكن لها (جزء
خارجي» يمكن فيه التخلص من مزبلة القاذورات اليهودية. لم يبتي سوى اتجاه واحد
للترحيل : إلى أعلنى» في دخان المحارق .
انقسم المؤرخون الذين كتبوا عن الهولوكوست منذ سنوات عديدة وإلى الآن إلى
مدرستين: المدرسة القصدية والمدرسة الوظيفية. يصر القصديون على أن قتل اليهود من
البداية كان قراراً صارمًا اتخذه هتلر» ولم يتكشف ذلك إلا في الوقت المناسب . أما
الوظيفيون فيعتقدون بأن هتلر كان لديه فكرة عامة بخصوص (إيجاد حل» لا يطلق عليه
(المشكلة اليهودية»» وأن هذه الفكرة العامة كانت واضحة فقط في حدود خطة «ألمانيا
النظيفة»» لكنها كانت تتسم بالغموض والتخبط من حيث الخطوات العملية المطلوبة حتى
تصبح أكثر اقترابًا من الواقع . هذه الرؤية الوظيفية تؤكدها الدراسات التاريخية كل تأكيد .
ومهما تكن النتيجة النهائية لهذا الجدل» قلما نجد مجالاً للشك في أن المدى الممتد بين
الفكرة وتنفيذها قد ملأه العمل البيروقراطي عن آخره. فلا شك أنه مهما كان خيال هتلر
قوياء لم يكن لينجز إلا النزر اليسير لو لم يعهد بهذا الخيال إلى جهاز بيروقراطي عقلاني
/اى ا
الحداثت والهولوكوست
ضخم يترجمه إلى عملية روتينية تستهدف حل المشكلات . ولا مراء أن أسلوب العمل
البيروقراطي ترك بصمته على جميع صفحات تاريخ الهولوكوست ليراها كل إنسان.
صحيح أن البيروقراطية لم تجلب الحنوف من التلوث العرقي والهوس بالنقاء العرقي» وأنها
لذلك احتاجت إلى أناس حالمين» وأنها تبدأ من حيث ينتهي الحالمون» لكنها صنعت
الهولوكوست» لقد صنعتها على صورتها الخاصة .
يرى هيلبرج أنه بمجرد أن سَطّر أول مسؤول ألماني أول قرار يقضي بإقصاء اليهود. كان
مصير اليهود الأوربيين أمرا مقضيا . وينطوي هذا الرأى على حقيقة عميقة ومروعة: كانت
البيروقراطية تحتاج فقط إلى تحديد المهمة المطلوبة؟ ولأن البيروقراطية كانت تتسم بالعقلانية
والكفاءة» فقد عهد إليها بالمهمة حتى نهايتها .
أسهمت البيروقراطية في حدوث الهولوكوست,ء ليس فقط من خلال مهاراتها
وقدراتها المتأصلة» ولكن من خلال أمراضها المزمنة الكامنة أيضا . وقد شرحنا بالتفصيل
نزوع كافة الأنظمة البيروقراطية إلى نسيان الهدف الأساسي والتركيز بدلاً من ذلك على
الوسائل التي تنحول إلى غايات . والبيروقراطية النازية لم تنج من تأثير هذه النزعة . فما أن
بدأت آلة القتل تتحرك حتئ طورت قوتها الدافعة» وكلما تفوقت في تطهير أراضيها من
اليهود» كلما انهمكت في البحث عن أراض جديدة يمكن أن تمارس فيها مهاراتها الجديدة
المكتسبة . ومع اقتراب الهزيمة العسكرية لألمانياء أصبح الهدف الأساسي لما يسمى «الحل
النهائي للمسألة اليهودية» هدقًا زائمًا. إن ما جعل آلة القتل تستمر آنذاك هو قوتها الدافعة
ونظامها الروتينى فحسب ؛ فكان لابد من استخدام مهارات القتل الجماعي لأنها كانت
بكل بساطة موجودة هناك . أما الخبراء فقد أوجدوا الأهداف لخدمة اختباراتهم وتجاربهم .
ونحن نتذكر خبراء المكاتب اليهودية في برلين وهم يبتدعون كل ما استجد من فيود سخيفة
على اليهود الألمان الذين قد اختفوا قبل زمن بعيد من الأراضي الألمانية . إذنا نتذكر ضباط
الإس إس الذين منعوا جنرالات القوات الألمانية المسلحة من إبقاء الحرفيين اليهود على قيد
الحياة» رغم أنهم كانوا في مسيس الحاجة إليهم في العمليات العسكرية . بيد أن هذا الجنوح
الرهيب إلى إحلال الوسائل محل الغايات لا يظهر على نحو أكثر وضوحًا من ظهوره في
الملأساة المروعة والغريبة التي شهدت قتل اليهود المجريين والرومانيين. لقد وقعت هذه
1 6 لدمنام
الفْصل الرابع: الهولوحكوست بين الأيقنن والأنستن
الجريمة بينما كانت الجبهة الشرقية على بعد بضعة أميال فقط وبتكاليف حربية باهظة؛ إذ
العسكرية حتى تُطهر الأنحاء النائية لأوروبا في سبيل الحنة الألمانية التي لم يكن لها أبد) أن
تكون.
البيروقراطية في حد ذاتها قادرة على ارتكاب جرائم الإبادة» وحتى تنخرط
البيروقراطية في مثل هذه الأعمال» فإنها بحاجة إلى لقاء مع ابتكار آخر للحداثة» إنها
بحاجة إلى أن تلتقي مع خطة هندسية جرئية تستهدف خلق نظام اجتماعي أفضل وأكثر
اتزانًا وعقلانية . والأهم من ذلك أن تلتقي البيروقراطية بالقدرة على رسم هذه النطط.
والعزم على جعلها أكثر تأثيرا وفاعلية. فالإبادة تحدث عندما يلتقي ابتكاران عبقريان
مألوفان من ابتكارات الأزمنة الحديثة . كل ما فى الأمر أن هذا التلاقى كان نادرًا» ولم يكن
مألوفًا حتى الآن.
إفلاس الضمانات الحديثة
«لم يعد العنيف الحسدى وتهدليده مجرد إحساس دائم بعدم الأمان الذي يجلبه العنف
إلى حياة الفرد» بل إن العنف نوع خاص من الأمن» إنه ضغط منتظم على حياة الفرد
يتسبب فيه العنف الجسدى الذي يخرّن ويخفى وراء مشاهد الحياة اليومية. إنه ضغط
مألوف تمامًاء لكن قلما ندركه» فقد ضبطنا تصرفاتنا وداوفعنا منذ الصبا بحيث تتناسب مع
هذه البنية الاجتماعية)7١) .
بهذه الكلمات يؤكد نوربير إلياس من جديد التعريف المألوف الذي يقدم به المجتمع
المتحضر نفسه باعتبار أن التخلص من العنف.من الحياة اليومية هو أهم ما يشدد عليه هذا
التعريف . وكماراناة ليس المحو الظاهري للعنف في واقع الأمر سوى مجرد عملية إجلاء
تفضي إلى إعادة حشد للمواره وتدبير مراكز العنف في مواقع جديدة داخل النظام
الاجتماعى. فبقعة الحياة اليومية تخلو نسبيًا من العنف» والسبب الدقيق لذلك هو أن
-180 . كفت ,1112241013 ؟1ن) 3820 لام تفده 1 عأمام :ومععوعط جدأونل1؟015) ع1 ,نقتا ترعطيه8 (1)
. 2238-9 .جم ,(1982 ,1اع عاعما8 [تمدظ :0:1010)) أأمعطمع ل نادم
144
الحداثي والهولوكوست
العنف الجسدي يجري خلف الكواليس» وعلى نطاق كبير جعله خارج سيطرة أفراد
المجتمع تمامّاء ومنحه قوة جبارة لإخخماد انفجازات العنف المحظور . فالسلوك الأخلاقي
اليومي لطيف ودمث إلى حد بعيد لأن الناس أصبحوا مهددين بالعنف إذا ما لجأوا إلى
الست ييا ينبي فليس بإمكانهم استخدام العنف كأداة للمنافسة أو الأمل على نحو
معقول في التمرد. ولذا فإن اختفاء العنف من أفق الحياة اليومية كان أحد التجليات
الأخرى للنزعات التي ميل إلى مركزة السلطة الحديثة واحتكارهاء بمعنى أن العنف اختفى
من التعامل بين الأفراد» وأصبح ببخضع الآن إلى قوى تفوق قوة الفرد بكل تأكيد. بيد أن
هذه القوى لا تفوق كل فردء لذلك كان هناك ثمن لإصرار الحداثة الغربية على إتمام مكارم
الأخلاق بالقوة والتباهي بها وتوفير الأمن والأمان في الحياة اليومية - وهذا يذكرنا
بالتمركز الغربي حول أسطورة التعلل بالأمراض الأخلاقية والتي يروق نوربير إلياس
الاحتفاء بها - وهذا الثمن ربما نضطر نحن القاطنون في دار الحداثة أن ندفعه في أي وقت».
وربما نضطر أن ندفعه دون أن يطالبنا أحد بذلك .
إقرار السلم في الحياة اليومية يعني في الوقت نفسه أنها أصبحت عاجزة عن الدفاع عن
نفسها. فإذا وافق أفراد المجتمع الحديث أو أرغموا على نبدٍ العنف في تعاملاتهم
وعلاقاتهم» فإنهم يتخلون عن أسلحتهم أمام مديري القهر المجهولين المحجوبين الجبارين
المنذرين بالشؤم والهلاك . هذا الوضع يبعث على القلق» ليس لأن هناك احتمال كبير بأن
يتتهز مديرو القهر فرصة توجيه وسائل العنف التي يمتلكونها ضد المجتمع الأعزل» ولكن
ببساطة لأن استغلال هذه الفرصة أو عدم استغلالها لا يعتمد في الأساس على ما يفعله
البسطاء من الرجال والنساء . فليس بمقدور أفراد المجتمع الحديث وحدهم أن يمنعوا
استخدام القهر الجماعي ؛ ذلك لأن إصرار الحداثة الغربية على إِتمَام مكارم الأخلاق بالقوة
ساعي عر ندري في التحكم في العنم,
إن الوعي بالتهديد الدائم الذي ينطوي عليه عدم التوازن الحديث للقوة قد يجعل الحياة
جحيما لا يطاق لولا ثقتنا في سبل الحماية التي نعتقد أنها جزء ثابت من بناء المجتمع الغربي
الحديث المتحضر . وفي أغلب الأحيان لا نجد سببًا يجعلنا نعتقد أن هذه الثقة ليست في
محلهاء وفي حوادث مفاجئة ومثيرة قليلة تساورنا بعض الشكوك حول قدرات هذه
0
الفصل الرابع: الهولوكوست ببن الأيقني والأنسدي
السبل. وربما تكمن الأهمية الكبرى للمحرقة في أنها واحدة من أكثر هذه الحوادث المروعة
حتى الآن. ففي السنوات التي آلت إلى فكرة «الحل النهائي للمسألة اليهودية»» وضعت
سبل الحماية الحديثة التي نالت أعظم الثقة تحت الاختبار» وكانت النتيجة أنها فشلت
واحدة تلو الأخرى» وفشلت جميعًا في آن واحد.
ربما يكون أكثر هذه الحوادث إثارة للدهشة هو فشل العلم كمنظومة من الأفكار وشبكة
من مؤسسات التنوير والتدريب, إذ انكشفت العورات القبيحة لأعظم مباديء العلم
الحديث وإنجازاته. فقد تمثلت صيحات حرب العلم منذ بدايته في تحرير المنطق من
العواطف», والعقلانية من الضغوط القيمية» وفاعلية العمل من الأخلاق. وبمجرد أن
تحققت هذه المقولات» تحول العلم وتطبيقاته التكنولوجية إلى أدوات طيعة في يد سلطة بلا
ضمير» ولعب العلم دوراً حقير] مظلمًا على نحو مباشر وغير مباشر في حدوث
الهولوكوست .
أما الدور غير المباشر للعلم فكان له أهمية جوهرية من خلال وظيفته الاجتماعية
العامة» إذ مهد العلم طريق الإبادة من خلال تقويض السلطة والتشكك في القوة الإلزامية
لجميع أنواع التفكير القاتم على القيم والمعايير (8ضاعلصنط) ع0:221057م). لاسيما القوة التي
يمثلها كل من الدين وعلم الأخلاق . والعلم ينظر إلى تاريخه الماضي على أنه كفاح طويل
اتتصر فيه العقل على الخرافة واللاعقلانية. ولما لم يكن بمقدور الدين وعلم الأخلاق أن
يضفيا شرعية عقلانية على المعايير والقيم التي فرضاها على السلوك الإنساني» فقد وقفا
في قفص الاتهام وجردا من كافة السلطات . ولما قيل إن القيم والأعراف أمور ذاتية يتعذر
إصلاحهاء أضحت الآداتية (وافلهنهعصدكومة) المجال الوحيد الذي يمكن فيه البحث عن
التفوق والإتقان. أراد العلم أن يكون منفصلاً عن القيمة وظل يتباهى بذلك» بل إنه
أسكت دعاة الأخلاق من خلال الضغط المؤسسي والاستهزاء بهم . وتدريجيًا فقد العلم
البصيرة الأخلاقية والقدرة على التفوه بالقيم الأخلاقية» بل إنه أزاح كافة العقبات التي كان
من شأنها أن توقف تعاونه الذي يفيض بالحماس والحيوية والابتهاج في تخطيط أسرع
وأفضل سبل التعقيم أو القتل الجماعي . لقد أزال العلم أيضا العقبات التي تمنعه من تصور
15١
الحداثتّ والهولوكوست
عبودية معسكرات الاعتقال على أنها فرصة عظيمة وفريدة لإجراء أبحاث طبية في سبيل
تقدم البحث العلمي» وبالطبع في سبيل تقدم البشرية.
ساعد العلم» أو العلماء على وجه الدقة» الجناة الذين ارتكبوا جرائم الهولوكوست
على نحو مباشر أيضاً. فالعلم الحديث عبارة عن مؤسسات عملاقة ومعقدة» والأبحاث
تحتاج إلى تكاليف باهظة لأنها تتطلب مبان ضخمة ومعدات باهظة الثمن وأعدادا غفيرة
من الخبراء الذين يتقاضون مبالغ طائلة . لذلك يعتمد العلم على التدفق المستمر للأموال
والموارد غير النقدية أيضاء ولا يوفر هذا التدفق ويضمن استمراره سوى المؤسسات
الكبرى. رغم ذلكء» لا يمكن أن نصف العلم بأنه مذهب التجاريين (16تاصده:6): أو أن
نصف العلماء بأنهم تجار جشعون . فالعلم يدور حول الحقيقة» والعلماء يسعون إليها.
العلماء يقودهم الفضول ويثيرهم المجهول» ولو وضع حب المعرفة في كفة» وجميع
الأغراض الدنيوية الأخرى بما فيها المال في كفة» لرجحت كفة حب المعرفة عندهم . قيمة
المعرفة والحقيقة فحسب هي زادهم وغرضهم . وإنها مجرد مصادفة» ومصدر إزعاج
بسيط» أن الفضول لا يمكن أن يشبع» وأن الحقيقة لا يمكن أن تكتشفء. دون تدفق متزايد
لاعتمادات مالية دائمة ».ومعامل باهظة التكاليف» وقوائم رواتب ضخمة . فالعلماء لا
يبتغون شيئًا سوى أن يتركوا لحالهم يروون عطشهم أينما وجدوا كأس المعرفة .
إن الحكومة التي تبسط يد العون وتوفر هذه الإمكانيات تراهن على تعاون العلماء
وعرفانهم لها بالجميل . وفي المقابل يصبح أغلب العلماء على استعداد بأن يخضعوا لقوتها
القاهرة» وأن يتنازلوا عن قائمة عريضة من المباديء» ويختزلونها في عدد قليل من الوصايا
والتعاليم أخلاقية.:فقد كان العلماء مهيئين؛ على سبيل المثال» بأن يقبلوا الاختفاء
المفاجيء لبعض زملائهم أصحاب الأنوف أو الأسماء الغريبة. وإذاما اعترضوا بأي حال
من الأحوال» فكان اعتراضهم يتلخص في أن اختفاء كل هؤلاء الزملاء في هجمة واحدة
سيضع جدول البحث العلمي في خطر. ليس ذلك مزحة أو ضجة فارغة» بل هذا هو
الحال الذي كانت عليه صرخات الأكاديميين وطلاب وطلبة الطب والمهندسين الألمان» وإن
قل ما نعرفه عن نظرائهم السوفيت إبان عمليات التطهير . تقد طار العلماء الألمان من
الفرح؛ وركبوا القطار الذي تقوده قاطرة النازية نحو العالم الذي تسوده ألمانياء عالم جديد
11.1 دما
الفصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقنئ والأنسدتن
شجاع يتسم بالنقاء العرقي . عندئذ ازدادت طموحات ا البحثية» وتدفقت
الموارد والدعم المالي للمعاهد البحثية . وماادون ذلك لم يكن له أهمية لقره
في دراسة جديدة رائعة عن إسهام علماء البيولوجيا والطب في وضع السياسة العنصرية
النازية وتطبيقهاء فضح روبرت بروكتور الأسطورة الشائعة التي تقول إن العلم في عصر
النازية كان فريسة للقمع وهدقًا لتلقين سياسي مكثف فُرض عليه من فوق دون نقد أو
مناقشة . هذه الأسطورة تعود على الأقل إلى عام ١14١ حينما نشر جوزيف نيدهام كتابًا
مؤثر] بعنوان «الهجوم النازي على العلم الدولي» . وقد خلص روبرت بروكتور في دراسته
الدقيقة إلى أن الرأي الشائع يستخف أيما استخفاف بحجم الدور الذي لعبته النخبة العلمية
نفسها في خلق مبادرات سياسية» بل وفي بعض من أفظع هذه المبادرات الرهيبة . فهذه
الأسطورة تقول إن هذه المبادرات فُرضت من الخارج على علماء تمانعين» ولكنهم كانوا
خوافين وجبناء» بل وتقلل من أهمية الدور الذي لعبه علماء أجلاء ذوو مكانة أكاديمية
مرموقة في وضع السياسة العنصرية نفسها وإدارتها. ويرى روبرت بروكتور أنه لو كان
هناك قهر أو إكراه» «فقد كان قهراً يمارسه فريق من النخبة العلمية ضد فريق آخر) . وبوجه
عام. (أنشكت نشئت مؤسسات اجتماعية وفكرية عديدة قبل وصول هتلر إلى السلطة بفترة
كبيرة» ولعب علماء الطب الميوي "دور فعالاً» إن لم يكن قيادياء في وضع البرامج
العنصرية النازية وتنظيمها وتطبيقها»(١2. وفي دراسته الجادة لتشكيلات هيئات تحرير مئة
وسبع وأربعين دورية طبية في ألمانيا النازية» كشف روبرت بروكتور أن علماء الطب
الحيوي لم يكونوا بأي حال من الأحوال جماعة متطرفة أصابها الجنون والتعصب . وعقب
صعود هتلر إلى السلطة» لم تتغير هيئات التحرير أو تغيرت نسبة ضئيلة من أعضائهاء
وأغلب الظن أن التغيير كان يستهدف إزاحة الباخثين اليهود7" .
في أفضل الأحوالء أثبتت عبادة العقلانية التي تحولت إلى مؤسسة العلم الحديث
عجزها عن منع هذا الوضع من التحول إلى جرية منظمة . وفي أسوأ الأحوال» برهنت
كه ناتنة]] . وعد]/1 عع ل اصقن ) مأمداظ! عط «تععصد عصقعئلع81 :عمعاع 11 لماع ما ,وماعوءط ترعطه8 (1)
6 ,4 .م,(1988 رووععط وااماء الدطلآ
315-24 .مم بعد تع و82 لماعد]] ,اعمط (2)
ندنل
الحداثت والهولوكوست
عبادة العقلانية على فائدتها في تحقيق هذا التحول. كما كان للعلماء الألمان في صمتهم
وفاق كشرون» وكانت الكتافس ٠ كل الكتاكسن» هي الرفيق الأول؛ فما أجمعت الكنائس
المتناحرة على شيء سوى التزام الصمت إزاء الوحشية المنظمة ؛ إذلم يحاول أي منها
استعادة سلطتها المهانة» بل إن الكنائس بوصفها كيانًا يتجاوز رجال الكنيسة كأفراد منعزلين
في غالب الأمر لم تعترف بمسؤوليتها عن الجرائم التي ارتكبت في بلد ظلت تدعي أنه
خاضع لسلطانهاء وعلى يد أناس يعيشون تحت رعايتها وحمايتها - يذكر أن هتلر لم يترك
الكنيسة الكاثوليكية أبداء ولم يتعرض للحرمان الكنسي . لم تتمسك أية كنيسة بحقها في
إصدار أحكام أخلاقية على رعبتهاء وفرض التوبة على العصاة.
الأهم أن الإشمئزاز الحضاري الذي ولّدته الثقافة الحديثة تجاه العنف كان سلاحًا
ضعيقًا أمام القهر المنظم» بل إن العادات الحميدة المتحضرة أظهرت القدرة على التعايش
بسلام وانسجام مع عمليات القتل الجماعي . لقد فشلت سيرورة التهذيب الحضاري
الطويلة في إقامة حاجز متين واحد ضد الإبادة. إن آليات القتل الجماعي كانت تحتاج إلى
آداب سلوكية متحضرة من أجل تنسيق الأعمال الإجرامية بحيث لا تصطدم مع تقوى
الجناة وورعهم . ولم يكن الإشمئزاز المتحضر من الوحشية لدى المتفرجين قويا بالقدر
الذي يولّد مقاومة فعالة ضدهاء إذ تصرف أغلبهم بما قليه علينا الأعراف الغربية
المتحضرة أن نفعله تجاه الأفعال البربرية البشعة» لقد أداروا أعينهم عنهاء وأعطوها
ظهورهم! أما القلة القليلة التي وقفت في وجه هذه الوحشية»ء فلم تمتلك قوانين أو
عقوبات اجتماعية تساندهم وتُشِبت خطاهم . لقد قطعوا الطريق وحدهمء ولم يجدوا
شيئًا يشد من أزرهم» ويبرر حربهم ضد الشر» سوى القول الألماني المأثور : «لا يمكنني
أن أفعل غير ذلك) (5عكمة غطعته صهدعا طع6) .
كان هناك فريق يجهز الآلة القوية للدولة الحديثة التي تمتكر العنف الجسدى والقهرء
وأمام هذا الفريق فشلت الإنجازات المهولة للحضارة الغربية الحديثة في أن تكون صمام
أمان ضد البربرية» وأثبتت الحضارة أنها عاجزة عن ضمان الاستخدام الأخلاقي للقوئ
المخيفة التي ابتكرتها .
0 71.176 / دما
الفصل الرابع: الهولوكوست بين الأيقنن والأنستن
استنتاجات
لو تساءلنا الآن عن الخطيئة الأولى التي تسببت في كل ذلكء ربما يكون انهيار
الديمقراطية أكثر الإجابات إقناعا . ففي غياب السلطة التقليدية» لا يوجد نظام للمراجعة
والمحاسبة يستطيع الحفاظ على الدولة من احتكار السلطة المطلقة سوى الديمقراطية
السياسية. بيد أن الديمقراطية السياسية ليست سهلة» بل هي صعبة المنال ولا يمكن أن
تتحقق فور انكسار قبضة السلطة القديمة» لاسيما إذا كان إسقاط النظام القديم سريع الوتيرة
واستغرق وقنًا قصيرا. وغالبًا ما تحدث مواقف مثل تنظيم الحكومة وعدم الاستقرار أثناء
الثورات الكبرى وبعدهاء وهي ثورات تنجح في شل حركة المراكز القديمة للقوة
الاجتماعية دون استبدالها بمراكز جديدة على الفور» ولذا فهي تخلق حالة لا يمكن فيها
للقوى الاجتماعية المؤثرة أن توازن القوى السياسية والعسكرية أو أن تكبح جماحها .
ربما ظهرت مثل هذه المواقف حتى في عصور ما.قبل الحداثة, في أعقاب غزو دموي أو
نزاعات طويلة مدمزة أدت أحيانًا إلى تدمير ذاتي شبه كامل للنخب التقليدية . بيد أن
العواقب المتوقعة لهذه المواقف كانت مختلفة» حيث كان من الطبيعي أن يتبع ذلك التدمير
انهيار عام للنظام الاجتماعي الأكبر. فقلما تتوقف تدميرية الحرب عند شبكات السيطرة
الاجتماعية الخخاصة بعامة الشعب وسكان الريف . صحيح أن جزر النظام الاجتماعي
المحلية الشعبية كانت عرضة لأعمال العنف والسلب والنهب. لكن كان يمكنها الاعتماد
على نفسها حالما انهارت المؤسسة الاجتماعية التي تنجاوز المستوى المحلي . بل إن أسوأ
الضربات العنيفة التي تلقتها السلطات التقليدية في مجتمعات ما قبل الحداثة اختلفت في
أغلب الأحوال عن الانقلابات العنيفة الحديثة في أمرين أساسيين : أولاً» لم تمس ضربات
ما قبل الحداثة آليات نظام السيطرة البدائية الشعبية» أو على الأقل لم تقض عليها نهائيا ؛
ثانياء أضعفت هذه الضربات إمكانية العمل المنظم على مستوى أعلى من العمل الشعبي»
إذ انهارت المؤسسة الاجتماعية للنظام الأكبر» وصار التفاعل بين القوى المحلية يخضع مرة
أخرى للعب حر تمارسه قوى غير نظامية .
على النقيض من ذلك» تحدث بوجه عام انقلابات مماثلة في الأزمنة الحديثة بعد اختفاء
الآليات الشعبية للتنظيم الاجتماعي وفقدان المجتمعات المحلية لكل من الاكتفاء الذاتي
15606
الحداثيّ والهولوكوست
والاعتماد على النفس . فبدلاً من ظهور فعل فطري منعكس يحض على الاستعانة بالموارد
والملكات الخاصة» تتجه قوى جديدة تتجاوز القوى الشعبية إلى ملء الفراغ» وتسعى إلى
توظيف احتكار الدولة للقهر من أجل فرض نظام جديد على الفضاء الاجتماعي. وبدلاً
من الانهيار» تصبح السلطة السياسية عملي القوة الوحيدة وراء النظام الجديد الصاعد. ولا
يوقف مسيرتها أو حتى يكبح جماحها أي من القوى الاقتصادية والاجتماعية التي تلقت
ضربة موجعة نتيجة انهيار السلطات القديمة أو الشلل الذي أصابها .
هذا بالطبع تموذج نظري قَلّما تحقق بحذافيره في الواقع التاريخي . بيد أن فائدته تكمن
في أنه يلفت الانتباه إلى عمليات التفكيك الاجتماعي والتي يبدو أنها تزيد.من احتمال
ظهور النزعات الإبادية . وربما تختلف عمليات التفكيك في الشكل والحجم. لكنها تتوحد
بفضل التأثير العام الذي يحدثه سيادة القوة السياسية على القوى الاجتماعية والاقتصادية»
وكذلك بفضل التأثير العام الذي يحدثه سيادة الدولة على المجتمع . وربما ظهر هذا
التفكيك في أشد صوره في الثورة الروسية وما تبعها من احتكار طويل مارسته الدولة
بوصفها الأداة الوحيدة للتكامل الاجتماعي وتوالد النظام» ولكنه ظهر أيضًا في ألمانيا على
نحو يفوق الاعتقاد الشعبي السائد. فبعد أن تولى النازيون مقاليد السلطة إثر انتهاء الفترة
القصيرة من عهد ثايمار» قادوا مسيرة الثورة التي عجزت عن إدارتها جمهورية 7ايمار
لأسباب متنوعة. كانت جمهورية ثايمار تفاعلاً مضطربا بين نخب قديمة وجديدة - غير
ناضجة - وكانت تشبه الممارسة الديموقراطية في صورتها الشكلية فحسب . فقد أضعف
النازيون النخب القديمة أو أبعدوها عن المشهد السياسي» واختفت أشكال التعبير الخاصة
بالقوى الاقتصادية والاجتماعية واحدة تلو الأخرى» وظهرت أشكال جديدة تخضع
لرقابة مركزية وتستمد قوتها وشرعيتها من الدولة . وتأثرت كل الطبقات كثيراًء لكن أقوى
الضربات كانت تستهدف الطبقات التي لم يكن بوسعها امتلاك قوة غير سياسية إلا على
نحو جمعيء أي الطبقات من غير ذوي الأملاك والطبقة العاملة غالبًا. فالتمركز حول
الدولة أو تفكيك كافة المؤسسات العمالية المستقلة وإخضاع حكومة محلية إلى سيطرة
مركزية كاملة جرد جموع الشعب من أية سلطة تقريبّاء وأقصاهم عمليًا عن العملية
السياسية . لقد لت القوى الاجتماعية من خلال ضرب سياج منيع من السرية حول نشاط
0 07.118 / دما
الفصل الرايع: الهولوكوست يين الأيقنت والأنستن
الدولة» وكان ذلك حقنًا مؤامرة الصمت التي نسجت خيوطها الدولة ضد الشعب الذي
تحكمه. وكانت المحصلة الكلية والنهائية هي إحلال احتكار شبه كامل تمارسه الدولة
السياسية محل السلطات التقليدية» وليس إحلال قوى المواطنة النشطة المستقلة» مما أدى
إلى حرمان القوى الاجتماعية من التعبير عن نفسها ومن وضع أسس بنيوية للديموقراطية
البساسية:
أسهمت الظروف الحديثة في ظهور دولة تمتلك كافة التدابير» دولة قادرة على إحلال
الإدارة والقيادة السياسية محل الشبكة الكاملة الخاصة بمراكز التحكم الاقتصادي
والسياسي . والأهم من ذلك أن الظروف الحديثة أمدت القيادة والإدارة بكل ما تحتاجه .
فالحداثة» كما نعلم» عصر النظام المصطنع وعصر التصميمات المجتمعية الكبرى, إنها
عصر أصحاب الخطط والرؤى المستقبلية . وبوجه أعم. الحداثة عصر «البستاني» الذي
يتعامل مع المجتمع على أنه قطعة أرض بكر لابد أن يصممها بدقة» ثم يُفلحهاء ويعتني بها
حتى تصير كما أراد.
لا يوجد حد للطموح والثقة بالنفس . والقوة الحديثة ترى «البشرية» في حالة كبيرة من
العجز» وأبناء الجدس البشري في حالة من النقص والوهن والخنوع » وفي حاجة ماسة إلى
التحسين والتطوير» ومن ثم لا يبدو ضريًا من الخيال أو انتهاكًا للأخلاق أن تتعامل القوة
الحديثة مع البشر على أنهم نباتات لابد من تهذيبها أو اقتلاعها من جذورها إذا اقتتضى
الآمرء أو أن تتعامل معهم على أنهم قطعان ماشية لابد من تربيتها. وقد رأى ريتشارد
فالتير داريه» أحد الرواد والمنظرين الأيديولوجيين الأساسيين للاشتراكية القومية الألمانية»
أن تربية الحيوانات تصلح تموذجا اللسياسة السكانية» التي كانت ستعكف على تنفيذها
حكومة الفولك أو الشعب العضوي في المستقبل :
البستاني الذي يترك النباتات لحالها في الحديقة سرعان ما سيصدمه نمو الحشائش الضارة
وتغير الطبيعة الأساسية للنباتات . فإذا ما أريد لذلك البستان أن يظل أرضًا خصبة
للنباتات» أي إذا ما أريد للبستان أن يعلو فوق القانون القاسي الذي تفرضه القوى
الطبيعية» فلا مفر من الاستعانة بالإرادة الخلاقة التي يمتلكها البستاني . فبإمكان البستاني أن
151
الحداثيّ والهولومكوست
يوفر الظروف الملائمة للنمو أو أن يبعد التأثيرات الضارة. ومن خلال إحدى هاتين
الطريقتين أو من خلالهما معاء يستطيع البستاني أن يرعى بكل عناية النباتات التي تحتاج
إلى رعاية وأن يقتلع بلا رحمة الحشائش الضارة التي تحرم النباتات الأفضل من الغذاء
والهواء والترو والضوء:» ... :وبهذًا ندرك أن المياتل المتغلقة بعريية الخيوانات ليست أمورا
في سياق الفكر السياسي» بل وينبغي أن تكون محور كافة الاهتمامات» وأن الحلول التي
تطرحها لابد أن تنبع من التوجه الروحي والأيدولوجي للشعب. بل لابد أن نؤكد أنه لا
يمكن لشعب أن يحقق التوازن الروحي والأخلاقي ما لم يضع خطة تربوية محكمة في قلب
ثقافته ١ .
هكذا ساق ريتشارد قالتير داريه بلغة راديكالية لا يشوبها أني غموض طموحات «تحسين
الواقع» التي تشكل جوهر الرؤية الحديثة» وفي طموحات لم نكن لتأخذها على محمل
الجد لولا موارد القوة الحديثة .
هذه هي السمة الأبرز للحداثة» وهي سمة تبرز في فترات التفكك الاجتماعي الشديد؛
ففي غير هذه الفترات» لا يظهر المجتمع بهذه الصورة من انعدام الشكل أو عدم الاكتمال
أو عذم الوضوحء برعنى أنه لا يبدو بالمعنى الحرفي للكلمة بانتظار قفزة من قفزات الخيال أو
براعة أحد المصممين حتى يضفي عليه شكلاً. ولا يبدو المجتمع في غير هذه الفترات
مسلوب الإرادة والقوة والاتجاه إلى هذه الدرجة» إنه يبدو عاجزاً عن مقاومة يد البستاني»
ومستعدا لأن يتقولب في أي قالب يختاره له. هذا المزج بين اللين والعجز له جاذبية لا
يقوى عليها سوى فئة قليلة من الملهمين المغامرين الواثقين بأنفسهم. وهذاالمزج يخلق
وضمًا لا يمكن فيه مقاومة هذه الفئة .
هذه هي وصفة الإبادة: جلوس من ينفذون الخطة العظيمة على قمة الهرم البيروقراطي
للدولة الحديثئة وتحريرهم من كافة القيود التي تفرضها القوي غير السياسية - القوى
الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالإيادة جزء متمم لعملية تنفيذ الخطة الكبرى» والخطة
-106 اهأ :م1 ,(1930) ”ع سستلعع» 8 ذه وعأوون سوط عغطا لد 6مق جو رمصوط .197 . 8 ل
حطة]1) ومنات . ل[ قااع.ا لطة عت[ 1ل هتقطتق8 . قمقتا ,311013 التعطناءه13 خم :1933 عنم1عط بإ0108
115 .م ,(1978 رووع:2 لجاأاواع كترالا #عاوعطعمة لا سمعاوعطء
10 دما
الفْصل الرابع: الهولوؤكوست بين الأيقنت والأنست
الكبرى أعطت شرعية للإبادة» وبيروقراطية الدولة أعطتها السبل والأدوات» وشلل
المجتمع أعطاها الضوء الأخضر .
كانت الظروف اللازمة لارتكاب الإبادة مواتية» لكنها لم تكن استثنائية على
الإطلاق. كانت ظروف نادرة وليست فريدة. لم تكن هذه الظروف في جوهرها سمة
كامنة من سمات المجتمع الحديث» ولم تكن أيضًا ظاهرة غريبة . لم تكن الإبادة في
علاقتها بالحداثة حالة شاذة أونحالة من حالات تعطل العقلانية» بل إنها تكشف ما يمكن
أن تفعله النزعات العقلانية الهندسية الحديثة إذا ما ترك لها الحبل على الغارب» وإذا ما
تأكلت تعددية القوى الاجتماعية. وهذا هو التأكل الذي رسمته الصورة المثالية الحديثة
لمجتمع متناغم منظم يخلو من الصراع ويخضع لخطة محكمة وسيطرة كاملة. فكل
محاولة لإضعاف القدرات الذاتية الأساسية لدى الناس بأن يعبروا عن مصا حهم وبأن
يحكموا أنفسهم بأنفسهم» وكل اعتداء على التعددية الثقافية والاجتماعية وفرصها في
التعبير السياسي» وكل محاولة لحماية الحرية المطلقة للدولة خلف سياج من السرية
السياسية» وكل محاولة تستهدف إضعاف الأسس الاجتماعية للديموقراطية السياسية»
كل هذه المحاولات تزيد من احتمالية وقوع كارثة اجتماعية على شاكلة الهولوكوست .
فالمخططات الإجرامية تحتاج إلى سبل اجتماعية حتى تكون فعالة» ولكن ذلك أيضًا هو ما
تحمتاجه شجاعة من يريدون منع تنفيذها .
ويبدو إلى الآن أنه تنقصنا تلك السبل الاخجتماعية؛ أما المؤسسات التى تمتلك القدرة
على خدمة المخططات الإجرامية أو التي تعجز عن منع المهام لكان ون ان كته عدا
إجراميًا فلا تعد ولا تحصى . إن جوزيف فيزنبوم هو أحد أبرز اللتخصصين في التأثير
الاجتماعي لتكنولوجيا المعلومات - لاشك أنه مجال حديث العهد ولم يكن موجودا إبان
الهمولوكوست - وهو يرى أن القدرة على ارتكاب جرائم الإبادة قد زادت في الوقت
الراهن :
طبقت ألمانيا فكرة الحل النهائى للمشكلة اليهودية وكأنها تدريب بسيط في القياس
الأداتي. وارتعدت الإنسانية لفترة قصيرة عندما لم تستطع أن تُحول نظرها عما حدث»
ارتعدت عندما بدأت تنتشر الصور التي التقطها القتلة بأنفسهم» رتفد عتننا بذ
ل
الحداثي والهولوكوست
الناجون المساكين يظهرون من جديد إلى النور. لكن في نهاية المطاف» لم يتغير شيء.
فالمنطق الذي اعتمد على التطبيق البارد المنوحش للعقل الأداتي هو نفسه الذي ذبح خلال
العقدين التاليين ضحايا كثيرين يقدر عددهم على الأقل بعدد الضحايا الذين لقوا حتفهم
على يد الخبراء الفنيين في الدولة الألمانية التي كانت ستدوم ألف عام. إننا لم نتعلم شينًاء
والحضارة اليوم معرضة للخطر والهلاك مثلما كانت آنذاك(17 .
مازالت العقلانية الأداتية والشبكات البشرية التي نشأت لخدمتها تفقد بصيرتها
الأخلاقية حتى هذه اللحظة» تمامًا مثلما كان الخال إبان الهولوكوست . أما الأسباب فلم
تتغير تقريبًا. ففي عام 2147١ أي بعد ما يزيد عن عشرين عاما على فضح جرائم النازية»
صمم مجموعة من العلماء البارزين مشروعا علميًا عقلانيًا نموذجيًا يسمى ساحة الحرب
الإلكترونية حتى يستخدمه القادة العسكريون في حرب #يتنام . «هؤلاء العلماء أسدوا
النصائح العلمية إلى أولى الأمر وهم على مسافة سيكولوجية بعيدة من الناس الذين
سيتعرضون للقتل والتشويه بفعل نظم الأسلحة التي أوحى بها العلماء إلى أولى
الأمر)9؟؟.
تزداد المسافة النفسية بلا هوادة وعلى نطاق لم يسبق له مثيل بفضل التقدم الهائل في
تكنولوجيا المعلومات . فقد استطاعت هذه التكنولوجياء أكثر من أية تكنولوجيا أخرى»
أن تمحو إنسانية البشر من الوجود. فالناس والأشياء والأحداث تخضع للبرمجة» ولذا
ينحصر الحديث في المدخلات والمخرجات» وفي تناسب الأرقام والمتغيرات والنسب المئوية
والعمليات» وما إلى ذلك» حتى نصل إلى لحظة الانفصال عن الواقع الحي الملموس»
ونغرق في التجريد» وهي لحظة لاننقى فيه سبرئ قواعد البيانات» والرسوم البيانية»
والسجلات المطبوعة”7"". كما يزداد الاستقلال الذاتي للتقدم التكنولوجي المحض عن أية
غايات إنسانية مشتركة . إننا في عصر تستخف فيه الوسائل التكنولوجية بتطبيقاتها العملية
على نحو يفوق أي وقت مضىء وهي لا تَقِيّم هذه التطبيقات إلا بمقاييس الكفاءة والفاعلية
256 . م راودو تمان مس0 ,مسو رست 117 (1)
275 .م بلع 2039 نت نام صر0© رمستقطمعجاء/178 (2)
253 لماع 2089 “اعاتاطتدهمن) مسقطمعجاء/1787 (3)
م 60.1 | متا
الفصل الرايع: الهولوكوست بين الأيقنت والأنستتن
التي تؤمن بها. وعلى هذا الأساس» تلاشت سلطة التقييم السياسي والأخلاقي للفعل»
ولم يبق لها أي وزن» وقلما يحتاج الفعل إلى أي تبرير آخر غير الإدراك بأن التكنولوجيا
المناحة هى ما جعلته أمراً ممكنا . وهنا يحذرنا جاك إلول من أن التكنولوجيا سوف تحرر
نفسها من الأهداف الاجتماعية المشتركة :
التكنولوجيا لا تنقدم نحو أي هدف, بل تتلقى دفعات من الخلف . فالخبير الفني لا
يعلم لماذا يعمل » ولا يهتم عادة بذلك» إنه يعمل لأنه يمتلك الأدوات التي تتيح له الفرصة
بأن ينجز أعمال معينة وبأن ينجح في عملية جديدة . لا يوجد نداء نحو هدف معين» بل
هناك قيود يفرضها محرك آلى يقبع خلف الخبير الفني ولا يقبل أي توقف للآلة
1
ويتضائل الأمل بأن تسيطر الضمانات المتحضرة ضد الوحشية على الإمكانات البشرية
الأداتية العقلانية إذا ما أصبح حساب الكفاءة هو المرجعية العليا في تحديد الأهداف
السياسية
0
© عقرملا بوع01) [عطعدممع باع مستطعد10 . قصهنا بصع ك5 لوءلع0[مصطءء!' ,املاظ 5عدوعة1 (1)
272 .مم ,(1980 رسا
امك
10010220
10010220
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديي والنازيين
إن التماعل بين الضحية والجلاد هو الكارثة المحتومف,
راؤل هيلبرج
2
لولا التعاون اليبهودي وجماس المجالس اليهودية لكان عدد ضحايا الهولوكوست أقل
بكثير» هذا هو الرأى الشهير للفيلسوفة هانا أرينت . وهو رأى حاذ» وربما لا يكون مقبولة
أو معقولاً إذا أخذنا في الاعتبار تعدد مواقف قادة الجماعات اليهودية البائسة» بداية من
انتحار آدم تشيرنياكوف؛ ومرورا بالتعاون الفعال والواعي لكل من مردخاي خاييم
رومكوفسكي وياكوب جنز مع النازيين» وانتهاء بالمساعدة شبه الرسمية التي قدمتها
المجالس اليهودية للمقاومة المسلحة ضد النازيين في جيتو بياليستوك. ورغم تعدد هذه
المواقف واختلافهاء كانت النتيجة النهائية واحدة» ألا وهي الإبادة شبه الكاملة للجماعات
اليهودية وقادتها. كما أن ما يقرب من ثلث اليهود الذين قتلهم النازيون عمد تم القضاء
عليهم دون اللجوء إلى مساعدة مباشرة أو غير مباشرة من المجالس أو اللجان اليهودية.
فعلى سبيل المثال» أعلن هتلر رسميًا أن الحرب على روسيا حرب إبادة» وعندما بدأت
القوات الخاصة سيئة السمعة في أداء مهامها بعد انتصار القوات المسلحة الألمانية في زحفها
على الأراضي السوقيتية» ل كرت يناه عب يوودية أن كان مجالين يوودية : وقد
أعد أشعياء ترانك دراسة شاملة عن سجلاث المجالس اليهودية وعلاقتها بمدى تأثير التعاون
اليهودي في تدمير يهود أوروباء وتوصل إلى رؤية مغايرة تماما لما ذهبت إليه هانا أرينت»
فأكد أن #المشاركة اليهودية أو عدم هذه المشاركة في عمليات الترحيل - على أي حال- لم
يكن لها تأثير جوهري على النتيجة النهائية للمحرقة في شرق أوروبا. » كما أشار إلى عدة
مواقف تضمنت رفض بعض مسؤولي المجالس اليهودية تنفيذ أوامر الإس إس مما أدى إلى
استبدالهم بأشخاص أكثر ولاء أو الاستغناء التام عن الجماعات اليهودية كجماعات وسيطة
والاستعاضة عنها بفرق الإس إس التي قامت بعملية «اختيار» الضحايا بنفسهاء وإن كانت
الشرطة اليهودية قدمت بعض المساعدة في معظم الحالات . أما حالات العصيان الفردية
فقد ظلت بلا تأثير» ولا أحد يعلم إلى أي مدى كان من الممكن أن يصل تأثير العصيان إذا
ما انتشر على نطاق أوسع .
5
الحداثت والهولوكوست
أغلب الظن أنه لولا توقع هذا التعاون اليهودي أو وجوده على نطاق كبير لواجه
النازيون المسؤولون عن عمليات القتل الجماعي مشاكل إدارية وتقنية ومادية خطيرة
للغاية27. وكما ذكرت في الفصل الأول» قام قادة الجماعات اليهودية بمعظم المهام
البيروقراطية التمهيدية» فأمدوا النازيين بكل السجلات» وأعدوا الملفات الخاصة بالضحايا
المستهدفين» وأشرفوا على مهام الإنتاج والتوزيع اللازمة لإبقاء الضحايا على قيد الحياة
حتى يحين وقت حصادهم وتكون أفران الغاز جاهزة لاستقبالهم . ناهيك عن مراقبة
وتوفير السبل اللازمة بحيث تتم عملية الإبادة بحيث تتم بسر وسلام عبر تحديد المواد
البشرية المستهدفة فى كل مراحلة من مراحل الإبادة . أضف إلى ذلك نقل المواد البشرية
المستهدفة إلى مواقع الإبادة بأقل ضجة ممكنة» علاوة على حشد الموارد المادية اللازمة لإتمام
الإبادة على أكمل وجه. وبدون كل هذه المساعدات المهمة والمتنوعة لريما وقعت
الهولوكوست على أي حال - ولكن باعتبارها إحدى حالات قهر الشعوب على يد غزاة
دمويين بدافع الانتقام والكراهية . إن الهولوكوست معضلة جديدة تمامًا للمؤرخين وعلماء
الاجتماع» إنها نافذة على العواقب التي جلبها النموذج الحديث القائم على الفعل العقلاني
والذي يرتكز على السلطة الجديدة وآفاق القوة الحديثة الناتجة عن توظيف الأشياء فى خدمة
الأهداف فحسب. وإذا أردنا أن نفهم الهولوكوست. فإن الإطار المناسب للمرجعية
والمقارنة هو الاستخدام «الطبيعي) للقوة في إدارة المجتمع الحديث» وليس التاريخ الدامي
للعنف الهائل ذي النزعة الإبادية .
بوجه عام» لا تتضمن الإبادة التقليدية مثل هذا التعاون الواضح الذي أبداه ضحايا
الجماعات اليهودية. ونادرا ما تهدف الإبادة «الطبيعية» إلى التتخلص التام من جماعة
بأكملهاء فالهدف من العنف» إذا كان موجهًا ومخططاء هو تدمير الفئة المستهدفة كفئة
0 تناول عبد الوهاب المسيري )١9917( هذه القضية في فصل كامل بعنوان «التعاون بين أعضاء الجماعات اليهودية
والنازيين»» لكنه يفترض أنه قد تورط في هذا التعاون أعضاء من الجماعات اليهودية من الصهاينة وغبير
الصهاينة» ويؤكد أن النازيين كانوا يحاولون قدر المستطاع أن يضموا العناصر الصهيونية أو اليهودية القومية التي
كانت تؤمن بإخلاء أوروبا من اليهود والاهتمام بالهجرة لا بالقاومة أو الثورة ضد النازية [المترجم] .
ّْ ل نل
المْصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والنازيين
متمسكة بالحياة وقادرة على أن تدافع عن نفسها وعن هويتهاء سواءً كانت هذه الفئة أمة أو
قبيلة أو طائفة دينية . وعليه فإن الهدف من الإبادة الجماعية يتحقق في حالتين :
١ - إذا كان حجم العنف ضخمًا جدا بحيث يقوض إرادة الفئة المستهدفة ويروعها حتى
تستسلم إلى القوة العلياء وتخضع لهاء وتقبل النظام الذي تفرضه .
؟١- إذا جرى تجريد الفئة المستهدفة من كل الموارد التي تسمح باستمرار المقاومة . فإذا تحقق
هذان الشرطان» يصبح الضحايا تحت قبضة جلاديهم» وربما يجري استعباد الضحايا
لفترات طويلة أو ربما يجدون مكانًا في النظام الجديد وفق الشروط التي يضعها
المتتصرون. لكن في كلتا الحالتين» يتوقف مصير الضحايا على هوى المتتصرين» وأا
كان اختيار الضحاياء فإنه يعود بالنفع على المتتصرين الذين يبسطون قوتهم ويعززونها
وهم يستأصلون شأفة عدوهم .
قتلك المقاومة منابع يجب تجفيفها حتى يكون العنف ضد الضحايا أكثر فاعلية» وأعني
بذلك المنابع التي يعتبر تدميرها أساس الإبادة الجماعية ومقياس فاعليتها. ومن بين أهم هذه
المنابع النخب التقيليدية داخل الفئة المستهدفة . لابد من «قطع رأس» الخصم حتى تفقد الفئة
وحدتها وقدرتها على الحفاظ على هويتها وكافة الوسائل الدفاعية بمجرد القضاء على قادتها
ومراكز السلطة بها. فعندما تنهار البنية الداخلية للفئة المستهدفة» فإنها تتحول إلى مجموعة
أفراد يمكن فيما بعد التعامل معهم واحدا تلو الآخر وإخضاعهم للنظام الجديد الذي يديره
الغزاة أو إعادة تجميعهم بالقوة كفئة مستغبدة ومبنوذة يحكمها مسؤولو النظام الجديد
مباشرة. وهكذا يتضح أن النخب التقليدية داخل الجماعة المستهدفة هي الهدف الرئيس
للإبادة إذا كان الهدف النهائي هو التدمير الشامل لتلك الجماعة ككيان متماسك ومستقل .
فالقوات الألمانية الغازية اتبعت رؤية هتلر لشرق أوروبا كمجال حيوي شاسع للعرق الألماني
الصاعد» كما آمنت برؤيته لسكانه الأصليين عبيد المستقبل الذين يلبون احتياجات الأسياد
الجددء ولذا أخذت القوات الغازية في القضاء على كل أثر للنظام السياسي الأصلي أو
الاستقلال الثقافي . لقد حاولوا تدمير كل عوامل القوة في الشعوب السلا(ية المهزومة» كما
منعوا أي ظهور جديد للنخب القومية من خلال تفكيك كل المؤسسات التعليمية بإستثناء
بعض المؤسسات البسيطة» وأيضًا من خلال حظر كافة المبادرات الثقافية المحلية بإستثناء
ا
الحداثيّ والهولوكوست
تلك التي تبث أفكاراً فاسدة. وبذلك استبعدت القوات الغازية فرصة استغلال تعاون
الشعوب الُْستعبّدة في تحقيق الرؤية الكبيرة التي كان يحلم بها هتلر» ربما باستثناء بععض
خدمات العناصر الإجرامية الهامشية - هذا إن كانوا قد فكروا في مثل هذه الإمكانية من
الأساس . لقد استهدف الغزاة النخب المحلية» وكانوا يعتمدون على مواردهم فقطء وكانوا
مضطرين إلى اعتبار كل خدمات الشعوب المستهدفة ضمن الخسائر لا المكاسب .
لم يكن استعباد اليهود من أهداف النازية أبدا . » بل كانت النازية تهدف إلى التتخلص
النهائي من الفئة المستهدفة - أي تخليص العرق الألماني من اليهود ماما حتى وإن لم تكن
الإبادة الجماعية هي الغاية النهائية في بداية الأمر. فلم يستفد هتلر وتابعوه من الخدمات
التي كان بوسع اليهود تقديمهاء ولا حتى من أعمال السخرة» بل إن تحقيق الهدف النهائي-
سواء عن طريق التهجير أو الطرد بالقوة أو الإباذة - جعل فكرة «المعاملة الخاصة» للنخب
اليهودية غير ضرورية» فكان يجري عليهم ما يجري على اليهود أجمعين بلا تمييز أو
استثناء. وربما كانت إحدى النتائج المتوقعة لهذه «المعاملة العامة الموحدة) هي بقاء بنية
المجتمع اليهودي واستقلاليته وحكمه الذاتي لفترة طويلة بعد أن تعرضت عوامل البقاء
المشابهة للهجوم المباشر في كافة الأراضي السلاقية . هذا البقاء كان يعني في المقام الأول أن
النخب التقليدية من اليهود كانوا قادرين على الاحتفاظ بزعامتهم الإدارية والروحية طوال
الفترة الزمنية التي حدثت فيها الهولوكوستء بل وجرى تعزيز هذه الزعامة حتى أصبحت
لا تقاوم في ظل عزل اليهود وانعزالهم خلف أسوار الجيتو.
تنوعت طرق إعداد النخب اليهودية لدورها الجديد في المجالس اليهودية. بداية من
إصرار النازيين على عقد انتخاباث في بعض الأحياء اليهودية الكبيرة في الشرق وفي
المجتمعات اليهودية العريقة في الغرب» وانتهاء بتعيين القيادات اليهودية من بين مجموعة
من كبراء اليهود المحتشدين في أسواق الأحياء اليهودية . واتضح حرص المراقبين النازيين
فى «الأحياء اليهودية» على تعزيز سلطة القادة اليهود. إذ كانوا فى حاجة إلى سلطة
«للجالس اليهودية» لضمان السيطرة على الجماعات اليهودية . ففي رسالته الشهيرة المهمة
والعاجلة من برلين في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 2١914 أكد راينهارت هايدريخ.
لكل القيادات الألمانية في المدن البولندية المحتلة أن «مجالس كبراء اليهود وحكمائهم»
1200
الْصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والنازيين
(810625 طوة5ع3 01 و[أعصلنه2) يجب أن تتألف «ممن تبقى من الشخصيات والحاخامات
أصحاب النفوذ). ثم ذكر هايدريخ قائمة طويلة من المهام الضرورية التي ستكون تلك
المجالس منوطة بها عند توليها مقاليد الأمور. وربما يذهب البعض إلى أن إصرار النازيين على
تنفيذ كل شيء في الأحياء البهودية بأيد يهودية ما هو إلا هدف من أهدافهم الخبيثة لجعل
تشريعات الهيئات الإدارية - تدريجيًا في ألمانياء وفجأةً في الأراضي المحتلة - ثم ألقي بهم
دون أي تمهيد في أيدي قادتهم من رجال الدين والذين كانوا يتلقون الأوامر من هيئة ألمانية
مستثناة هي الأخرى من بنية السلطة «الطبيعية» والأسس النظرية القانونية لهذا المزج العجيب
بين الحكم الذاتي والعزلة في الأحياء اليهودية وضعها هيرمان إريش زايفرت عام 194٠ :
الفرد اليهودي لا وجود له فى نظر السلطات الألمانية فى المنطقة المحتلة. فمن حيث
المبدأء لا يوجد أية مفاوضات مع فرد يهودي. بل مع مبجلس كبراء اليهود فقط . وبمساعدة
هذا المجلس يستطيع اليهود تدبير شؤونهم الداخلية بأنفسهم بما في ذلك الأمور الدينية»
لكن يجب عليهم تنفيذ كل مهام الإدارة الألمانية ومتطلباتها. وقد كان أعضاء المجلس في
معظم الأحيان من أغنى الشخصيات وأبرزهاء وكانوا يتولون مسؤولية تنفيذ هذه المهام
بأنفسهم . لا شك أن المجلس هذا يذكرنا إلى حد ما بمجالس القهال اليهودية التقليدية
(5لقطة7)1١2 التي استغلتها السياسة الروسية القيصرية في التعامل مع اليهود» لكن مع
اختلاف جوهري واحدء ألا وهو أن مجالس القهال كانت تكفل, 'لليهود حقوقهم وتدافع
عنهاء أما مجلس الكبراء في الحكومة العامة فكان يقوم باستقبال المهام المطلوبة من اليهود
ووو عياب .فلا نقاش ولا جدال مع النظام الألماني”" .
)١( «قهال» كلمة عبرية بمعنى «جماعة»)» وهي تشير إلى الجماعة اليهودية ككل» كما تشير إلى الهيئة الإدارية أو
المجلس الذي كان يدير شؤون التجمعات اليهودية المختلفة» وكانت مجالس القهال مستقلة الواحدة عن
الأخرى في بداية الأمرء فكان لكل قهال قوانينه ومصاحه وامتيازاته التي يدافع عنها ضد القهالات الأخرى .
(التجارة وجمع الضرائب والربا) يستخدمها الحاكم في استغلال جماعات الفلاحين وفي تحطيم القوى التجارية
الصاعدة [المترجم].
0068 .82 .م ,(1940 رتعطط :ستترع8ظ) عروع مج051 «ع0 ده ع0نال م1826 رتعقاء5 طعصط مسممدمعاط (2)
5 062081235 د متطذعقامطء5 غه امو ع1 :ومدوم امعط 11141625 رطع تعتساء1]7؟ عجمل8ة ععالة
91 .م,(1946 ,عالختاممآ عتلناصدعق5 8100155 نعلدملا بجعل8) عامرمعءط وزع[ عط أكمستدع 2
9
الحداثت والهولوكوست
استخدمت القيادات اليهودية قوة لا حدود لها مع الشعب الأسير» وهي نفسها كانت
تحت قبضة منظومة إجرامية لا قيود عليها من الهيئات الدستورية للدولة. ومن ثم» لعبت
النخب اليهودية دور وسيطًا ذا أهمية بالغة في السيطرة على اليهود» وهو أمر غير مألوف
في الإبادة الجماعية» إذ تحقق إخضاع كامل لقطاع من السكان لإرادة طاغية بلا قيود» لا
عن طريق التدمير» بل بتعزيز بنية الجماعة والدور الفعال الذي تلعبه النخب الأهلية .
والمفارقة العجيبة أن موقف اليهود خلال المراحل الأولى من عملية الحل النازي النهائى
كا رشي ع رقتفا أرالسماعة عرز ومنة از كل لظام د وله عبيون لأ مو نك قبجا با تعر يرن
للإبادة. لقد كان اليهود جزء) من هذه الخطة الاجتماعية التي استهدفت القضاء عليهم:
وكانت أعمالهم تشكل حلقة مهمة» وجزءا لا يتجزأ من العملية كلهاء وشمرطًا أساسيًا
لنجاحها . إن الإبادة الجماعية «العادية» يجري فيها تقسيم المشتركين بوضوح إلى قتلة
وقتلى» ورد الفعل العقلاني الأوحد للطرف الثاني هو المقاومة» لكن الهولوكوست لم
تكن بهذه البساطة. فالجماعات اليهودية أقحمت في العملية كلهاء بل وشاركت فيهاء
وأسندت إليها المهام والأدوار» وكانت أمامها في ظاهر الأمر اختيارات. كما جاء تعاون
اليهود مع عدوهم اللدود وقاتليهم وفق معايبر عقلانية خاصة . وهكذا كان اليهود يعملون
تحت سيطرة جلاديهم» ويسهلون مهمتهم» ويحفرون قبورهم بأنفسهم» مهتدين في ذلك
بما يطلق عليه من وجهة عقلانية «الرغبة في البقاء على قيد الحياة» .
هذه المفارقة تعرض رؤية فريدة من نوعها للأسس العامة للقمع الُْنظم إدارياء إذ كانت
الهولوكوست حالة متطرفة لظاهرة تبدو عادية وقلما تهدف إلى إبادة شاملة . وهذا التطرف
ذاته هو الذي ألقى الضوء على سمات القمع البيروقراطي للمحرقة» وبدونه لما لاحظ أحد
تلك السمات التي تعمل بها السلطة في المجتمع الحديث» لاسيما قدرة السلطة الحديثة
العقلانية ذات التنظيم البيروقراطي على توجيه الأعمال والأفعال لتحقيق الأهداف المرجوة
بشكل يتناقض ماما مع رغبات منفذي تلك الأعمال.
عزل الضحايا وصمت التنخب الألمانية
هذه القدرة الحديثة ليست فطرية» واكتسابها يتطلب من البيروقراطية استيفاء كثير من
الشروط بجانب شروطها الخاصة والتي تستوجب التنظيم الهرمي للأوامر والأسس المتبعة
12121010120
المْصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديّ والنازيين
في العمل المنظم . أولاً» لابد أن تكون البيروقراطية متخصصة وذات احتكار مطلق وقدرة
فائقة في وظيفتها المتخصصة. هذا يعني أنه أيا كانت مهمة البيروقراطية تجاه العناصر
المستهدفة فيجب عليها ألا تستهدف عناصر أخرى» ومن ثم لا تؤثر على جماعات أخرى .
ثانيّاء لابد أن تظل العناصر المستهدفة تحت مسؤولية هذه البيروقراطية المتخصصة فحسب .
وهذا الشرط يحول دون أي تدخل من الخارج فيما تفعله البيروقراطية» لاسيما أن
الجماعات التي لا تتأثر بالأحداث قلما تسارع إلى مساعدة الجماعة المستهدفة . فالمشاكل
التي تواجهها الأطراف المختلفة ليست مشتركة» ولا تستدعي الاتحاد أو التعاون فيما بينها .
وبذلك تدرك الفئة المستهدفة تمامًا أن أية استغاثة بأية جهة أو هيئة غير البيروقراطية التي
ألقى بها تحت سلطانها لن تجدي. بل ورم تُعتبر الاستغاثة خرقًا للقواعد التي تحددها
البيروقراطية وحدهاء وهذا الخرق ينطوي على عواقب أكثر خطورة من الرضوخ
للبيروقراطية الحاكمة . وهكذا فإن هذين الشرطين يتركان الفئة المستهدفة وحدها مع
البيروقراطيتها الخاصة» والتي أصبحت الآن المرجعية الأوحد لاتخاذ القرار. وهذا يعني أن
البيروقراطية التي تتولى سياسة «موجهة» تحتكر القواعد التي تحدد سلوك ضحاياهاء وهي
من يستطيع تطويع كل دوافع الضحايا من أجل تنفيذ مهمتها. وقبل أن تلجأ السلطة
الإدارية النظامية إلى تعاون الفئة اللمستهدفة» لابد أن يجري «عزل» هذه الفئة تمامّاء إما عن
طريق نزعها من سياق الحياة اليومية واهتمامات الجماعات الأخرى» أو عن طريق العزل
النفسي عبر التمييز العنصري ال معلن والتأكيد على بروز الفئة المستهدفة واختلافها .
وقد أوجز الحاخام يواكيم برنتس تجربة الجماعة «المعزولة» في خطاب له في إبريل عام
0 » يقول برنتس : «الجيتو هو العالم. والخارج هو الجيتو. السوقء والشارع»
والحانة» كل مكان هو الجيتو. ولكل شيء علامة» وعلامة الجيتو أنه بلا جيران. ربما لم
يحدث هذا في العالم من قبل» ولا أحد يعلم إلى متى يمكن تحمل ذلك؛ الحياة بلا جيران
...100 وفي عام 21975 أدرك ضحايا الهولوكوست القادمون أنهم وحدهم, ولم
يسعفهم تضامن الآخرين . فالمعاناة التي كانوا يعيشونها كانت معاناتهم وحدهم . أما من
كانوا يعيشون بالقرب منهم بأجسادهم» فكانوا بعيدين عنهم كل البعد بأرواحهم» ولم
عله نصغ حتمط بتحع!]) انقتاع ن) لاأعتاد 1 عط ستاعول] لهعنانا0 106 رمه بممجن؟1 مم1 (1)
127 .م,(1981 بووعءط تمع لملا
حلف
الحداثي والهولوكوست
يشاركوهم مصيبتهم. وليس من السهل التعبير عن تجربة المعاناة. واليهود الذين تمحدث
الحاخام يواكيم نيابة عنهم كانوا يعلمون أن مسؤولي «المكاتب اليهودية» هم من كانوا
يتحكمون وحدهم في قواعد اللعبة؛ فهم من كانوا يضعون القواعد ويغيرونها كما يحلو
لهم» وهم من كانوا يحددون السباق والرهان. وعليه فإن أفعالهم هي الحقائق المللموسة
الوحيدة التي يمكن رصدها. إن انسحاب العالم الخارجي قطع حدود «الموقف»., فلا يمكن
تعريفه الآن إلا من خلال مصطلحات سلطة الطغاة التي لا مناص منها؛ «فلم تكن التصفية
الجسدية لليهود ملحوظة على الإطلاق لأن الألمان قد استبعدوا اليهود من قلوبهم وعقولهم
منذ زمن بعيدل»(21 . فبعد أن تحقق العزل الروحى أولاً جرى تنفيذه في الواقع المادي عبر
مختلف الوسائل .
أبرز هذه الوسائل الدعوة المباشرة إلى معاداة اليهود في العالم بأسره وإثارة مشاعر
معاداة اليهود لدى من لا يدركون «المشكلة اليهودية» أو لا يكترثون بها. وقد أنحزت الدعاية
النازية هذه المهمة بكل براعة ودون تكاليف أو مضيعة للوقت والجهد. فالتاريخ يزخر
باتهامات تدعي أن اليهود أهل الرزائل الوراثية المقيتة والجرائم الشنيعة والمؤامرات الهدامة .
والأهم أن زيادة حساسية الاعتناء بالنظافة في الحضارة الحديثة ظهر معها كثير من المخاوف
المرضية من الآفات والبكتريا» وجاء هوس الإنسان الحديث بالحفاظ على بالصحة والوقاية
الصحية ليتناغم مع هذه الحساسية» وجرى تصوير اليهودية العرقية على أنها مرض وبائي»
وكأنها نسخة حديثة من تيفود ماري”2. فالتعامل مع أي يهودي محفوف بالمخاطر.
والآليات الاجتماعية النفسية التي ولّدت الشعور بالاشمئزاز من منظر اجرح المندمل أو
رائحة البول على سبيل المثال هي ذاتها التي ولّدت النفور والاشمئزاز من وجود اليهود.
وهذا ما بينه نوريبر إلياس ببراعة في بجثه عن سيرورة التهذيب الحضاري .
لكن تأثير معاداة اليهود كان له حدود. فقد أثبت كثير من الناس أن لديهم مناعة ضد
دعوة الكراهية أو التفسير اللاعقلاني الذي روجت له الدعاية النازية وحاولت إقناع العالم
ع لاع 1تدعلاه77 ننملودما) لالعاع18 لستطا' عط 1ه 11110 لدن50 ل ,عععءه15 لعقطء 81 (1)
.466 .م ,(1971 ,ده5[مطع1لا
(؟) تعود هذه التسمية إلى مارى مالون »)1978-١859( كانت ماري مهاجرة أيرلندية تعمل طباخة بمدينة
نيويورك بالولايات المتحدة» وثبت عام ١101 أنها حامل لميكروب التيفود وناقل نشط له وقد نشرت ماري
هذا المرض بين المئات [المترجم] .
0
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديي والنازيين
به. صحيح أن كثيرين ارتضوا هذا التعريف الرسمي لليهودية العرقية» لكنهم رفضوا
تطبيقه على كثير من اليهود الذين يعرفونهم معرفة جيدة . فلو كانت الدعاية المعادية لليهود
هي الوسيلة الوحيدة المستخدمة في «عزل» اليهود من الحياة الاجتماعية؛ لباءت بالفشل
على الأرجح » ولأسفرت - على أحس تقدير - عن تقسيم الشعب إلى جماعة من مبغضي
اليهود»؛ وكتلة مفككة غير منظمة من غير المتؤاطين والمدافعين النشطين عن اليهود
«المستضعفين . » بالتأكيد لم يصل استبعاد اليهود.من «قلوب» الآلمان واعقولهم) إلى درجة
متطرفة تضمن التدمير الجسدي لليهود دون معارضة أو استياء .
يرتكز تأثير الدعاية المعادية لليهود إلى الاهتمام بتوجيه كل الإجراءات المعادية لليهود
لخدمة الهدف النهائي» ولذا فإن كل فعل» حتى وإن لم يكن فعال» كان يزيد من الهوة بين
اليهود والآخرين. فمهما كانت بشاعة الأشياء التي كانت تحدث لليهود» فلم يكن لها تأثير
ضار على الآخرين» ولذا لم تكن تهم أي أحد سوى اليهود أنفسهم . ونحن نعلم الآن من
خلال الأدلة التاريخية كم الجهد الذي بذله المسؤولون النازيون وأفضل الخبراء من أجل
صياغة تعريف مناسب لليهود - تعريف قانوني مقبول في ظاهر الأمرء لكن على نحو
يبعث على السخرية في ظل العنف الوحشي المجرد من المباديء الأخلاقية . واقع الأمر أن
البحث عن تعريف قانوني ومثالي كان أكثر من مجرد آثار باقية من ثقافة التشريع التي لم
يستطع النازيون التخلص منها كُليَةٌ» أو تعبيرً عن الولاء والتقدير للتراث الذي تمثله دولة
القانون» وهو تراث لم يطوه النسيان تمامًا . كان إيجاد تعريف محدد ودقيق لليهود مسألة
ضرورية من أجل طمأنة من كانوا يشهدون الاضطهاد بأن ما يرونه أو يعتقدونه لن يحدث
لهم أبداء ومن ثم فإن مصالحهم ليست في خطر. وبذلك كانت الخطوة الأولى تتمثل في
تحديد من هو اليهودي ومن ليس بيهودي» بحيث لا يوجد أي إبهام أو خلط أو لبس يؤدي
إلى تفاسير متناقضة . ورغم غرابة قوانين نورمبرج المشينة وأهميتها الوظيفية الظاهرية» فقد
أدت هذا الغرض على أكمل وجه(١)؛ فهي لم تترك شيئًا يجمع بين اليهود وغير اليهود»
بل خلقت جماعة من الناس» ووضعت لهم معاملة خاصة تصل في نهاية المطاف إلى
مز ,”اكتلمع11010 عط 01 13035جء تأصسط عط سد كعتاتله2 لامتععل أعصة“ ,تعخصصصدهك84 ممم (1)
-0لع8 .لع ,وعتننعع.[ [12: مصتعا هاأه1” 700 سماخ عط1' نطع1ع1 تعتط1!' عط ذه ععدع اله عط 1
. 122-8 .م ,(1986 رووععط مملمععه[ن :لعم04) [أتاظ بوع1
يحض
الحداثت والهولوكوست
الإبادة. كما خلقت بضربة واحدة جماعة أكبر بكثير تتألف من مواطني دولة الرايخ الآمنين
الشرفاء» أي الألمان أهل النقاء العرقي . وهذا الغرض تحقق بدرجات متفاوتة من النجاح
عن طريق تمييز المتاجر اليهودية بعلامة معينة - تأكيدا لأمن المتاجر الأخرى وسلامتها - أو
عن طريق إجبار من تبقى من اليهود الألمان على وضع شارات صفراء على ثيابهم . وهكذا
أصبحت «المسألة اليهودية» لا تعني الكثير للغالبية العظمى من الألمان. وعندما انتقلت دولة
الرايخ إلى الشرق» وحان وقت «الإجلاء» و«إعادة التوطين», «لم يفكر معظم الناس على
الأرحج فيما كان يحدث لليهود في الشرق» ولم يكترثوا كثيرا بذلك . كان اليهود بعيدين
عن العين والبال. . . لقد بني الطريق إلى أوش يتس من الكراهية؛ لكنه رصف
باللامبالاة)17؟ ,
كان عزل اليهود مصحوبًا بصمت رهيب من جانب النخب الألمانية» وأعني بالنخب كل
كانوا يستطيعون - نظريا - أن يرفعوا أصواتهم ضد الكارثة الوشيكة ويمنعون وقوعها. وقد
يكون السبب وراء هذا الصمت هو التعاطف العام مع الخطة الرئيسة التي كانت تستهدف
التخلص من أمة وثقافة غريبة ومنبوذة لأسباب عدة. بيد أن ذلك ليس السبب الوحيد»
وربما لم يكن الأكثر أهمية . إن سيطرة النازيين على سلطة الدولة لم تغير قواعد السلوك
المهني القائمة قبل فجر العصر الحديث على الحياد الأخلاقي للعقل ومنطق العقلانية» فلم
تتأثر بالعوامل التي لا علاقة لها بالنجاح التقني في أداء المهمة . فالجامعات الألمانية كانت
مثل كل الجامعات في الدول الحديثة» إذ غرست النموذج العلمي كنشاط منفصل عن
القيمة (78116-5:66)» وصبت اهتمامها على خدمة «مصالح المعرفة»» وتجاهلت أية
مصالح أخرى قد تتصادم مع المصالح العلمية. وإذا أخذنا كل ذلك في الاعتبار» فلن
نستغرب صمت النخب الالمانية وتغاون المؤسسات العلمية الآلمانية في تنفيذ المهام النازية .
ويؤكد الباحث الأمريكى فرانكلين ليتل أنه كلما قل استغرابنا وذهولناء كلما زاد القلق من
هل الصعت وهل التعارن, يشول ف اتكلين:
أزمة المصداقية التي تمر بها الجامعات الحديئة تكمن في أن معسكرات الموت لم يخطط
لبنائهاء ولم يبنهاء مجموعة من الأميين والجهلاء والرعاع» بل كانت» مثل صانعيهاء.
01010)) طعا 8 اطنط عطة عط أدء د15 لو 12011 220 تامتستم2) "تقملتتمه2 ,تقطئيع .1 مد[ (1)
,359,364 .وم ,(1983 ,رووعاظ مم0 نععة 01
12111110
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهودية والنازيين
نتاجا لما كان على مدى أجيال عديدة أحد أفضل أنظمة الجامعات في العالم. . . فخريجو
تلك الجامعات يعملون دون أي صراع داخلي لصالح دولة تشي'ي الديموقراطية أو تشيلي
الفاشية» لصالح اليونان العسكرية أو الجمهورية» لصالح أسبانيا فرانكو أو الجمهورية»
لصالح روسياء أو الصين أو لضالح الكويتسيين أو الإسرائيليين أو أمريكا أو انملترا أو
إندونسيا أو باكستان . . . وهذا يوجز بكل صراحة الدور التاريخي للفنيين الُْدربين ممن
١تعلموا» مهارات اللامبالاة الأخلاقية والدينية التي تغرسها الجامعة الحديثة . .
تعر ا مركي ناك اجلارية الوسلااوي مده ا
عديدة كان من الأسهل في بلده التحدث عن عنف النازية وإساءة استخدام العلوم أكثر من
الحديث عن الخدمات التي كانت تقدمها الجامعات الأمريكية إلى شركات مثل ١دو
كيميكال أو مينيايوليس أو هاني ويل أو بويئج إيركرافت . ..٠ أو إلى «أي تي تي» في إعادة
تابي اللا ا
لم تهتم تم النخب العلمية الألمانية وأبرز رموزهاء ٠ بل والنخب الفكرية بشكل أعم» بأي
شيء سوى الحفاظ على التزامها بالعلم وصوت العقل . هذه المهمة لم تتضمن الاهتمام
بالمعنى الأخلاقي للأنشطة العلمية. ففي عام 21977 رأى ألان بيرشين أن نوابغ العلماء
في ألمانيا مثل يلانك وزومرفيلد وهايزينبرج أو فون لاوا قد «لزموا الصمتء» وتعاملوا
بهدوء مع الحكومةء خاصة في أمور العزل والتهجير» وكان كل ما يشغل بالهم هو الحفاظ
على استقلاليتهم المهنية بتجنب المواجهة والأمل في مواصلة حياة منظمة ومستقرة)(' .
كلهم كانوا يريدون الدفاع عن مصالحهم» وقد تحقّق مرادهم بمجرد أن أبدوا استعدادهم
لغض الطرف عن بعض الأمور البسيطة . وكان تجديد العهد مع النازيين أمرا سهلاً بمجرد
عودة «الحياة المنظمة» بعد شهر عسل مع النازية إلى وضع لا يختلف كثيرا عما كان يعيشه
هؤلاء الأساتذة من قبل . لم يجد هؤلاء العلماء غضاضة في ذلك» فلم يحدث شيء سوى
-1010 عط ما , 'جالقطع جتدنا تترع1100 عط 0 كتوتن)) ؟)تلتطتلعم) عط" ,اأعمنا . 8 ملللتموظ (1)
11 اعطاجةا ع عنصم لعل سدع . له ,علاعمصعء© لطة ,توعه ع تتمعمس8 ,وومامعل1 نأقنادء
277,27 ,274 .مم ,(1980 ,كسمم قمع تاطسط لقده تامسسعام] مسوت]1 :211 ,3111158000
لصة ,لإعمععةعتناظ , نعقع10مع11 تأددتدء11010 عط1 صن , 'مععصع8 لمع لقوطط عط1" رمعغطعع و8 مقلكة (2)
. 158-9 .مم ,ع10ء03620)
ملف
الحداثنّ والهولوكوست
اختفاء بعض زملائهم السابقين وظهور تحية جديدة عند دخول الفصول التي تكتظ بطلاب
يرتدون الزي النازي الرسمي . لقد أسدى هؤلاء العلماء للنازيين خدمات مهمة وجليلة»
وفي المقابل حصلوا على دعم مادي لكل المشروعات العلمية الطموحة المذهلة. ففي سبيل
مشروعاتهم» كانوا مستعدين لدفع أي ثمن» حتى أن هايزنبرج ذهب إلى هاينرش هيملر
ليتأكد أنه سيّسمح له هو وزملاؤه - معدا من اختفوا - أن يفعلوا ما يشاؤون. فأبلغه
هيمر أن هناك فرق بين النتائج العلمية والموقف السياسي لعلماء الطبيعة. هذا بالطبع
أسعد هايزنبرج كثيراً : أليس هذا ما تتدرب على فعله منذ البداية؟ «وهكذا سكت هايزنبرج
عن الحق» وأيد القضية النازية بقوة» خاصة في الخارج . وأثناء الاعتداءات» كان هايزنبرج
يرأس أحد الفريقين المشاركين في تصميم المتفجرات الذرية» فهو حيوان أدمن العلم» وما
دفعه إلى ذلك سوى الرغبة في أن #يرى المجهول» ويحقق النجاح170' .
يقول يواكيم فيست: «إن قصة ضياع قوة العلماء والمفكرين هي قصة الرضوخ
الطوعي» ولو ظهرت مقاومة» لكانت مجرد مقاومة للرغبة في الانتحار)”"". ويبدو أن
العلماء الذين انبهروا بالنظام النازي «للحياة المنظمة» قد وجدوا أسبابًا قليلة للاتتحار
ع 2
وأسبابا أكثر للاستسلام بإرادتهم» بل وبحماس شديد أحيانًا .
والسمة المميزة لهذا الاستسلام هي صعوبة تحديد بدايته» بل والاستحالة الفعلية للتنبؤ
بول كاهله إلى مساعدة صديقتها اليهودية التي كانت تزيل حطام متجرها. هذا السلوك
عرض زوجها البروفيسور للمقاطعة» ويبدو أن الرجل تأثر بمواقف إنسانية رحيمة أخرى
حينذاك فاضطر إلى الاستقالة من منصيه بالجامعة :
كانت هذه الأيام بمثابة فترة النقاهة التي قام فيها ثلاثة أشخاص - من خارج الدائرة
الاجتماعية والمهنية للبروفيسور- بزيارته تحت ستار ظلام الليل. كما تلقى البروفيسور
ب(1983 رقوع:2 نمع ملآ 0100 :0:101:0)) لتتكتا اد كتاسة 05 19مأوللط عد 1 , مله :لوط ومع.] (1)
"01. 17 .
-0205تتتتة]ط) عاعمتاناظ اعقمطعطاا . قصهها ,طعتع 18 خط" عط أه ععهظ1 عط!' باأوء2 . 0) ستطعة0[ (2)
. 394 .م,(1985 ,ككلهه80 متدعوءط تطترم ب
122220
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والنازيين
اتصالاً من العالم الخارجي عندما وصله خطاب من بعض زملائه يعبرون فيه عن أسفهم أنه
خسر خروجا مشرقًا من الجامعة بسبب افتقار زوجته للسليقة والكياسة الفطرية7١' .
وثمة نقطة مهمة لابد من الإشارة إليها. صحيح أن المعاناة تكون شديدة في بداية
الاستسلام» لكنها تتحول من شعور بالخزي إلى شعور بالفخر. فالمستسلمون يصبحون
شركاء في الجريمة» ويتعاملون بسهولة مع تأنيب الضمير الناجم عن هذا التواطؤ. فمن
استاؤوا من الدعوة النازية لمعناداة اليهودء ولزموا الصمت «من أجل الحفاظ على ما هو أهم
فحسب)»)» وجدوا أنفسهم بعد سنوات قلائل يحتفلون بالنظافة المبازكة للجامعات والنقاء
المبارك للعلوم الألمانية» بل ولاشددت معاداتهم العقلانية لليهود كلما ازداد اضطهاد
النازيين لليهود. وتفسير ذلك واضح» وإن كان محبطاء فعندما يعرف الناس ولو بأنصاف
عقولهم أن هناك ظلمًا ينا يقع» وأنهم لا يملكون الشجاعة والنبل للاعتراض» فإنهم
يلقون باللوم تلقائيًا على الضحايا كأبسط وسيلة لعدم تأنيب الضمير»” .
أصبحت عزلة يهود ألمانياء بشكل أو بآخرء عزلة تامة» عالم بلا جيران» ومصير لا
علاقة له ببقية الآلمان. الطرف الآخر الأوحد داخل العالم اليهودي هو السلطة النازية» بل
جرى اختزال اليهود في هذا العالم إلى مجرد أدوات لتنفيذ الأعمال التي كان الطغاة
النازيون يفرضونها ويرونها مفيدة. وقد فكر اليهود بعقلانية» واضطروا إلى التأقلم مع
ردود أفعال النازيين المتوقعة . وبهذه العقلانية أيضًا افترضوا وجود ارتباط منطقي بين
الأفعال وردود الأفعال» فلابد أن تكون الأفعال الصادرة عنهم معقولة وسديدة عن
غيرها. هذه العقلانية جعلت اليهود يتصرفون وفق القواعد التي وضعها السجانون
البيروقراطيون» لاسيما تحقيق الجودة وأعلى المكاسب بأقل التكاليف . ولما كان النازيون
يحتكرون وضع قواعد اللعبة» فقد استطاعوا توظيف عقلانية اليهود من أجل تحقيق
أهدافهم الخاصة . استطاع النازيون إحكام اللعبة بحيث تأتي كل خطوة عقلانية يتخذها
اليهود لتزيد من الطين بلة إلى أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة .
313 .م بطعاء 8 لسنط1' عط آه و«ماسمتط لم50 ل ,نمع عع طاسسحت لتمطاعتكا (1)
268 .م,(1967 ,ع000؟اكتاوم5 2 عتزظ للدم آ) علتأعمدع م 105 أسمحيه 17 ,معطم مقصرول] (2)
ينض
الحداثت والهولوكوست
لعبة إنقاذ ما يمكن إنقاذه
اللعبة التي وجد اليهود أنفسهم فيها كانت لعبة الموت والبقاء» ومن ثم كانت تصرفاتهم
العقلانية تهدف فقط إلى الهرب من التدمير أو تخفيف حدته . عندئذ جرى اختزال عالم
القيم إلى قيمة واحدة فقطء ألا وهي البقاء على قيد الحياة. كل هذا واضح لنا الآن» لكنه
لم يكن واضحًا للضحايا آنذاك» ولم يكن واضحا في المراحل الأولية من «الطريق المتعرج
إلى أوشقشيتس» ونحن نعلم أن النازيين وقادتهم لم يبدؤوا حربهم ضد اليهود بتصور
واضح لنتيجتها النهائية. فالحرب بدأت بهدف بسيط تمثل في عزل اليهود عن العرق
الألماني» وعلى المدى البعيد إخلاء ألمانيا من اليهود . وبفضل جهود النظام البيروقراطي»
أصبح تدمير اليهود «حلاً عقلانيًا؛ وممكنا من الناحية التقنية. حتى عندما أصدر هتلر قراره
المشؤوم بالتخلص من يهود روسياء وفتح بذلك آفاقًا جديدة وخميارات لم تكن متوقعة من
قبل أمام «الخبراء اليهود» المتحمسين لأداء الأعمال الموكلة إليهم» كان الالتزام بالكتمان
بشأن طبيعة الحل النهائي جزءًا مهما ومسألة ضرورية في الخطة النازية . فكان يطلق على
عملية نقل الضحايا إلى أفران الغاز «إعادة التوطين». واختفت حقيقة معسكرات الإبادة
خلف فكرة مبهمة تسمى «الشرق». وعندما طلب المتحدثون الرسهيون باسم الحيتو من
قادة فرق الإس إس التأكد من صحة الشائعات القوية عن المذابح الوشيكة» كان الألمان
ينكرون هذه الحقيقة تمامًاء وظلت في طي الكتمان حتى اللحظة الأخيرة بالمعنى الحرفي
للكلمة . والجريمة الوحيدة التي كانت تستوجب توقيع عقوبة الموت في التو واللحظة كانت
تتمثل في قيام أفراد الوحدة الخاصة من اليهود القائمين على صيانة أفران الغاز والمحارق
بإخبار الزائرين الجدد المترجلين من عربات الماشية أن هذا البناء الذي يرونه ليس أحد
الأماكن العامة للاستحمام. بالطبع لم يكن الغرض من توقيع هذه العقوبة تهدئة روع
الضحايا وتفريج كربتهم» بل دفعهم إلى دخول أفران الغاز بإرادتهم ودون أية مقاومة .
كان أمام الضحايا خلال كل مراحل الهولوكوست خيار واحد» بل لم يوجد اختيار
أمامهم على الإطلاق» إذ أصبح الاختيار بلا أهمية بعد القرار السري بالإبادة. لم يكن
لدى الضحايا القدرة على الاختيار بين وضع جيد وآخر سيىء» لكن على الأقل كان
بإمكانهم الاختيار بين أهون الضررين . الأهم هو أنهم كانوا يستطيعون تجنب بعض
0
الفصل انخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والنازيين
الغمربات عن طريق تأكيد حقهم في معاملة استثنائية أو خاصة . بمعنى آخر» كان لا يزال
لديهم ما يمكن إنقاذه . واستغل النازيون ذلك عندما أصبحت تصرفات ضحاياهم متوقعة»
ولم يجدوا صعوبة في التعامل معهاء بل والتحكم فيها. لقد أجبر النازيون ضحاياهم على
التصرف «بعقلانية» بعدما أقنعوهم بأنه مازال هناك ما يمكن إنقاذه» وأن السبيل إلى ذلك
واضح كل الوضوح . وبذلك أقنع الضحايا أنفسهم أن معاملة الجماعة كلها ليست واحدة»
وأن الأفراد لابد وأن يكونوا مختلفين» وأن كل معاملة تتوقف على مميزات الفرد. وهكذا
بدأ الضحايا يعتقدون أن تصرفاتهم مهمة ويتوقف عليها الكثير» وأن مصيرهم سيتحدد
ولو على نحو جزئي بما يفعلونه .
إن مجرد وجود جماعات متفاوفة في الاستمتاع بالحقوق وا حرمان منها وفق قواعد
بيروقراطية أفرز محاولات مسعورة في سبيل الحصول على حق «إعادة التصنيف». بمعنى
إثبات أن شخص ما ايستحق» الانتماء إلى جماعة أفضل . وظهرت هذه المحاولات
بوضوح تام في حالة «الأجناس المختلطة) أو «الميشلينجه)» (ءع«نلطء3415) -«عرق ثالث»
ابتدعه التشريع الألماني» وأقحم بشكل غريب بين جماعة «اليهود الأشقاء' وأبناء الشعب
العضوي الألماني الأطهار . «هذه الممارسات القائمة على التفرقة والتمييز أفرزت ضغوطًا
كبيرة من أجل ضمان معاملة استثنائية لكل من الزملاء والرؤساء والأصدقاء والأقارب.
وفي عام 21975 أدى هذا الوضع إلى اتخاذ قرار بإعادة تصنيف الميشلينجه في فئة أعلى .
. . وعرف هذا القرار باسم «الانعتاق» (86:188). وزادت حدة الضغوط لأن الناس
كانوا يعلمون أن محاولاتهم ليست بلا جدوى بالضرورة» وأن الأصل والنسب والدم أمور
يمكن يتخلصوا من قبضتهاء بل وأن يلغوها تماما. فبوسع الفرد أن ينعتق ابحق» بمجرد أن
يثبت جدارته» لاسيما بعد أن قررت المحكمة العليا في ألمانيا أن «السلوك وحده ليس كافياء
وأن الموقف الذي يحمله السلوك هو الفيصل». ويستطيع الفرد أيضا أن يحصل على شهادة
الانعتاق كهدية في عيد رأس السنة الميلادية بعد أن يضعها رسول خاص تحت شجرة عيد
الميلاد» مثلما حدث مع المسؤول النازي ليو كيلي والذي كان يشغل منصب وكيل وزارة في
الحقبة النازية - وكان من الميشلينجه أيضًا - ولعب دور فعالاً في القضاء على اليهود/'" .
رتل1 معسام عممه برع]؟) 2195[ تلفعتروسد1 عط 04 تامناءعتاتاعع<1 عط ,عموعطلئظ انهظ (1)
6 ,78-9 .مم ,1 .001 ,(1985
علض
الحداثة والهولوكوست
وهذا وضع شيطاني لأن المعتقدات التي فرضها والأفعال التي حث عليها أعطت شرعية
لخطة الإبادة النازية» بل وجعلتها مقبولة للجميع» بما في ذلك الضحايا أنفسهم. فقد
ارتضى الضحايا ومن كانوا يحاولون مساعدتهم فرضيات تلك الخطة بينما كان من أعفوا
من الإعدام أو من أجل إعدامهم في هذه الخطة العامة يحاربون في سبيل أهداف تافهة .
هذا الوضع انطوى على كارثة أخلاقية لآن كل من كان يطلب «الاستثناء» في حالته
الفردية كان يعترف بالقاعدة العامة . لكن هذه الكارثة لم يستوعبها «الرجال الطيبون» من
اليهود والأغيار عندما شغلوا أنفسهم بإنقاذ كل هذه «الحالات الخاصة» التي يمكن أن تنطبق
عليها معاملة خاصة. حتى أنه بعد نهاية الحرب». جاء رودولف كاستنر [أحد زعماء اليهود
المجريين والذي كان يتفاوض مع النازيين بشأن إعفاء بعض رجاله من معسكرات الموت]»
وأخذ يفتخر بنجاحه في إنقاذ «اليهود المنميزين»؛ وهي فئة ابتدعها النازيون رسميًا عام
5١ »؛ وأصبح من المعروف أن اليهودي المتميز له حق في البقاء على قيد الحياة أكثر من
حق اليهودي العادي 17" .
اكتسبت هذه القاعدة العامة سلطة قوية بسبب التكالب على الإعفاءات والاستثناءات»
وترسخت في نهاية المطاف بسبب توظيفها كتخويل للمطالبة بامتيازات فردية. ووجدت
هذه القاعدة العامة تربة خصبة في كل مراحل الهولوكوست» لاسيما في حالة يهود ألمانيا.
فقد ظهر في ألمانيا معاملة خاصة لليهود الذين حاربوا مع ألمانيا في الحرب العظمى وأصيبوا
في المعركة» إذ متحوا الأوسمة على شجاعتهم» ولم يخضعوا طويلاً للقيود التي كانت
تطبق على إخوانهم الأقل حظًا ومكانة. قاعدة الكرم والسخاء هذه أخذت الأضواء بعيدا
عن القاعدة الرئيسة المهيمنة التي أفرزت المعاملة الكريمة كاستثناء . فكل من كان يجد في
القاعدة فرصة له»ء كان بإمكانه أن يطالب بالاستثناء» ولكن بشرط قبول الفرضية التي
أجازت كل من القاعدة العامة والاستثناءات» أي القبول بأن اليهود «العاديين» واليهود ١في
حد ذاتهم" لا يستحقون الحقوق الطبيعية التي تمنحها الجنسية الألمانية. إن الطلبات
وخخطابات التزكية التي لا تعد ولا تحصى. والتدخل من أجل مساعدة الشخصيات البارزة
والأصدقاء أو زملاء العمل» والبحث الدؤوب عن المستندات والشهادات المطلوبة» كل
.132 .م,(1964 ردوع]© عسمتلل/ نكتده ل" بجع ل!) مدع 1وكتضعل زا تتمقنسطعتاظ ,المععة لممممو8ط (1)
2121210111 110
العْصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والنازيين
هذه الأمور ساهمت بقدر كبير في قبول الأوضاع الجديدة التي نشأت عن التشريعات
المعادية لليهود. وقد بذل الشرفاء من غير اليهود أو الأغيار قصارى جهدهم من أجل
خطاباتهم للهيئات المختصة أن فلانًا بعينه لا يستحق معاملة قاسية لأنه يقدم خدمة فريدة
للأمة الألمانية . كما انشغل رجال الكنيسة بالدفاع عن اليهود الُتحولين- المسيحيين من أصل
يهودي . وارتضى الناس القاعدة العامة التى تقول بإن اليهودي لابد أن يكون يهوديًا من
نوع خاص حتى يمكنه تجنب التمييز والاضطهاذ. أو على الأقل تأقلم الناس مع هذه
القاعدة .
وما أكثر الأشخاص والجماعات التى آمنت بتفردها وبأحقيتها فى معاملة أفضل .
والمثال الصارخ على ذلك هو التمييز الشامل والمشين بين اليهود «المسترف بهم قانونًا)
واليهود «المهاجرين» فى المناطق المحتلة فى غرب أوروبا. هذا التمييز سبقه عداء متأصل
أظهرته الجماعات اليهودية المعترف بها قانوثًا والمندمجة جزئيًا في المجتمع المضيف تجاه
إخوانهم الجهلاء والرعاع ومتحدثي اليديشية من شرق أوروبا. فقد رأوا أن تطفلهم المزعج
اليهودية الثرية والعريقة في بريطانيا دفع ثمن عودة حشود اليهود الفقراء والجهلاء الذين
فروا من المذابح الروسية. وفي ألمانيا» راود اليهود الذين كانوا «ألمانًا أكثر من الألمان» الأمل
بأن «يتمخلصوا من الكراهية الموجهة ضدهم من خلال توجيهها ضد إخوانهم من الفقراء
والمهاجرين الذين لم يندمجوا في المجتمع)7١2. كما أن موقف التعالي والازدراء تجاه يهود
الشتتل (060اة)7' منع قادة الجماعات اليهودية في الغرب من القبول بوجود يهود الشرق
في حياتهم» فمصيرهم غير مشترك, وبالتالي لا توجد استراتيجية موحدة بين تاريخين
وحضارتين مختلفتين تمام الاختلاف! وعندما أذاعت هيئة الإذاعة البريطانية في جميع
أرجاء هولندا أنباء الإبادة الجماعية فى بولنداء استبعد رئيس المجلس اليهودي ديقيد كوهين
تمامًا وجود أية علاقة لهذه الأنباء بمستقبل يهود هولندا :
. 118 .م بتع لكت عل صا مسقتسطء 81 ,أمعمث (1)
(؟) اشتتل» كلمة يديشية تعني «مديئة؛» والشتتل تجمع سكاني استوطن فيه اليهود. وارتبط هذا النوع من
المستوطنات بالإقطاع البولندي في أوكرانيا. ويري عبد الوهاب المسيري أن اليهود كانوا يشكلون في الشتتل
جماعات وظيفية وسيطة تحمي مصالح النبلاء وتقوم بوظائف محددة نيابة عنهم [المترجم].
5
الحداثت والهولوكوست
معاملة الألمان يهود بولندا بوحشية لا تعني على الإطلاق إمكانية معاملة يهود هولندا
بهذه الطريقة؛ أولا لأن الألمان طالما احتقروا يهود بولنداء وثانيًا لأن الألمان في هولنداء
على العكس من بولنداء لابد وأن يضعوا الرأي العام في الحسبان7! .
هذه الرؤية المتفائلة لم تكن مجرد وهم أو خيال له تبعات انتحارية . فغالبًاما تحدد
الرؤى الشاملة للعالم أفعال الجماعات» وقد تسببت أفعال الجماعات اليهودية النخبوية في
تضاؤل الأمل بوجود رد فعل يهودي موحد ضد السياسة النازية» بل وسهلت أفعالهم
عملية «التدمير على مراحل» . وربما شعر المتحدثون الرسميون باسم الجماعات اليهودية
النخبوية بالتعاطف مع اليهود المهاجرين وهم 0 ويحاصرون وينفون أمام أعينهم
لكنهم ناشدوا أعضاء الجماعات اليهودية بأن يلزموا الصمت ويحجموا عن المقاومة من
أجل «أهداف أسمى» . وقد كشفت دراسة جاك أدلر أن استراتيجية يهود فرنسا في سبتمبر
عام ١94١ ظهرت كرد فعل على تمارسات التمييز التي فرضتها القوات الألمانية المحتلة»
وأنها شددت على ترتيب الأولويات» «وكانت الأولوية الأولى التي سعت هذه
الاستراتيجية لتحقيقها هي ضمان بقاء الجماعات اليهودية الفرنسية. وليس اليهود
الأجانب .2 هذه الاستراتيجية تفترض أن «اليهود المهاجرين مغرم وعائق» أمام بقاء اليهود
الفرننيين» بل إن المؤسسة اليهودية وافقت على قرار حكومة فيشي بأن ثمن الحفاظ على
حياة اليهود الفرنسيين هو تسليم اليهود المهاجرين إلى الألمان» «فلا شك أن الجماعات
اليهودية الفرنسية وافقت حكومة فيشي الرأى بأن هؤلاء اليهود الأجانب غير مرغوب فيهم
اجتماعيًا وسياسيًا»0" .,
إن رفض التضامن مع اليهود المهاجرين باسم المحافظة على مصالح الأفراد أو الجماعات
كان يعني دائماء ولو بشكل غير مباشر» قبول القاعدة العامة التي تقول بإنه ليس كل من
ينتمي إلى الجماعة المستهدفة يستحق الحياة» وأن التفرقة في المعاملة يجب أن تكون وفق
معايير «موضوعية». ولم يقتصر رفض التضامن على العلاقات لداعل ين المماعات»
لإ0108ع10 تأقدددءع1010] عط]' صا ,علط سمتصعع م “عقن كم ناكا طمتوع لل رتكاء وجدم2ط20آ مدرعندا (1)
223 .72 ,ع20610ع0 30 , 8016011013
الا 0100 :01010) 03 1)نطا50 لمساط عط عه دسو كه دعل عط'ل" ,وعالة دعناوعة[ (2)
223-4 .م ,(1987 رجوعءط
1210
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهودي5 والنازيين
إذ كان التمييز في المعاملة داخل كل جماعة غاية يحارب الأفراد في سبيل تحقيقهاء وكانت
المجالس اليهودية تلعب دور السماسرة في إجراء صفقات البقاء على قيد الحياة. وبسبب
كال مسار المنشفيل امف اتننة (إنقاذ ها مكن ]]تقاقو اه فق يوا قاما + ول يتك
مؤقت, المصير المروع الوشيك» وهذا النسيان أعطى النازيين فرصة تحقيق أهدافهم بأقل
التكاليف وبدون مشاكل كبيرة. يقول هيلبرج :
جح الألمان في ترحيل اليهود على مراحل لأن من لم يأت دورهم من أعضاء الجماعات
اليهودية كانوا يعتقدون أنه من الضروري التضحية بالقليل من إخوانهم اليهود من أجل
إنقاذ الكثيرين . هذه الظاهرة النفسية يمكن تتبعها بين الجماعات اليهودية في قيينا والتي
أبرمت «اتفاقية» ترحيل مع البوليس السري الألماني (الجستابو)» وكان هناك «تفاهم» بأن
ست فئات من اليهود لن يتم ترحيلهم من قيينا . وكانت هذه الظاهرة واضحة أيضا عندما
دافع يهود جيتو وارسو عن التعاون مع النازيين وأحجموا عن المقاومة على أساس أن الألمان
ككانوا موحلو شتعن القن يودي لا قات الآلاقة. «وبإتكانها تف ظاهرة تست
الجماعات اليهودية إلى شطرين في سالونيكاء إذ تعاونت القيادة اليهودية مع وكالاات
الترحيل الألمانية التي وعدتها بأن ترحل فقط العناصر «الشيوعية» المعدمة» وبأن تترك
«الطبقة الوسطى» لحالها. هذا المنطق الحسابي المشؤوم اتبعته قادة الجماعات اليهودية في
جيتو قيلنا حيث تباهى رئيس المجلس اليهودي ياكوب جنز أنه ابمئات من الضحايا أنقذ
الآلاف» وبالآلاف أنقذ عشرات الآلاف)217 ,
كانت الحياة اليومية في ظل الاضطهاد لها بنية محددة تتفاوت فيها فرص البقاء» وهذه
الفرص كان يمكن التحكم فيها واستغلالها بسهولة لآن موارد الأفراد والجماعات كان يمكن
توظيفها لتحويل الظلم العام إلى مصلحة خاصة . تقول هلن فاين :
لم يكن خطر الموت الجماعي متوقعًا لأن التنظيم الاجتماعي للاقتصاد السياسي في
الجيتو خلق فرصا متفاوتة للموت كل يوم» واعتمدت فرصة بقاء شخص ما على وضعه في
النظام الطبقي» وهو نظام أفرزته الندرة المفتعلة للموارد والإرهاب السياسي» فكان يبذل
العطاء لمن هم أكثر قدرة على مساعدة النازيين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . . . وقد
. 1042 .م ,111 .701 بوعل تدع مما عط 01 تسمتأاعساوء1 عط ,ع«عطاق8 (1)
قف
الحداثت والهولوكوست
أخفى التنظيم الاجتماعي في الجيتو صورة العدو الحقيقي بتوجيه الغضب الذي كان
يستهدف النازيين الغزاة نحو المجلس اليهودي وترسيخ الاعتقاد بأن هذه الحرب حرب
الجميع ضد الجميع لا حرب النازيين ضد اليهود/'' .
إن النزعة الفردية في وضع استراتيجيات البقاء أدت إلى انقسام عام في الأدوار
والمواقف» وكان ذلك محل ترحيب من النازيين . كما أدت هذه النزعة إلى بذل أعضاء
الجماعات اليهودية جهودا مضنية من أجل تحسين صورتهم في أعين الطغاة - بأشكال
متعددة على حساب الضحايا. أما شحنات القلق والعداء التي كانت تتولد عبر مراحل
الاضطهاد فكان يجري تفريغها في المجالس اليهودية» ولكن المجالس اليهودية استطاعت
في كل مرحلة من مراحل التدمير أن تعتمد على مجموعة معينة من الأنصار من استفادوا
من تغير الأوضاع والسياسات, وأعلنوا تأييدهم بكل سرور للمسؤولين البائسين» وأعطوا
شرعية وسلطة لسياسات المجالس اليهودية. وفى كل مرحلة من مراحل التدمير - ما عدا
المرحلة الأخيرة - كان هناك أفراد وجماعات تحرص على إنقاذ ما يمكن إنقاذه» وعلى
الدفاع عما يمكن الدفاع عنه» واستثناء ما يمكن استثنائه» وهكذاتم التعاون ولو بشكل غير
مباشر بين الضحية والجلاد .
العقلانية الفردية في خدمة التدمير الجماعي
لم يدرك الظلم النازي الوحشي مساحة كافية للمناورة» فكل الخيارات التي تدرب
الناس عليها وتعلموا أن يختاروا من بينها فى الظروف العادية جرى استبعادها من اللعبة .
لقذ علق القاؤيون:ظر وت اابشفناية تبعل السلوك يطبيعه اسشاياة لكنه استثنائي فقط في
ظاهره وعواقبه المللموسة لافي مباديء الاختيار أو الدوافع وراءه. ومعظم الناس في
طريقهم إلى نهاياتهم لم يكونوا في معظم الأوقات دون اختيار» وأينما وجد الاختيار»
وجدت فرصة للتعامل معه بعقلانية» ومعظم الناس تصرفوا بعقلانية مع الاختيارات
المتاحة . وعندما كان النازيون يسيطرون اما على كل وسائل الإكراه» اكتشفوا أن العقلانية
تعني التعاون» وأن كل تصرف قام به اليهود لخدمة مصا حهم كان يقرب النازيين أنفسهم
من تحقيق هدف الإبادة بنجاح .
319.م,1979 ومع ععع1 علرولا بعآظ رعل1ء20ع0) 101 ص ستسوععم ,ماع معاعط (1)
12121210101110
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والنازيين
بيد أن التعاون فكرة غامضة ومطاطية للغاية» وربما يكون من الظلم اعتبار الإحجام عن
التمرد واتباع النظام القائم تعاونًا. فكل مسؤوليات المجالس اليهودية التي نصت عليها
رسالة راينهارد هايدريخ المهمة والعاجلة كانت تتعلق بالخدمات التي اضطر القادة اليهود
تقديمها للسلطات الألمانية» ولم يهتم هايدريخ بالوظائف الأخرى التي ربما رأت المجالس
اليهودية أنها مهمة أو ضرورية . ويبدو أن هايدريخ كان يظن أن هذه الوظائف كانت
ستتولاها المجالس اليهودية دون أن يُطلب منها ذلك وفق التعامل العقلاني مع احتياجات
مجتمع متكدس في مساحة ضيقة ومضطر إلى تأمين التعايش وسبل البقاء على قيد الحياة .
وبذلك لا يوجد أفضل المجالس اليهودية إذا كان بوسعها أن تسدي هذه الخدمات دون أن
يطلب منها ذلك . وبالفعل لم تكن المجالس اليهودية بحاجة إلى تعليمات ألمانية حتى تهتم
بالمتطلبات الدينية والتعليمية والثقافية والاقتصادية» بل قبلت المجالس اليهودية» طوعا أو
كرهاء بمكانة أدنى في هرم الإدارة الألمانية» وكانت مهمتها تعاونًا بشكل أو بآخرء إذ كانت
الأداة التي أزاحت كل مشاكل حياة اليهود اليومية من طريق الألمان. وهكذا لعبت
السلطات اليهودية» رغم شدة ظلم النظام القمعي» دور لا يختلف كثيراً عن دور قيادات
الأقليات الُضطهدة في استمرار الظلم» إنها لا تختلف اختلاقًا جوهريًا عن أنظمة الحكم
الذاتي اليهودية» لاسيما في بولندا وبعض الأجزاء من شرق أوروباء بل لا يوجد اختلاف
بينها وبين الاستقلال الذي حظيت به مجالس القهال اليهودية الحديثة المنتخبة (112نط16) .
في بداية الاحتلال الألماني وقبل أن تصبح المجالس اليهودية حلقة وصل رسمية في
تنظيم الإدارة الألمانية» أخذ كبراء مجالس القهال على عاتقهم مسؤولية تمثيل المصالح
اليهودية من خلال التوصل إلى طريقة أو أسلوب عمل يخدم مصلحة اليهود في التعايش
مع السلطات الجديدة. لقد حاولوا استخدام الطرق القديمة المعروفة مثل كتابة الالتماسات
والتظلمات وتوصيل أصواتهم للمسؤولين والتفاوض معهم وعرض الرشوة عليهم . كما
أنهم لم يعارضوا القرار الألماني بحجز اليهود داخل الجيتو» بل رأوا في عزل اليهود عن بقية
الناس حماية من الظلم والاعتداءات» وكان هذا العزل محل ترحيب بينهم لأنه يعزز
الحكم الذاتي اليهودي والحفاظ على نظام الحياة وسط أجواء متوترة. فالحبس داخل الحيتو
كان يبدو وكأنه يخدم المصالح اليهودية - في ظل هذه الظروف - بل وكان قبول هذا الحبس
تصرفًا عقلانيا في نظر من وضعوا المصالح اليهودية في قلوبهم .
إغايف
الحداثيّ والهولوكوست
في الوقت نفسه» كان قبول مجالس القهال بضرب السياج على الجيتو من مصلحة
النازيين. فعلى المدى الطويل» كشف الجيتو عن دوره المهم كأداة للاعتقال» وهو الخطوة
الجوهرية الأولى في طريق الترحيل والتدمير. وكان الجيتو يعني كذلك أن ضابط ألماني
واحد يمكنه التحكم في عشرات الآلاف من اليهود - بمساعدة اليهود أنفسهم تمن قدموا
عمالة يدوية ومكتبية وبنية تحئية تقوم عليها الحياة اليومية والهيئات المسؤولة عن تطبيق
القانون والحفاظ على النظام . وهكذا فإن الحكم الذاتي اليهودي كان يعني من وجهة
موضوعية التعاون مع النازية . وأخذ هذا التعاون داخل المجالس اليهودية في الازدياد على
حساب كل الوظائف الأخرى . وكل القرارات العقلانية التي جرى اتخاذها بالأمس باسم
الحفاظ على المصالح اليهودية جعلت اتخاذ القرار العقلاني أكثر صعوبة اليوم» وغدا
ستصبح الاختيارات العقلانية مستحيلة .
أكدات دراسة أشعياء قرانك أن المجالس اليهودية خاضت صراعا مزيرا ويائسسًا من أجل
الوصول إلى حلول عقلانية لمشاكل عويصة وخطيرة. فليست جريمتهم أنهم وجدوا أنفسهم
في مواجهة قوة ألمانية عليا وفي لحظة جاءت فيها الآلة البيروقراطية لتلغي كافة القواعد
الأخلاقية في حربها ضد اليهود . لم يكن هناك خيارات لا تخدم الأهداف الألمانية» وكانت
الآلة البيروقراطية الألمانية في خدمة هدف يستعصي فهمه في اللاعقلانية التي يتسم بها :
إبادة اليهود عن بكرة أبيهم» الكبار والصغار» العاجزين والأصحاءء من لهم نفع اقتصادي
ومن لهم ضرر. لم يكن أمام اليهود أية طريقة يُرضون بها البيروقراطية الألمانية التدميرية,
ولم يكن بوسعهم أن يقُبتوا أن لهم فائدة أو أن وجودهم مرغوب فيه أو على الأقل يمكن
تحمله . بمعنى آخر» خسر اليهود الحرب قبل أن تبدأ حتى وإن كانت هناك في كل مرحلة من
مراحل الحرب قرارات تتخل» وخطوات تُتبع» وأهداف تتحقق بعقلائية . كل يوم كانت
هناك حاجة إلى التصرف بعقلانية . ولما كان الهدف النهائى من الهولوكوست هو كسر كل
الحسابات العقلانية» كان لابد أن يبنى نجاح هذا الى التصرفات العقلانية للضحايا.
وقبل وقوع الهولوكوست بفترة طويلة» ذكرت رواية القلعة التي كتبها كافكا كيف أن «ك4),
مساح الأراضي سيىء الحظ» قد مر بالتجربة نفسهاء وكيف فشل في مقاومته ضد القلعة
وحيدا لا لأنه تصرف بدون عقلانية» بل لأنه تصرف بعقلانية في تعامله مع قوة اعتقند أنها
ستتصرف بعقلانية مقابل تصرفاته العقلانية» لكن ذلك لم يحدث .
0 60.116 8 نومام
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والتازيين
وإحدى أهم القصص المؤثرة في التاريخ الدموي للجيتو تتعلق بحملة تسمى «الخلاص
عبر العمل»؛ وهي حملة قامت بها المجالس اليهودية في عدد من الأحياء اليهودية الكبرى
في شرق أوروبا. ففي فترة ما قبل الحرب» اتهمت فرق معادية لليهود في شرق أوروبا
الجماعات اليهودية بالطفيلية الاقتصادية. التجار منهم والوسطاء. فكلهم بلا فائدة»
وسيكون المجتمع أفضل حالاً بدونهم . وعندما وضع الغزاة الألمان إمكانية الاستغناء عن
اليهود في برنامجهم الْمُعلن» كان من المنطقي أن يدفع ذلك الجماعات اليهودية إلى تقديم
دليل ملموس على نفعها. وكانت الظروف مواتية تمَامًا لهذه الاستراتيجية» إذ كان الألمان
بفضل مواردهم التي ازدادت بشدة أثناء الحرب يرحبون بأية فائدة اقتصادية أو قوة إنتاجية
يستطيعون الاعتماد عليها . ويصعب اتهام مردخاي خاييم رومكوفسكي. رئيس المجلس
اليهودي في جيتو وودج وأكثر التابعين إِيانًا بالعقيدة الصناعية» بأنه تصرف بلا عقلانية
حيال الخطر الألماني. فقد احتقر اللاعقلانية الألمانية الدموية وانبهر بعقلانيتهم العملية أو
بامتلاكهم للمباديء والقيم التي تحرك عانًا تحكمه الكفاءة والفاعلية . لكن من الصعب
أبغنًا تخيل سأذ اكات من لمكن أن رقع ووتك و فيك قير ذلك حكن وإناكاة يخلم خنطأه:
إنه اضطر إلى أن يتصرف كما لو أن الخصوم سيتصرفون بعقلانية» ولم يكن هناك إمكانية
لتحديد التصرف إلا من خلال هذا الافتراض . ففي وادي الْعْميَانَء يصبح الأعور ملكّاء
وفي عالم البيروقراطية العقلانية الحديثة» يصبح المغامر اللاعقلاني ديكتاتورا .
تصرف رومكوفسكي بالطريقة العقلانية الوحيدة المتاحة أمامه حتى وإن كان مخادعا أو
خائنًا. «وفي مناسبات عدة» أخذ رومكوفسكي يكرر في كل خخطبه التي ألقاها قبل وأثناء
عمليات (إعادة التوطين» أن وجود الجيتو يتوقف كليًا على العمل الذي يعود بالنفع على
الألمان» ويجب على يهود الحيتو ألا ينسوا هذه الحقيقة مهما كانت بشاعة الظروف إذا
أرادوا البقاء على قيد الحياة»217 . فلا عجب أن رومكوفسكي رئيس المجلس اليهودي في
جيتو وودج» وإفرايم باراش رئيس المجلس اليهودي في جيتو بياليستوك» وياكوب جنز
رئيس المجلس اليهودي في جيتو فيلناء وآخرين. جميعهم كانوا يتحدثون بإيمان شديد في
غالب الأمر عن مدى تأثير عملهم الدؤوب على ميول سادتهم الآلمان. ويبدو أنهم اعتقدوا
أو أجبروا أنفسهم على الاعتقاد بأنه بمجرد أن يحقق اليهود القدرة الإنتاجية المطلوبة والنفع
. 319.م,1979 ووععط مم1 عونا باز ور ا 1 را
يضرف
الحداثج والهولوكوست
المطلوب ستغير الهيئات والإدارات الألمانية سياسات الترحيل والقتل العشوائي . لقد لعبوا
دور لا يستهان به في الحرب الألمانية» وكانوا يسعون إلى تأجيل الهزية الأخيرة على يد
القوة الطاغية المخيفة التي كانت عازمة على تدميرهم . فقبل أن يعج الطريق المتعرج إلى
أوشفيتس بالمشاكل» بتيت جسور كثيرة على نهر الكواي بأيد يهودية ماهرة .
هذ الأمر أعجب الموظفين البيروقراطيين الألمان الأقل التزاما بالفكر الأيديولوجي.
وكان ذلك بالطبع لأسباب برجماتية بحتة. ويبدو أنه لم يخطر ببالهم أن اليهود بشر لهم
مكان دائم في نظام الأشياء» لكنهم آمنوا بأن استغلال قوة اليهود في الصناعة سيحقق
مكاسب اقتصادية وعسكرية تفوق التخلص من هذه القوة العمالية النظامية المتفانية . وهناك
دليل على أن بعض القادة العسكريين في الشرق كانوا يسعون إلى تأجيل عمليات القتل
عندما اكتشفوا أن اليهود هم الحرفيون الذين يمتلكون مهارات تساعد على استمرار آلة
الحرب في مهامها . وكانت محاولاتهم اليائسة من أجل الدفاع عن أعمال الْسَخْرة ضد
أسلحة القوات الخاصة يتم التصدي لها فور اكتشافها من قبل الهيئات العليا التي كانت ترى
أن الاعتبارات العقلانية مقبولة إذا اقتربت فقط من الهدف اللاعقلاني المتمثل في الإبادة
الشاملة . ولم يترك قرار وزارة الأراضي الشرقية المحتلة مجالاً للنقاش : «من حيث المبدأً»
لا توجد عوامل اقتصادية توضع في الاعتبار في حل المسألة اليهودية. وإذا ظهرت أية
مشاكل مستقبلاً يتم الاستعانة بفرق الإس إس العليا وقائد الشرطة)(١2. وعموماء لا
يبدو أن العمالة «النافعة» التي قدمها المجلس اليهودي قد أنقذت أحدا على الإطلاق»
لكنها أطالت بالتأكيد من عمر البعض . أما الإطراء الذي أغدقه مردخاي رومكوفسكي
وإفرابم باراش على العمال اليهود المهرة من «يتعذر استبدالهم»» فلم يغير الحقيقة امرة التي
تقول إن هؤلاء العمال يهود. حتى وإن كان اليهود هم من يحركون آلة الحرب الألمانية»
فهم في المقام الأول يهودء وعمالة «نافعة» في المقام الثاني» في الغالب الأعم بعد فوات
الأوان.
جاء الاختبار الحقيقي للعقلانية عندما وظفت المجالس اليهودية لتكون مسؤولة عن
(إعادة التوطين». فبعد أن حشد النازيون كل قواهم لمواجهة الضغط الروسي المتصاعد»
407 .م ,3ع نال رعلصتصط' (1)
10 دما
الفصل الخامسن: التعاون بين الجماعات اليهوديمّ والنازييين
كان من الصعب أن يحققوا فكرة الحل النهائي بالاعتماد على رجالهم المرتدين الزي
الرسمي . في هذا الوقت» أدرك النازيون أنهم في حاجة للعمالة اليهودية» فتم توظيف
المجالس اليهودية كي تكون مسؤولة عن كل الأعمال التي تتطلبها عملية الإعداد للإبادة.
كان عليهم أن يقدموا قوائم بأسماء سكان الجيتو الذين سيتم ترحيلهم؛ وكان عليهم أن
يقوموا باختيارهم أولاً» ثم ينقلونهم إلى العربات . وفي حالة المقاومة أو الاختباء» كان
على الشرطة اليهودية أن تجد المتمردين وتجبرهم بالقوة على الامتشال للأوامر. ولم يفعل
النازيون أي شيء سوى المراقبة الموضوعية عن بعد.
فإذا كان اليهود سيُقتلون جملة واحدة وبضربة واحدة» لكان الاختيار أو عدم وجود
اختيار واضحًا ومفهومًا للجميع» ولكانت الدعوة إلى المقاومة العامة وإن كانت تعطي
أملاً ضعيفًاء هي رد الفعل الواضح - ولكان «السير كالأغنام إلى المذبح» هو البديل
الوحيد. لكن الآلمان رأوا أن الوضوح كان سيزيد من تكاليف العملية إلى حد كبير» وكان
سيصعب عليهم استغلال عقلانية ضحاياهم في حفر قبورهم بأنفسهم . ببساطة لم يكن
تعاون الضحايا أمرا تمكنًا دون ذلك . فقد كان استغلال عقلانية الضحايا حلاً أكثر
عقلانية» لذا كان الألمان يتجنبون الترحيلات الشاملة كلما أمكن» محبذين فكرة الترحيل
عاو سراحل
كان الألمان في المدن التي شهدت الإبادة على مراحل يطمئنون اليهود بعد كل «عملية»
أنها ستكون الأخيرة . . . وتعمد الألمان كل هذا الخداع والغعش خلال عملية الحل النهائي
من أجل التهدئة من روع اليهود المذعورين» والحيلولة دون انقلابهم» وإرباكهم تماما بحيث
لا يعلمون شيئًا عن حقيقة «إعادة التوطين» حتى اللحظة الأخيرة. وكان النزوع الفطري
إلى حماية الذات هو ما جعل اليهود يستبعدون فكرة التدمير الوشيك ويتعلقون بأية بارقة
أمل» وكان ذلك يصب في مصلحة الجلادين "١7 .
سرعان ما حولت بعض المدن الصغيرة فى المناطق الغربية من الاتحاد السوقييتى إلى
عحح كل الل القواة الأ انتدوة سكاع إلى جو حيداك بسيتدة 1 انم اقرز ليهات
هتلرء ولذا لم تكن حربهم ضد الاتحاد السوقييتي مثل أي حرب أخرى - ففي هذه الحرب
. 407 . م مأفعدع نال ,علدسصط (1)
58
الحداثت والهولوكوست
كان كل شيء مسموح بهء ولم توجد أية قواعد تتبع . كانت القوات المسلحة الألمانية»
لاسيما قوات المهام الخاصة . تتصرف كما لو كانت القاعدة الوحيدة المتبعة هي «اقتل ما
استطعت إلى ذلك سبيلاً». فكان اليهود يساقون إلى أقرب غابة أو واد ويقتلون هناك
بالمدافع الرشاشة . لم يكن هناك نقص في المساعدة الأوكرانية وحماسهاء ولم تهن الجنود
المرتزقة «في الحرب التي ليست كأية حرب أخرى» . ولم يهتم الجنود بإنشاء مجالس يهودية
أو تعيين شرطة يهودية - بخلاف ما فعلوا في الأراضي البولندية من قبل - إلا في بعض
الأماكن المكتظة باليهود أو عندما كانت هناك حاجة ماسة للحرفيين اليهود. فأيثما كات
الجيتوات» كانت هناك حاجة لتعاون اليهود في حفر قبورهم بأنفسهم» ودائمًا كان يتحقق
ذلك .
أدركت المجالس اليهودية في مرحلة مبكرة إلى حد ما الهدف الحقيقي وراء
«الاختيارات» التي أمرت بالقيام بهاء أو على الأقل استطاعت أن تدرك هذا الهدف؛ رغم
أنها بذلت قصارى جهدها ألا تدركه. وأعلنت قلة قليلة من أعضاء المجالمن رفضها
الصريح بأن يتعاونواء والبعض انتحرواء وآخمرون ركبوا طوعًا شاحنات الترحيلات
المتوجهة إلى معسكرات.الموت بعد أن خدعوا الألمان الذين كانوا لا يزالون فى حاجة لبقاء
المضاء لسالس ايودي خا قية كناف آنا القالبة العطمى تنا ليسم :«العمليات
الأخيرة»؛ ولم يكونوا في حاجة إلى تقديم تفسير عقلاني لتصرفاتهم . كان التراث اليهودي
يمنع التفاوض من أجل بقاء البعض على قيد الحياة على حساب آخخرين17؟2» ولذا كانت
)١( يقول موسى بن ميمون :)017١ 5 -١170( «لو أن الوثئنيين خيروا البهود وقالوا: أعطونا واحدا منكم وسنقتله
وإلا سنقتلكم جميعاء فعليهم أن يختاروا أن يموتوا جميعا ولا أن تزهق روح يهودي». ويتضح هذا المبدأ أيضا
في «أصول التوراة» و#فصول من الآباء» (2701 111661) كما تروي القصة التالية : «جاء رجل إلى الملك رابع
(1658) وقال له إن حاكم مدينتي أمرني بأن أقتل فلاثاء وإذارفضت سيقتلنى . فقال له رابع «فلتقتل ولا
تقتل ؛ أتعتقد أن دمك أكثر حمرة من دمه؟ ربا دمه هو أكثر حمرة من دمك .» وثمة قصة أخرى في التلمود
منكم نقتله وإلا سنقتلكم جميعًاء وكان على اليهود أن يقتلوا جميعًا ولا أن يتخلوا عن روح من بني إسرائيل» .
وفي حالة اختيار الأعداء لشخص بعينه للعقاب تنقسم الآراء» لكن حتى في هذه الحالة يشير التلمود
اليروشلمي إلى التصرف في ضوء هذه القصة (تروموت: م :)[١ «صدر أمر بالقيض على الحاخام أله بار
كوشف» فهرب واستجار الحاخام يشوع بن لاوي فأجاره. فأنت قوات الشرطة» وحاصرت المدينة » وقالت
«إذا لم تسلمه لناء سندمر المدينة» . فذهب يشوع إلى أله بار كوشف» وأقنعه بأن يسلم نفسه. وكان إيليا يظهر-
ةوطم اق .8603001 مار
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والنازيين
التبريرات تُستمد من التراث الشعبي الحديث وعصر العقلانية» وكان يتم تغليفها بمفردات
التكنولوجيا الحديثة. كانت لُعبة الأرقام هي بالطبع الأكثر نفعًا: فحياة الكثرة أفضل من
حياة القلة» وقتل القليل أقل بشاعة من قتل الكثير . كانت عبارة «كنا نضحى بالبعض
لإنقاذ الكثيرين» أكثر العبارات المتواترة ضمن الاعتذاريات المسجلة ونا المجالس
اليهودية:. وهذا انتقلاب عجيب في التفكير» وفيه يصبح الاستسلام إلى الموت دفاعًا
أخلاقيًا ونبيلاً عن الحياة: «نحن لا نقرر من سيموت» نحن نقرر فقط من سيعيش.2 لم يكن
كافيًا لعب دور الإله» بل أراد كثير من رؤساء المجالس اليهودية أن تخلد أسماؤهم كآلهة
تجزل العطاء وتوفر الحماية. فعندما سيق بآلاف من كبار السن والمرضى والأطفال إلى
الموت» قال رومكوفسكي في الرابع من سبتمبر عام ١957 : «لم يكن همنا كم سنفقد» بل
كم سننقة2170. وآخرون جَمُلوا أنفسهم بصور مجازية من عالم الطب الحديث وارتدوا
قمصان جراحين ينقذون ال حياة: «يضطر الجراح إلى بتر أحد الأطراف لإنقاذ الجسد» أو (إذا
اضطر الجراح أن يبتر ذراع مسموم لينقذ حياة شخص» فعليه أن يفعل ذلك . »
كل ما ذكرناه» وكل أحكام القتل تلك» كانت بمثابة إنجازات صنعها العمل الحديث
العقلاني بالتعاون مع القلب اليهودي الدافيء . ويبقى سؤال واحد يعذب حتى هؤلاء
المتورطين أصحاب الكم الأكبر في الاعتذاريات: إذا كان بتر الأطراف أمر حتمي» هل
علي أن أكون الجراح الذي يقوم بالعملية؟ وإذا كان لابد أن يفنى البعض من أجل بقاء
الآخرين» من أنا لأقرر من سيضحى به ومن أجل من؟
هذه الأسئلة عذبت العديد من أعضاء المجالس والرؤساء» حتى هؤلاء - ولاسيما
هؤلاء - الذين لم يرفضوا تقديم خدماتهم للنازيين» ولم يرغبوا في الهروب عن طريق
الانتتحار. ففي الوقت الذي اشتهر فيه رحيل آدم تشرنياكوف رئيس المجلس اليهودي في
وارسو بأنه رحيل مشرف,» ظلت قائمة المتتحرين طويلة» وكان يصعب حصر العدد الهائل
لأعضاء المجالس اليهودية الذين رسموا خطًا أحمر لا تسمح لهم أخلاقهم بعبوره. وها
-_ليشوع من حين لآخرء لكن منذ هذه اللحظة لم يظهر له ثانيةء فصام يشوع أيام عديدة حتى ظهر له إيليا أخيرا
وسأله : «هل علي أن أظهر إلى الوشاه؟». أجاب يشوع «أنا طبقت القانون»»: فأردف إيليا قائلاً: «وهل القانون
للقديسين؟» (المؤلف) .
. 423 .مر ,21 5025ل ,عتمتسا (1)
555
الحدائز والهوتلوكوست
هي بعض الأمثلة العشوائية. جاء الدكتور بيرجمان رئيس المجلس اليهودي في روفنو
وأخبر الألمان قبل انتحاره أنه لن يستطيع أن يرسل سوى نفسه وأسرته للترحيل أو ما يسمى
(إعادة التوطين». كما أن موتل تشايكين رئيس المجلس اليهودي في كوسافا رفض بازدراء
شديد عرض مأمور المدينة إنقاذ حياتة. أما ديقيد ليبرمان رئيس المجلس اليهودي في لوكو.
فقد أتي بنقود من عملية رشوة باءت بالفشل» وأخذ يمزقها ويلقي بها في وجه الأشرف
الألماني وهو يصيح «ها هو ثمن رحلتنا أيها الممستبد اللعين!» وقد قل ديقيد ليبرمان على
الفور. وعندما طلب النازيون إلى أعضاء المجلس اليهودي في معسكر اعتقال بياروزا
كارتوزكا أن يختاروا مجموعة من اليهود من أجل «العمل في روسياء » انتحروا جميعا في
اجتماع انعقد في الأول من سبتمبر لعام ١94557 .
أما من بقوا على قيد الحياة بسبب جبنهم أو شجاعتهم» فكانوا في أمس الحاجة إلى
إجابة أو عذر أو مبرر أو حجة عقلانية أخلاقية. كانوا دائما يختارون الحجة العقلانية» فنهي
الأكثر قبولاً وإقناعا. وبعد كل «عملية»» كان المسؤولون أمثال ياكوب جنز ورومكوفسكي
يشعرون بضرورة عقد لقاءات عامة مع سجناء الجيتو الباقين حتى يوضحوا لهم الأسباب
التي دعتهم إلى اتخاذ قرار بأن «يفعلوا ما فعلوه بأنفسهم» - في حالة ياكوب جنز» كان «ما
فعله بنفسه) يشير إلى إرسال 1٠١ من شيوخ جيتو أوشميانا وأطفاله إلى موقع الإعدام
وقتلهم بأيدي الشرطة اليهودية. كات الجمهور المذهول يشاهد عرضًا للفكر العقلاني
وحساب الأعداد : (إذا تركنا المهمة للألمان سيموت عدد أكبر بكثير»» وكان هذا الحساب
العقلاني يظهر على المستوى الشخصي : (إذا رفضت أن أتولى قيادة الأمورء سيضع الألمان
في مكاني شخصا أكثر قسوة وفسادا وستكون العواقب غير مأمونة بالمرة. » وهكذا يتحول
(المكسب» المحسوب بعقلانية إلى واجب أخلاقي . «نعم» إنه واجبي أن ألوث يداي»»
هكذا قال ياكوب جنزء القائد الذي نصب نفسه إلهًا على يهود جيتو قيلنا والقاتل الذي
مات معتقدا أنه المخلّص .
استمرت استراتيجية (إنقاذ ما يمكن إنقاذه» حتى دفن آخر يهودي في خندق من خنادق
أوكرانيا أو صعد مع دخان إحدى مداخن معسكر تربليتكا. هذه الاستراتيجية نفذها رجال
مسلحون بالتفكير المنطقي ومدربون على فن التفكير العقلاني . وكانت هذه الاستراتيجية
0
الفصل الخافس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والنازيين
ذاتها احتفالاً بالعقلانية أو انتصارً حاسم لها . كان يوجد دائمًا شخص أو شىء يمكن
إنقائوة رذلف كان روسداوانن ا مال لسرت بيساافة : وانقها أعضناء العالين الخيرقة
الذين كانوا يفكرون بمنطق وعقلانية أن يقوموا بوظيفة القتلة» وكان منطقهم وعقلانيتهم
جزءًا من خطة القتلة. فكان يقال دائمًا إن فرق القتل قليلة أو أن أسلحة القتل لم تكن
متوفرة دائماء لكن المنطق والعقلانية كانا موجودين دائمّاء ومن ثم فإن التعاون الفعال كان
موجودا دائمًاء وعلى أهبة الاستعداد وفي انتظار اللحظة التي يملأ فيها الفراغ» وكأن
الحكمة القديمة تكشف عن دلالتها الحديثة : «إذا أراد الله أن يهلك عبداء سلط عليه عقله) .
إننا نعلم الآن أن استراتيجية (إنقاذ ما يمكن إنقاذه» والمفترض أنها تتسم بالعقلانية لم
تسعف الضحاياء لكنها لم تكن استراتيجية الضحايا في المقام الأول» بل كانت ملحقا أو
امتدادًا لاستراتيجية التدمير التي كانت قوات الإبادة تخطط لها وتشرف عليها. أما من
اعتنقوا استراتيجية (إنقاذ ما يمكن إنقاذه» فقد كان مصيرهم كضحايا أمرا مقضيًا منذ
البداية» ومن حددوا الضحايا اختلقوا مواقف يمكن فيها إنقاذ أي شىء من أجل البقاء.
وهكذا انشغل الضحايا بحساب «تكاليف البقاء») لوتقليل العيرن ا واتعن اسار دافن
هذا الموقف. تصبح عقلانية الضحايا سلاح قاتليهم» ومن ثم تكون عقلانية المحكومين
سلاح الحكام .
عقلانية حماية الذات من الهلاك
اعتمد نجاح النازيين على دفع ضحاياهم إلى التصرف وفق حسابات عقلانية حتى
يحققوا مرادهم ؛ بمعنى أن نجاحهم اعتمد على تمكين أعضاء الجماعات اليهودية أو بعضهم
على الأقل من التصرف بعقلانية في وضع لاعقلاني على الإطلاق . هذا النجاح اعتمد
بدوره على محو الظروف الطبيعية من السياق الكلي» وتقسيم العملية إلى مراحل تؤدي
في نهاية الأمر إلى هلاك الجماعة المستهدفة» بحيث يبدو عند إمعان النظر في كل مرحلة
على حدة أنها تسمح باختيار واحد تحدده المعايير العقلانية من أجل البقاء. وبذلك فكل
الأفعال التي تؤدي في نهاية المطاف إلى ال حل النازي النهائي كانت عقلانية من وجهة نظر
منفذي الهولوكوست» وكان معظمها عقلانيا من وجهة نظر الضحايا أيضا .
اقتضى كل ذلك أن يبدو الأمر في ظاهره كما لو كان البقاء الانتقائي مهمة مرغوبة في
رقف
الحداثت والهولوكوست
معظم الأوقات» ومن ثم كان التصرف الذي يمليه الاهتمام بحماية الذات من الهلاك أمرا
عقلانيًا ومنطقيًا . ويمجرد أن يتم اختيار حماية الذات كمرجعية نهائية للفعل» يأخذ ثمنها
في الارتفاع تدريجيّاء ولكن بلا هوادة» حتى يضيع الإنسان قيمة كل الاعتبارات
الأخرىء وينتهك كل القواعد الأخلاقية والدينية» وينبذ كافة المباديء والمثل. قال
رودولف كاستنر آسمًا: «في بداية الأمرء طلب النازيون من المجالس اليهودية استباحة
أشياء مادية يمكن تعويضها مثل الممتلكات الشخصية والنقود والوحدات السكنية» ثم طلبوا
استباحة حرية الأشخاصء وفي النهاية طلب النازيون استباحة حياة البشر)(١2. وهكذاتم
استغلال عدم الاكتراث الأخلاقي الكامن في مباديء العقلانية أقصى استغلال. وهنا
ل ع ل ا ا بعد
أن ظلت هذه الموهبة خاملة طويلاً دون اختبارات حقيقية» وهنا أيضًا تظهر عقلانية حماية
الذات من الهلاك على أنها عدو الواجب الأخلاقي .
لقد أصدر المسؤول النازي الألماني عن مدينة زوكولي يوم عيد الفصح عام ١947
أوامره للمجلس اليهودي المحلى بأن يرسل كل الرجال اللأصحاء والأشداء في المدينة»
وعندما أعلن رئيس المجلس اليهودي فشل جهوده.
استشاط المسؤول غضبًا وضربه على رأسه ووجهه؛ ثم أخرج ساعة جيبه بانفعال شديد
وقال: (إن لم تأتوني بهم هنا خلال نصف ساعة سيموت كل أعضاء المجلس اليهودي رمي
بالرصاص!» وقد تسبب هذا التهديد في حدوث صدمة جديدة؛ إذ تغير رجال المجلس
فجأة» وهرعوا جميعا برفقة مساعديهم ومعاونيهم إلى طرقات الشتتل اليهودي» وأخذوا
ينتقلون من بيت إلى بيت» ويسحبون الجميع إلى الخارج . كبيراً كان أو صغيرا . لم يستطع
أحد أن يوقفهم . ثم جعلوا كل من سحبوهم إلى الخارج يضطفون في صفوف» وإذا اختباً
أحد «المتمارضين», تتعالى الأصوات» وتحذر الجميع بأ كبير الشباطين أسسية ويومن
سيعدم المجلس اليهودي بأكمله! في غضون خمسة عشر دقيقة» كان الشارع يعج باليهود
في طابور طويل مزدوج''.
خنع . م رأ هتسعوسل ,علصا (1)
عاط صا عنام اتقطع1 021 لص عمد عجتاءع2011) :م تتععوععء© أهواخ 10 وعمسمموء 1 طأولووء ل (2)
.75-6 .مم ,(1979 ,3ة0][ أ ماعاة عرولا بجن[3) كتمرءم)
1 دما
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديتّ والنازيين
تكررت هذه المشاهد باستمرار وعلى نحو مخيف في كافة الأرجاء الأوروبية الشاسعة
الخاضعة للحكم النازي . وكان أعضاء المجالس اليهودية ورجال الشرطة يواجهون اختيارا
بسيطاء فإما أن يموتوا هم أو أن يموت الآخرون. واختار العديد منهم أن يؤجلوا موتهم
وموت أقاربهم وأصدقائهم . فكان لعب دور الإله أسهل من خلال تقديم الآثرة والمصلحة
الشخصية على كافة الاعتبارات الأخرى .
من المستحيل أن نعرف كم تمن اختاروا «أن يلوثوا أيديهم» كانوا يطمحون في البقاء. إن
خيار الحياة والموت يضع غريزة حماية الذات في الاختبار الأصعب . فمن الظلم الحكم
على سلوك الإنسان في مثل هذه الظروف وفق مقاييس تتعلق بقرارات أقل مصيرية في
ظروف الحياة الطبيعية» حيث تحتد الصراعات بين الأثرة والإيثار» لكن الصراعات ليست
نهائية ولا تنطلب قرارات نهائية . كما أن معظم الصراعات الطبيعية تأتيى فرادى في محيط
لا يضطر فيه معظم الناس إلى اتخاذ قرارات متشابهة من حيث قوتها الأخلاقية - ومن ثم
تظل المعابير الأخلاقية شديدة الوضوح . هذا المحيط الطبيعي ذمر تمامًا داخل الجيتو
وألغيت كل الالتزامات الأخلاقية التي تتجاوز الأثرة خلال مراحل الجحيم . هذا الإجراء
اتبعته كل الإدارات البيروقراطية» ووصل إلى أبشع صوره» وكشف عن ماهيته بوضوح»
إذ كان يهدف إلى تحقيق الامتئال التام للظروف وتعطيل كل الضغوط الأخرى. بما في ذلك
الضغوط الأخلاقية. وقد تحقق تعاون الضحايا وفق خطة الطغاة بسهولة بسبب الفساد
الأخلاقي للضمحاياء إذ تيقن واضعو الخطة أن سكان الجيتو سيتحولون بمرور الوقت إلى
شركاء في القتل من خلال مواجهتهم بخيارات في اختبارات ينجو منها «الأفضل» بأيد
ملوثة» وهذا التورط سيزيد من البرود الأخلافي واللامبالاة حتى ينتهي الحال بدمار وفناء
كل المعوقات التي تقف في طريق غريزة حماية الذات .
بعد نهاية الحرب مباشرة» ظهر ماريك إدلمان» أحد القادة والثائرين القلائل في وارسو
تمن بقوا على قيد الحياة» وسجل ذكرياته عن «مجتمع الجيتوا :
العزل التام» وحظر الصحافة الخارجية» وقطع كل اتصال مع العالم الخارجي. كل هذا
كان له تأثير واضح على اليهود. فكل شيء يحدث على الجانب الآخر من جدران الجيتو
أخذ يبتعد شيئًا فشيئًا حتى أصبح غريبًا ومشوشا. وانصب اهتمام معظم سكان الجيتو على
عاق
الحدائتّ والهولوكوست
الأحداث اليومية الخاصة بالمحيط الذي يعيشون فيه. وأصبح البقاء على قيد الحياة هو أهم
شيء على الإطلاق» وأصبح كل فرد يفسر هذه «الحياة» بطريقته الخاصة ووفق الظروف
والموارد المتاحة . فهي حياة مريحة لمن كانوا أثرياء قبل الحرب» ومرفهة ومترفة للمتواطئين
مع الشرطة النازية والمهربين المنحطين» وهي هلاك من منظور أعداد مهولة من العمال
والعاطلين الذين كانوا يعيشون على إحسان من كسرة خبز وشربة ماء. كان كل فرد يتمسك
بهذه «الحياة» بطريقته . فكان من يملكون المال يرون الحياة رغد ومتاعاء فيبحثون عنها في
المقاهي المزعجة والمكتظة بالناس والملاهي الليلية وصالات الرقص . أما من لا يمتلكون شيئًا
فكانوا يقتنصون «السعادة» المتخفية في قطعة بطاطس متعفنة في سلة مهملات أو في قطعة
خب يلقيها عابر سبيل في الأيدي المدسولة أملاً في نسيئان الجوع ولو للحظة عابرة .
لكن الجبوع كان يزداد يومًا بعد يوم حتى طفح من داخل البيوت المزدحمة إلى الشوارع.
وكان يؤذي العين بمنظر أجساد منتفخة بشكل مخيف وأطراف متقرحة ومتقيحة تكسوها
شراذم متسخة وممتلئة بالجروح والالتهابات من لسعات الصقيع ونقص التغذية. كان الجوع
يتحدث من أفواه الأطفال المتسولين والشيوخ المعدمين» واستشرى الفقر حتى أن الناس
كانوا يموتون جوعا في الطرقات . كل يوم من الساعة الرابعة إلى الخامسة صباحًاء كان
الحانوتية أو متعهدوا دفن الموتى يجمعون عشرات الجثث المغطاة بالجرائد والمثبتة في مكانها
بالحجارة. كان البعض يتساقطون في الطرقات» والبعض يموتون في بيوتهم» كانت
أسرهم تجردهم من ملابسهم حتى يبيعونهاء وكانوا يلقون بهم بعد ذلك على الأرصفة
حتى يتكفل المجلس اليهودي بتكاليف الجحنازة . كانت العربات تسير واحدة تلو الأخرى في
الطرقات وهي ممتلئة بالجثث العارية . . . وفي الوقت نفسه» تفشت حمى التيفوس في
الجيتو . . . وكان كل جناح في المستشفى يستقبل ما يقرب من ١5١ مصاياء وكان يرقد
في كل سرير اثنان من المصابين وأحيانًا ثلائة» ولكن كان كثيرون يرقدون على الأرض .
وكان الناس ينظرون إلى المحتضرين بفارغ الصبر حتى يخلو مكان يضعوا فيه آخرين»
وكان يلقى بكل خمسمائة جئة في مقبرة واحدة؛ ولم تجد مئات الجثث مكانًا تدفن فيه»
وأخذت المقابر تنضح بما فيهاء فتفوح رائحتها الكريهة . . . أما الألمان فكانوا طوال
الوقت يحاولون تجميل الحياة المأساوية لليهود بمظاهر النظام والسلطة . فمنذ البداية» كانت
السلطة في يد المجلس اليهودي» ومن أجل الحفاظ على النظام تم استحداث شرطة يهودية
60317.15 8 نومام
المُصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديت والنازيين
نظامية . . . وكان الهدف من تلك الهيئات اليهودية إضفاء جو طبيعي على الحياة داخل
الجيتو» لكنها كانت في حقيقة الأمر أحد مصادر الانحلال والفساد الأخلاقي17) .
كان البون بين الطبقات داخل الجيتو شاسعًا مثل البون بين الحياة والموت . وبكل بساطة
كان البقاء على قيد الحياة يعني أن يغمض الفرد عينيه عن معاناة الآخرين» فيموت الفقراء
أولاً وعلى دفعات؛ كما يموت الضغفاء والمساكين والسذج والشرفاء والمستضعفين. من
اليوم الأول» انتشر الوباء».وشح الدواءء بعد أن تكدست أعداد رهيبة من الناس في
مساحة لا تستوعب أكثر من ثلث عددهم » وكانت معونات الغذاء لا تكفي للبقاء على قيد
الحياة: وكادت مصادر الدخل تكون معدومة. لقد أصبحت الحياة داخل الجيتو لُعبة
خاسرة» وأصبحت حماية الذات هي المراد الأوحد والأهم. ونادر ما كان للرحمة ثمن»
ونادرا ما كان يوضع في الحسبان ارتباط البقاء على قيد الحياة بالفساد الأخلاقي .
يظهر التفاوت بين الطبقات في أبشع صوره عندما لا يضمن الإنسان الحصول على
الطعام والمأوى» ويضير هذا التفاوت أكثر وحشية بمجرد أن يبدأ النزاع من أجل الحياة
القصيرة السابقة على الإعدام . حينذاك كان الفقراء لا حول لهم ولا قوة» بل لا يملكون
الدفاع عن أرواحهم : «فخلال عمليات إخلاء الجيتو» كانت معظم الأسر اليهودية غير
قادرة على المقاومة» غير قادرة على التضرعء غير قادرة على الهرب» وغير قادرة على
مجرد الانتقال إلى معسكرات الموت حتى ينتهوا من الأمر برمشه) بل لزموا بيوتهم
متجمدين وعاجزين بانتظار الغارات الْمخَلّصِة)7؟2. وتطاحن الأثرياء» وحاول كل منهم أن
يعرض ثمنًا أعلى من الآخر في محاولات فاشلة من أجل الوصول إلى بعض أطواق النجاة
التي كان النازيون يحرصون على إلقائها في طريق الشعوب المذعورة . وكانت قلة قليلة هي
التي تتذكر أن نجاة أحد الضحايا لا يعني سوى هلاك شخص آخر. كانت الشروات تعرض
رتسل اقلويعة اللأرقاةالنصبرية عور مالكها من «العجاية» لخاررة »وكات الميسايا بكرن
وراء أصحاب النفوذ وسلطة الحماية ويرشونهم . هذا المنطق ظهر بوضوح في «عملية» تمت
في ١9 يناير عنام ١1957 » واستطاع قلدزل فشلينجل» شاعر جيتو وارسوء أن يصفها
وصمًا يدمي القلوب :
. 12-14 .مم ,(1945 ,تلصدس8 .ك1 . © :جقدوسعه؟؟) :23ع21؟ مأأعط 0 ,ممساعلط عاتدكة (1)
1036 .م ,آآآ .701 ,كموق تامع رزو ع1 عط 4ه دمناع تصادع12 عط رعرع طلت8 (2)
يقفا
الحداثت والهولوكوست
الهواتف تحت اللحصار. أغيثونا! أغيثونا! أغيثونا! يحتشد أصحاب المقامات الرفيعة من
قوات شرطة الجستابو. ينادون فى معسكر السكة الخديدية : هل أحضروا القطارات؟ هل
اليد سو لك اراس و اد ب , . . ! السيد سكوسوفسكي! أغيثونا! أي مبلغ
من المال! !١٠٠٠٠١ كل ما تحتاجه! سأتبرع بنصف مليون من أجل عشرين شخص !
عشرة أشخاص! شخص واحد!
يمتلك اليهود الأموال! يستطيع اليهود أن يستغلوا نفوذهم! اليهود مستضعفون
وعاجزون! نحن نعلم كيف صنعوا ثرواتهم المشبوهة - وكيف يسعون الآن بين الطرقات
بحثًا عن الماء» وكيف يعرضون ملايينهم على الأوكرانيين» وكيف رحلوا بأموال تمكنهم
من إبقاء المئنات من المتكدسين فى المحطة على قيد الحياة لعدة أشهر . . . مازال هناك
بعض القلرل اللعورة عن الشية الأرينة بلوسنات قشف وناك يعض الكالنات لا أرقاه
لها وتقف بائسة وسط الركام . . .
تزداد ثروة دولة الرايخ .
ويموت اليهود7!),
كلما غَلَتْ قيمة الحياة» رَختصّت الخيانة فالرغبة العارمة في البقاء على قيد الحياة طغت
على كل القيم الأخلاقية» بما في ذلك الكرامة . وتربعت على العرش قيمة حماية الذات
في ظل التزاحم على البقاء كخيار لا يمكن الطعن فيه؛ فكل ما كان يخدم حماية الذات كان
دائمًا أمرا صبائبًا. وعندما تصبح الغاية الكبرى مهددة؛ فكل الوسائل مبررة. وأخذ
النازيون يطلبون من مجالس كبراء اليهود خدمات أكثر بشاعة» ولكن تغيرت كل قواعد
اللعبة هي الأخرى - حيث ارتفع ثمن الطاعة ومكافآتها. وظلت الخدمات مستمرة. وفي
التفاوض من أجل يوم زيادة على قيد الحياة» أصبح الحصول على وظيفة في المجلس
اليهودي أو الشرطة اليهودية أكثر أهمية من المال والماس .
هذا لا يعني أن المال والماس لا قيمة لهما لأن روايات الناجين تحكي عن الرشوة
والابتزاز والغش والمخداع كسمة ميزة لكثير من المجالس اليهودية أو على الأقل كسمة مميزة
للعديد من الأشخاص الذين استغلوا نفوذهم في لعبة الموت والحياة. لقد جمعت مبالغ
. خك , 49 ,46 . مم ,(1979 , /2110. :دجون /10) 102ق131331نا للاعم اوت 00 ,أععمعاج5 بعدة 1505 (1)
10 دما
الفصل الخامس: التعاون بنن الجماعات اليهوديتّ والنازيين
وثروات طائلة في مقابل خدمات أعضاء المجالس» سواء كانت هذه الخدمات تمنح مكانة
رسمية أو هوية مزيفة . وكانت الأمنية الكبرى غرفة في إحدى المباني الخاصة التي بنيت
خصيصًا لأعضاء المجالس والشرطة وعائلاتهم» كانت تلك المباني بالطبع محصنة من فرق
الإس إس ومخصصة لخدمة عمليات القتل المتتابعة . وكلما زادت المخاطرء واشتد اليأس»
زادت قيمة الصلاحيات التي لا يستطيع أن يدفع ثمنها من بين اليهود الأحياء سوى
الأثرياء .
إن سلوك المجالس اليهودية يعكس مدى الفساد الأخلاقي الذي كان متفشيًا في
المجتمع. كما أن الاضطهاد رفع من قيمة عقلانية جماية الذات» وبخس قيمة كل
الاعتبارات الأخلاقية» ونجح بذلك في تجريد الضحايا من إنسانيتهم . وقد تحقق كل ذلك
وكأنه نبوءة تحقق ذاتهاء إذ تبين أن اليهود يفتقرون إلى الحس الأخلاقي وصوت الضميرء
وأنهم يتسمون بالأنانية والجشع» وأنهم لا يقيمون وزنًا للقيم» وأنهم يستخدمون مذهب
النزعة الإنسانية الهيومانية كغطاء لمصالحهم الشخصية المحضة. وهكذا وضع اليهود تحت
ظروف غير إنسانية جعلتهم يتصرفون على نحو يثبت صحة ما كان يقال عنهم . واستطاع
المصورون في وزارة جوبلز تصوير مشاهد الشحاذين وهم يموتون جوعا أمام المطاعم
الفاخرة .
كان للفساد منطقه» إذ :نحدث على مراحل» وكانت كل مرحلة تمهد الطريق للمرحلة
التي تليها . بدا الفساد هكذا :
رفع نائب رئيس المجلس اليهودي في مدينة شيدليتسه مستوى معيشته على الفور .
فقد تغيرت أحواله عندما أصبح يمتلك مبالغ مالية طائلة فجأة وفرصا كثيرة أخرى. لقد
اعتقد أنه يمتلك سلطة لا حدود لهاء واستغل منصبه ليستفيد من المأساة الواقعة . وأخذ
نصيب الأسد من الأموال والمجوهرات التي اؤتمن عليها وتعهد أن يستخدمها في حالات
الطواريء عندما يستلزم الأمر دفع أموال للألمان. وعاش الرجل في راحة ورغد . .
ثم استمر الفساد هكذا :
جمع [رئيس المجلس اليهودي في زافيرتشيه] أربعين فردًا من عائلته ووضع أسماءهم
في قائمة العاملين المهرة» أثناء عملية «إعادة التوطين» التي تمت في أغسطس عام 19147 »
اعرف
الحداكىي والهولوكوست
وذلك عندما علم أن جميع اليهود باستثناء قلة قليلة من العاملين المهرة سيتم ترحيلهم إلى
معسكر أوشقيتس (وكان من المعروف آنذاك ماذا يعنى هذا) .
واننهى ١ لشساد هكد :
[في جيتو سكالات] عقد مولر قائد قوات الأمن النازية الخاصة صفقة مع تمثلي المجلس
اليهودي وقائد الشرطة في الجيتو الدكتور جوزيف بريف بأن يشتركوا في «العملية»» وذلك
بعد أن طمأنهم بأنه لن يصيبهم هم وعائلاتهم أي مكروه . . . وبعد العملية الشنيعة . . .
ذهب فريق من رجال الإس إس إلى المجلس اليهودي حيث قضوا وقنًا سعيدا. كان في
اتتظارهم مأدبة طعام . . . والتف المضيفون حول الموائد الفخمة يذلون أنفسهم كالعبيد
لإرقناء الضنوق تعالت الفحكاف» وعرقث الرسيقق :.وسغد الشيوف» بوغتواء
واستمتعوا بوقتهم. حدث كل ذلك بعدماتم حجز ألفيى شخص في المعبد اليهودي واختنقوا
من قلة الهواء» بينما حجز آخرون في المراعي على طرق السكة الحديدية في البرد القاتل(21 .
لم يستمر الأمر على هذا الحال» فالقطار الذي يسمى «حماية الذات» توقف في محطة
استنتاج
لو كان لديهم خيار» ما كان أعضاء المجالس ولا رجال الشرطة اليهودية ليركبوا قطار
تدمير الذات . لو كان لديهم خيار» لما ساهم أحد منهم في قتل الآخرين» ولما انغمس أحد
منهم في بركة الفساد. لكن لم يكن لديهم خيار. أو بمعنى آخر لم تكن الخيارات المتاحة
لهم من صنعهم . فقد قام معظمهم - حتى أكثرهم فسادا- بإعمال العقل والمنطق ومهارة
الحكم العقلاني في التعامل مع الخيارات المتاحة . لقد كشفت الهولوكوست بكل تبعاتها
البشعة تمييزًا بين عقلانية المشارك في العملية كظاهرة نفسية وعقلانية العملية ذاتها التي كان
يع قيانهها عااسسعفه للمشارك» وهنا يشبيت العتقل هاديًا ومرشء نسي ناه
العقلانيتان وتتداخلان . وبخلاف ذلك» يتحول العقل إلى سلاح انتحاري . إنه يدمر
الغاية منه» ويقضي على الالتزامات الأخلاقية والتي تُعتبر الضابط الوحيد والمنقذ الوحيد
للعقل .
. 4477-9 . مم ,هتدع تال رعلصتص 1 (1)
م 1/01 لدمتان
الفصل الخامس: التعاون بين الجماعات اليهوديسّ والنازيين
لايتوقف التقاء عقلانيتين - عقلانية المشارك وعقلانية العملية - على الفاعل» بل
يتوقف على زمان الفعل ومكانه» وهما يعتمدان بدورهما على خطوات وموارد لا دخل
للفاعل بها. فتلك الخطوات والموارد يوظفها المتحكمون في الموقف حقاء فهم القادرون
على جعل بعض الخيارات باهظة الثمن بحيث يصعب على الضحايا اختيارها في غالب
الأمرء وفى الوقت نفسه يضمن المتحكمون فى الأمر انتقاء جماعيًا متواترً للخيارات التى
تقربهم من أهدافهم وتعزز قوتهم. وهذه المقدرة لم تتغير» سواء أكانت أهداف الحكام
تخدم مصالح المحكومين أم تضر بها. وبسبب هذه القوة غير المتوازئة تمامّاء أصبحت
عقلانية المحكومين نعمة ونقمة في آن واحدء فريما تعمل لصالحهم» ورمما تدمرهم .
و 5 ٠ ٠ 7 5 3 3 ٠ 5 .اس
يمكن النظر إلى الهولوكوست بوصفها عملية مهمة ومعقدة تمثل نموذج العقلانية
البيروقراطية الحديثة» فكل شيء تقريبًا صمم ليحقق الفائدة القصوى بأقل تكاليف وجهود
مكلة. وأغلب الأشياء صممت في حدود الإمكان لاستغلال مهارات كل فرد وموارده»
بما في ذلك استغلال الضحايا أنفسهم» وكل الضغوط التي لا صلة لها بالهدف أو معادية له
جرى تحييدها أو إزاحتها خارج العملية تمامًا. واقع الأمر أن قصة تنظيم الهولوكوست يمكن
إدراجها فى أحد مقررات الإدارة العلمية» ولولا أن الإدانة الأخلاقية والسياسية لأهداف
الهولوكوست قد فُرضت على العالم من خلال الهزيمة العسكرية للقائمين عليهاء لكإن من
الممكن إدراج هذا التنظيم في أحد المقررات الدراسية» ولتبارى الباحثون المتميزون فى
إعداد بحث عنه» وتعميم التجربة حتى يفيد منها المتخصصون في التنظيم المتقدم لشؤون
الو
تنطوي الهولوكوست من وجهة نظر ضحاياها على دروس كثيرة» من أهمها عدم كفاية
العقلانية كمقياس أوحد لكفاءة التنظيم» ولكن لم يستوعب علماء الاجتماع هذا الدرس
تمامًا حتى الآن. وإلى أن يستوعبوا ذلك» يمكننا الاستمرار في البحث وتعميم التقدم
الهائل في فاعلية الفعل الإنساني والتي وصلنا إليها بفضل التخلص من كل المعايير
الكيفية» بما في ذلك المعايبر الأخلاقية» ونادرا ما توضع العواقب في الحسبان .
:؟
10010220
الفصل السادس
أخلاقيات الطاعة
-قراءة في تجارب ميلجرام-
10010220
المْصل السادس:؛ أخلاقيات الطاعت -قراءة في تجارب ميلجرام-
في غمرة تأثره بالحقاتق المفزعة التي كشفتها الهولوكوستء قال دوايت ماكدونالد عام
065 إنه يجب الآن الحذر تمن يحترمون القانون أكثر من ينتهكونه .
قزمت الهولوكوست كل صور الشر الموجودة في التاريخ أو الذاكرة» وتحدت كل
التفسيرات التقليدية لأعمال الشر عندما كشفت فجأة أن أبشع الجرائم في تاريخ الإنسان لم
تنشأ عن كسر النظام» بل عن اتباع النظام بشدة وبلا أخطاء. فلم تكن الهولوكوست جريمة
ارتكبها جماعة من الغوغاء» بل نقّذتها جماعة محترمة ومنظمة ترتدي زيًا رسمياء وتتبع
القانرن» وتتحرى الدقة فى تعليماتها. وسرعان مأ تبين أن أعضاء هذه الجماعة بمجرد أن
كانوا يخلعون زيهم الرسميء لم يكونوا من الأشرار بالمرة» بل كانوا يتصرفون مثلنا تمامًا .
فكان لديهم زوجات يحبونهن » وأطفال يدللونهم, وأصدقاء يساعدونهم ويهونون عليهم
وقت الشدة. والعجيب أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم بمجرد أن كانوا يرتدون الزي
الرسمي» كانوا يقتلون آلاف البشر رميًا بالرصاص وخخنقا بالغاز» أو كانوا يشرفون على
تنفيذ هذه الجرائم ؛ فلم يتركوا نساء كن زوجات حبيبات» ولا أطفالاً كانوا أبناء مدللين. يا
لها من جرائم بشعة! كيف استطاع أناس عاديون مثلي ومثلك أن يفعلوا ذلك؟ لا بد وأنهم
كانواء بشكل أو بآخرء أناسًا من نوع خاص» أناسًا مختلفين» أناسا غيرنا تمامًا؟ لا بد
وأنهم قد تملصوا من سيرورة الأنسنة والعقلنة التي يحدثها مجتمعنا المتحضر المستنير؟ أو لا
بد وأنهم كانوا جماعة فاسدة تلقت تعاليم فاسدة.» فنتج عن ذلك شخصيات مريضة
ومشوهة؟ أما إثبات خطأ هذه الافتراضات. فلم يكن ليقبله أبناء المجتمع الغربي على
الإطلاق.» ليس فقط لآن ذلك يبدد وهم الأمن الشخصي الذي تعد به الحياة فى المجتمعات
الغربية المتحضرة» بل ولأنه يضح التناقض المزمن وراء ما تدّعيه هذه الحياة من ورع
إن أخطر الحقائق المفزعة التى كشفتها الهولوكوست لا تدمثل فى إمكانية أن يحدث لنا
«هذا»ف. بل في إمكانية أن نفعل نحن (هذا» . هذا ال له ستائلي ميلجرام» عالم
النفس الأمريكي في جامعة ييل» عندما سارع إلى إجراء تجربة عملية لاحتمالات سلوكية
2320
الحداثي واله ولوكوست
تعتمد على الاستثارة الانفعالية . كما سارع ميلجرام إلى نشر نتائج التجربة عام 2١91/5
ولم تكن النتائج غامضة على الإطلاق . نعم » بإمكاننا أن نفعل هذه الجرائم البشعة» وربما
مازال ذلك بإمكانفا» لو كانت الظروق هبو ائية 37
لاا لوس ا وتم الجر با ررك لقيت وابلاً من
الهجوم . فقد وضع المتخصصون مناهجه العلمية تحت المجهرء ابام مبيه بل
وأثبتوا أنها مناهج مشينة! وحاولت الدوائر الأكاديمية بأي ثمن وبأية وسيلة» محترمة أو
غير محترمة» أن تدحض هذه النتائج المشؤومة وأن تنتقص من قيمتهاء بل ورأت أنه من
الأفضل أن نتغاضى عن الذعر الذي سببته التتجربة» وأن ننعم براحة البال والرضا عن
النفس . قال ميلجرام ردا على نقاده: «إنني مقتنع بأن معظم النقدء سواء عرفه الناس أم لم
يعرفوه. ينبع من نتائج التجربة . ولو كان كل مشارك في التجربة قد توقف عند إحداث
صدمة طفيفة أو متوسطة بالضحايا المفترضين» لكانت نتيجة التجربة مطمئنة» ومن ذا الذي
كان سيعترض عليها7''؟ كان ميلجرام محقًا بالطبع» وقاز ال )مهنا , صحيح أنه قد مرت
سنون عديدة على تجربته» لكن نتائجه التى يفترض أن تكون قد أدت إلى إعادة النظر كُلَّيةَ
في جميغ آلينات السلوك الإنساني مازال يستشهد بها الأكاديميون حتى الآن في معظم
المقررات التعليمية السوسيولوجية على أنها فضول ظريف, لكنه ليس مفيد إلى حد بعيد»
وليس له تأثير على صلب علم الاجتماع وحججه وبراهيئه . فإذا لم يتمكن الباحثون من
دحض تلك النتائج» فمازال بإمكانهم أن يهمشوها.
كل عادات التفكير القديمة تأبى الرحيل . فبعد الحرب بقليل» قام مجموعة من الباحثين
)١( أجرى ستائلي ميلجرام )١195 -١917( هذه التجربة بجامعة يبل» وكان عدد الذين أجريت عليهم +٠ ذكرا
أربعة دولارات ونصف لكل فرد منهم» وقيل لهم :إنهم سيشاركون في دارسة التذكر والتعلم بجامعة يبل» وأن
الهدف من التجربة معرفة تأثير العقاب في التعلم» لاسيما من خلال إحداث صدمات كهربائية بالمتعلم عندما
يخطيء» وخدع ميلجرام المشاركين وجعلهم جميعا يلعبون دور المعلم» بل وجعلهم يعتقدون بوجود صدمات
كهربائية حقيقة» وجرى تكتيف المتعلمين الذين كانوا يمثلون دور الضحية على جهاز الكرسي الكهربائي:
وبدأت اللعبة» وكشفت عن العدوانية البشرية النظامية [المترجم] .
سه دمدنللق :.دمدللا ,عسنلدع) 7570814 أم50 2 طذ لمسلتلللكصآ عط مسدجلكة3 برعاممد (1)
8 .م ,(1971 ,برعاوع117
طن )31م 20.116 وه | لدمتان
الفصل السادس: أخلاقيات الطاعتّ -قراءة في نتجارب ميلجرام-
وعلى رأسهم تيودور أدورنو بنشر كتاب «الشخصية التسلطية» . هذا الكتاب أصبح تموذجا
للبحث والتنظير» لكن أهميته لم تكمن في أنه يقدم أطروحات خاصة فكلها كانت محل
خلاف وثبت عدم صحتها بل في تصنيفه للمشكلة» واستراتيجية البحث . واتضح أن
إسهام أدورنو وزملاته أكثر قبولاً؛ إذ كان له صدى يتماشى جيد مع الرغبات غير الشعورية
لدى المثقفين. كان الباحثون» كما يوحي عنوان الكتاب» يسعون إلى تعليل سطوة الحكم
النازي والفظائع التي ارتكبها بوجود شخصية من نوع جاص ؛ وبوجود أشخاص تعودوا
على طاعة من هو أشد منهم قوة» وأشخاص كانوا يميلون إلى العنف والقسوة والغلظة في
التعامل مع الضعفاء . ولابد أن انتصار النازية كان محصلة لهذه التشكيلة العجيبة من
الشخصيات . لكن لماذا حدث هذا؟ هذا السؤال لم يجب عنه المؤلفون» ولم يرغبوا في
الإجابة عنه. فقد حرصوا على تجنب الإبحار في العوامل التي تنجاوز الأفراد والتي قد
تخلق شخصيات تسلطية» ولم يهتموا بقدرة مثل هذه العوامل على غرس السلوك التسلطي
في أشخاص ليسوا تسلطيين. فمن وجهة نظر أدورنو وزملائه» كانت النازية عانًا وحشيًا
لآن النازيين كانوا يتتسمون بالوحشية» والنازيون كانوا يتسمون بالوحشية لأن من يتسم
بالوحشية يتحول إلى نازي . وهذا ما أخذ يؤكده أحد أعضاء هذه الجماعة البحثية بعد
سنوات» عندما قال إن كتاب «الشخصية السلطية» يبرز محددات شخصية خالصة تتعلق
بالفاشية الكامنة والتعصب للعرق» ولايهتم بالتأثيرات الاجتماعية المعاصرة)(9) . ولا
تكمن خطورة معالجة أدورنو وفريقه للمشكلة في طريقة توزيع حصص اللوم على
الشخصيات التسلطية» بل في الفجاجة التي تم بها تبرئة ساحة بقية البشر جميعا . فقد
قسمت رؤية أدورنو العالم إلى نازيين متأصلين وضحاياهم . وبذلك أخفى أدورنو وزملاؤه
الفكرة السوداوية التي تقول إن أي إنسان متحضير من الممكن أن يصبح طاغية ما أتيحت له
الفرصة.» بل إنهم فرضوا حظرا على الشك بأن الضحايا أنفسهم قد يفقدوا جزءا من
إنسانيتهم وهم في طريقهم إلى الهلاك- هذا الحظر يتجلى أيضا في الغرائب والسخافات
المتطرفة التي تظهر في تصوير التليفزيون الأمريكي للمحرقة.
خطاء84 له عممء5 عط ص1 501015 ما ,"لع ستمسووعع1 معتسعتعها ث«مطاسه' ,عامط لسقط نظ (1)
رع0عطع01) هلثطةة ععدالا ع عنأمتقتن) تمقطعتظ . له ,'جاتلمصموعء2 مسمممالمطسة ع1" 1ه 0ه
194 .م (1954 ,ووععط عع:2 : . كلا
ا
الحداثت والهولوكوست
هذا الموروث الأكاديمي وهذا الرأي العام اتخذا حصوئًا دفاعية قوية» وعزز كل منهما
الآخرء لكن أبحاث ميلجرام تحدتهماء وأحدث ضجة عارمة عندما أثبتت أن الوحشية لا
يقوم بها أشخاص متوحشون.» بل رجال ونساء مثلنا يحاولون أن يعفوا أنفسهم من
الواجب الأخلافي. تحدى ميلجرام الموروث الأكاديمي والرأى العام عندما أثبت أن
الوحشية ترتبط ارتباطًا ضعيفًا بالسمات الشخصية للجناة» وأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعلاقة
جار ا ا ل ل ا
حياتنا اليومية : «فالشخص الذي يبغض السرقة والقتل والعنف من الممكن أن يجد نفسه
يقوم بمثل هذه الأعمال بسهولة نسبية عندما يؤمر بذلك . فالسلوك الذي لا يرضاه الشخص
الذي يتصرف بمحض إرادته من الممكن أن ينفذه بلا تردد من خلال الأوامر»7١2. وربما
يكون صحيحا أن هناك أشخاص يتصرفون بوحشية وبكامل إرادتهم دون أي إجبار
وبدوافع شخصية:. لكن من المؤكد أن السمات الشخصية لن تمنعهم من التصرف بقسوة
عندما يجدوا أنفسهم في موقف يدفعهم إلى أن يكونوا متوحشين .
يرى جوستاف لوبون أن المجتمع الغربي عقد العزم بألا يقر بإمكانية ارتكاب جرائم
وحشية بأيدي أناس متحضرين إلى في حالة وحيدة» ألا وهي لحظة انقطاع النماذج
الطبيعية العقلانية المتحضرة للتفاعل الإنساني : شرذمة قليلون التقوا بدافع الكراهية أو
الهلع» لقاء عارض بين غرباء» كل واحد منهم خخارج سياقه الطبيعي ومعطل لفترة
مؤقتة في فراغ اجتماعي » ميدان يعج بالناس» وصيحات هلع صاخبة تغتصب عرش
النظام والسلطة وتحدد مسار الأحداث . وهذا يعني أن الأفعال المرفوضة يمكن أن تحدث
فقط عندما يتوقف الإنسان عن التفكير. ؛ أي عندما يتزع غطاء العقلانية عن بوتقة
انفعالات بشرية غير متحضرة تنتمي إلى عالم ما قبل الحياة الاجتماعية . هذا هو ما دأبنا
على الاعتقاد به لكن نتائج ميلجرام قلبت الموازين. وعكست الاعتقاد القديم بأن
الإنسانية تتسم بالعقلانية» وأن اللاإنسانية تقتصر تمامًا على بعض الحوادث الانفعالية
العارضة .
-12915' :02008 ل) م11 21 الع تتا هع جدظط سة :15 امطاتسخ 10 ععدع1لع05) ,سدع للا رعلامداة (1)
.51 .م ,1974 ,عاءما
111/0 / دما
الفصل السادس: أخلاقيات الطاعتّ -قراءة في تجارب ميلجرام-
باختصار» افترض ميلجرام وأثبت أن اللاإنسانية مسألة علاقات اجتماعية» وأن قدرة
المجتمع على عقلنة العلاقات الاجتماعية وأنسنتها في إطار تعاقدي يقابلهما ترشيد وإتقان
تعاقدي في قدرته على إنتاج اللاإنسانية .
ربما يبدو الأمر تافهاء لكنه ليس كذلك. فقبل أن تظهر تجارب ميلجرام» تنبأت مجموعة
من المتخصصين وغير المتخصصين بما اكتشفه ميلجرام . واقع الأمر أن كل الذكور المنتمين
إلى الطبقة المتوسطة وعلماء النفس الأكفاء والمحترمين الذين سألهم ميلجرام عن توقعاتهم
لتتائج التجربة كانوا واثقين أن /٠١١ من المشاركين سير فضون التعاون عندما تزداد قسوة
الأعمال التي يؤمرون بهاء وأنهم سينهارون ويتوقفون عند نقطة معينة غير متقدمة إلى حد
ما. واقع الأمر أن نسبة المشاركين الذين أبدوا رغبتهم بعدم مواصلة التجربة أخذ يتناقص
إلى ما يقرب من »/17١ كما أن قوة الصدمات الكهربائية الظاهرية التي كانوا جاهزين
لاستخدامها كانت تفوق ما كان بإمكان المتخصصيين وغيرهم أن يتصوروه بثلاثة أضعاف .
اللاإنتسانية أحد توابع التباعد الاجتماعي
من أغرب نتائج ميلجرام التناسب العكسي بين الاستعداد للتصرف بوحشية والقرب من
الفحية. فمن الصعب أن نؤذي شخصًا نلمسه» وأسهل من ذلك إلى حد ما أن نوقع
الضرر بشخص نراه فقط عن بعد وأسهل من هذا وذاك شخص نسمع صوته فقط ». ومن
الأسهل تنام أن نتصرف بقسوة ووحشية مع شخص لا نراه ولا نسمعه.
فإذا كان إيذاء شخص ما يتضمن احتكاكًا مباشرأ به» لا ينعم المعتدي بالراحة التي
يضمنها عدم ملاحظة العلاقة السببية بين فعلته ومعاناة الضحية . فالعلاقة السببية واضحة
ومكشوفة تمامّاء والمسؤولية عن المعاناة واضحة هي الأخرى وضوح الشمس . وعندما
طُّلب إلى المشاركين في تجربة ميلجرام أن يمسكوا بأيدي الضحايا ويضعوها عنوة على
القطب الكهربائي الذي تمر به الصدمة الكهربائية» لبى الأمر /7١ فقط حتى نهاية التجربة»
وعندما طّلب منهم أن يستخدموا أذرع لوحة التحكم» ارتفعت النسبة إلى أربعين بالمائة
وعندماتم حجب الضحايا خلف الجدران في غرفة أخرى» بحيث لا يمكن سماع أي شيء
سوى صرخاتهم البائسة» ارتفعت نسبة المشاركين المستعدين لمواصلة التجربة حتى نهايتها
إلى 77,5 /. وعندما جرى كتم هذه الأصوات والصرخات. لم ترتفع نسبة المشاركة
16
الحداثيّ والهولوكوست
بشكل كبير»ء حيث وصلت إلى 565 / لا غير. وربما نستشف من ذلك أننا نشعر أكثر بمعاناة
الآخرين من خلال أعيننا ورؤيتنا للفمحية» وكلما زاد البعد الجسدي والنفسي عن
الضحية» كلمايي النضر تق بيو ووسقيا: لقد جاءت استنتاجات ميلجرام بسيطة
.
ومفلعة .
أية قوة أو أي ظرف يقف بين المشارك في التجربة والآثار المترتبة على إحداث الصدمات
الكهربائية بالضحية سيخفف من توتر المشارك» ومن ثم يقلل من عصيانه للأوامر. وفي
المجتمع الحديث غالبا ما يقف الآخرون بيننا وبين الفعل التدميري النهائي الذي نسهم فيه2!7.
واقع الأمر أن تحقيق الفعل عن طريق التوسط؛ بمعنى تقسيمه إلى مراحل متباعدة
ومتفرقة في التنظيم الهرمي للسلطة» وتقطيع الفعل عبر التخصصات الوظيفية» هو أحد
الإنجازات البارزة لمجتمعنا الغربي العقلاني . إنما اكتشفه ميلجرام يدل على أن عمليات
الترشيد والعقلنة تُسهل التصرف غير الإنساني والوحشي في عواقبه؛ إن لم يكن في
مقاصده أيضًا. فكلما كان تنظيم العملية عقلانياء كلما سَّهل إلحاق الأذى والضرر
بالآخرين- والاحتفاظ براحة البال والرضا عن النفس .
إن ابتعاد الجاني عن الضحية يجعل ارتكاب السلوك التدميري أكثر سهولة» ويعزى
ذلك إلى العامل النفسيء إذ لا يتعرض الجاني للعذاب النفسي الذي ينجم عن المشاهدة
اللباشرة لعواقب أفعاله. بل وربما يخدع الجاني نفسه ويتصور أنه لم تحدث أية كارثة على
الإطلاق» وهكذا يهرب من تأنيب الضمير . لكن العامل النفسي ليس هو التفسير الوحيد.
فالأسباب ليست نفسية فقط» بل هي اجتماعية أيضاء شأنها في ذلك شأن كل العوامل
الى تفسر السلوك البشري تفسيرا دقيقاء
إن وضع الضحية في غرفة أخرى لا يأخذه بعيدا عن الفاعل فقط» بل ويقرب المسافة
بين الفاعل والقائم على التجربة . وهذا يعنى وجود تواصل مبدثي أني بين الفاعل والقائم
على التجربة» وهو تواصل يستبعد الضحية . وفي المكان البعيد المنعزل» يصبح الضحية في
واقع الأمر إنسانًا غريبًا دخيلاً يقف وحيدًا جسدا وروحًا .
121 .م ,جا مطسخ مأ ععءمعتلعط0 مفو اناا )01
39 .م وال مطاسة مغ ععمعتلعط0 ,سديع 311 (2)
1 دما
الفصل السادس: أخلاقيات الطاعت -قراءة في نتجارب ميلجرام-
عزلة الضحية ليست مسألة عزل جسدي فقط» فهي تقترن بمعية المعذّبِين واستثناء الضحية
من هذا المعية (1086]7652658]) . صحيح أنه لم يق أنه في نجربة ميلجرام أكثر من ساعة
واحدة» لكن اتضح أن القرب الجسدي والتعاون المستمر - حتى ولو لفترة قصيرة - يميل
إلى خلق شعور جماعي يبلغ حالة من الكمال في إطار التضامن والواجبات والالتزامات
المتبادلة . هذا الشعور الجماعي ينتج عن العمل المشترك» لاسيما التكامل بين الأدوار
الفردية وتضافر الجهود حتى. تنحقق النتيجة المرجوة . ففي تجارب ميلجرام» كان الفعل
يوحد بين المشارك في التجربة والقائم عليهاء ويفصل بينهما وبين الضحية في آن واحد.
ولم يلعب الضحية دور الفاعل أو الذات الفاعلة أو المرؤوس على الإطلاق؛ بل كان دائما
الهدف الذي تصيبه الأضرار والمكاره» فتحول بكل وضوح إلى موضوع أو مادة مستهدفة
0ءزطه). في هذا الإطار» لايهم إن كان الموضوع أو المادة المستهدفة إنسانًا أو جماداء
ومن ثم توافقت عزلة الضحية ومعية امعين» وعزق كل منهما الآخر.
وهكذا نجد أن روح الجماعة التي يتسم بها الفعل التدميري تعزز تأثير العزل الجسدي
والنفسي . حتى ولو أغفلنا الفوائد المؤكدة لكل من الاقتصاد والكفاءة والتنظيم والإدارة
العقلانية» فإن الفاعل الذي يقوم بالفعل التدميري عضو في جماعة» وهذه الحقيقة لابد أن
يكون لها دور ضخم في تسهيل اقتراف الأعمال الوحشية التدميرية . فجزء كبير من الكفاءة
البيروقراطية القاسية المتبلدة يعود إلى عوامل أخرى غير التنظيم العقلاني الخاص بتقسيم
العمل أو سلسلة الأوامرء مثل التوظيف البارع للنزعة الطبيعية التوليدية للعمل الجماعي»
وهي نزعة يصاحبها دوما اهتمام برسم الحدود واستبعاد الدخلاء والغرباء . وبإمكان
المنظومة البيروقراطية أن تتحكم في نتيجة هذه النزعة» وأن تضمن أنها ستؤدي إلى هوة
سحيقة بين الفاعلين أو أعضاء المنظومة والمواد المستهدفة (60]5ز0)» وذلك من خلال
سلطتها في توظيف أعضائتها وتحديد أهدافها. وهذا يسهل بدوره تحويل الفاعلين إلى
أدوات للاضطهاد» والمواد المستهدفة إلى ضحايا .
التورط في الجريمة وصعوبة التراجع
كل من أتت قدمه في مستنقع دون قصد يعلم جيدا أنه لا مفر من الهلاك؛ فكل الجهود
المبذولة للخروج من المأزق تذهب أدراج الرياح» ولا تسهم في غالب الأمر في أي شيء
560١
الحداثت والهولوكوست
سوى الغوص أكثر وأكثر في الوحل . فالمستنقع نظام محكم البناء» ورغم أن الأهداف التي
تقع فيه تتحرك» فإن حركاتها دائما ما تزيد من «قوة الامتصاص الموحلة» التي يتسم بها هذا
النظام .
وتنطبق قوة الامتصاص الموحلة على الأفعال المتوالية في سلسلة واحدة» بمعنى أن درجة
تورط الشخص في الفعل وصعوبة خروجه منه تزداد تدريجيا في كل مرحلة. فالخطوات
الأولى سهلة:ولا تبعث على تأنيب الضمير الأخلاقي إلا على نحو بسيط يكاد لا يذكر. أما
الخطوات التالية فتزداد سوءا حتى تصل إلى درجة لا يمكن تحملها على الإطلاق» لكن ثمن
التراجع يزيد هو الآخر. ولذلك فإن الرغبة في عدم مواصلة الفعل في تجربة ميلجرام تكون
ضعيفة عندما تكون العقبات في طريق الانسحاب ضعيفة أو منعدمة . وعندما تزداد الرغبة
في عدم المواصلة» تزداد العقبات في كل مرحلة بقوة موازية. فعندما يشعر المشارك في
التجربة برغبة عارمة تحثه على التراجع» يكتشف أنه قد فات الأوان» وأنه لا مجال
للتراجع . وقد صنف ميلجرام الأفعال المدوالية في سلسة واحدة ضمن أهم «العوامل
الملزمة» (أي العوامل التي تقيد الفرد وتعوقه عن الحركة في الموقف). وتعزى قوة العامل
الملزم إلى التأثير الحاسم للأفعال السابقة التي قام بها الفرد.
هذه الآلية التي يعمل بها العامل الملزم وصفها جون سابيني وموري سيلقر وصما دقيقا :
يدخل الأفراد [المعلمون] التجربة وهم يعلمون أنه يجب عليهم التعاون مع صاحب
التجربة» فهم وافقوا على المشاركة» وأخذوا أجرهم» وربما أنهم يقرون أهداف تطوير
العلم؛ قيل للأفراد في تجربة ميلجرام أنهم سيشاركون في تجربة تهدف إلى اكتشاف طرق
تبعل التعلم أكثر فعالية. وعندما يسجل المتعلم أول إجابة خطأء يطلب من الأفراد أن
يحدثوا صدمة كهربائية بالمتعلم» شدتها ١5 قفولت» وهي صدمة غير مؤذية بالمرة» ولا
يدركها الحس أو العقل» ولا وجود لقضية أخلاقية عند هذه الصدمة . أما الصدمة التالية
فتكون أقوى بالطبع» لكنها لاتزال ضعيفة . وكل صدمة تزداد قوة عن الصدمة السابقة
عليهاء ولكن بزيادة طفيفة . وهكذا يتحول فعل الفرد تدريجيًا من فعل لا يلام عليه إلى
فعل لا يقبله الضمير الأخلافي . ففي أية مرحلة بالتحديد ينبغي على الفرد أن يتوقف؟.
وفي أية مرحلة يعبر الفرد الحدٍ الفاصل بين هذين النوعين من الفعل؟ وكيف للفرد أن
6030.17 6 لدمنام
المّصل السادس: أخلاقيات الطاعي -قراءة في تجارب مياجرام-
يعرف ذلك؟ من السهل أن ندرك أنه لابد من وجود سقف ماء لكن ليس من السهل على
الإطلاق أن ندرك أين ينبغي أن يكون هذا السقف .
لكن المعضلة الأهم تتمثل فيما يلى:
إذا قرر الفرد أن إحداث الصدمة التالية غير مقبول» وأن هذه الصدمة في كل الأحوال
أشد من التي قبلها بدرجة بسيطة» فما هو مبرره لإحداث الصدمة السابقة؟ فرفضه اتفاق
هذه الخطوة والسلوك الأخلاقي تشكك في أخلاقية الخطوة السابقة» وهذا أمر يضعف
موقفه الأخلاقي. لقد وقع الفرد في المصيدة بالتزامه التدريجي بالتجربة وقبول
شروطها(١؟.
وهكذا يتحول المشارك في التجربة إلى عبد تقيده أفعاله السابقة. ويبدو أن هذا قيد
الفعل المتوالي أقوى من كل العوامل الأخرى وأكثرها فاعلية وأهمية. بمعنى أن عدم الرغبة
في إعادة تقييم الأفعال السابقة وإدانتها سيظل حافزا قويا على مواصلة الفعل لفترة طويلة
حتى بعد أن يتلاشى «الهدف الأصلى» للفعل . فالمسافات الضئيلة وغير الملحوظة بين
الخطوات أوقعت الأفراد في مصيدة يعجز فيها الفاعل عن الخروج دون إعادة النظر ورفض
الحكم على أفعاله بأنها صائبة أو غير مؤذية على الأقل. هذه المصيدة تكشف عن مفارقة
مهمة : لا أحد يستطيع أن ينظف نفسه من الوحل دون أن يلطخ نفسه بهء وإذا أراد المزء أن
يخفي الوحل لابد وأن يغوص فيه للأبد.
هذه المفارقة يمكن تفسيرها من خلال ظاهزة شهيرة تسمى «تعاون المتهمين». فلا يوجد
رابط بين الناس أقوى من المسؤولية المشتركة عن فعل يقرون بأنه فعل إجرامي . ومن
البديهي أن نفسر التعاون بين المنهمين على أنه نوع من الرغبة الطبيعية في الهروب من
العقاب . ويرى المتخصصون في نظرية الألعاب واللعبة الشهيرة المسماة (معضلة السجينين)
أن افتراض أحد المتهمين بأن الآخر سيظل حريصا التعاون هو القرار العقلاني الأمثل. رغم
ذلك, لا نعلم إلى أي مدى يتأتي تعاون المنهمين إذا كان من اشترك من البداية في الفعل
ذ :ععمعاءعئده') #«معان) 15-2غ1؟ا أصعع0تتطة عط عملا جوم عاعع12 ,م17اذ تتناقللا ع تستطو5 . 2 صطول (1)
15583/5 :3015 ماع م2 320 , كمتتاعة7 ,05 كناك صل , لأمتلوء11010 عط 2ه يعو امطء :روممل0ه
-00120) قصطتطة 1 أطبظ عتعطممتسعظط :«ماأعستطعه؟1) ع1ق0كمادآة . 1 [ع10 . لع ,أدنتوع هده اجدللا عطا
. 342 .م ,(1980 ,صملكة1
520
الحداثي والهولوكوست
المنوالي هو فقط الذي سيتآمر لنزع التناقض وإعطاء بعض المصداقية إلى شرعية الفعل
الماضي رغم أن هناك دليل متنامي يشير إلى العكس . ولذا أرى أن «عاملاً ملزمًا» آخر
أسماه ميلجرام «التزام بحسب ظرف الفعل» هو إلى حد كبير أحد مشتقات مفارقة الفعل
المتواليى في سلسلة واحدة .
التأويل الأخلاقي للتكنولوجيا
تتميز منظومة السلطة البيروقراطية بتضاؤل الاحتمال بأن يكتشف الفاعل الشذوذ
الأخلاقي لأفعاله» وإذاما اكتشفه. فإنه يتتعرض إلى أزمة أخلاقية مؤلمة. في عالم
البيروقراطية» تتلاشى الاهتمامات الأخلاقية لدى الموظفين حيال مأساة المواد [الكائنات]
التي يستهدفها الفعل» بل تدفع البيروقراطية بهذه الاهتمامات في اتجاه آخرء ألا وهو إتقان
المهمة المطلوبة . فلا يهم مقدار ما تشعر به «المواد المستهدفة» أو ما تصير إليه؛ المهم هو مدى
مهارة الفاعل وذكائه في تنفيذ ما يؤمر به» أيَا كان هذا الأمر. والرؤساء هم السلطة الطبيعة
المثلى القادرة على القيام بهذه المهمة؛ فبوسعهم أن يحكموا سيطرتهم على المرؤوسين»
ويعطوا الأوامر» ويوقعوا العقوبات في حالات العصيان والتمرد» بل وأن يصدروا
الأحكام الأخلاقية؛ الأحكام الأخلاقية الوحيدة التي يتمركز حولها الحكم الذاتي
للمرؤوس على الأشياء .
ظل الباحثون يؤكدون أن نتائج تجربة ميلجرام ربما قد تأثرت بحقيقة أن الفعل التدميري
في التجربة تطلبته مصلحة العلم» وهو بلا شك سلطة علياء قلّما تكون محل خلاف.
وغالبًا ما تحظى بمكانة أخلاقية . لكن الحقيقة الخافية هي أن العلم هو السلطة الوحيدة التي
يسمح لها الرأى العام أكثر من غيرها بأن تمارس المبدأ المقيت الذي يقول بإن الغاية تبرر
الوسيلة . فالعلم صورة مصغرة كاملة عن انفصال الغاية عن الوسيلة» وهو انفصال يجسد
بدوره المثل الأعلى الذي يطمح إليه التنظيم العقلاني للسلوك الإنساني. عندئذ تصبح
الغايات» لا الوسائل» هي التي تخضع للتقييم الأخلاقي . لقد أخذ القائمون على التجربة
يردون على كل اعتراضات الأفراد المشاركين بصيغة رتيبة فاترة وجامدة: «لن يحدث أي
ضرر مستديم لأنسجة المواد البشرية المستهدفة». وكان هذا عزاء لأغلب المشاركين الذين
آثروا عدم التفكير في أية أسئلة أخرى لم تتعرض لها تلك الصيغة» فلم يسألوا عن الحكمة
61 6 لدمنارا
الفصل السادس: أخلاقيات الطاعتّ -قراءة في تجارب ميلجرام-
من إحداث ضرر مؤقت بالأنسجة أو عذاب الألم وبؤسه» كل ما كان يهمهم هو الاطمئنان
بوجود شسخص له سلطة «عليا» قد حدد ماهو مقبول وماهو غير مقبول من الوجهة
الأخلاقية .
في عالم السلطة البيروقراطية» تكتسب لغة الأخلاق مفردات جديدة» فهي تعج
بمفاهيم مثل الولاء والواجب والانضباط - وكل هذه المفاهيم تشير إلى الرؤساء على أنهم
الجهة العليا المسؤولة عن الأخلاق والسلطة الأخلاقية الأعلى في آن واحد. واقع الأمرأن
جميع هذه المفاهيم متداخلة» فالولاء يعني القيام بالواجب الذي يحكمه قانون الانضباط .
وعندما تتداخل هذه المفاهيم وتترابط» فإن قوتها تترسخ كمباديء وتعاليم أخلاقية»
ويصبح بإمكانها إبعاد كافة الاعتبارات الأخلاقية الأخرى وتعطيلها - خاصة القضايا
الأخلاقية التي لا تخدم مصالح نظام السلطة. هذه المفاهيم تضع إطاراً لاهتمامات
الإدارة» وتحتكر كافة الوسائل النفسية والاجتماعية المعتادة للانضباط الذاتي الأخلاقي .
وهنا يقول ميلجرام :. ١يتوقف شعور المرؤوس بالخزي أو الفخر على مدى الدقة التي أدى
بها الفعل الذي طلبته منه السلطة. . . ويتحول اهتمام الأنا العليا من تقييم صلاح الفعل أو
فساده إلى تقييم كفاءة الأداء أو ضعفه داخل نظام السلطة)17" .
السلطة البيروقراطية على عكس يتصور الكثيرون لا تعمل ضد المعايير الأخجلاقية
بذاتهاء ولا تستبعدها على أنها ضغوط عاطفية غير عقلانية تتناقض والعقلانية الرشيدة
للفعل الرشيد» بل إنها توظفهاء أو بالأحرى تعيد توظيفها في خدمة أهدافها. فالإنجاز
المزدوج الذي حققته البيروقراطية يتمثل في إصباغ التكنولوجيا بصبغة أخلاقية وإنكار
الأهمية الأخلاقية للأمور غير التقنية. إن تكنولوجيا الفعل» وليس جوهره. هي التي
يجري تقييمها بأنها جيدة أو سيئة» مناسبة أو غير مناسبة» صحيحة أو خطأ. وضمير
الفاعل يحتم عليه أن يعمل بجد» ويحثه على قياس مدى إتقانه للعمل وفق الدقة التي
يلتزم بها في طاعة القواعد التنظيمية» ووفق تفانيه في القيام بالمهمة كما يحددها الرؤساء .
إن ما عطل الضمائر «البالية» لدى المشاركين في تجربة ميلجرام وحال بينهم تمامًا وبين
التوقف عن مواصلة التجربة هو «الضمير البديل» الذي وضعه القائمون على التجربة من
146 ,142 . وم ,يال“«مطاسة م1 ععسعنقء05 ,سدع 311 (1)
5206
الحداثت والهولوكوست
خلال المناشدات والدعوات التى تحرص على «مصالح البحث» أو «احتياجات التجربة».
ناهيك عن التحذيرات من الخسائر التي قد يسببها عدم الالتزام بالتعليمات في وقتها. هذا
الضمير البديل جرى توظيفه في تجارب ميلجرام لفترة قصيرة؛ فلم تستمر أية تجربة فردية
أكثر من ساعة واحدة» لكنه أثبت فاعليته المذهلة .
لاشك أن إحلال أخلاقيات التكنولوجيا محل أخلاقيات الجوهر يجرى بسهولة من
خلال تغبير التوازة يق قرب الفاعل الرؤوس هن المواه التشرية الستهدفة وقريه مرح مصدر
السلطة في الفعل . فقد أثبتت ثبتت تجارب ميلجرام بشكل مدهش أن هناك علاقة متبادلة بين
فاعلية أخلاقيات التكنولوجيا وابتعاد الفاعل المرؤوس - الابتعاد الفني أكثر من الجسدي -
عن النتائج النهائية لأفعاله. على سبيل المثال» اتضح أنه عندما «لا يؤمر الفاعل المرؤوس
بضغط الزر الذي يصدم الضحيةء ولكنه يؤدي,.عملية ثانوية فحسب . . . قبل أن يقوم
فاعل مرؤوس آخر بإحداث الصدمة . . . استمر /ا7 من 4٠ من المشاركين في التجربة
حتى أعلى مستوى من الصدمات»» وهو مستوى مميز على لوحة التحكم ومكتوب عليه
(خطر جد - 707) . واس ستنتج ميلجرام من ذلك أنه من السهل من الناحية النفسية تجاهل
المسؤولية عندما يلعب الفرد دور حلقة وسيطة في سلسلة من أعمال الشر» وعندما يكون
بمنأى عن النتائج والعواقب النهائية للفعل(١2. والفاعل الذي يلعب هذا الدورء يرى أفعاله
على أنها أعمال تكنيكية تخدم ما قبلها وما بعدهاء إن جاز التعبير . فالأثر المباشر لأفعاله
هو الإعداد لمهمة تكنيكية أخرى - فعل شيء ما بالجهاز الكهربائي أو بالورقة الموجودة على
المكتب. وبذلك تختفي العلاقة السببية بين أفعاله ومعاناة الضحية» ويمكن تجاهلها بسهولة
نسبية» وهكذا لا يوجد أي منافس حقيقي لمفهومي «الواجب» و«الانضباط» .
المسؤولية العائمة
كان نظام السلطة في تجارب ميلجرام , بسيطاء ولم ينتضمن سوى مستويات معدودة.
وكان مصدر سلطة المشاركين المرؤوسين في التجربة؛ أى صاحب التجربة» هو القائد
الأعلى في النظام» وإن كان المشارك لا يدرك ذلك - فمن وجهة نظره؛ يعمل صاحب
التجربة هو الآخر كوسيط» وقوته موكلة من سلطة أعلى» سلطة عامة غير شخصية» ألا
11 .17,2 مطتاسط مغ ععدعتلع05) بسمج 8111 1)
0 0171.11 / دما
الفصل السادس: أخلاقيات الطاعت -قراءة في تجارب ميلجرام-
وهي سلطة «العلم» أو «البحث العلمي» . وبساطة التجربة لها مردود مباشر في الوضوح
الام للتدائج» حيث اتضح أن المشارك في التجربة قد عهد بسلطة أفعاله إلى صاحب
التجربة» فالسلطة تكمن في واقع الأمر في الآوامر التي يصدرها صاحب التجربة - وهي
سلطة نهائية لا تتطلب أي تفويض أو مصادقة من قبل شخصيات أعلى في هرم السلطة .
ومن ثم كان التركيز على استعداد المشارك في التجربة على التبرؤ من مسؤوليته عن
الأعمال التي قام بهاء بل وعن الأعمال التي كان سيقوم بها. هذا الاستعداد حسم الأمر
بتخويل صاحب التجربة الحق في طلب أشياء لم يكن للمشارك في التجربة أن يفعلها من
تلقاء نفسهء بل وأشياء لم يكن ليقوم بها على الإطلاق . وربما قد نشأ هذا التخويل عن
افتراض بأن هناك منطق غامض ومجهول لا يدركه المشارك فى التجربة» وأن الأشياء التى
يطلبها صاحب التجربة هي أشياء صحيحة حتى وإن كانت تبدو خطأ لمن تنقصه الخبرة .
وربما لم يبال أحد بهذا المنطق» لاسيما أن المشارك في التجربة لا يري أن إرادة الشخص
المخوّل بالسلطة تحتاج إلى تسويغ » فكان حق إعطاء الأوامر وواجب الطاعة كافيين.
والحقيقة الوخيدة التي نحن على يقين بها بفضل ميلجرام تتمثل في أن المشاركين في تجاربه
واصلوا القيام بالأعمال التي كانوا يدزكون أنها وحشية لمجرد أنهم أمروا بذلك من قبل
السلطة التي ارتضوها وعهدوا إليها بالمسؤولية المطلقة عن أعمالهم : «أكدت هذه التجارب
حقيقة مهمة» وهي أن العنصر الحاسم هو الاستجابة للسلطة» وليس بالأحرى الاستجابة
للأوامر الخاصة بإحداث الصدمات الكهربائية . وكل الأوامر الصادرة من خارج السلطة
تفقد قوتها . . . ومايفعله الأفراد ليس هو المحك, بل لمن يفعلونه17؟؛ وبذلك كشفت
تجارب ميلجرام عن الآلية التي تعمل بها إزاحة المسؤولية في صورتها الأولية الأصلية
الخالصة .
وبمجرد أن تنتقل المسؤولية مموافقة الفاعل إلى حق الرؤساء في إعطاء الأوامر يصبح
الفاعل عضواً وظيفيًا داخل البناء الاجتماعى”؟؟» وهى حالة يرى فيها الفاعل نفسه
كشخص ينفذ رغبات شخص آخر . والحالة الوظيفية نقيض الاستقلالية» وهي بذلك
. 104 .مب أنه طانرة 0غ ععوعزلع0 سدعولتل1ة 1)
133 .م , جاأسمطكسة مغ ععسعتلع20 سموالتالة (2)
كفنا
الحداثيّ والهولوكوست
لسلوك الفاعل» أي القوى التي تحرك شخصيته وتوجهه نحو الآخر في مكان محدد داخل
المنظومة الهرمية. في هذه ا حالة الوظيفية» يخضع الفاعل إلى توجيه السلطة العلياء ما
يعني أن الفاعل موظف السلطة .
لكن إزاحة المسؤولية عملية تمهيدية» ووحدة أحادية أو عنصر أساسي في عملية معقدة .
إنها ظاهرة تحدث في نطاق ضيق بين عضو وآخر داخل نظام السلطة. بين مرؤوس ورئيسه
المباشر. ولما كانت بنية التجارب التي أجراها ميلجرام تتسم بالبساطة» فلم تتمكن من
حصر نتائج وعواقب أخرى تنجم عن إزاحة المسؤولية. فقد استهدفت التجارب تركيز
المجهر على خخلايا أساسية لكائنات حية مركبة» ولذا لم تستطع أن تطرح أسئلة تتعلق
«بالكيان العضوي الكلي» فتبرز» على سبيل المثال» ما سيؤول إليه حال المنظومة
البيروقراظية إذا وشعت إزانحة السوولية بامعمر ار وعلى كافة مس بات السلسلة البرمية
للسلطة .
ويبدو أن التأثير الكلي لاستمرار إزاحة المسؤولية في كل اتجاه يفرز مسؤولية عائمة»
وهو وضع يكون فيه كل عضو من أعضاء المنظومة على قناعة بأنه قد كان رهن إشارة
شخص آخرء وسيكون ذلك هو جوابه إذا ما سئل عما فعل. والشخص الآخر سيقوم
بدوره بإزاحة المسؤولية إلى شخص آخر. ويمكننا القول بأن المنظومة ككل أداة لطمس
المسؤولية. فالعلاقات السببية في الأفعال النظامية تحجبها الأقنعة» وهذه الحقيقة هي أحد
أقوى العوامل الخاصة بفاعليتها. ويعزى ارتكاب كافة الأعمال الوحشية النظامية بكل
بسهولة إلى أن المسؤولية «سائبة»» وكل من له يد فيها يكون على قناعة بأن المسؤولية
تتحملها «سلطة مختصة» . هذا يعني أن المسؤولية العائمة لينست مجرد حيلة ومناورة تعقب
الكارثة وتّستخدم كمبرر مناسب حال توجيه اتهام بعدم أخلاقية الفعل أو الاتهام الأسوأ
بعدم شرعيته . إن المسؤولية العائمة هي صلب الأعمال غير الأخلاقية أو غير الشرعية التي
تتم من خخلال المشاركة المطيعة» بل والطوعية» لأناس يعجزون بطبيعتهم عن مخالفة
القواعد الأخلاقية. فالمسئولية العائمة تعني عمليا أن السلطة الأخلاقية في حد ذاتها قد
جرى إسقاطها دون مواجهتها أو إنكارها صراحة .
011/0 8 نومام
المصل السادس: أخلاقيات الطاعت -قراءة في تجارب ميلجرام-
تعددية السلطة وسلطة الضصمير
أجريت تجارب ميلجرام» مثل كافة التجارب الأخرى» في بيئة صورية صممت لخدمة
هدف محدد» وهي بيئة تختلف عن مجرى ال حياة اليومية في أمرين .
أولاً» كانت صلة المشاركين في التجربة بالمؤسسة - فريق البحث والجامعة - محدودة
ولغرض التجربة فحسب» وكان ذلك معروف مسبقًا» حبث تقاضي المشاركون أجرا على
مشاركتهم في التجربة لمدة ساعة» ساعة واحدة فقط . ْ
انيّاء في معظم التجارب كان المشاركون يتعاملون مع رئيس واحد يتصرف بعقلية
واحدة ثابتة» بحيث يرى المشاركون الأوامر التي تتحكم في سلوكهم على نحو ثابت
وموحد تجاه الهدف والغاية من الفعل . وهذان الشرطان لا يتوافران فى الحياة اليومية» ومن
ثم فإننا بحاجة إلى النظر فيما إذا قد أثر هذان الشرطان على سلوك المشاركين على نحو لا
نتوقعه تحت ظروف وملابسات عادية» وإلى أي مدى. وصل هذا التأثير.
الشرط الأول يختلف عن الحياة اليومية» وربما ظهر تأثير السلطة كما أوضحه ميلجرام
ببراعة على نحو أكثر عمقًا ودلالة إذا كان المشاركون في التجربة على قناعة بدوام صلتهم
ابالمئؤسسة»» أو على الأقل كانوا على قناعة بأن فرصة الانتماء الدائم كانت حقيقة.
ساعتها كانت ستظهر عوامل أخرى غابت عن التجربة لأسباب واضحة؛ مثل التضامن
والتعاون والشعور بالواجب المتبادل الذي 5 أعضاء فريق دائم يسعى لمواجهة مشاكل
مشتركة على مدار فترة طويلة من الزمن. هذه العوامل تخلق شعورا جماعيًا توجزه مقولة
«لايمكن أن أخذله», وهي تخلق أيضًا علاقات تبادلية واسعة في صورة خدمات يقدمها
عضو الفريق بلا مقابل للأعضاء الآخرين على أمل أن «ثرد» له فيما بعد أو أن يكسب بها
ود زميل أو رئيس ويستثمرها فيما بعد. والأهم من كل ذلك هو الروتين كسلسلة سلوكية
نغطية تمامًا تجعل الحساب والاختيار غير ضروريين» وهكذا يحمي الروتين الأنماط السائدة
للفعل من أي هجوم حتى في غياب أية تعزيزات أخرى . ويبدو على الأرجح أن هذه
العوامل وعوامل أخرى تماثلة تسهم في النهاية في تعزيز النزعات التي توصل إليها
ميلجرام» وهذه النزعات الناجمة عن وجود سلطة شرعية والعوامل المذكورة سابقًا تضيف
إلى هذه الشرعية والتي تزداد على المدى البعيد وتسمح بتطور النظام وظهور تماذج مركبة
غير رسمية للتعامل بين أعضاء الفريق .
506
الحداثت والهولوكوست
أما الشرط الثانى فيختلف أيضا عن الأحوال العادية» وربما كان لاستبعاده من تجربة
ميلجرام تأثيرا على استجابات الأفراد للسلطة القائمة على نحو لا نتوقعه في الحياة
اليومية. ففي الأحوال الصورية التي أحكمها ميلجرام بدقة» كان هناك مصدر واحد
للسلطة» مصدر أوحد ووحيد» ولم يكن هناك أية مرجعية أخرى تضاهيه - أو حتى فكرة
وشرعيتها اختبارا موضوعيا . كان ميلجرام يدرك تمامًا إمكانية التشويه الذي يمكن أن تحدثه
تلك السلطة الموحدة غير الطبيعية. وحتى يوضح ميلجرام مدى هذا التشويه أضاف
الأشخاص القائمين على التجربة» وقد تلقى القائمون على التجربة تعليمات بأن يختلفوا
في الرأي وبأن يتجادلوا بشأن الأوامر التي يصدرونها. كانت التتيجة غريبة حما؛ إذ
اختفت الطاعة العمياء الخانعة الملحوظة في التجارب الأخرى» ولم يبق لها أثر. ولم يعد
المشاركون في التجربة يقبلون على المشاركة في أفعال لا يرتضونهاء فلا يوجد ما يضطرهم
إلى إلحاق الضرر والمعاناة بالآخرين حتى وإن كانوا ضحايا مجهولين. فمن بين عشرين
مشاركا في هذه التجربة الإضافية تراجع واحد منهم ولم يواصل التجربة» وذلك قبل أن
ينشب اللخلاف المزعوم بين القائمين على التجربة؛ ورفض ثمانية عشر مشاركًا التعاون مع
أول بوادر الاختلاف بين القائمين على التجربة» أما المشارك الأخير فقد قرر عدم المواصلة
بعد ذلك بمرحلة واحدة لا غير : «فمن الواضح أن الخلاف في الرأى بين السلطات يشل
حركة الفعل تمامًا( ١ .
إن الدرس المستفاد من التعديل في التجربة ليس غامضًا. فالاستعداد للقيام بالفعل بما
يخالف الرأى السديد وصوت الضمير ليس عمل السلطة الرسمية المسيطرة وحدهاء بل إنه
نتيجة للتعرض إلى مصدر أحادي مطلق يحتكر السلطة . ويظهر هذا الاستعداد عادة في
استثناءات في التنظيم الخطي للسلطة. فى مثل هذه المنظومة» لا يوجد عضوان متساويان
في السلطة» مثل معظم الجيوش. والمؤسسات الإصلاحية» والأحزاب والحركات
الشمولية» وبعض الطوائف. والمدارس الداخلية . لكن فاعلية مثل هذه المنظومات تتوقف.
. 107 .م ,117 “ماسم 10 عع0161؟0) ,سدع 8/111 (1)
1110 أ نومام
المُصل السادس: أخللاقيات الطاعث -قراءة في نتجارب مينجرام-
على ترجمة أحد أمرين إلى واقع . فربما تعزل المنظومة أعضاءها تمامًا عن بقية المجتمع بعد
أن حازت أو اغتصبت السيطرة التامة على احتياجات وأنشطة الحياة الخاصة بأعضائهاء
وهي بذلك تشبه النموذج الذي رسمه جوفمان للمؤسسات الشاملة» ومن ثم فهي تقطع
دابر أي تأثير محتمل لمرجعيات تنازعها . أو ربما تكون المنظومة أحد فروع الدولة الشمولية
أو شبه الشمولية والتي تحول كل هيئاتها إلى صور طبق الأصل منها .
يقول ميلجرام: «عندما يكؤن لديك سلطة مطلقة دون أية ضغوط معارضة سوى
احتجاجات الضحاياء فاعلم أن لديك سلطة حقيقية . أما في الحياة الواقعية» فإنك بالطبع
را 0 لابد وأن ما يعنيه ميلجرام
«بالحياة الواقعية» هو الحياة داخل م- مجتمع ديموقراطي وخارج مؤسسة شاملة. أي الحياة
القائمة على التعددية. وإحدى ات ميلجرام هي أن التعددية أفضل دواء وقائي
ضد أناس أسوياء أخلاقيًا ويأتون أفعالاً شاذة أخلاقيًا. فلابد وأن النازيين قد دمروا آثار
التعددية السياسية قبل أن يشرعوا في ارتكاب جرائم على شاكلة الهولوكوست» وهي
جرائم كان لابد فيها من تقييم الاستعداد المتوقع لأناس عاديين بأن يرتكبوا أعمالاً غير
أخلاقية وغير إنسانية؛ واعتبار هذا الاستعداد من العوامل الضرورية والمتاحة أيضا. وفي
الاتحاد السوقييتي» لم ينطلق التدمير الممنهج لأعداء النظام» الحقيقيين والمزعومين. انطلاقًا
جديا إلا بعد تجفيف منابع الاستقلالية الاجتماعية» ومن ثم تجفيف التعددية السياسية التي
كانت تعكسها. فلولا القضاء على التعددية تمامّاء لتعثرت المنظمات ذات الأهداف
الإجرامية والتي تحتاج إلى ضمان طاعة أعضائها في تنفيذ أعمال غير أخلاقية» ولواجهت
عبء استحداث حواجز غير طبيعية مانعة تعزل الأعضاء عن تأثير «الوهن" الناجم عن
تنوع المعايير والآراء. وما أحوج الناس إلى صوت الضمير في خضم الصراع السياسي
الطبيعة الاجتماعية للشر
يمكن النظر إلى أغلب الدروس المستفادة من تجارب ميلجرام على أنها صور متعددة
لفكرة محورية» وهي ارتباط القسوة بنماذج معينة للتفاعل الاجتماعي أكثر من ارتباطها
. 96-7 . درم بللعسهن؟؟ لجأعه5 م صا هنل تلص عط!' مسمعع 5411 (1)
5
الحداثّ والهولوكوست
بالسمات الشخصية للجناة. القسوة في أصلها حالة اجتماعية أكثر من كونها سمة من
سمات الشخصية . وبالتأكيد يتصرف بعض الأشخاص بقسوة ووحشية إذا ما وضغوا في
بحي ينوع سلطة الفخوط اللاخلاقنة ورقبقي طورعية على اللجردمن الالطايتي. 0
حتى وإن بقيت شكوك بشأن هذه الفكرة بعد تجارب ميلجرام» فسرعان ما تبخرت
عندما ظهرت نتائج تجربة أخرى قام بها فيليب زيباردو(١. في هذه التجربة» جرى عزل
العامل المزعج المتعلق بسلطة المؤسسة المبجلة في كل زمان ومكان - العلم - والممثّلة في
شخص القائم على التجربة. فلا يوجد في تجربة زيمباردو أية سلطة خارجية معترف بها
ومستعدة لتحمل المسؤولية نيابة عن المشاركين في التجربة . فالسلطة النهائية والوحيدة في
تجربة زيمباردو كانت تتولد عن طريق المشاركين أنفسهم » وكانت الوظيفة الوحيدة لصاحب
التجربة هي بدء العملية بتوزيع المشاركين على مواقع وأدوار معينة داخل تموذج منظم .
كان مقدرا لتجربة زيمباردو أن تستمر لأسبوعين» لكن توقفت بعد أسبوع واحد خخوقًا
من إحداث ضرر بالغ بأجسام المشاركين وعقولهم. في هذ التجربة» جرت قسمة
المتطوعين على أساس عشوائي إلى فئتين: فئة تلعب دور السجناء وفئة تلعب دور حراس
السجن . وأعطي كل فريق ملابس رمزية , على سبيل المثال» ارتدى السجناء قبعات ضيقة
تشبه الرؤوس المحلوقة» وأردية فضفاضة تجعلهم يبدون كالحمقى . أما الحراس فقد أعطوا
ملابس رسمية ونظارات سوداء تحجب عيونهم عن نظرات السجناء . ولم يسمح لأي من
الطرفين أن ينادي الآخر باسمه» فكان التجرد من العواطف والأمور الشخصية هو القاعدة
المتبعة . وكانت هناك قائمة طويلة من القواعد التي كانت جميعها مهينة للسجناء وتجردهم
من كرامتهم الإنسانية. وهذه هي نقطة الانطلاق» وما تبع ذلك فاق براعة مهندسي
التجربة. فأداء الحراس لا حدود لهء وهم شباب من الذكور في سن الجامعة جرى
اختيارهم على أساس عشوائي» وجرى فحصهم.للتأكد من عدم وجود أي شيء غير
طبيعي في تصرفاتهم . وهنا تنطلق بكل واقعية سلسلة افترضها الباحث جريجوري
باتيسون» وهي «سلسلة قوية من الفعل ورد الفعل إلى أن تصل إلى درجة لا يمكن فيها
التحكم في الموقف». فالمكانة الصورية للحراس عززها خنوع السجناء» وهذا الخنوع
ا 1082 دعتتده 1071 أمسوساء مهلا ,ملعمدطصعت متلتطط عى ,كلصو 5نتكنن) ,لإعمدط عنهنن (1)
. 69-97 .مم ,(1973) 1 .701 ,لإعماممعء2 لمة تزع ه1مسصتستت 1ه لقصهناهل 021م تام معنم1 , 'سمستوظط
10 دما
الفصل السادس:أخلاقيات الطاعيّ -قراءة في تجارب ميلجرام-
شجع بدوره الحراس على إظهار قوتهم أكثر وأكثر ما انعكس تماما على زيادة إحساس
السجناء بالمهانة والإذلال الذاتي . . . حتى أن الحراس أجبروا السسجناء أن يغنوا أغاني
بذيئةء وأن يتغوطوا في دلاء لا يُسمح لهم بإقراغهاء وأن ينظفوا المراحيض بأيديهم .
وكلما واصل الحراس هذا الإذلال» تصرفوا وكأنهم مقتنعون تمامًا بعدم إنسانية السجناء
وقل شعورهم بأنهم مقيدون في ابتكار أساليب غير إنسانية أكثر قسوة وفظاعة .
إلى ما يشبه وحوش من العينة التي يقال:إنها توجد فقط في أماكن مثل معسكر أوشقيتس
ومعسكر تربلينكا. هذا التحول الكلى جعل بعض مراقبي التجربة يعتقدون أن معظم
الناس» إن لم يكن كلنا جميعاء يعيش بداخلهم فرد من أفراد فرق الإس إس وينتظر
الخروج في اللحظة المناسبة - يقول أميتاي إتزيوني إن ميلجرام اكتشف أن هناك «آيخمان
كامن» داخل كل رجئل عادي7١2. وقد سك جون شتينئر مصطلح «الإنسان النائم» ليشير
إلى القدرة الساكنة بطبيعتها على التصرف بقسوة ووحشية والتي تنشط في بعض
الأحيان.
يشير تأثير الناكم إلى سمة العنف الكامنة داخل بعض الأشخاص مثل المستبدين والطغاة
الخاصة بنمظ سلوكه» وتنشط السمات العنيفة الكامئة للشخصية. وكل الناس إلى حد ما
نائمون طاما أن لديهم استتعنداد كامن للعنف يكن استثارته تحت ظروف معينة7؟) ,
لكن شدة الوحشية التي أدهشت زيمباردو وزملائه قد صدرت بكل وضوح وبلا
غموض عن تنظيم اجتماعي فاسد ووحشي لا عن فساد المشاركين ووحشيتهم . واذا
انعكست الأدوار المسندة إلى المشاركين في التجزبة» فلن تختلف النتيجة النهائية . المهم هو
وجود قطبين متناقضتين » ولايهم من يقف على كل قطب . امهم أنه أسند إلى بعض
الأشخاص سلطة حصرية كاملة ومتطرفة. فإن كان هناك إنسان نائم داخل كل مناء ربما
01 7010111321 12461286101121 ,لطع نتوعدع 1 أدصدقء قلتلصوزة 1ه 354001 ذا ,تناماجا8 .ذخ توأاتحذ (1)
. 279-80 .مم (1968) .171 . 701 , لإتأقلطء ووط
مز أعجعز؟ امعاعه[مطء7كجمل50 م :10039 0ه «وملنعاقع 17 ك5 عطل" ,عمتعاذ .84 صطمل (2)
. 431 .م رقمم له أعمعءط لله , كحسناء1 ٠7 , 015 1151197ام
ذف
الحداثت والهولوكوست
يظل نائمًا للأبد إن لم توجد مثل هذه الملابسات والظروف أبدا» ولم نكن لنسمغ عن
وجود هذا الإنسان النائم على الإطلاق .
إلا أن أشد ما يُوْسَف له؛ السهولة التي ينزلق بها معظم الناس إلى الدور الذي يتطلب
القسوة أو على الأقل العمى الأخلاقي - فقط في حالة وجود سلطة عليا تدعم هذا الدور
وتضفي عليه شرعية . وبسبب التواتر المثير «للانزلاق إلى لعسبة الدور» في كل التجارب
المعروفة» كان مصظلع «الإتنان الدات بيد وكانه مجره بعد هنا نيزت قينا جنا
بحاجة إليه حتى نفسر الإيمان الجماعي بدين القسوة. لكن هذا المصطلح يصلح ماما
للإشارة إلى الحالات النادرة نسبياء وهي حالات يجد فيها بعض الأفراد القوة والشجاعة
اللازمة لمقاومة أوامر السلطة» حيث يرفضون تنفيذ هذه الأوامر باعتبار أنها تخالف
مبادئهم لاغير. فبعض الناس العاديين تمن يطيعون القانون ولا يعرفون التمرد أو المغامرة
يقفون أمام من يمتلكون السلطة» غير عابئين بالعواقب» بل يعطون الأولوية لضمائرهم,
مثل تلك الفئة القليلة الصامدة التي تصدت للسلطة الباطشة الظالمة» وخاطرت بأرواحها
من أجل إنقاذ ضحايا الهولوكوست . وربما نصيغ وقتنا في البحث بلا جدوى عن محددات
اجتماعية وسياسية ودينية تفسر لنا بروز هؤلاء وتميزهم» فضميرهم الأخلاقي الساكن
الذي كان لا يجد فرصة للنضال واستيقظ الآن -كان حقًا سمة من سماتهم الشخصية
وملكة نابعة من داخلهم - على العكس من اللاأخلاقية التي كان لابد أن تنتجها البنية
الاجتماعية .
كانت قدرتهم على مقاومة الشر (إنسانًا نائما» طوال حياتهم» وكان من الممكن أن تظل
نائمة للأبد» ولم نكن لنعرف عنها شيئًا . لكن قد يكون هذا الجهل نعمة .
10 دما
الفصل السابع
للاخلاق
10010220
الفصل السابع: نحو نظريت سوسيولوعيي للأخلاق
سأناقش الآن,بالتفصيل المشكلة التي نشأت في نهاية الفصل السابق» ألا وهي مشكلة
الطبيعة الاجتماعية للشرء أو بالتحديد إنتاج المجتمع للسلوك غير الأخلاقي . وقد أشرت
إلى بعض جوانب هذه المشكلة بإيجاز في الفصول السابقة» وكان من بينها الآليات
المسؤولة عن إنتاج اللامبالاة الأخلاقية أو إبطال شرعية الأسس الأخلاقية بوجه عام .
ونظراً للدور الرئيس الذي لعبته الطبيعة الاجتماعية للشر في ارتكاب جرائم
الهولوكوست. لا يكتمل أي تحليل للمحرقة دون دراسة شاملة للعلاقة بين المجتمع
والسلوك الأخلاقي. وقد زادت الماجة لمثل هذه الدراسة عندما أثبتت كل النظريات
السوسيولوجية الخاصة بالظواهر الأخلاقية عدم قدرتها على تقديم تفسير مقبول للمحرقة.
والغرض من هذا الفصل هو توضيح بعض الدروس المهمة من تجربة الهولوكوست والتي
يجب أن توضع لها نظرية سوسيولوجية مناسبة عن الأخلاق» بحيث تتحرر من الضعف
الذي يشوب النظريات القائمة . وسيتخذ هذا الفصل بعض الخطوات التمهيدية في صياغة
نظرية أخلاقية قادرة على التوفيق الكامل بين النتائج التي توصلت إليها دراسات
الهولوكوست؛ وأي تقدم نحققه في هذا الاتجاه سيكون تلخيصا مناسبًا للموضوعات
المحورية التجليلية المتنوعة في هذا الكتاب .
وضع الخطاب السوسيولوجي المباديء الأخلاقية في مرتبة غامضة وغير قابلة
للاستعمال. ولم يبذل الخطاب السوسيولوجي إلا النزر اليسير في سبيل تحسين مكانة
المباديء الأخلاقية» بل جرى العرف على تهميش قضايا السلوك الأخلاقي والاختيار
الأخلاقي. وأغلب السرديات السوسيولوجية تستغني عن الإشارة إلى المباديء الأخلاقية .
وهكذا يقندي الخطاب السوسيولوجي بنموذج «العلم» بوجه عام» وهو نموذج تحرر منذ
بدايته من الفكر الديني وما وراء الطبيعة من خلال تصميم لغة خاصة قادرة على خلق
سرديات كاملة دون أن توظف مطلقًا أفكار مثل الإرادة أو الغاية. واقع الأمر أن العلم هو
إحدى ألعاب اللغة التي تتبع قاعدة تحظر استخدام مفردات غائية (16160108128). صحيح
أن عدم استخدام مفردات غائية ليس شرطًا كافيًا لإنتماء جملة ما إلى عالم السرديات
العلمية» لكنه بالطبع شرط ضروري .
ينف
الحداثتّ والهولوكوست
اجتهد علماء الاجتماع في الالتزام بقواعد الخطاب العلمي» وكانت النتيجة أن المباديء
الأخلاقية والظواهر المتعلقة بها ظلت بلا مرسى في العالم الااجتماعي الذي أفرزته
السرديات السوسيولوجية المهيمئة؛ ووضعت له النظريات» وأجرت عنه الدراسات
والبحوث . فقد انصب جهد علماء الاجتماع على إخفاء التمييز النوعي للظواهر الأخلاقية
أو تصنيفها ضمن فئة من الظواهر التي يمكن دراستها دون الاستعانة باللغة الغائية . وأدى
ذلك إلى إنكار نظام وجودي مستقل للمباديء الأخلاقية» وإذاتع الاعتراف على الإطلاق
بالمباديء الأخلاقية كعامل منفصل في الواقع الاجتماعي » فإنها تأتي في مرتبة ثانوية تشير
إلى إمكانية تفسيرها من خلال ظواهر لا علاقة لها بالأخلاق - أي ظواهر تخضع تمامًا وبلا
غموض لعالجة غير غائية. واقع الأمر أن الموقف السوسيولوجي من دراسة المباديء
الأخلاقية أصبح مرادفًا لاستراتيجية الاختزال السوسيولوجي. إن جاز التعبير» وهو
اختزال يفترض أن كل الظواهر الأخلاقية في كُليتها يمكن تفسيرها على سبيل الحصر بلغة
الموسسات التي تمنح هذه الظواهر قوتها الإلزامية .
المجتمع مصنع للأخلاق
ثمة استراتيجية تقوم غلى التفسير السببي الاجتماعي للأسس الأخلاقية» بمعنى أن
تفسير السلوك الأخلاقي يتوقف ظروف اجتماعية وعمليات اجتماعية . هذه الاستراتيجية
تعود على الأقل إلى مونتيسكيو الذي رأى» على سبيل المثال» أن تعدد الزوجات ينشأ عن
سببين : إما زيادة عدد النساء ووجود فائض منهن أو الشيخوخة السريعة الملحوظة عند
النساء في أحوال مناخمية معينة . وهذه هي الأمثلة التي ربما تتداولها كتب التاريخ الآن
لتوضح في المقابل التقندم الذي حققه علم الاجتماع منذ نشأته. ولكن بوجه عام؛ ظل
النموذج التفسيري الذي تقوم عليه افتراضات مونتيسكيو متماسكًا لزمن طويل» وأصبح
جزءا أصيلاً من البديهيات العلمية الاجتماعية التي نادرًا ما تكون عرضة للشك أو
الاعتراض» وساد الاعتقاد بأن استمرارية نموذج أخلاقي ما دليل على وجود حاجة جمعية
ابتدعت هذا النموذج . وعليه فإن الدراسة العلمية للأخلاق ينبغي أن تهتم باكتشاف هذه
الحاجات» وأن تنظم من جديد الآليات الاجتماعية لضمان تلبيتها وإشباعها من خلال
فرض القواعد السلوكية .
1 دما
الفصل السابع: نحو نظريت سوسيولوجيت للأخلاق
تنب على قبول هذا الافتراض النظري واستراتيجيته التفسيرية مغالطات منطقية
ظهرت في أوضح صورها لدى العالم الآنشروبولوجي كليد كلكون الذي أصر على أن
المباديء أو العادات الأخلاقية ما كان لها أن تكون لو لم تكن وظيفية» أي لولم يكن لها
فائدة في إشباع الحاجات أو تهذيب التزعات السلوكيات التدميرية مثل تقليل القلق وتوجيه
السلوك العدواني الفطري الموروث» كما يتجلى في ظاهرة السحر في قبائل النافاهو. أصر
كليد كلكون على أن اختفاء الحاجة التي غرست بذرة المبدأ الأخلاقي وأمدته بأسباب الحياة
والبقاء يؤدي إلى اتختفاء المبدأ الأخلاقي ذاته . وبذلك فإن إخفاق المبدأ الأخلاقي في تلبية
الحاجة الأصلية سيؤدي إلى النتيجة نفسها . أما العالم الأنشروبولوجي برونسيلاف
مالينوفسكي فقد وصّف هذا التطبيق للدارسة العلمية للمباديء الأخلاقية توصيمًا بيغا
وأكد الأداتية الجوهرية للمباديء الأخلاقية وتابعيتها لما يسمي «الاحتياجات البشرية
الضرورية»» مثل الغذاء» والأمن» والحماية من سوء الأحوال المناخية .
أمادراسة إميل دوركايم للظواهر الأخلاقية فقد تحولت إلى قانون الحكمة
السوسيولوجية» وحددت معنى المعالجة السوسيولوجية السليمة في دراسة المباديء
الأخلاقية . رفض دوركايم ربط المباديء الأخلاقية بالحاجات البشرية» وانتقد بشدة الرأي
السائد القائل بأن الأسس الأخلاقية الواجبة في مجتمع ما لابد وأنها اكتسبت قوتها
الإلزامية عبر تحليل واع واختيار عقلاني. وفي معارضة واضحة للبديهيات الإثنوجرافية
السائدة» أكد دو ركايم أن جوهر المباديء الأخلاقية ينبغي أن نبحث عنه في قوتها الإلزامية»
وليس بالأحري في توافقها العقلاني والحاجات التي يسعى أفراد المجتمع لإشباعها : بمعنى
آخرهء المبدأ مبدأ» لا لأنه جرى اختياره لأفضليته في ترويج مصالح الأعضاء والدفاع
عنهاء بل لأن الأعضاء - من خلال التَعلّم أومن خلال العواقب الوخيمة المدرتبة على
المخالفة - يقنعوا أنفسهم بقوة سلطته وحضوره. رغم ذلك» لم يكن النقد الذي وجهه
دوركايم للنماذج التفسيرية السائدة ضد مبدأ «التفسير العقلاني» في حد ذاته» بل إنه لم
يقوض النزعة السوسيولوجية الاختزالية. ومن هذا المنطلق» لم يكن اختلاف دوركايم مع
النماذج التفسيرية القائمة سوى اختلاف بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فما ظهر على أنه
انشقاق جذري انتهى إلى مجرد تحول لبؤرة الاهتمام من الحاجات الفردية إلى الحاجات
4
الحداذي والهوتوكوست
الاجتماعية» أو بالأحرى إلى حاجة عليا وحيدة لها الآن الأولوية العظمى على كافة
الحاجات الأخرى» سواء كانت تَعرّى إلى أفراد أو جماعات» إنها الحاجة إلى التكامل
الاجتماعي . فكل نظام أخلاقي مقدر له أن يخدم البقاء المستمر للمجتمع . وأن يعمل على
الحفاظ على هوية المجتمع الذي يدعم القوة الإلزامية لهذا النظام من خلال تحقيق الاندماج
في المجتمع وفرض العقوبات التأديبية. فبقاء أي مجتمع يقوم على فرض قيود على
النزعات الطبيعية لدى أعضاء المجتمع - نزعات ما قبل اجتماعية أو نزعات لا يربطها رابط
بالحياة الاجتماعية . فالسبيل إلى بقاء المجتمع هو إجبار أعضائه على التصرف بطريقة لا
تتعارض مع الحاجة إلى الحفاظ وحلته .
على أي حال تسببت مراجعة دوركايم في إغراق الفكر السوسيولوجي الخاص بالمباديء
الأخلاقية في مغالطات منطقية أكثر من أي وقت مضى . فإذا كان الأساس الوجودي
الأوحد للأخلاقيات هو إرادة المجتمع» وإذا كانت وظيفتها الوحيدة هي المحافظة على بقاء
المجتمع على قيد الحياة» فهذا يعني أن الأجندة السوسيولوجية قد استبعدت ماما التقييم
الجوهري الحقيقي لدى منظومات أخلاقية أخرى . واقع الأمر أن اتخاذ التكامل الاجتماعي
كإطار أوحد للمرجعية التي يجري من خلالها الحكم الأخلاقي سيجعل من المستحيل عقد
أية مقارنة بين أنظمة أخلاقية متعددة والمفاضلة بينها. فالحاجة التي يخدمها كل نظام تنشأ
داخل المجتمع الذي يرعاهاء المهم هو وجود نظام أخلاقي في كل مجتمع » وليس جوهر
الأسس الأخلاقية التي يدعمها هذا المجتمع أو ذاك للحفاظ على وحدته وتكامله. وربما
نوجز أطروحة دوركايم في جملة واحدة: «كل مجتمع له أخلاقيات يحتاجها». ولما كانت
حاجة المجتمع هي النوهر الأوحد للأخلاقيات» تصبح كافة النظم الأخلاقية متساوية من
حيث المبدأ الذي يجري من خلاله قياسها وتقييمها على أساس مشروع -موضوعي
وعلمي- ألا وهو نفعها في إشباع تلك الحاجة .
بيد أن معالجة دوركايم للأخلاقيات تنجاوز تأكيده الآراء السائدة التي تري الأسس
الأخلاقية إفرازات اجتماعية . ولعل أكبر إسهام قدمه دوركايم للبحث العلمي/ الاجتماعي
هو تصوره للمجتمع كقوة تربوية فعالة. فهو يرى أن «الإنسان كائن أخلاقي ليس لشيء
سوى أنه يعيش داخل مجتمع»» وأن «الأخلاقيات بكل صورها لا توجد سوى داخل
01 11 0
الفصل السابع: نحو نظريتّ سوسيولوجييٌ للأخلاق
مجتمع»» وأن «الفرد يخضع للمجتمع» وهذا الخضوع شرط انعتاقه وتحرره؛ وأن حرية
الإنسان تكمن في الخلاص من القوى المادية العمياء التي لا تعقل» وأن الإنسان يحقق هذا
الخلاص عندما يتصدي لهذه القوي» ويعلي من شأن القوة الهائلة البارعة للمجتمع الذي
يحتضه ويحميه» وأن الإنسان عندما يضع نفسه تحت جناح المجتمع » يجعل نفسه إلى حد
ما تابعاله» لكن هذه التبعية تحرر الإنسان» ومن ثم لا يوجد تناقض في الأمر». تلك
المقولات وأخواتها في أعمال دؤركايم مازال لها صذئ حتى الآن في علم الاجتماع . كل
الأخلاقيات تنبع من المجتمع » وليس هناك حياة أخلاقية خارج المجتمع . فالمجتمع مصنع
ينتج الأخلاق» ويشجع السلوك الأخلاقي» ويهمش الفسوقء بل ويمنعه أو يقمعه.
وبديل القبضة الأخلاقية للمجتمع ليس استقلال البشرء بل سطوة الانفعالات الحيوانية .
وطالما أن الدوافع ما قبل الاجتماعية للحيوانات البشرية تتسم بالقسوة والعنف والأنانية»
فلابد من ترويضها وتطويعها إذا ما أريد للحياة الاجتماعية أن تبقى وتستمر. اترك الحبل
على الغارب» والذ عن القتر الما وعندها يرتد الناس إلى البربرية التي كانت
قوة المجتمع قد خلّصتهم منها بأعجوبة .
هذه الثقة القوية في قدرة المجتمع على السمو بالإنسان وتهذيبه وأنسنته تتناقض مع
إصرار دوركايم بأن الأقفعال الشريرة هي كذلك لأن المجتمع يحظرهاء لا أن المجتمع
يحظرها لأنها شريرة. إن صوت العالم المرتاب الهاديء الذي يسكن بداخل دوركايم
يفضح زيف كل الادعاءات القائلة بأن الشر له جوهر خخلاف نبذه من قبل قوة قادرة على
جعل إرادتها حكمًا إلزاميً . بيد أن الإنسان الوطني الأصيل والمؤمن الحق بسمو الحياة
المتحضرة وتقدمها لا يلك إلا أن يشعر بأن ما قد رفضه المجتمع هو شر بالفعل» وأن هذا
الرفض لابد وأنه كان عملاً يحرر الإنسان ويسمو بكرامته .
هذا الشعور يتوافق والوعي الذاتي بنموذج الحياة الغربية الذي حقق تفوقًا ماديا وضمن
هذا التفوق» وهو نموذج لا يملك إلا أن يحتفي بسمو المباديء التي أخلص لها. هذا
النموذج لم يكن «مجتمعًا في حد ذاته» أو مقولة نظرية مجردة» بل إنه المجتمع الغربي
الحديث الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق. والفضل يعود إلى الحملات الثقافية الصليبية
ففى
الحداثة والهولوكوست
التبشيرية التي شنها المجتمع الغربي الحديث المهووس "بأعمال البستنة)'١2» فهي التي بثت
الثتقة في النفس » وهذه الثقة هي التي جعلت تطبيق القانون يبدو وكأنه أنسنة للبشر وليس
بالأحرى عملية قمع نموذج إنساني على يد نموذج آخر . هذه الثقة نفسها هي التي أدت إلى
استبعاد كافة المظاهر الإنسانية التي لاا تخضع لقانون المجتمع, مكل التسيه والقوضى
خارج إطار المجتمع بوصفها مظاهر للبربرية والوحشية» أو في أحسن الأحوال» باعتبارها
نماذج تثير الشك وتشكل خطراً كامئًا. وها قد أضفت الرؤية النظرية في نهاية المطاف
شرعية على سيادة المجتمع على أعضائه ومنافسيه .
بمجرد أن نجح المجتمع الغربي في تزييف هذه الثقة وتحويلها إلى نظرية اجدماعية» ترتب
على ذلك عواقب هامة فيما يتعلق بقضية تأويل الأخلاقيات. فلا يمكن أن تطلق صفة
«أخلاقية» على الدوافع ما قبل الاجتماعينة أو الدوافع التي لا تراعي حسن المخالطة
الاجتماعية» ومن ثم أصبح من العسير الحديث بوضوح أو الاهتمام الجاد بالإمكانية التي
تفترض أن هناك على الأقل بعض النماذج الأخلاقية التي ربما تضرب بجذورها في وسائط
وجودية لا علاقة لها بالقواعد الاجتماعية. بل أصبح من العسير» دون حدوث أي
تناقض » مجرد إمكانية التصور أن بعض الضغوط الأخلاقية التي تنشأ من الحالة الوجودية
للإنسان وفق الحقيقة المجردة المسماة "الوجود مع الآخرين» ربما يمكن أن تُحيدها أو تطمسها
عوامل اجتماعية معادلة» أي أن المجتمع بالإضافة إلى «وظيفته الأخلاقية» أو على النقيض
منها ربا يعمل على الأقل عند الاقتضاء كة ة سكت صوثت الأخلاق).
ومادام علماء الاح لع سن وا لس بسح لولمه
خلال الآليات السببية التي إن أدت وظيفتها كما ينبغي تضمن «العرض الدائم للمنتج».
فإنهم يميلون إلى فهم الأحداث التي تتبهك الأخلاقيات الراسخة وتتحدى التصور العام
للخير والشر والسلوك الصالح والطالح على أنها نتيجة من النتائج الناجمة عن فشل
«صناعة الأخلاق» أو سوء إدارتها. ونظام المصنع هذا كان من أقوى الصور المجازية التي
نسح منها خخيوط النموذج النظري للمجتمع الحديث». كما قدمت الرؤية الإدراكية الخاصة
بالإنتاج الاجتماعي للأخلاقيات إحدى أفضل الأمثلة على تأث ه. وبذلك فإن وقوع أي
.4مك (1987 بذوععط تاه نعم لعطسدن) ونتعاءمطء ]سا هه 5م0غه[نزوعنا بمقلطنة8 استتسريع زم (1)
1110 دمثام
الفصل السابع: نحو نظرييّ سوسيولوحيت للأخلاق
سلوك غير أخلاقي يفسّر على أنه نتيجة عدم كفاية المعروض من الأسس الأخلاقية أو
عرض أخلاقيات خطأ أو عرض أسس لا تمتلك قوة إلزامية كافية . وهذا الخطأ يعزى بدوره
إلى أخطاء إدارية أو فنية وقع فيها (المصنع الاجتماعي للأخلاقيات» - أو إلى «العواقب غير
المتوقعة» الناتجة عن جهود إنتاجية ينقصها التنسيق أو إلى تدخل عوامل غريبة على النظام
الإنتاجي» أي عدم اكتمال التحكم في عوامل الإنتاج. وبذلك يصبح السلوك غير
الأخلاقي في النظرية الاجتماعية «انحرافًا عن التموذج»؛ وهو انحراف ينشأ عن غياب أو
ضعف «الضغوط التأهيلية للاندماج الاجتماعي»؛ أو عن اختلال أو تعطل الآليات
الاجتماعية التي وضعت لخلق هذه الضغوط7١2. وعلى مستوى النظام الاجتماعي» يشير
هذا التفسير إلى مشاكل إدارية عالقة» لاسيما مفهوم دوركايم عن انحلال البنية
الاجتماعية. وعلى المستويات الأدني» يشير هذا التفسير إلى عيوب المؤسسات التعليمية
وانهيار الأسرة أو تأثير مقاطعات متأصلة معادية للحياة الاجتماعية وذات ضغوط مضادة
لكل من الأخلاق والاندماج الاجتماعي . لكن في كل الأحوال» يفهم علماء الاجتماع
ظهور السلوك غير الأخلاقي على أنه تل لدوافع ما قبل اجتماعية أو دوافع لا علاقة لها
بالحياة الاجتماعية وهي تخرج فجأة من محابسها التي صنعها المجتمع» أو وهي تفر من
كهوفها المظلمة . فالسلوك غير الأخلاقي هو دائمًا عودة إلى حالة ما قبل اجتماعية أو فشل
في الانصراف عن هذه الحالة» وهو يرتبط دائما بمقاومة الضغوط الاجتماعية أو على الأقل
الضغوط الاجتماعية «القويمة»» وهو مفهوم يمكن تفسيره في ضوء نظرية دوركايم على أنه
مطابق لما يسمى النسق الاجتماعي» أي أنه مطابق للمعايبر السائدة والقيمة الوسطية. وبما
أن الأخلاقيات منتج اجتماعي » فإن مقاومة المعايبر والأسس التي يدعمها المجتمع بوصفها
معايير وقواعد سلوكية لابد أن تؤدي إلى حدوث أفعال غير أخلاقية .
تؤكد هذه النظرية حق المجتمع في فرض نموذج جوهري للسلوك الأخلاقي؛ وهذا
)١( ليست القنضية أحادية الأنظمة الأخلاقية أم تعدديتها » بل القول بأن أي معيار أخلاقي» حتى وإن كان تطبيقه
بسيطاء لابد وأن يكون له أصول اجتماعية» ولابد من تطبيقه بقواعد وعقوبات إلزامية في المجتمع . من خلال
هذا المنظور» تصبح اللاأخلاقية كل ماهو ضد المجتمع (أو بالعكس كل ما هو ضد المجتمع غير أخلاقي) ؛
وبذلك لم تسمح لغة دوركايم بوجود أي سلوك أخلاقي بلا أصل اجتماعي»؛ فالمقابل الوحيد للسلوك المنضبط
اجتماعيًا هو السلوك القائم على دوافع حيوانية غير آدمية (المؤلف) .
لشذا
الحداتن والهولوكوست
ينطبق على أي مجتمع » ومن وجهة نظر ليبرالية» على كل كيان جمعي اجتماعي» ليس
بالضرورة في حجم الجتمعات الأمية المألوقة: لكنه ينطبق على الأقل على كل كيان قادر
على دعم ضميره المشترك بشبكة من الإجراءات العقابية الفعالة. هذه النظرية تتوا
والممارسة التي من خلالها تدعي السلطة الاجتماعية بحقها في احتكار الحكم الأخلاقي .
فهي تقر ضمنيًا عدم شرعية كل الأحكام التي لا وجود لها في هذه الممارسة» لذا يصبح
السلوك الأخلاقي من الناحية العملية مرادقًا للخضوع والانصياع للقواعد التي تتقيد بها
ع
الاغلبية.
نتحدى الهولوكوست لمغالطات الحداثة الغربية
المغالطات المنطقية الناجمة عن اقتران الأخلاقيات بالانضباط الاجتماعى ريما تحمى
الممارسة اليومية لعلم الاجتماع من «أزمة النموذج» . فقلما يسبب تطبيق النموذج القائم أي
حرج؛ فالنسبية المنهجية المبنية على هذه الرؤية للأخلاق هي صمام الأمان الأخير عندما
تثير القواعد الأخلاقية المتبعة اشمئزازا وكراهة أخلاقية كبيرة . ومن ثم فإنها توظف أحدانًا
ذات تأثير مثير حتى تحطم قبضة النموذج المهيمن» وحتى تبحث عن أسس بديلة للمباديء
الأخلاقية . لكن القول بضرورة مثل هذا البحث ينظر إليه بعين الشك» وتبذل الجهود من
أجل صياغة عملية نقل التجربة المثيرة في شكل يسمح بتسكينها في النموذج القديم » وهذا
يتحقق عادة عبر أحد إجرائين : إما عرض الأحداث على أنها فريدة حقّاء ومن ثم فهي
ليست وثيقة الصلة تمامًا بالنظرية العامة للأخلاقيات - بخلاف تاريخ الأخلاقيات» مثلما
لا يستوجب سقوط نيازك ضخمة إعادة صياغة نظرية التطور - أو تذويبها في شكل أوسع
ومألوف لإفرازات أو عيوب ثانؤية بذيئة» لكنها طبيعية ومنتظمة:» في النظام المنتج
فهناك مهرب ثالث» وهو رفض السماح للدلائل القائمة بدخول عالم الخطاب الخاص
بعلم الاجتماع» ومواصلة المسيرة كأن شيئًا لم يكن
هذه الاستراتيجيات والخيل الثلاث وظفها الموقف السوسيولوجى تجاه الهولوكوست
باعتبارها أكثر الأحداث المثيرة من حيث المغزى الأخلاقي . وكما ذكرنا من قبل كانت هناك
محاولات مبكرة عديدة لسرد بعض أبشع حالات الإبادة الجماعية على أنها عمل قامت به
0
الفصل السابع: نحو نظرين سوسيولوحيت للأخلاق
شبكة ضخمة تتألف من أفراد كان ينقصهم الحس الأخلاقي وأفلتوا من القيود المتحضرة من
خلال أيديولوجية إجرامية غير عقلانية . وعندما تفشل هذه المحاولات بإثبات عقلانية
منفذي الجرائم وحكمتهم و«طبيعيتهم» من الوجهة الأخلاقية كما توضح أدق البحوث
التاريخية» يجري التركيز على تنقيح بعض الظواهر الشاذة القديمة أو صياغة تصنيفات
سوسيولوجية جديدة» بحيث يمكن إدراج الهولوكوست ضمنهاء ومن ثم يجري تلطيفها
وجعلها أمرا مألوقاء على سبيل المثال تفسير الهولوكوست في علاقتها بأمور مثل التحيز
والتحامل أو الأيديولوجية. وأشهر طرق دراسة الهولوكوست هو تجنب مناقشة دلائلها
تماماء فغالبًا ما يناقش علماء الاجتماع جوهر الحداثة ونزعتها التاريخية ومنطق الرسالة
الحضارية وآفاق الترشيد التقدمي للحياة الاجتماعية ومعوقاته كأن الهولوكوست لم
تحدث . وكأنه لا توجد أية مشكلة في أن الهولوكوست «تحمل شهادة على تقدم الحضارة
الغربية»7١2 وأن «الحضارة الغربية الآن تضم معسكرات الموت» وأن المزلان أحد نتائجها
المادية والروحية)7 .
بيد أن الهولوكوست ترفض هذه المعالجات السوسيولوجية الثلاث رفضًا تامّاء وهي
تشكل تحديًا قويًا للنظرية الاجتماعية؛ والقرار بتجاهل هذا التحدي ليس في أيدي الْنظّرين
الاجتماعيين أو ليس على أي حال في أيديهم وحدهم . فردود الفعل السياسية والقانونية
تجاه الجريمة النازية وضعت في الحسبان الحاجة إلى تسويغ حكم اللاأخلاقية الذي صدر على
أفعال عدد هائل من أناس تبعوا بإخلاص القواعد الأخلاقية الخاصة بمجتمعهم . فإذا كانت
التفرقة بين الصواب والخطأ والخير والشر والتي تتحكم فيها تمامًا المؤسسات الاجتماعية
وحدها قادرة على «التنظيم المبدئي2 للفضاء الاجتماعي تحت إشرافها - كما تجزم النظرية
الاجتماعية المهيمنة - فلم يكن هناك أساس قانوني لتوجيه تهمة اللاأخلاقية لهؤلاء
الأشخاص لأنهم لم يخرقوا القواعد التي تفرضها هذه المؤوسسات الاجتماعية. وربما
يساورنا الشك بأنه لولا هزيمة ألمانيا لم تكن الحاجة لمواجهة مثل هذه المشكلة لتظهر مطلقًا .
.م,(1978 ,تعمنمكة :علرم7؟ بوعل2) ورواكللة كه مسنتصصدت© عط ,متعغأعموطسج . آ المممطعتظ (1)
1 :0ع 5 1ع 5م13 م53) تأت طءكلتة 10 كمعغطءع03امة رطام سطوداعى مزع غقمعءطن1 . سآ لتقطعتآ1 (2)
324 .م,(1987 رذوعءط
نيف
الحداثنّ والهولوكوست
لم نكن لنسمع عن وجود مجرمي حرب ولاعن حق في محاكمة آيخمان وإدانته
وإعدامه ما لم يوجد مبرر ما لتصور السلوك المنضبط المتمسك بالقواعد الأخلاقية في ذاك
المكان وذاك الوقت على أنه سلوك إجرامي . ولم نكن لتتصور أن معاقبة هذا السلوك
تنجاوز انتقام المتتصرين من المهزومين ما لم تكن هناك أسس غير مجتمعية أو أسس تتجاوز
المجتمع . هذه الأسس تؤكد أن الأفعال المقيتة المدانة تتصادم مع المباديء القانونية
المفروضة:» بل ومع الأسس الأخلاقية التي ربما يعلقها المجتمع» لكنه لا يستخف بها
ويرفضها. ففي أعقاب الدمار الناجم عن الهولوكوستء اكتشف أصحاب الممارسة
القانونية» والنظرية الأخلاقية أيضاء أن الأخلاقيات ربما تصبح تمردا على المباديء التي
يؤيدها المجتمع» بل وتحديًا واضحًا للإجماع والتضامن الاجتماعي . فالنظرية
السوسيولوجية ترى أن مجرد فكرة الأسس ما قبل الاجتماعية للسلوك الأخلاقي تدل على
ضرورة تغيير جذري للتفسيرات التقليدية الخاصة بأصول الأسس الأخلاقية وقوتها
الإلزامية . وقد دافعت هانا أرينت عن هذه الرؤية باستماتة عندما قالت :
ما طالبنا به خلال هذه المحاكمات» حيث ارتكب المدعى عليهم جرائم «قانونية»» هو أن
يكون بإمكان البشر التمييز بين الصواب والخطأ حتى وإن كان كل ما يملكون هو ملكة الحكم
والتي يتصادف أنها تتعارض تمامًا مع ما لابد أن يعتبروه الرأي الذي أجمع عليه كل من
حولهم. ويظهر مدى خطورة هذه المسألة عندما نعلم أن الفئة القليلة التي كانت ١مزهوة»
ولم تثق إلا في ملكة حكمها لم تكن بأي حال من الأحوال ماثلة لهؤلاء الأشخاص الذين
ظلوا يتمسكون بالقيم القديمة أو تماثلة لمن كان الإيمان الديني يدلهم على الطريق . وطاما أن
المجتمع الراقي بأكمله خضع لهتلر بطريقة أو بأخرىء فإن المباديء الأخلاقية التي تحدد
السلوك الاجتماعي والوصايا الدينية- «لا تقتل!)- والتي توجه الضمير ذهبت كلها تقريبًا
أدراج الرياح . تلك الفئة القليلة التي كانت لا تزال قادرة على التدمييز بين الصواب والخطأ
اعتمدت بالفعل على ملكة الحكم لديها دون سواها بمنتهى الحرية ودون التقيد بقواعد يكن
أن تندرج تحتها المواقف الخاصة التي كانت تواجهها. وكان عليها أن تحسم كل موقف عندما
يطرأ عليها لأنه لم يوجد قواعد لهذه الأمور التي لم يسبق لها مثيل17' .
علولا بجعال]) للا له «اتلفصدظ عطا سه ا“تمرع ]1 ف ندع 521 تارعل 15 مممصطع1ظ8ا ,ألصعمة طممصسمدط (1)
. 2294-5 .مم ,(1964 ,ووععط وستكلاا
0.10 أ /زدمثام
الفصل السابع: نحو نظريتّ سوسيولوعيتّ للأخلاق
بتلك الكلمات المؤثرة أوضحت هانا أرينت قضية المسؤولية الأخلاقية عن مقاومة
الاندماج في المجتمع . فقد أسقطت المشكلة موضع النظر والخاصة بالأسس الاجتماعية
للأخلاق؛ ومهما كان الحل المطروح لهذه المشكلة» لا يمكن إضفاء الشرعية على سلطة
التمييز بين الخير والشر وقوته الإلزامية بإحالته إلى القوى الاجتماعية التي تجيزه وتفرضه .
وحتى إذا أدانت الجسماعة أو كل الجماعات السلوك الفردي» ربما يظل هذا السلوك
أخلاقيًا . والسلوك الذي يستحسنه المجتمع» كل المجتمع بأسره وبلا استثناء» ربما يظل غير
أخلاقي . فمقاومة قواعد سلوكية يقرها مجتمع معين لا ينبغي» ولا تستطيع؛ أن تحصل
على شرعيتها من خلال مباديء وأوامر بديلة وضعها مجتمع آخر» على سبيل المثال» من
التجربة الأخلاقية لماض رفضه النظام الاجتماعي الجديد وشوه سمعته. بمعنى آخرء
أصبحت مسألة الأصول الاجتماعية للسلطة الأخلاقية لا أهمية لها أخلاقيا.
تستند النظم الأخلاقية التي تفرضها علاقات اجتماعية إلى حياة اجتماعية مشتركة -
ومن ثم فهي نظم نسبية لا محالة في عالم تعددي ومتغير الخواص والعناصر. هذه النسبية»
رغم ذلك» لا تنطبق على «قدرة الإنسان على التمبيز بين الصواب والخطأ» ؛ فمثل هذه
القدرة لا بد وأن يكون لها أساس في مكان غير الضمير الجمعي للمجتمع . فكل مجتمع
يواجه مثل هذه القدرة وهي واقعة بالفعل» مثلما يواجه التركيب البيولوجي للإنسان
واحتياجاته الفسيولوجية ودوافعه النفسية. ويفعل المجتمع بهذه القدرة ما يفعله بكل
الحقائق الواقعية الصلبة العصية» فهو يحاول أن يقمعها أو أن يسخرها لتحقيق غاياته أو أن
يوجهها في اتجاه يراه مفيد أو غير ضار. فعملية الدمج في الحياة الاجتماعية تكمن في
توظيف المقدرة الأخلاقية - لا في إنتاجها. والمقدرة الأخلاقية التي يتم توظيفها لا تشمل
فقط بعض المباديء التي تتحول فيما بعد إلى أذاة سلبية للمعالحة الاجتماعية» بل وتتضمن
القدرة على مقاومة هذه المعاللجة والفكاك منها حتى يتتهي الأمر بسلطة الخيار الأخلاقي
والمسؤولية عنه إلى حيث كانا في البداية : الشخص .
وإذا وجدت هذه الرؤية للمقدرة الأخلاقية قبولاً» فإن مشكلات سوسيولوجيا
الأخلاق والتي تبدو في ظاهرها محسومة ومنتهية ستفتح أبوابها على مصراعيها من
جديد. فلابد من نقل قضية الأخلاق من المجرى المعقد للدمج الاجتماعي والتعليم أو
ب
الحداثت والهولوكوست
الحضارة - بمعنى آخر من «عمليات الأنسنة التهذيبية» التي يديرها المجتمع - ووضعها في
مجرى العمليات والمؤسسات القمعية التي تحافظ على النظام القائم وتسيطر على
التوترات» فتصبح قضية الأخلاق إحدى «المشكلات» التي ابتّدعت هذه العمليات
والمؤسسات من أجل التعامل معها وتسويتها أو تغييرها. وبذلك ربما تكشف المقدرة
الأخلاقية - موضوع هذه العمليات والمؤسسات وهدفها لا نتاجها - عن أصلها البديل .
وبمجرد أن يُرفض تفسير النزعة الأخلاقية على أنها دافع واع أو غير واع تجاه حل «المشكلة
الهوبزية»» لابد من البحث عن العوامل المسؤولة عن وجود المقدرة الأخلاقية في المجال
الاجتماعي لا المجتمعي . فالسلوك الأخلاقي لا يمكن تصوره إلا في سياق التعايش» سياف
(الوجود مع الآخرين»» أي في سياق اجتماعي» لكنه سياق لا يدين بظهوره إلى وجود
قوى تدريبية وإلزامية تتجاوز الفرد» أي ما يسمى السياق المجتمعي .
مصادرما قبل مجتمعية للأخلاق
قلما كانت الكيفية الوجودية للبنية الاجتماعية» بعكس البنية المجتمعية» في بؤرة اهتمام
الدراسات السوسيولوجية» بل عهد بهاعن طبب خاطر إلى الأنفرويولوجيا الفلسفية:
وكان ينظر إليها على أنها تُشكل في أفضل الأحوال الحد الخارجي البعيد للسوسيولوجيا.
ولا يوجد إجماع سوسيولوجي بشأن معنى الشرط المبديء الذي ينطوي على مفهوم
الوجود مع الآخرين» ومحتواه المتعلق بتجربة الوجود وعواقبه السلوكية؛ ذلك لأن الطرق
اللازمة لإضفاء مغزى سوسيولوجي على هذا الشرط لم تستكشفها الممارسة
السوسيولوجية على وجه تام .
إن أكثر التطبيقات السوسيولوجية شيوعا لا تعطي أهمية أو منزلة خاصة لمفهوم «الوجود
مع الآخرين»؛ أي الوجود مع الآخرين من البشر. هؤلاء الآخرون يذوبون في مفاهيم أكثر
شمولية مثل سياق الفعل وظروف الفاعل أو «البيئة» بوجه عام - تلك المناطق الشاسعة
حيث تقبع القوى التي تدفع اختيارات الفاعل باتجاه معين أو تُحد من حرية اخختيار الفاعل»
وهي قوى تحنوي على الأهداف التي تجذب عزم الفاعل» ومن ثم تمده بدوافع الفعل. ولا
يملك الآخرون امتيازات الذاتية التي تفصلهم عن بقية عناصر (سياق الفعل». أو بالأحرى:
هناك إقرار بالمكانة الفريدة للآخرين كبشرء لكن هناك صعوبة بالغة في رؤية هذه المكانة في
1 دما
الفْصل السابع: تحو نظريت سوسيولوحجيت للأخلاق
الممارسة كظرف يواجه الفاعل بمهمة فريدة من الناحية الكيفية . أما من الناحية العملية» فإن
#ذاتية» الآخر تتقلص إلى تكهن منقوص باستجاباته» ومن ثم تصبح قيدا تفرضه على
بحث الفاعل عن التحكم الكامل في الموقف والأداء الفعال للمهمة المطلوبة. فالسلوك
الشاذ للآخر البشري»؛ فى مقابل العناصر الجامدة غير الحية فى حقل الفعل»؛ مصدر
إزعاج» لكنه إزعاج مؤقت! فالتحكم التام من قبل الفاعل في الموقف يهدف إلى استغلال
سياق فعل الآخر بما يعزز احتمالية مسار معين للسلوك» وبالتالى اختزال مكانة الآخر فى
أفق الفاعل إلى وضع لا يمكن تهييزه تقريبًا عن بقية المواد الجامدة التي تسهم في نجاح
الفعل. ويمثل وجود الآخر البشري فى ساحة الفعل تحديًا تكنولوجياء فمن الصعب جد
الوصول إلى التحكم التام في الآخر واختزاله إلى مجرد عامل من العوامل التي يمكن
حسابها وتوظيفها في فعل له أهداف محددة. وربما يحتاج الفاعل أن يتقن مهارات خاصة
مثل الفهم» والبلاغة أو المعرفة بعلم النفس» وهي مهارات لا ضرورة لها أو لا طائل منها
عند التعامل مع الأهداف الأخرى في ساحة الفعل .
في إطار هذا المنظور العام» تُعالّج أهمية الآخر معالجة شاملة من خلال تأثيره في فرصة
الفاعل فى الوصول إلى هدفه . وتظهر أهمية الآخر بالقدر - وفقط بالقدر - الذي يقلل به
تقلبه وعدم استقراره من إمكانية تحقيق الغاية المرجوة على أكمل وجه. فمهمة الفاعل هى
أن يهبيء وضعا تنعدم فيه أهمية الآخر» بل وربما استبعاد الآخر تماما من الحسبان. ومن ثم
فإن المهمة وتنفيذها يخضعان إلى تقييم تقني لا تقييم أخلاقي» وتنقسم الخيارات المتاحة
للفاعل في علاقته بالآخر إلى خيارات فعالة وغير فعالة» خيارات مؤثرة وغير مؤثرة -
خيارات عقلانية وغير عقلانية - لا صائبة وخطأ أو صالحة وطالحة . إن الوضع المبدئي
الذي يشير إليه «الوجود مع الآخر' لا يسبب بذاته أية إشكاليات أخلاقية إلا إذا جرى دفعه
بضغوط خارجية. وأيَا كانت الاعتبارات الأخلاقية التي ربما تتدخل في هذا الوضع لابد أن
تأتي بالتأكيد من الخارج . ومهما كانت القيود التي من المحتمل أن تفرضها على اختيار
الفاعل فلن تصدر عن المنطق الداخلى لحساب الوسائل/ الغايات . ومن منظور تحليلى»
لابد أن توضع الاعتبارات الأخلاقية بحق وإنصاف بجانب العوامل اللاعقلانية» فعندما
بخضع «الوجود مع الآخر» لأهداف الفاعل تمَامّاء تصبح الأخلاق تطفلاً غريبًا وتدخلاً
أحنيا:
و
الحداثة والهولوكوست
ربما يوجد تصور بديل لأصول الأخلاق في التحليل الشهير الذي طرحه سارتر لعلاقة
الأنا/, الآخر بوصفها الشكل الوجودي الجوهري؛ لكن ليس من المؤكد أن طرح سارتر
ينطوي على تصور بديل لأصول الأخلاق. ولو ظهر حقًا تصور للأخلاق من تحليل
سارتر» فهو تصور سلبي؛ إذ تظهر الأخلاق على أنها قيد لا واجبء وإكراه لا حافز.
وفي هذا النقطة- هذه النقطة فقط لا تيع عد التفيميتات السارثرية عن التفسير
السوسيولوجي للأخلاق .
يكمن التحول الجذري في تمييز الآخر (البشر) عن بقية العناصر التي تقع في أفق الفاعل
كوحدات تتمتع بمكانة ومقدرة مميزة من الناحية الكيفية. فمن وجهة نظر سارتر يتحول
الآخر إلى الأنا الأخرى» إلى أخ في الإنسانية» إلى ذات فاعلة تتمتع بذاتية أستطيع أن أرى
أنها نسخة مطابقة لتلك التي أعرفها من خلال خبرتي الداخلية , هناك برزخ يفصل الأنا
الأخرى عن بقية موضوعات العالم» الحقيقية أو المتخيلة . هذه الأنا الآخرى تفعل ما
أفعل» فهي تفكرهء وتُّقيّم الأشياء» وتنجز المشروعات,ء وأثناء قيامها بكل هذا تنظر إلي
كما أنظر إليها. وبمجرد النظر إلي يصبح الآخر حدا لحريتي. إنه الآن يغتصب حق
التعريف بي وبأهدافي» وبالتالي يقوض انفصالي واستقلالي» ويهدد هويتي وإحساسي
بالوجود في داري في العالم . إن مجرد وجود الأنا الآخرى في هذا العالم يصيبني
بالخزي» ويسبب لي هما وكربا دائمين. فأنا لا أستطيع أن أكون كل ما أريد. ولا أستطيع
أن أفعل كل ما أريد. وتخبو حريتي . في حضور الأنا الآخرى - في العالم - يكون
وجودي من أجل نفسي وجود دائم من أجل الآخر. وعندما أتصرف ليس بإمكاني إلا أن
أضع دائمًا في الاعتبار هذا الحضور وكل الآراء والتعريفئات ووجهات النظر والرؤى التي
يفترضها هذا الحضور.
ويمكن القول بأن حتمية الاعتبارات الأخلاقية متأصلة في وصف سارتر للحضور
المتلازم أو معية الأنا/ الآخر. لكن لم يتضح بعد ما هي الالتزامات الأخلاقية التي ربما
تستلزمها هذه المعية . وكان ألفريد شوتس محمًا تمامًّا عندما وصف نتيجة تلاقي الأنا/
الآخر من منظور سارتر كما يلي :
كل إمكانياتي أصبحت احتمالات خارجة عن سيطرتي . لم أعد سيد الموقف بعد الآن
- أو على الأقل اكتسب الموقف بعد يغيب عني . لقد أصحبت أداة يستطيع الآخر أن
11110 دما
الفصل السابع: نحو نظرييّ سوسيولوحجِينّ الأخلاق
يشتغل بها أو عليها. لم أفهم هذه التجربة بوضوح عن طريق الإدراك» بل عن طريق
إحساس بالضيق والضجر» وهو إحساس يعده سارتر أحد الملامح المميزة لحال
الا
الضيق والضجر السارتري يشبهان تمامًا القيد الخارجي المزعج الذي تعزوه الرؤية
السوسيولوجية إلى وجود الآخرين؛ إنهما انعكاس ذاتي للأزمة التي يحاول علم الاجتماع
الإمساك بها فى البنية الموضوعية غير الشخصية لهذا الوجود. أو أنهما يرمزان إلى ملحق
عاطفي ما قبل إدراكي للموقف العقلاني المنطقي . الضيق والضجر يتوحدان من خلال
السخط الذي ينطويان عليه . وفي كلتا الحالتين» يمثل الآخر عبنًا وإزعاجاء وتحديا في
أحسن الأحوال . ففي موضع » لا يتطلب وجود الآخر أية مباديء أخلاقية - واقع الأمر لا
يتطلب أي شيء سوى قواعد السلوك العقلاني. وفي موضع آخر» يصوغ وجود الآخر
الأخلاقيات التى يولّدها كمجموعة من القواعد وليس بالأحرى مجموعة من المباديء
الأخلاقية أو الدوافع الداخلية» إنها قواعد يتبرم منها المرء بطبعه لأنها تُظهر الآخرين من
البشر على أنهم وجود برأني معاد للإنسان وقيد على حريته .
هناك رغم ذلك» تصور ثالث للوضع الوجودي الخاص بمفهوم «الوجود مع
للأخلاقيات» بل ولها القدرة على كشف أوجه المجتمع الحديث التي أخفتها الدراسات
التقليدية. وقد أوجز إيمانويل ليقيناس2'7» صاحب هذا التصورء الفكرة المحورية فى فقرة
مقتبسة من دوستويفسكي : ١كلنا جميعا مسؤولون عنا جميعاء ومسؤولون عن كل البشر
يرى ليقيناس أن «الوجود مع الآخجرين», تلك الصفة الأولية والأزلية للوجود
وإن لم أكن قد أخذت على عاتقي المسؤوليات الخاصة به)؛ إن مسئوليتي هي الشكل
ع1 1 .801 ,وععموط لعاعع0011) مذ ,“مم8 «تعال4 عطا أن «و«معط]1' عأعمامروك' 7 ع1 (1)
. 189 .م ,(1967 ,11 مطزالآ كلامتاتةك8 ,عه1]15
كلقع ,متصعاظ عددتلتطط 15ل عده لكخدك0029) :واتمقلسط اسه دعتطاظط ,كمساوع.آ اعلامفصتصيظ (2)
95-1 .زم ,(1982 رووعء2 ونويع كتلانا علدع ناونالآ تطععتاط115ة2) معطمت .ف لجقطع1]]
"41
الحداثي والهولوكوست
الوحيد والأوحد الذي يمكن أن يوجد فيه الآخر لي» هذا هو شكل حضوره لى وقربه
ل
الآخر ليس فقط قريب مني في المكان أو قريب كأحد الوالدين» بل إنه يقترب مني بقدر
دا ابعر الى «يقدريها اناموج رد ممؤز لو هه لباه لاتقيد ياي حال الخلاقة التصمري:
التي تربطنا عن وعي بالموضوع (01وزه) -أيّا كان هذا الموضوع- وليكن موضوعًا بشريًا .
فالقرب لا يرتد إلى هذه القصدية» أي لا يرتد إلى حقيقة أن الآخر معروف لي .
مسؤوليتي غير مشروطة بكل تأكيد» فهي لا تعتمد على معرفة مسبقة بصفات
موضوعهاء بل إنها تسبق تلك المعرفة . كما أنها لا تعتمد على قصد ذي منفعة أو مصلحة
تجاه الموضوع . فهي تسبق هذا القصد. فلا المعرفة ولا القصد يتجهان نحو قرب الآخرء لا
يتجهان نحو المعية 40861612658» بل تعتصم العروة الوثقي بين الآنا والآخر بحبل
المسؤولية فحسب.
[وهذا هو لب الأمر] سواء كانت [المسؤولية] مقبولة أم مرفوضة» وسواء كانت كيفية
لمعي ا م حم م 1 ا يا
أجل الآخر . أن تقول : ها أنا ذا 70161 عم1. أن أفغل شيئًا من أجل الآخر . أن أعطي . أ
أكون روحا إشانة . أي أن أحلل العلاقة قة الإنسانية الداخلية» 0
حدود الصورة التى أكونها عن الآخر - وكأن وجهه: المعبر عن الآخر - وجسد الإنسان
كلمس الوجد مس أو باخ دفر الذي بمرت أن اعديه وى الرسم و الذي باسرتي
ويسودني . ودلالة الوجه أمر مدلولء فإذا دل الوجه على أمر لي» فليس هذا بالشكل
اللذى قدك باعاهة عادر على ودار لها فينة|الكنرس الدلالة النسيية اذل الوضيه ار
دلالة الدلالة .
يرى ليشيناس أن المسؤولية هي البنية الأساسية والمبدئية للذاتية . . المسؤولية التي تعني
«المسؤولية عن الآخر»» ومن ثم فهي مسؤولية (عن ما ليس صنيعي» وعن ما لا يهمني.)
هذه المسؤولية الوجودية» المعنى الوحيد للذاتية» المعنى الوحيد للذات الفاعلة» لا علاقة
لها بالالتزام التعاقدي . ولا يوجد شيء مشترك بينها وبين حساباتي للمنفعة المتبادلة . وهي.
لا تحتاج أي توقع فارغ أو دقيق للمعاملة بالمثل» «الأخذ والعطاء» أو مكافئة الآخر لي على
0
الفصل السابع: نحو نظريتّ سوسيولوحييّ للأخلاق
مسؤوليتي عنه بمسؤوليته عني . إن مسؤوليتي تلك ليست أمرا تصدره قوة علياء سواء
أكانت مبدأ أخلاقيًا يعاقب على خرقه بدخول النار أو قانون يعاقب عليه بدخول السجن .
نفسي كذات فاعلة. أن أصبح مسؤولاً هو تشكل لي كذات فاعلة. إنها شأني» شأني
وحدي. «والعلاقة الذاتية البينية (©60857ز10161510) علاقة غير متناظرة . . . فأنا مسؤول
عن الآخر دون انتظار معاملة بالمثل حتى وإن كنت فى أشد الحاجة إليها. والمعاملة بالمثل
شآن نمه ان وا
ولما كانت المسؤولية هي الوضع الوجودي للذات البشرية» فإن الأخلاق هي البنية
الأساسية للعلاقة الذاتية البينية فى شكلها الأولى دون أن تتأثر بأية عوامل منفصلة عن
الأخلاق مثل المصلحة» وحساب المنفعة» والبحث العقلاني عن أفضل الحلول» أو
الاستسلام للقهر. ولما كان جوهر الأخلاقيات واجبًا تجاه الآخر وليس إلزامًا . . وواجبًا
يسبق أية منافع - فإن الأخلاق تضرب بجذورها جيدا تحت أرض الاستعدادات المجتمعية»
مثل بنى الهيمنة أو الثقافة . وتبدأ العمليات المجتمعية عندما تصبح بنية الأخلاقيات قائمة
بالفعل ومعادلة للذاتية البينية . فالأخلاقيات ليست منتجا من منتجات المجتمع» بل هي
شيء يوظفه المجتمع - يستغله» ويعيد توجيهه» أو يعطله عن العمل .
بالمقابل» لا يكون السلوك غير الأخلاقي الذي يرتد عن المسؤولية عن الآخر أو يتخلى
عنها ناتجًا عن تعطل في أداء المجتمع . ومن ثم فإن وقوع السلوك غير الأخلاقي» وليس
بالأحرى السلوك الأخلاقي» هو الذي يدعو إلى فحص إدارة المجتمع للذاتية البينية .
)١( ينظر زيجمونت باومان إلى إيمانويل ليقيناس باعتباره أعظم فيلسوف أخلاقي في القرن العشرين. أما عبد
الوهاب المسيري» فقد خصص في موسوعته مدخلا عن إيمانويل ليقيناس » ووصف فلسفته بأنها تنتمي إلى تيار
يحاول ألا يسقط في لحظة الذوبان من خلال البحث عن منظومة أخلاقية ومعرفية في عالم لا إله فيه . لكن
المسيري لا يبدي إعجانا بإسهام ليقيناس » ويرى أنه يتلاعب بالكلمات العبرية («أح؟ أي أخ و«آحر» أي اآخر)
و«أحريوت» أي المسؤولية - فكأن الآخر هو الأخ الذي يشعر نحوه الإنسان بالآخرية أي المسؤولية). والأهم
أن المسيري يقول إن ليقيناس يؤكد أنه لابد للإنسان أن يفضل الآخر القريب (الزوجة والابن) على الآخر
الغريب» أي أن يفضل الآخر اليهودي على الآخر غير اليهودي» وهذا يضرب النظرية الأخلاقية التي طرحها
ليقيناس في مقتل » لكن المسيري لا يذكر النص الذي قال ليقيناس فيه هذا الكلام [المترجم] .
دكن
الحدائت والهولوكوست
القرب الاجتماعي والمسؤولية الأخلاقية
المسؤولية هي حجر الزاوية في كل السلوكيات الأخلاقية» وهي تصدر عن قرب
الآخر. القرب يعني اللسؤولية: والمسؤولية هي القرب . وبالطبع لا مبرر لمناقشة الأولوية
النسبية للقرب أو المسؤولية» فلا يمكن تصور أحدهما دون الآخر. فإلغاء المسؤولية»
ومن ثم تحييد الحس الأخلاقي الذي ب: يتبع المسؤولية» يتضمن بالضرورة» بل ويرادف في
واقع الأمرء استبدال القرب بالانفصال الروحي والجسدي . وبديل القرب هو التباعد
الاجتماعي. والسمة الأخلاقية للقرب هي المسؤولية» والسمة الأخلاقية للتباعد
الاجتماعي هي انعدام العلاقة الأخلاقية أو عقدة الهلع من الآخر. وإسكات صوت
المسؤولية يشر جره أن غلاشى القرتب:»؟ وفي نهاية الأمر ربما يحل الامتعاض
والسخط محل المسؤولية بمجرد أن تتحول الذاث البشرية الفاعلة المماثلة إلى الآخر بألف
لام التعريف. وعملية التحول تلك هي عملية من عمليات الفصل الاجتماعي» وهذا
الفصل هو الذي مهد الطريق لإقدام آلاف البشر على ارتكاب جرائم القتل واكتفاء
ملايين البشر بمشاهدة هذه الجرائم دون أي اعتراض . وكان الإنجاز التكنولوجي
والبيروقراطي الذي حققه المجتمع العقلاني الحديث هو ما جعل مثل هذا الفصل
الاجتماعي أمرا ممكنًا .
وقد لخص هانز مومسن» أحد أشهر المؤرخين الألمان للعصر النازي, المغزي التاريخي
للمحرقة والمشكلات التي فضحت بها الوعي الذاتي للمجتمع الحديث17 :
طورت الحضارة الغربية وسائل دمار شامل لا يمكن تصورهاء وأنتجت التكنولوجيا
الحديئة وآليات الترشيد عقلية تكنوقراطية وبيروقراطية محضة يمثلها مجرمو
الهولوكوست. سواء ارتكبوا جرائم القتل مباشرة بأنفسهم أو اشتركوا في إعداد عمليات
الترحيل والتصفية الجسدية وهم جلوس في مكتب دولة الرايخ للأمن العام» وفي مكاتب
الخدمة الدبلوماسية:» أو عندما كانوا مبعوثين سياسيين من دولة الرايخ الثالث ولهم
عط" ما , 'أكتلق1010ط عط 01 لمتأجاء:معاسلا عطا سه كعتاتلم© طواجعء ل صما ,معخصتعره81 عمد11 9
الحاظ برعللع8 .لع ,وعمباعع .رآ [112مصصع ةط م1 700 سملخة عط تطعنعظ] لمتط 1 عط كه ععدعللقطت
17 .م ,(1986 رووع:2 مملمعة1ن) :0:21010)
طن م21 .2ه | لدمتان
الفصل السابع: نحونظريت سوسيولوجيت للأخلاق
صلاحيات مطلقة داخل البلاد المحتلة أو التابعة . وهكذا يبدو تاريخ الهولوكوست علامة
على انحراف قيم الحداثة ونذيرا بنهايتها ([عكاء) معدم)17 .
وأيا كان ما فعلته الدولة النازية بخلاف ذلك فهي جحت بالتأكيد في التغلب على أكبر
العقبات التي تعوق قتل البشر بأسلوب تمنهج» له هدف محدد» ولايعرف العواطف أو
الرأفة» ولا يفرق بين الكبار والصغارء أو الرجال والنساء. إنه قتل لا يعرف «الرأفة أو
الشفقة الحيوانية التي تجعل كل البشر العاديين يتأثرون في وجود أي مشهد للتعذيب
الجمسدي»272 . نحن لا نعلم الكثير عن هذه الشفقة الحيوانية» لكننا بالطبع نعلم أن هناك
يقة لرؤية الحياة البشرية الأولية توضح عالمية الاشمئزاز البشري من القتل وعالمية تحريم
إلحاق الأذى والمعاناة بإنسان آخر» وعالمية الرغبة في تفريج كربة المكروبين» بل وعالمية
المسؤولية الشخصية عن صالح الآخر وسعادته. لو أن هذه الرؤية صائبة» أو على الأقل
مقبولة» فإن نجاح الحكم النازي يكمن في تحييد التأثير الأخلاقي للشكل الوجودي
الإنساني. ومن الأهمية بمكان أن نعرف إذا كان هذا النجاح يرجع إلى السمات الفريدة
للحركة النازية وحكمها أم أن هناك سمات أخرى أكثر شيوعا للمجتمع ولم يفعل النازيون
شيئًا سوى أنهم وظفوها ببراعة في خدمة أهداف هتلر .
كان من الشائع حتى العقد الماضي أو العقدين الماضيين - ليس فقط بين العامة بل بين
المؤرخين أيضًا - تفسير الإبادة الجماعية ليهود أوروبا في إطار التاريخ الطويل لمعاداة
السامية في أوروبا. وقد تضمن هذا التفسير إبراز المعاداة الآلمانية للسامية باعتبارها أشد
ألوان العداء وحشية وقسوة وتدميرية؛ فألمانيا كانت في نهاية الأمر البلد الذي ظهرت فيه
الخطة الوحشية للإبادة الجماعية لعرق بأكمله» بل ووضعت موضع التنفيذ هناك أيضًا .
لكن» كما أشرنا في الفصلين الثاني والثالث» لم يقبل البحث التاريخي هذا التفسير
ونتيجته الطبيعية» بل كذبهما وانتقص من قيمتهما التفسيرية . فهناك انقطاع واضح بين
)١( وردت هذه العبارة في سغر دانيال (6 : 78)» حيث أقام بيلشاصر ملك بابل مأدبة عظيمة لنبلاء دولته» وكان
يشرب الخمر معهم في قوارير من الذهب والفضةء وبينما أخذوا يُسيّحون آلهة الذهب والفضة والنحاس
والحديد والخشب والحجرء ظهرت أصابع يد إنسان وخطت كتابة على الحائط . ففزع الملك» وأخبره دانيال بأن
هذه الكتابة عقاب من الله» وهي مَنَا مَنا تَقَيْلُ) وتفسيرها: أحصى الله أيام مُلكك وأنهاه» ووزنت بالموازين
فوجدت ناقصا [المترجم].
106 .م مقلة لمكتاطاع ل دل سسسمسطعزظ ,المععة (2)
516
الحداثي والهولومكوست
الكراهية التقليدية لليهود في عصر ما قبل الحداثة والهندسة الإبادية الحديثة التي لم تكن
الهولوكوست لتتم بدونها. وفيما يتعلق بوظيفة المشاعر الشعبية» تثبت الأدلة التاريخية
المتزايدة وجود علاقة عكسية تقريبًا بين معاداة اليهود التقليدية القائمة على مفاهيم الجيرة
والمنافسة وبين قبول الرؤية النازية للتدمير الشامل والاشتراك في تنفيذها .
هناك إجماع متزايد بين مؤرخي العصر النازي بأن تنفيذ الهولوكوست كان يتطلب تحييد
المشاعر الشعبية الألمانية تجاه اليهود لا تعبئتها . واتفق المؤرخون كذلك على أن الاستمرار
«الطبيعي» لهذه الكراهية التقليدية لليهود كان شعورا بالاشمئزاز من «الأعمال الراديكالية»
للسفاحين النازيين أكثر من كونه استعدادا للتعاون في الإبادة الجماعية . أ جمع المؤرخون
أيضا بأن مخططي الإبادة الجماعية من فرق الإس إس كان عليهم أن يشقوا طريقهم نحو
تنفيذ فكرة الحل النهائي من خلال الحفاظ على استقلالية المهمة التي يقومون بها عن المشاعر
الشعبية بوجه عام» ومن ثم حمايتها من تأثير المشاعر الشعبية التلقائية التقليدية تجاه
وقد أوجزالمؤرخ مارتن بروزتسات النتائج الهامة والقاطعة التي توصلت إليها
الدراسات التاريخية : «في تلك المدن والبلدات التي يمثل فيها اليهود قطاعًا كبير من
السكان» كانت العلاقة بين اليهود والألمان» حتى فى السنوات الأولى من الحقبة النازية»
كل مايرام في الغالب الأعم» وقلما كانت عدائية)»27 , صحيح أنه كان هناك محاولات
نازية لإثارة المشاعر المعادية لليهود وتحويل الكراهية الساكنة إلى شعور ديناميكي وفعال -
هذا التمييز ابتكره مولر كلوديوس - أي تأجيج مشاعر من لا يتتمون للحزب الحاكم ولا
يتبعون أيديولوجية ما حتى يرتكبوا أعمال عنف ضد اليهود؛ أو على الأقل جتى يؤيدوا
استعراضات القوة التي كانت تؤديها كتيبة العاصفة المعروفة باسم 54. لكن هذه
المحاو لات باءت بالفشل بسبب الاشمئزاز الشعبي من القهر الجمسدي. والحظر القاطع على
إلحاق الأذى والمعاناة الجسدية بالآخرين» والإخلاص الإنساني الأصيل للجيران الذين
عرفهم المرء ووضعهم في خريطته الإدراكية كأشخاص لا كفصائل مجهولة . أما الأفعال
الإجرامية التي ارتكبتها كتيبة العاصفة - وكانت على أشدها في الأشهر الأولى من حكم
عط غه عومء الفط عط مذ ,'علصمء ممص © عغط) قسة طعتع لمتط1 عط" ,أقعومي8 متامة]ل3 (1)
90 . مبطعتعظ لختط1
0 7117| دمثام
المصل السابع: نحو نظريتّ سوسيوئوحيتّ للأخلاق
هتلر - فقد أرغم النازيون على إلغائهاء بل أُجبروا على إيقافها للحيلولة دون التهديد الذي
يمثله الشعور بالاغتراب والتمرد الشعبي. وفي حين كان هتلر يحتفي مع أتباعه بأمور تافة
معادية لليهودء وجد نفسه مضطرا إلى أن يتدخل شخصيًا لإيقاف أية مبادرات طبيعية
تلقائية شعبية معادية لليهود . أما المقاطعة المعادية لليهود والتى كان مقدرا لها أن تستمر
لأجل غير مسمى » فقد تحولت في اللحظة الأخيرة إلى «مظاهرة تحذيرية) ليوم واحد فقطء
ويُعزى ذلك في جانب منه إلى الخوف من ردود الفعل الأجنبية» لكن في الغالب الأعم
يعود ذلك إلى النقص الواضح في الحماس الشعبي للمغامرة بالمقاطعة . وبعد انقضاء يوم
المقاطعة هذا ١( إبريل »)١977” شكى القادة النازيون في تصريحاتهم وتقاريرهم اللامبالاة
السائدة بين الجميع باستثناء رجال كتيبة العاصفة وأعضاء الحزب الحاكم» ورأوا أن الحدث
كله كان تجربة فاشلة »> وخلصوا إلى أن هناك حاجة ماسة لدعاية قوية توقظ الجماهير
وتوعيهم بدورهم في تنفيذ الإجراءات المعادية لليهودية(١2. لكن الفشل الذي منيت به
مقاطعة اليوم الواحد حدد طبيعة النموذج الذي سارت عليه كافة السياسات المتعاقبة المعادية
لليهود والتى تطلب نجحاحها وجود تعاون فعال من الشعب ككل . فطالما ظلت المتاجر
اليهودية والعيادات الطبية اليهودية مفتوحة؛ فإنها ظلت تجذب الزبائن والمرضى إليها .
وكان لابد من إجبار فلاحي فرنكونيا وباقاريا على إيقاف تجارتهم مع تجار الماشية من
اليهود. وكما أشرنا من قبل» كانت ليلة الزجاج المحطم الهجمة الشعبية الشاملة الوحيدة
التي كانت منظمة تنظيمًا رسميًا؛ وقددجاءت بنتائج عكسية . هذه الهجمة كان الهدف منها
دفع الآلمان البسطاء إلى الإيمان بالعنف ضد اليهود. بيد أن أغلب الناس هالهم منظر
الزجاج المحطم والمبعثر على الأرصفة» كما هالهم منظر كبار السن من جيرانهم وهم
يكبلون ويزج بهم سفاحون صغار في شاحنات السجون. لكن المسألة الواضحة وضوح
الشمس هى أن كل تلك الاستجابات السلبية للتحريض على العنف ضد اليهود تزامنت»؛
تلود أى كاتف راصن مع استحسان.هائل وشامل لتشريع معاد لليهود صاحبه إعادة
تعريف اليهودي» وإبعاد اليهودي عن القولك أو الشعب العضوي الألماني» وارتفاع سقف
القيود والمحظورات القانونية7" .
0 10178101 201123 امداا :ا ت7تطعدتسة مغ 18050 15515660 عط !1 ,وعصدعاطعذ .ذخ [نهذا (1)
. 80-8 .مم ,(1970 رووععظ كزممتل!1 1ه جازووع كتدلا) 1933-39 وبوول
و01 :0:1010)) طعلع لسنط؟ عا ص أسعدد ةنا لدععغتلن 2220 مامتستم 0 “تملساجره8 ,اتقطويع كا 1ذ1 2)
(1983 ,ووععظ وملدع1
ام
الحداثّ والهولوكوست
وجد يوليوس شترايشرء أستاذ الدعاية النازية المعادية لليهودء أن أخطر المهام التي
تعكف عليها جريدته «المهاجم) (361ننة5 1(61) هي تحقيق التطابق بين الصورة
الإدراكية النمطية عن «اليهودي بألف لام التعريف» والصورة المطبوعة في أذهان قرائه
عن اليهود الذين يعرفونهم» صورة الجيران اليهود والأصدقاء اليهود والزملاء اليهود في
العمل . لم يكن يوليوس شترايشر هو الشخص الوحيد الذي كان يطمح إلى تحقيق هذا
التطابق» وقد بين ذلك ديئيس شوفلتر في بحث قصير مهم عن هذه الجريدة الشائكة :
«أحد التحديات الرئيسة لمعاداة اليهود السياسية هو التغلب على صورة الجار اليهودي-
هذا الرفيق الذي يعيش ويتنفس والذي ينفي وجوده تلك الصورة النمطية السلبية عن
اليهودي الأسطورة»7(١2. وكان يبدو أن هناك ارتباطًا ضئيلاً للغاية بين الصور الشخصية
والصور المجردة كما لو كان من غير عادة البشر الشعور بأن التناقض المنطقي بين
الصورتين تنافر إدراكي أو مشكلة نفسية . وكأنه بالرغم من وجود تطابق ظاهري للمشار
إليه في الصورتين الشخصية والمجردة» لم ينظر إليهما بوجه عام على أنهما صورتان من
نوع واحدء بحيث يمكن المقارنة بينهماء ومطابقتهماء وفي نهاية الأمر التوفيق بينهما أو
رفضهما. فبعد أن درات آلة الدمار الشامل بكامل سرعتها - في أكتوبر ١9147 على
وجه التحديد - شكى هيملر في حضور أتباعه الثقات أنه أعضاء الحزب المخلصين
أنفسهم والذين لم يظهروا أي شعور بوخز الضمير حيال إبادة العرق اليهودي بأكمله
كان لديهم صورة خاصة عن يهود من نوع خاص» وكانوا يتمنون حمايتهم واستثنائهم
من الوبادة :
قال كل عضو من أعضاء الحزب :.«لابد من إبادة الشعب اليهودي» هذا أمر واضحء
وهو جزء من برنامجناء إبادة اليهود» نعم الإبادة» وسنفعل ذلك . » لكن بعد ذلك أتى
ثمانون مليونًا من الألمان الطيبين» كل معه صورة عن اليهودي المحترم . أما الصور الباقية
عن البهود فهي صور خنازير وأشخاص حقيرة» لكن هذه الصورة من الدرجة الأولى”" .
.م ,(1982 رقعله80 ومطعتط عنننلا بع ا) #بجو]آ3 أهط الآ مسدلا 1152أار! ,عتلهتتمط5 . 18 وتمصمعح7[ (1)
855
,800165 للتتاعمءط نطاكه 057 7ممطنه؟) طعاع 18 اخلط" عطا لله ععه7 عط" ,أده . © ستطاعةن[ (2)
18285177
1 دما
الفصل السابع: نحو نظريت سوسيولوجيتة للأخلاق
يبدو أن ما يحافظ على انفصال الصور الشخصية عن الصور الإدراكية النمطية المجردة
ويحول دون الصدام المنطقي الحتمي بينهما هو التشبع والصفاء الأخلاقي للصور الشخصية
في مقابل الطبيعة الفكرية البحتة والمحايدة أخلاقيًا للصور المجردة. إن تلازم القرب
والمسؤولية والذي تشكلت فيه الصور الشخصية يحصن هذه الصور بجدار أخلاقي سميك
قلما تخترقه مناقشات «مجردة فحسي» . وربما تكون الصويرة النمطية الفكرية مقنعة أو
خادعة؛ لكن نطاق تطبيقها ينتهئ فجأة يظهر عالم التواصل والتفاعل الشخصي . بمعنى أن
«١الآخر» كصورة مجردة لا يتواصل مع «الآخر» الذي أعرفه أنا شخصي .فالآخر الشخصي
يتدمي إلى عالم الأخلاق» بينما يستبعد الآخر المجرد نخارج هذا العالم . ويسكن الآخر
الشخصي الثاني العالم الدلالي للخير والشرء وهو عالم يرفض بشدة أن يندرج تحت نطاق
خطاب الكفاءة والفاعلية والاختيار العقلاني.
القمع الاجتماعي للمسؤولية الأخلاقية
نعلم الآن أن هناك ارتباط مباشر ضكئيل بين ظاهرة الهلع من الآخر والقتل الجماعي
الذي خطط له النازيون ونفذوه. وثمة أدلة تاريخية كثيرة تؤكد أن القتل الجماعي على
نطاق منقطع النظير كما حدث في الهولوكوست لم يكنء» ولم يكن بإمكانه أن يكون»
نتيجة إيقاظ نزعات شخصية هاجعة أو إطلاق سراحها أو تشجيعها أو تكثيفها أو انفجارها
المفاجيء. ولم يكن تطورا لعداء نات عن العلاقات الشخصية والالتقاء وجها لوجه مهما
كانت تلك العلاقات مرة ومّريرة آنذاك . كان هناك دائمًا سقف واضح لهذا العداء النابع
عن أسباب شخصية . وفي كثير من الحالات» كانت هناك مقاومة ضد الاندفاع خارج هذا
الخط الذي ترسمه المسؤولية الأولية عن الآخر والتي هي جزء أصيل من قرب الإنسان
و«العيش مع الآخر». ما كان من الممكن أن تتم الهولوكوست لولا تحييد تأثير الدوافع
الأخلاقية الآولية» ولولا فصل آلة القتل عن النطاق الذي تنشأ فيه هذه الدوافع وتؤدي
عملهاء ولولا تهميش مثل هذه الدوافع أو استبعادها تماما .
كانت عمليات التحييد والاستبعاد والتهميش من إنجازات النظام النازي الذي استغل
الجهاز الضخم للصناعة الحديثة والنقل والعلم والبيروقراطية والتكنولوجيا. وبدون
585
الحداثي والهولوكوست
ذلك» لكانت الهولوكوست خارج طوق الفكرء ولتحولت الرؤية الطموحة لتخليص
أوروبا من اليهودء أي الإبادة الشاملة للعرق اليهودي» إلى عدد من هجمات شعبية
محدودة على يد جماعات من المرضى النفسيين والساديين والمتعصبين أو مدمني العنف
من أجل العنف . فمهما كانت وحشية تلك الهجمات ودموية تلك الأفعال». من الصعب
أن تتناسب مع حجم الهدف المطلوب. بل اتضح في نهاية الأمر أن هدف هتلر يحتاج إلى
إعداد من أجل «حل المشكلة اليهودية» كمهمة عقلانية وببروقراطية تقنية» وكعمل تقوم به
مجموعة من الخبراء والمنظمات المتخصصة وتنفذه على فئة معيئة من المواد المستهدفة
(5ا00(60) -كمهمة غير شخصية لا تعتمد على المشاعر والالتزامات الشخصية . ولكن ما
كان من الممكن إعداد هذا الحل » وتنفيذه بالطبع» قبل إزالة المواد المستهدفة» أي اليهود.
من أفق الحياة اليومية للألمان» وعزلهم عن شبكة التفاعل الشخصي» وتحويلهم في الواقع
إلى أمثلة لمقولة من المقولات أو لصورة نغطية من الصور - أي إلى المفهوم المجرد لليهودي
الميتافيزيقي . لم يكن ذلك ليتم قبل أن يصبح اليهود مختلفين تمامًا عن «الآخرين» الذين
تشملهم المسؤولية الأخلاقية» وقبل أن يفقدوا ال حماية التي توفرها لهم تلك الأخلاقيات
الطبيبعية,
أجرى إيان كيرشو تحليلاً دقيقًا للإخفاقات النازية المتتالية في إثارة الكراهية الشعبية ضد
اليهود واستغلالها في خدمة «حل المشكلة اليهودية»؛ وخلص إلى النتيجة التالية :
أكثر شيء نجح النازيون فيه هو تجريد اليهود من السمات الشخصية والفردية. وكلما
أجبر اليهودي على المخروج من الحياة الاجتماعية» وكلما بدا مطابقًا للصور النمطية الشائعة
لدعاية تكثف حملتها ضد «اليهود بوصفهم كلا متماسكا) (16713)» كلما قل عدد اليهود
الفعليين في ألمانيا نفسها . هذا التعجريد من السمات الشخصية زاد من اللامبالاة المتزايدة
والموجودة بالفعل لدى الرأى الشعبي الألماني» وشِكّل مرحلة هامة بين العنف البدائي
والتدمير الرشيد الذي تحدثه «خطوط الإنتاج» بمعسكرات الموت .
لم يكن من الممكن تنفيذ فكرة «الحل النهائي؟ دون اتخاذ تلك الخطوات المتتابعة لإقصاء
اليهود عن المجتمع » وهي خطوات اتخذت على مرأى ومسمع الجميع» ولاقت في شكلها
11 لما
المصل السابع: نحو نظريت سوسيولوحيتّ للأخلاق
القانوني استحسانًا عاماء وانتهت بتجريد اليهود من سماتهم الشخصية والفردية. ناهيك
عن التحقير من شخصية اليهودي!' .
وكما أشرنا في الفصل الثالثء فإن الألمان الذين اعترضوا على أعمال الشباب بكتيبة
العاصفة عندما كان ضحيتهم «اليهودي الجار)؛ بما في ذلك الألمان الذين كان لديهم
الشجاعة لإظهار اشمئزازهم نما يحدث, قد قبلوا دون اكتراث» بل وبكل الرضاء القيود
القانونية التي فرضت على «اليهودي بألف لام التعريف». فالوضع الذي كان من الممكن أن
يوقظ ضمائرهم لو ركزوا على الأشخاص الذين يعرفونهم لم يثر أية مشاعر لديهم تجاه
جماعة مجردة وصورة إدراكية تمطية» بل إنهم لاحظوا في اتزان» أو لم يلاحظواء
الاختفاء التدريجي لليهود من عالم الحياة اليومية. أما الشباب من الجنود الألمان وفرق
الإس إس الذين عهد إليهم «تصفية» عدد ضخم من الصور المتخيلة» فقد رأوا اليهودي
مجرد «تحفة قديمة)» مجرد شيء ينظر إليه بفضول؛ مجرد حفرية حيوان خرافي على
صدره نجمة صفراء » مجرد شاهد على الماضي الغابر» لكنه لا ينتمي للحاضرء مجرد شيء
يجب على المرء أن يجوب البلدان حتى يراه»”" . يقول هانز مومسن :
استمرت سياسة هايدريخ الخاصة بعزل الأقلية اليهودية اجتماعيا وأخلاقيًا عن أغلبية
السكان دون اعتراض من الشعب لأن اليهود الذين كانت تربطهم علاقة مباشرة بجيرانهم
الألمان إما استبعدوا من التمييز العنصري أو عزلوا رويدا رويدًا عن جيرانهم . وبعد أن
زجت تشريعات عنصرية تراكمية باليهود الآلمان في خانة المنبوذين» وحرمتهم تمامًا من أي
اتصال اجتماعي منتظم بأغلبية الشعب» أصبح من الممكن تنفيذ الترحيل والإبادة دون
المساس بالبنية الاجتماعية للنظاه7" .
وقد سرد راؤل هيلبرج» الحجة والمرجعية الأولى في تاريخ الهولوكوست. الخطوات
التي أفضت إلى التكميم التدريجي لأفواه القواعد الأخلاقية وتشغيل آلة الدمار الشامل :
275371-22 .مم رخمعىد101 لدءةتا10 210 تامتسام0 مفتسوو , انقطوع 1 (1)
.370 .م ,أمعدة01آ لدع ناتاه لصة «ممتسام0 عتماناهه2 , اتقطماع ]1 (2)
1258 .مر أوعتكتاه2 طستمع3 تأمذا , مععستمره381 (3)
551
الحداذن والهولوكوست
يمكن توضيح بنية أية عملية تدميرية في مجتمع حديث كما يلي:
التعريف
'
طرد الموظفين من الخدمة ومصادرة الشركات
١
الاعتقال
١
استغلال العمالة وإجراءات التجويع حتى الموت
١
الإبادة
١
مصادرة الممتلكات الشخصية
هكذا يتحدد تسلسل الخطوات فى عملية تدميرية . وإذا كان هناك محاولة لإالحاق أقصى
ضرر بجماعة من البشرء لابد وأن تدفع البيروقراطية بضحاياها عبر هذه المراحل - مهما
كان الجهاز البيروقراطي يتسم باللامركزية» ومهما اتسمت أنشطته بعدم التخطيط ١7 .
ويرى هيلبرج أن تلك المراحل محددة منطقيًا؛ فهي تشكل تسلسلاً عقلانيًا مطابقًا
للمعايير الحديثة التى تشجعنا على اخمتيار أقصر الطرق وأكثر الوسائل فاعلية من أجل
تحقيق الغاية المرجوة . وإذا حاولنا الآن اكتشاف المبدأ الرئيس في هذا الحل العقلاني لمشكلة
الدمار الشامل» نحد أن المراحل المتعاقبة تأتي وفق منطق الطرد من عالم الواجب الأخلاقي
أو عالم الالتزامات كما تسميه هلن فاين7" .
© دعصسام] علردهل بجع81) 111 . 701 ,و7ع7 لودع م1020 عط غ0 اماع تميع127 عط ,عععط اتا انمع (1)
. 999 .م ,(1987 ,ممتع]3
1 دعق سه عمعمومع1] لمدمتند!ظ؟ بع0أعمصع 2 10 عستتستاوءع4 ,ملع معاء1] (2)
. (1979 ,دمعو ع1 علرن لا برع ا؟) أكدددء 11010 عط وستسل
طن )731 6603.176 دما
المُصل السابع: نحو نظزيي سوسيولوجينٌ الأخلاق
تعريف الأشياء يعني فصل الوحدة الكلية إلى جزئين؛ أحدهما ملحوظ والأخر غير
ملحوظ . والتعريف كمرحلة أولى يفصل الجماعة المستهدفة كفئة ممختلفة بحيث كل ما
ينطبق عليها لا ينطبق على البقية. وفعل التعريف في حد ذاته يعني أن الجماعة قد
استهدفت من أجل معاملة خاصة» وما يسري على أناس «عادييين» لا يسري بالضرورة
على تلك الجماعة . كما أن أفراد هذه الجماعة أصبحوا الآن أمثلة لنموذج من النماذج»
ومن طبيعة النموذج أن ينضح على صوره الجزئية المستقلة» ويهدد القرب الإنساني البريء
الأصيل» ويحد من استقلاليته كعالم أخلاقي مكتف بذاته .
وعمليات الطرد والمصادرة تنسف معظم العقود العامة» وتستبدل قرب الإنسان بتباعد
جسدي وروحاني. وهكذا تُستبعد الجماعة المستهدفة من مجال الرؤية تامّاء فهي جماعة
يسمع الناس عنها في أفضل الأحوال» وما يسمعه الناس ليس له فرصة على الإطلاق بأن
يترجم إلى معرفة بمصائر الأشخاص وبأن يخصع للتجربة الشخصية .
ويأتي الاعتقال ليتمم إبعاد الجماعة المستهدفة عن مجال الرؤية. فلا تلتقي الجماعة
المستهدفة ببقية المجتمع مرة أخرى» بل تتوقف أسباب الحياة وكل سبل الاتصال بين
الجماعة والمجتمع الخارجي» وما يحدث لأية جماعة من الجماعات التي عزلت لا يهم
الجماعة الأخرى» ولا يكون له معنى يمكن ترجمته إلى لغة التواصل البشري .
أما الاستغلال والتجويع فهما خطوتان في غاية الخطورة» إنهما يخفيان اللاإنسانية تحت
قناع الإنسانية الرحيمة . وهناك دليل قاطع على طلب بعض الرؤساء المحليين النازيين من
قادتهم أن يسمحوا لهم بقتل بعض اليهود الموجودين في نطاق نفوذهم - قبل إعطاء
الإشارة ببدء عمليات القتل الجماعي - حتى يخلصوهم من عذاب الموت جوعا حيث أن
الموارد الغذائية لم تكن كافية لسد حاجة عدد كبير من سكان الجيتو الذين قد تُهبت ثرواتهم
وسرقت أموالهم . وهكذا بدا القتل عملاً رحيمًا. لقد سمحت «الدائرة الشيطانية
للسياسات الفاشنية» ب" خلق متعمد لظروف لا تُحتمل» وحالات طواريء» ومن ثم جرى
استغلالها في إضفاء الشرعية على خطوات أكثر راديكالية)!1" .
هكذا يتضح أن العملية الأخيرة» الإبادة» ليست مرحلة ثورية بأي حال من الأحوال»
136 .مدع لام طمتوعل تاصما ,معمصحده]8 (1)
نين
الحداخي والهوتلوكوست
بل كانت» إن صح التعبير» نتيجة منطقية لكل الخطوات العديدة السابقة» وإن لم تكن
متوقعة في البداية . فالظروف المحيطة لم تفض إلى حتمية الخطوات» بل أضفت كل خطوة
طابعًا عقلانيا على اختيار الخطوة التالية على طريق التدمير. وكلما ابتعد تسلسل الخطوات
عن الفعل الأصلي للتعريف,. كلما كانت الاعتبارات العقلانية التقنية المحضة هي المحك»
وكلما قل الاهتمام بالضوابط الأخلاقية . فلا يستوجب الأمر خيارات أخلاقية .
والطرق المختلفة بين مراحل الإبادة يغلب عليها سمة مميزة مشتركة» فجميعها تزيد من
البعد الجسدي والذهني بين الضحايا المستهدفين وبقية الشعب - وبالمثل بين مرتكبي الإبادة
وشهود العيان على السواء. وهنا يكمن سر العقلانية الكامنة لتلك الطرق من منظور
الهدف الأخير وفي ضوء فاعليتها في إتمام مهمة التدمير على أكمل وجه. واقع الأمر أن
الضوابط الأخلاقية لا تعمل عن بعد» بل هي مرتبطة بشدة بقرب الإنسان. في المقابل.
تزداد سهولة ارتكاب الأفعال غير الأخلاقية مع كل شبر جديد في التباعد الاجتماعي .
وإذا كان هانز مومسن محقًا عندما حدد «البعد الأنثروبولوجى» للمحرقة بأنه «الخطر
الكامن في المجتمع الصناعي في يومنا الراهن لعملية التعود على اللامبالاة الأخلاقية تجاه
الأفعال التي لا ترتبط ارتباطًا مباشرا بما يقع في نطاق التجربة الشخصية»!" - فلابد أن
عد الخطر الذي حذر منه إلى قدرة المجتمع الصناعي اليوم على زيادة التباعد الإنساني
إلى درجة لا يمكن عندها سماع صوت المسؤولية والضوابط الأخلاقية.
الانتاج الاجتماعي للتباعد : تلاشي الرؤية الأخلاقية
ترتبط الأخلاق ارتباطًا وثيقا بقرب الإنسان» ومن ثم فهي تبدو خاضعة لقانون المنظور
البصري» وتتضخم أهميتها وقوتها بقرب الإنسان من العين» فكلما زاد التباعد؛ كلما
تقلصت المسؤولية تجاه الآخرء وكلما طُّمست الأبعاذ الأخلاقية للأشياء.» حتى تصل
خطوط المسؤولية والأبعاد الأخلاقية إلى نقطة التلاشي وتختفي من مجال الرؤية تماما .
هذه السمة المميزة للدافع الأخلاقي تبدو مستقلة عن النظام الاجتماعي الذي يحدد إطار
التفاعل. وما يعتمد حقًا على ذلك النظام هو الفاعلية البراجماتية للنزعات الأخلاقية» أي
قدرتها على التحكم في أفعال الإنسان» ووضع سقف للضرر الواقع على الآخر»ء وتحديد
. 140 .م ,تتام طاوتلاعل أأصسذفا , معمسدده88 (1)
11000000000 08 يناتا
الفصل السابع: نحو نظريي سوسيولوحين للأخلاق
المعايير التي يمكن أن تتخضع لها كافة التعاملات . فاللامبالاة الأخلاقية وصلت أوج قوتها
- وخطورتها - في مجتمعنا الحديث الصناعي الذي يهتدي بنور العقلانية والتكئولوجيا
الفائقة . ففي هذا المجتمع» يمكن لأفعال الإنسان أن تثبت فاعليتها عن بعد وهو بعد
يتزايد بنقدم العلم والتكنولوجيا والبيروقراطية. في مثل هذا المجتمع يصل تأثير أفعال
الإنسان إلى نقطة أبعد من «نقطة تلاشي» الرؤية الأخلاقية. فالمقدرة البصرية للدافع
الأخلاقي» المشروطة بمبدأ قرب الإنسان» تظل ثابتة» بينما تتزايد المسافة التي قد تكون
للأفعال البشرية عندها آثار وعواقب» ومن ثم يتزايد أيضًا عدد المتضررين من هذه
الأفعال. لقد قزم المجتمع مجال التفاعل الذي تحكمه الدوافع الأخلاقية مقارنة با معدل
المتزايد للأفعال التي لا تخضع لهذه الدوافع .
حققت الحضارة الحديثة احا فاضحا في إحلالها للمعايبر العقلانية محل كافة المعايير
الأخرى باعتبارها معايير «لاعقلانية) وفق التعريف الحديث - وباعتبار أن أهمية الحكم
الأخلاقي تتضخم بين المعايير اللاعقلانية . هذا النجاح الفاضح كان يحكمه بشكل قاطع
التقدم في «التحكم عن بعد»» أي التقدم في توسيع المسافة التي يكون عندها الفعل البشري
قادرا على إحداث تأثيرات واضحة. فالأهداف البعيدة والتي يصعب رؤيتها لا تخضع
للحكم الأخلاقي» ومن ثم فإن اختيار الفعل الذي يؤثر على هذه الأهداف لا يسري عليه
القيود التي يفرضها الدافع.الأخلاقي :
وكما أوضحت تجارب ميلجرام بصورة درامية» يتحقق إسكات الدافع الأخلاقي
وتعليق الضوابط الأخلاقية من خلال وضع الأهداف الحقيقية للفعل - التي لا يعرفها
الفاعل غالبًا - (على مسافة بعيدة بحيث يصعب رؤيتها»» وليس من خلال حملة علنية
عنيفة ضد الأخلاق أو عن طريق غرس الأفكار في الأذهان بهدف استبدال النظام
الأخلاقي القديم بمجموعة بديلة من القواعذد . إن أبرز وسيلة لإبعاد الضحايا عن مجال
الرؤية» ومن ثم إبعادهم عن الحكم الأخلاقي» هي الأسلحة الحديثة. فقد اعتمد تقدم
الأسلحة الحديثة إلى حد بعيد على تقليص فرص الاقتتال وجها لوجهء أي القتال المباشر
المتعارف عليه . فالأسلحة الحديثة تقوم على الفصل بين الأطراف المتناحرة وتوسيع حجم
المسافة بينهاء وليس بالأحرى على الجمع والمواجهة بينها. ولذا فإن تدريب مستتخدمي
الأسلحة على كبح دوافعهم الأخلاقية أو الهجوم المباشر على المباديء الأخلاقية «العتيقة»
556
الحداثنّ والهولوسكوست
فقد كثيراً من أهميته التي حظي بها في الماضي بعد أن أصبح استخدام الأسلحة لا علاقة له
باستقامة أخلاق مستخدميها. ويرى فيليب كابوتو أن روح الحرب وطبيعتها «تبدو وكأنها
مسألة مسافة وتكنولوجيا؛ فمن المستحيل أن تخالف الأخلاق والضمير والقانون إذا قتلت
أناسًا عن بعد باستخدام أسلحة متطورة»7١2. فطالما أن الشخص لا يرى الآثار الواقعة
لأفعاله» أو طالما لا يستطيع أن يحدد بلا غموض العلاقة بين ما رآه بتلك الأفعال البسيطة
البريئة التي يقوم بها مثل كبسة زر أو تحريك مؤشر» فمن غير المحتمل أن ينشأ صراع
أخلاقي» وإن نشأء فمن المحتمل أن يكون صراعا صامتًا. فاختراع المدفعية سلاح قادر
على إصابة أهداف لا يراها مستخدموا السلاح» ويمكن أن نراه كنقطة انطلاق رمزية
للحرب الحديثة وما صاحبها من استبعاد للعوامل الأخلاقية: تلك المدفعية تسمح بتدمير
الهدف بينما توجه السلاح في اتجاه مختلف هاما .
يمكن النظر إلى جاح المدفعية الحديثئة كصورة مجازية لعملية أكبرء ألا وهي إنتاج
المجتمع للتباعد الاجتماعي . وقد حدد جون لاكس موضع الصفات الجامعة للمظاهر
العديدة لهذه العملية في التطبيق القوي لما يسمى التوسط في الفعل» والاستعانة الكبيرة بم
يسمى الإنسان الوسيط - إنسان «يقف بيني وبين فعلي ما يجعل من المستحيل أن أعيش
تبربة الفعل على نحو مباشر» . | 0
تتناسب المسافة التي نشعر أنها تبعد بيننا وبين أفعالنا مع جهلنا بأفعالناء وفي الغالب
الأعم يصبح جهلنا مقياسا لامتداد سلسلة الوسطاء بين أنفسنا وأفعالنا . . . فعندما يغيب
الوعي بالسياق» تصبح الأفعال حركات بلا عواقب. وباستبعاد العواقب من مجال
الرؤية» يمكن أن يصبح الناس أطرافًا في أكثر الأفعال بشاعة دون أن يتساءلوا مطلقًا عن
دورهم أو مسؤوليتهم . . . [فمن الصعب للغاية] أن ندرك أن أفعالنا - من خلال تأثيرها
عن بعد - لها دور فى إحداث البؤس والشقاء . وليس تنصلاً من المسؤولية أن يشعر المرء أنه
لخب لهت تللك» وأنيديق السحتمم .. وهذا نتيجة طبيعية للتطبيق الواسع لعملية التوسط
في الفعل والتي تؤدي حتمًا إلى جهل مخيف27 .
9 .م ,(/197 ,71500 عل اتمطعصنا ,)01 عامه لا بجع ا1) عدج اا 01 :001 تننظ لت ,مكتاطةن) واللطط (1)
تفط توممنخطع 8) , جأعلع50 محمعل 540 دزا لمددل تمص عطا سه :جاتاتطتكممووع ]1 ,خطعما صطمل (2)
12,13,57-8 .صم ,(1981 ,تعاوء؟
م 860176 | زدمثاة
الفْصل السايع: نحو نظرين سوسيولوجيت للأخلاق
التوسط في الفعل يجعل النتائج النهاتية للفعل خارج المنطقة الضيقة للتفاعل والتي
تحتفظ فيها الدوافع الأخلاقية بقوتها الضابطة ؛ فالتقسيم الدقيق للعمل والامتداد الهائل
لسلسلة الأفعال التي تتوسط بين المبادرة وتأثيراتها الملموسة يحرران معظم عناصر العمل
المشترك من الأهمية الأخلاقية والتدقيق الأخلاقي. صحيح أن هذه العناصر لا تزال
خاضعة للتحليل والتقييم» ولكن وفق معايير تكنيكية لا معايير أخلاقية. وتقتضي
«المشكلات» خططًا أفضل وأكثر عقلانية لا تحليلات للدوافع والمعتقدات. وينهمك
المشاركون في المهمة العقلانية الخاصة بالبحث عن وسائل أفضل لتحقيق الغاية المفترضة -
الجزئية - لا في مهمة أخلاقية خاصة بتقييم الغاية النهائية التي ليس لديهم عنها سوى فكرة
مبهمة أو التي لا يشعرون أنهم غير مسؤولين عنها .
ففي دراسة عن تاريخ ابتكار عربات الغاز المشينة والتي كانت أول الحلول النازية لتحقيق
المهمة التكنيكية الخاصة بالقتل الجماعي السريع والمنظم والرخيص» قدم كريستوفر
براونينج رؤية عميقة عن.العالم النفسي الخاص بالمتورطين في الجرائم النازية :
التخصصون الذين لا علاقة لخبرتهم المهنية بالقتل الجماعي وجدوا أنفسهم فجأة تروسا
صغيرة في آلة التدمير. كانت مهنتهم تختص بالمركبات ومراقبة حركتها وإصلاحها
وصيانتهاء وفجأة استخدمهم النازيون عند الضرورة في نخدمة القتل الجماعي عندما
أسندوا إليهم مهمة صناعة عربات الغاز . . . ما كان يزعج هؤلاء المتخصصين هو النقد
والشكاوى من بعض العيوب في المنتج . فالعيوب في عربات الغاز كانت صورة سلبية عن
مدى إتقانهم للمهنة» وكان لابد من إصلاح هذه الصورة. ومن خملال اطلاعهم الكامل
على المشكلات التي تظهر في المنتج» أخذوا يبذلون قصارى جهدهم حتى يقدموا تعديلات
فنية بارعة تجعل منتجهم أكثر كفاءة وإرضاء لمستخدميه . . . أما القلق الأكبر الذي كان
يساورهم فكان يكمن في إحساسهم بأنهم ربما لا يكونون عند حسن ظن من أسندوا إليهم
0000
في ظل ظروف التقسيم البيروقراطي للعمل» نجد أن «الآخر» الموجود داخل دائرة
القرب الإنساني» حيث تهيمن قواعد المسؤولية الأخلاقية» مجرد زميل في العمل يعتمد
تقسذ! عط 04 ععمعع ععصطظ عطا ده وجوددظ بقطاده31 لاعن ,متهم :11 لقرد 620 (1)
. 66-7 . ورم ,(1985 ,رجعقع381 عن وعصسامك] :علرمتلا بوع1) ممتاسامك
يذذ
الحداذثي والهولوكوست
نجاحه في أداء مهمته على تطبيق الفاعل لدوره في المهمة؛ أو مجرد رئيس مباشر يعتمد
نمجاحه المهني على تعاون مرؤوسيه؛» أو مجرد شسخص تحت الخط الهرمي للعمل يتوقع أن
تكون مهمته محددة وواضحة. وفي التعامل مع هؤلاء «الآخرين»» تأخذ المسؤولية
الأخلاقية التى يولدها قرب الإنسان شكل الولاء للهيئة -وهذا تعبير مجرد عن الشبكة
القائمة على التفاعل المباشر وجهًا لوجه. وفي إطار الولاء للهيئة ربما يُوظف الدواقع
الأخلاقية لتحقيق أغراض دنيئة دون المساس بأصول اللياقة الأخلاقية الخاصة بالتفاعل في
منطقة القرب الإنساني والتي تغطيها الدوافع الأخلاقية. ووها نستهر الفاعلون فييهنا
يفعلونه وهم مؤمنون باستقامتهم الأخلاقية؛ فواقع الأمر أن أفعالهم تخضع بكل تأكيد
للمعايير الأخلاقية المتبعة في المنطقة الوحيدة التي بقيت فيها المعايبر الأخرى فعالة. وقد
درس كريستوفر براونينج الحياة الشخصية للمسؤولين الأربعة الذين كانوا يديرون ما عرف
باسم المكتب اليهودي (111 1) في وزارة الخارجية الألمانية» ووجد براونينج أن اثنين منهم
كانا راضيين عن وظيفتهماء بينما فضل الاثنان الآخران الانتقال إلى مهام أخرى :
نجح كلاهما في الخخروج من المكتب اليهودي (111 2): ولكن أثناء وجودهما به» كانا
يؤديان مهامهما بإتقان. لم يعترضا على وظيفتهما صراحة» بل عملا خفية وفي هدوء على
الاتتقال إلى مهام أخصرى؛ ذلك لأن أولويتهما العظمى كانت تتمثل في الحفاظ على
ملفاتهم وسجلاتهم نظيفة وبيضاء . وبغض النظر عن كون الأربعة كانوا يعملون بحماس
أو على مضض» تظل الحقيقة واضحة» وهي أن الأربعة كانوا يعملون بكفاءة. فقد أبقيا آلة
التدمير دائرة» أما الأكثر حماسا والأكثر تجردا من المباديء الخلقية بينهم فقد أعطى آلة
التدمير دفعة إضافية للأماه7١ .
أدى تقسيم المهام وانفصال الجماعات الأخلاقية الضغيرة عن النتائج النهائية للفعل إلى
خلق تباعد بين الجاني والضحية » وهو تباعد يقلل من ضغط الضوابط الأخلاقية أو يقضي
عليه تمامًا. بيد أنه لا يمكن الحفاظ المطلق على التباعد الجسدي: والوظيفي على امتداد
سلسلة الأوامر البيروقراطية. فلايد أن يلتقي بعض الجناة بالضحايا وجهًا لوجه أو على
1110 وموك مرك وق فلن نم11 أد هسه 669 108" 1م805 11 معناو عت 1
,8511117000) ومغاتقة لتطنوئ ع ملسم لم226 بتممط .له ,ع10عممعء0 لنة , لاعمن راوع تلا
. 190 .م ,(1980 ,كصمتكتدع ت[طبظ أهده ممع اص[ مم1
ا .6310| بدمثار
الفصل السابع: نحو نظريتّ سوسيولوحيتّ للأخلاق
الأقل لابد أن يكونوا على مقربة منهم بحيث يعججزون عن تجنب أو حتى قمع تصورهم
للآثار المترتبة على أفعالهم بمرور الوقت. لذا وجب إيجاد طريقة أخرى تضمن الفصل
السيكولوجي في غياب الفصل الجسدي والوظيفي » وهي طريقة يوفرها نوع حديث ماما
من السلطة» ألا وهو الخبرة .
جوهر الخبرة هو الافتراض بأن الإنجاز السليم للمهام يتطلب معرفة خاصة» وأن تلك
المعرفة تتفاوت في توزيعها؛ وأن بعض الأشخاص يمتلكون قدرا أكبر من غيرهم ؛ وأن من
يمتلكون تلك المعرفة لابد وأن يكونوا مسؤولين عن ثنفيذ المهام؟ وأن كونهم مسؤولين يضع
على عاتقهم عبء كيفية تنفيذ تلك المهام . واقع الأمر أن هذه المسؤولية لا تخول إلى الخبراء
أنفسهم» بل إلى المهارات التي يمثلونها . ومؤسسة الخبرة والموقف المصاحب تجاه الفعل
الاجتماعي يقتربان إلى حد كبير من نموذج القديس سيمون والذي أقره ماركس بحماس
شذديد» وهو تموذج الإدارة الأشباء لا الأشخاص»)؛ حيث يصبح القائمون بالفعل مجرد
وسطاء للمعرفة» وحمالين «للمعرفة الفنية»» وتتوقف مسؤوليتهم الشخصية كلية على
تمثيلهم للمعرفة بكفاءة» أي إنجاز المهام وفق الأحدث التقنيات» وبأفضل مستوى للمعرفة
الدقيقة. أما من لا يمتلكون «المعرفة الفنية» فيرون أن الفعل المسؤول يعني اتباع نصائح
الخبراء . وهكذا تذوس المسؤولية الشخصية فى السلطة المجردة للمعرفة الفنية التكنيكية .
ويستشهد براونينج بالمذكرة التي أعدها الخبير الفني ويلي جاست عن التطوير الفني
لشاحنات الغاز» إذ أكد جاست أن الشركة المسؤولة عن تجميع أجزاء هذه الشاحنات يجب
أن تُقصّر طول جسم الشاحنة؛ الشاحنات الحالية لا تناسب التضاريس الروسية الصعبة
وهي تسير بكامل حمولتهاء وكان هناك حاجة للمزيد من أول أكسيد الكربون حتى يملأ
المساحة الفارغة بالشاحنات» وكانت العملية ككل تأخذ وقنًا طويلاً» وتفقد كثيراً من
فاعليتها :
الشاحنة الأقصر والمحملة بالكامل تتحرك بسرعة أكبر . ولن يؤثر تقصير المقصورة
الخلفية للشاحنة بالسلب على اتزان الوزن؛ أو زيادة ا حمل على المحور الأمامي» لأن هناك
اتعديل أتوماتيكي في توزيع الوزن» وتكون أرجحية الحمولة أو البضاعة دائمًا في اندفاعها
باتجاه الباب الخلفى للشاحنة . وبما أن الأنبوب الواصل سرعان ما يصدأً بسبب «السوائل»)
لوق
الحداثز والهولوكوست
فيجب أن يدخل الغاز من أعلى لا من أسفل . ومن أجل تسهيل عملية التنظيف,. ينبغي
صنع ثقب يتراوح حجمه من ثمان إلى اثنتا عشرة بوصة» على أن يكون له غطاء يفتح من
الخارج . وينبغي أن تكون الأرضية مائلة إلى حد ماء والغطاء به مصفاة صغيرة. وهكذا
تتجمع «السوائل» في المتتصف, فتخرج «السوائل الخفيفة» أثناء العملية» أما «السوائل
الأكثر سمكًا» فيمكن التخلص منها فيما بعد( .
كل علامات التنصيص الموجودة في الفقرة السابقة وضعها براونينج» أما جاست فلم
يبحث عن صور مجازية ولم يستخدمهاء بل كان أسلوبه دائمًا مباشرا وعمليًا مثل لغة
التكنولوجيا. كان جاست خبيراً في صناعة الشاحنات» ولذا كان يحاول دائمًا التعامل مع
حركة الشحنة لا مع صراع البشر من أجل التنفس ؛ كان يتعامل مع سوائل سميكة وخفيفة
لا مع إفرازات البشر وقيئهم . أما كون الحمولة عبارة عن بشر في طريقهم إلى الموت فذلك
لا يقلل من أهمية التحدي التكنيكي لحل المشكلة . هذه الحقيقة يجب أن تترجم أولاً من
خلال اللغة الحيادية لتكنولوجيا إنتاج الناقلات قبل أن تتحول إلى «مشكلة» تستوجب
«الحل» . لكن يبقى التساؤل : هل من قرؤوا مذكرة جاست وشرعوا في تنفيذ التعليمات
الفنية بها بذلوا أية محاولة لإعادة ترجمة هذه الحقيقة؟
فيما يخص فتئران تجارب ميلجرام؛ كانت «المشكلة» تتمثل في التجربة التي وضعها
الخبراء وأداروها. فقد تأكد خبراء ميلجرام أن الفاعلين بقيادة الخبراء» على النقيض من
عمال مصنع سودومكا الذين تناولتهم مذكرة جاست. يعلمون علم اليقين بالمعاناة التي
كانت تحدثها أفعالهم . كانوا يعلمون أن مقولة «لم أكن أعرف» لا تصلح ولا تشفع لهم .
إن ما أثبتته تجربة ميلجرام في النهاية هو قوة الخبرة الفنية وقدرتها على الانتصار على
الدوافع الأخلاقية» حيث يمكن أن يجد أصحاب الأخلاق أنفسهم يقترفون أعمالاً غير
أخلاقية حتى وإن كانوا يعلمون أو يعتقدون أنها غير أخلاقية - بعد أن يقتنعوا بأن الخبراء -
من يعرفون أشياء لا يعرفونها هم - أظهروا بوضوح أن أعمالهم ضرورية. وأخيرا فإن
معظم الأفعال في مجتمعنا لا تكتسب شريعتها من مناقشة أهدافهاء بل من مشورة أهل
الخبرة الفنية أو تعليماتهم .
. 64-5 . درم ركطغاصعل/ة لماع هآ ,عستم جمءظ (1)
ود طاو طم 18601300181031 /إبدمتار
الفصل السابع: نحو نظ رين سوسيولوجيت للأخلاق
ملاحظات ختامية
ينتتهي هذا الفصل دون أن يطرح نظرية سوسيولوجية بديلة للسلوك الأخلاقي» ويأتي
هدفه أكثر تواضعًا: مناقشة بعض مصادر الدوافع الأخلاقية» علاوة على الظروف التي
يخلقها المجتمع ويصبح فيها السلوك غير الأخلاقي مكنا . ورغم أن هذه المناقشة تبدو
محدودة» فهي توضح أن السوسيولوجيا التقليدية للأخلاق في حاجة ماسة لمراجعة
جوهرية. وأحد الافتراضات التقليدية التى فشلت فى الاختبار هو أن السلوك الأخلاقى
ينتجه المجتمع وتحافظ عليه المؤسسات المجتمعية» أي أن المجتمع في جوهره أداة للأنسنة
والتهذيب» وأن وقوع أي تصرف غير أخلاقي على نطاق غير هامشي يمكن تفسيره على
أنه نتيجة تعطل ما للترتيبات الاجتماعية «الطبيعية» . وفق هذا الافتراضء لا يمكن أن
تكون اللاأخلاقية من نتاج المئؤسسات المجتمعية وأن أسبابها الحقيقية يجب البحث عنها في
مكان آخر.
وقد ذهبنا في هذا الفصل إلى أن الدوافع الأخلاقية القوية لها أصل قبل مجتمعي» وأن
بعض جوانب المنظومة المجتمعية الحديثة تُضعف من قوتهاء وهكذا يمكن للمجتمع أن
يجعل السلوك غير الأخلاقي أكثر قبولاً» وليس بالأحرى أقل قبولاً. لقد ظل الغرب
يروج صورة أسطورية عن أن العالم بدون بيروقراطية ومعرفة حديثة هو عالم تحكمه
«شريعة الغاب» أو «قانون القوة». هذه الصورة الأسطورية دليل فى جانب منها على حاجة
البيروقراطية الحديثة إلى إضفاء الشرعية على وجودها”(!2: فهي أخذت تدمر المعايير
الناشئة عن تدافع دوافع وميول لا تسيطر عليها”"". وهي تدل أيضًا على أن القدرة الأصلية
للإنسان على تنظيم علاقات متبادلة على أساس المسؤولية الأخلاقية قد ضاعت وأصبحت
في طي النسيان. ومن ثم فإن ما يصور على أنه فعل همجي لابد من تهذيبه وكبح جماحه
ربما يكون في واقع الأمر الدافع الأخلاقي نفسه الذي أخذت تحيّده سيرورة التهذيب
الحضاري واستبدلته بعد ذلك بآليات التحكم المستمدة من البنية الحديثة للهيمنة . فبعد أن
)١( أشار كلود ليفي شتراوس إلى أن الحضارات البدائية من آكلي لحوم البشر كانوا #يلتهمون! خصومهم» في حين
انتقيأهم» نحن في الحضارة الحديثة» أي نفصلهم» ونعزلهمء ونطردهم » ونستبعدهم عن عالنا والتزاماته
الإنسانية (المؤلف) .
.4 يل ,(1987 رووععظ تلوط :عع لقطصسمن) كتعاءع م عاد1 سو 5دماهأواوعنآ ,مقستنة8 المع نزت (2)
١
الحداثتّ والهولوكوست
تبين أن القوى الأخلاقية التي يخلقها القرب الإنساني بتلقائية قد زعت عنها الشرعية
وشّلت حركتها تمامّاء اكتسبت القوى الجديدة حرية المناورة على نحو لا مثيل له» وربما
أنتتجت على نطاق هائل سلوكًا يمكن أن يعرفه مجرمو السلطة وحدهم على أنه صراط
ثمة إنجازات مجتمعية في إدارة الأخلاقيات» ومن أهمها:
-١ الإنتاج الاجتماعي للتباعد والذي يقلل ضغط المسؤولية الأخلاقية أو يلغيها .
؟- استبدال المسؤولية الأخلاقية بالمسئولية الفنية التكنيكية والتي تخفي ببراعة الأهمية
الأخلاقية للفعل الإنساني .
- تكنولوجيا الفصل والتمييز العنصري والتي تشجع على اللامبالاة نحو مأساة الآخر
التي من الأحرى أن تخضع للحكم الأخلاقي والاستجابة الأخلاقية. ويعزز هذه
الآليات القاتلة للأخلاق مبدأ سيادة الدولة واغتصابها السلطة الأخلاقية العليا باسم
المجتمعات التي تحكمها. وباستثناء «الرأي العالمي» الواسع والذي لا تأثير له تقريبّاء لا
توجد قينود على حكام الدول في إدراتهم للمباديء الأخلاقية المفروضة على المنطقة
التي تقع تحت نفوذهم وسيادتهم . وهناك أدلة كثيرة على أنه كلما انعدم الضمير في
أفعالهم في هذا المجال. كلما زات قوة المطالبة "بإرضائهم». مما يؤكد» ويدعم كذلك»
احتكارهم وديكتاتوريتهم في مجال الحكم الأخلاقي .
وبذلك» ثوفي ظل النظام الحديث» لايهدا الصراع القديم السوفوكليسي بين القانون
الأخلاقي وقانون المجتمع» بل إنه يزداد حضورا وخطورة - إذ ترجح في النظام الحديث
كفة الضغوط المجتمعية القامعة للأخلاق. وفي أحيان كثيرة» يوصف السلوك الأخلاقي
بأنه موقف هدام أو مناهض للمجتمع من منظور القوى الموجودة في السلطة والرأي العام
- سواء جاء هذا الرأى صريحا أو تبدى فقط في فعل أو لافعل الأغلبية . ودعم السلوك
الأخلاقي في مثل هذه الحالات يعني مقاومة السلطة المجتمعية وإضعاف قبضتها. ولذا
يجب أن يستند الواجب الأخلاقي إلى منبعه الأصلي» أي المسؤولية الحقيقية التي يتحملها
الإنسان تجاه الآخر .
0 دما
الفصل السابع: نحو نظريتّ سوسيولوجيتّ للأخلاف
هذه المشكلات لها أهمية قصوى بجانب أهميتها الأكاديمية» وهذا يذكرنا بكلمات راؤل
هيلبرج :
تذكر مرة أخرى أن التساؤل الرئيس كان: هل هناك شعب غربي » شعب متحضرء
يمكن أن يأتي هذا الفعل التدميري؟ ثم بعيد عام 1944» نجد التساؤل تحول تمامًا ليصبح :
«هل هناك أي شعب غربي يعجز عن إتيان هذا الفعل التدميري؟ . . . في عام 21١914١
لم تكن الهولوكوست متوقعة» وهذا هو سبب انزعاجنا؛ إذ لا نجرؤ على أن نستبعد المحال
وما لا يمكن تصوره)17؟.
-نا8 ,نم1060108 :ادندع 8010 غط!' صا , 'أكتتوء81010 عط 01 ععصق طقتمولهك عط" ,عععط 11 اندع (1)
. 98,99 .مم رع10ع0طع©) لطة , لقع تعتالقع]
ا
10010220
الفصل الثامن
التفكير من جديد: © .
العقلانية والخزي الأخلاقي
10010220
المْصل الثامن: التفكيرمن جديد : العقلانينّ والخزي الأخلاقي
يحكي أن أربعة عشر سجيئًا حاولوا الهرب من معسكر سوبيبور» وفي غضون ساعات
قُبض عليهم جميعاء وأحضروا إلى ميدان المعسكر حتى يواجهوا باقي السجناء . وهناك
قيل لهم : «ستلقون حتفكم حتمًا في لحظة واحدة. لكن قبل ذلك سيختار كل منكم رفيقه
في الموت من باقي السجناء . » فقالوا: «مستحيل!2 فقال القائد بكل هدوء : (إذا رفضتم»
سأقوم أنا بالاختيار نيابة عنكم . ولكن سأختار خمسين بدلاً من أربعة عشر». ولم يضطر
القائد إلى تنفيذ تهديده .
أما في الفيلم الوثائقي «شواه» (5008) للمخرج كلود لانزمان» يتذكر أحد الناجين
بفضل الهروب الناجح من معسكر تربلينكا أنه عندما انخفض إمداد غرف الغاز بالوقود
[الفمحايا]» سّحبت حصص الطعام من اليهود العاملين بالوحدة الخاصة
(03200دهع50061). ولما لم يعد لأفراد هذه الوجدة فائدة» صاروا مهددين بالإبادة»
لكن ظهرت بشائر نحاتهم عندما اقتيدت جماعات يهودية جديدة وشحنت في القطارات
المتجهة إلى معسكر تربلينكا .
وفي الفيلم نفسه» نلتقي بعضو سابق من أفراد الوحدة الخاصة يعمل الآن حلاقًا في تل
أبيب» وهويتذكر كيف كان يحلق شعر الضحايا حتى يكون مفرشا ينام عليه الألمان»
وكيف لزم الصمت ولم يتحدث عن الغرض النهائي من الحلاقة» فكان يحث زبائنه على
التوجه بسرعة إلى ما كانوا يعتقدون أنه استحمام جماعي .
أيضا كتب البروفيسور جان بلونسكي مقالة متعمقة ومؤثرة بعنوان «البولنديون البائسون
ينظرون إلى الجيتو»» وأثئارت هذه المقالة نقاش واسعا عام /19/1 على صفحات الجريدة
البولندية الكاثوليكية الأسبوعية «نيجودنيك .بوقشنى» (لإصاءء20552 علنه00ع19) . فى
هذا النقاش» أكتى يازق بعري فكي حكاب رزواها لدالجد اد ناد اله عرفت
العائلة توفير مخبأ لأحد الأصدقاء القدامى» وكان هذا الصديق يهودياء وكان يبدو
بولندياء كما كان يتحدث اللهجة البولندية التى يتحدثها النبلاء؟ لكن العائلة رفضت إيواء
وات التاكلة لوي عاق ويد ريه نون انون بهد حراك ررسوتي بابحا روي زاعيحة ؟
فرفض الصديق اليهودي أن ينجو بمفرده.
يفن
الحداثت والهولوكوست
ويعلق ياستربوقسكي على هذه الحكاية قائلاً :
لو كانت عائلتي اتخذت قرارا غير ذلك» لكان هناك احتمال بنسبة تسعة إلى واحد أن
نوت جميعا رما بالرصاص [في بولندا إبان الاحتلال النازي؛ كان الموت هو عقوبة التستر
على اليهود أو مساعدتهم]. لذا كان احتمال إنقاذ صديقنا وأخواته ضئيلاً جدا في مثل هذه
الظروف . لكن قريبي الذي كان يروي لي هذه المأساة» وأخمذ يردد «ماذا كان بإمكاننا أن
نفعل» لم يكن بإمكاننا أي شيء نفعله»» لم ينظر إلى عيني مباشرة دون خحجل أو خوف».
وكان يشعر أنني أعتقد أنه يكذب» رغم أن كل ما قاله كان صدقًا .
وفي تعليق آخر حول هذا النقاش » كتب كاشيميز ديشيقانوفسكي :
لوقتل الملايين من الأبرياء في بلدناء وفي حضورنا وأمام أعينناء فهذا أمر بشعء
ومأساة مروعة - وهذا يجعلنا نتفهم أنه أمر طبيعي وبشري أن يظل الناجون تحت تأثير
الصدمة ولا يهدأ روعهم . . . من المستحيل إثبات أنه كان بالإمكان فعل المزيد» ولكن
يستحيل أيضا إثبات أنه لا يمكن أن يفعل أحد أكثر من ذلك .
أما فلاديسلا قبارتوشفسكي», المسؤول عن المساعدات البولندية لليهود أثناء الاحتلال»
فقد علق على هذا النقاش قائلاً: «الوحيد الذي يستطيع أن يقول إنه فعل كل ما بوسعه هو
من دفع ثمن الموت» .
وتتمثل إحدى أشد الرسائل المفزعة التي يبعث بها فيلم اشواه» للمخرج لانزمان في
فكرة عقلانية الشر (أم كانت شر العقلانية؟). فمن يشاهد الفيلم» يعاني أشد ألوان
المعاناة» إذ تكشف الحقيقة المخزية المروغة عن نفسها في أبشع صورها: حفنة من رجال
يحملون أسلحتهم ويقتلون الملايين!
الغريب في الأمر أن تلك القلة المسلحة كانت مذعورة» كانت مدركة لمدى هشاشة
سيطرتها على قطيع البشر. كانت قوتها معلقة على الضحايا المستهدفين في عالم خيالي
مصطنع » عالم يحدد معالمه ويروي قصته رجال مسلحون. في هذا العالم» كانت الطاعة
هي العقلانية» والعقلانية هي الطاعة . عقلانية مربحة - على الأقل مرة واحدة - لكن في
هذا العالم لم يكن هناك فرصة أخبرى للربح» لم يكن هناك فرصة لإطالة أمد البقاء على
دما
الفصل الثامن: التضدكي رمن جديد: العقلانيت والخزي الأخلاقي
قيد الحياة. وكل خطوة على الطريق إلى الموت كانت تتم بحرص وعناية حتى يمكن حسابها
بلغة المكاسب والخسائرء المكافآت والعقوبات . كان الهواء النقي والموسيقى مكافأة على
الاختناق الطويل المتواصل في عربة البهائم . وكان الاستنحمام والمعاطف والمناشف
والصابون انعتاقًا من القمل والقذارة والرائحة الكريهة الناتجة عن العرق والغائط .
والعقلانيون هم من يذهبون في هدوء وسكينة وسعادة إلى غرف الغاز لو أنهم صدقوا
أنها «أدشاش» للاستحمام .
كان أفراد الوحدة الخاصة يعلمون أن إخبار المستحمين بأن مكان الاستحمام غرفة من
غرف الغاز هو جريمة عقوبتها الموت على الفور. لم تكن الجريمة لتبدو بشعة ولا العقاب
قاسيًا لو سيق بالضحايا إلى الموت نتيجة شعورهم بالخوف أو الاستسلام الانتحاري . لكن
لو كان رجال «الإس إس» قد أسسوا النظام على الترهيب وحده.ء لكانوا في حاجة لزيد
من القوات والأسلحة والمال. لذا كانت العقلانية أكثر فاعلية وأقل تكلفة وأسهل استجابة .
وهكذا شجع رجال «الوس إس» التفكير العقلاني لدى ضحاياهم حتى يتمكنوا من القضاء
عليهم .
في لقاء على التليفزيون البريطاني» ظهر مسؤول أمني رفيع من جنوب إفريقياء وقال
إن الخطر الحقيقي الذي يمثله جزب المؤتمر الوطني الإفريقي (8710) لا يكمن في الأعمال
التخريبية والإرهابية مهما كان حجمها أو تكلفتهاء بل في تشجيع السكان السود أو الغالبية
العظمى منهم» على عدم احترام «القانون والنظام»؛ وإذا حدث هذاء فإن أقوى قوات
الأمن وأفضل أجهزة المخابرات ستقف عاجزة حيال هذا الأمر - وهذا استشراف للمستقبل
أكدته مؤخرا تجربة الانتفاضة [الفلسطينية]7١2. يحتفظ الترهيب بفاعليته طالما لم يثقب
أحد بالون العقلانية . فأكثر الحكام قسوة وتدميرية ودموية لابد أن يظل واعظًا ومدافعا
مخلصا عن العقلانية - أو يموت. وعندما يوجه هذا الحاكم حديثه للرعية؛ يجب أن
«يخاطب العقل2., ويمتدح فضائل حساب التكاليف والنتائج. ويدافع عن المنطق ضد
العواطف والقيم التي تخالف العقل والمنطق ولا تحسب التكاليف .
)١( يشير باومان هنا إلى نموذج الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي .)١997 - ١941 وهي
إشارة ضمنية إلى فشل الحيش النظامي الإسرائيلي في قمع ثورة عفوية من رماة الحجارة؛ رغم تهديد إسحق
رابين خلال كلمته في الكنيست عندما قنال «ستفرض القانون والنظام في الأراضي المحتلة. . . . -
8
الحداثة والهولوكوست
بوجه عام» يستطيع كل الحكام الاعتماد على العقلانية . أما القادة النازيون» بالإضافة
إلى ذلك» فقد قلبوا كل قواعد اللعبة حتى حولت عقلانية البقاء كل دوافع الفعل الإنساني
إلى دوافع غير عقلانية . ففي العالم الذي صنعته النازية» أصبح العقل عدو الأخلاق»
والمنطق صديق الجريمة» والدفاع العقلاني عن البقاء غض الطرف عن محاولات القضاء
على أناس آخرين . هذه العقلانية وضعت الضصحايا في صراع من أجل البقاء وألغت
الروابط الإنسانية» بل جعلتهم عدوا وتهديدا لمن لم تأت أسماؤهم في قائمة القتل وكانوا
يلعبون دور المتفرجين فقط . ويرجع الفضل للعقلانية النبيلة في تخليص الضحايا
والمتفرجين من عبء تأنيب الضمير والشعور بالذنب. فمن خلال اختزال ثمن حياة
الإنسان إلى حسابات الحفاظ على النفس» جردت العقلانية حياة البشر من الإنسانية .
صحيح أن الحكم النازي قد انتهى منذ زمن:بعيد» لكن ميراثه السام لم يمت بعد. إن
عدم قدرتنا على استيعاب معنى الهولوكوست» وعجزنا عن كشف تخدعة الجريمة»
واستعدادنا للاستمرار في لعبة التاريخ وفق منطق حجر النرد الذي حول الأخلاقيات إلى
شيء بلا معنى وبلا فائدة» وقبولنا للسلطة التي تعمل بحساب التكاليف والفعالية ضد
القيم الأخلاقية - كل ذلك ينطوي على دلائل تفضح الفساد الذي كشفته الهولوكوست»
لكن يبدو أن كل ذلك لم يسبب لنا أي شعور بالخزي
عامان من طفولتي المبكرة ظهرت فيهما بطولة جدي في محاولات فاشلة أراد من
خلالها تعريفي بكنوز الكتاب المقدس . ربمالم يكن جدي معلمًا ناحجاء وربما كنت أنا
طالبًا فاشلاً وجاحدا. الحقيقة هي أنني لا أتذكر أية كلمة من دروسه . لكن هناك حكاية
محدورة يع ني علاار :للك تاندلتي لستوات طويلة.»٠(نها ستكاية وامظة قال اذ فى
الطريق أثناء سفره بحماره المحمل بنحقائب الطغام. طلب الشحاذ من الواعظ أي شيء
يأكله» فقال الواعظ «انتظر! يجب أولاً أن أفك الحقائب». وقبل أن ينتهي الواعظ من فك
الحقائب تمكن الجوع من الشحاذ ومات . ثم بدأ الواعظ في الدعاء : «عاقبني يا إلهي» فقد
35 وسنكسر أيديهم وأرجلهم إذا لزم الأمر.» وعندما تأكد فشل الجيش النظامي في مواجهة الانتفاضة» استعانت
إسرائيل بحرس الحدود حتى تقضي على الثوار. ورغم قدراتهم الفائقة في الهجوم على الفلسطينيين الثوارٍ» لم
المحتلة [المترجم].
1110 دما
المصل الثامن: التكيزمن جديد: العقلانينّ والخزي الأخلاقي
فشلت في إنقاذ حياة أخي الإنسان!» وكانت الصدمة التي سببتها لي تلك الحكاية هي
القروة اكز خيد تقويا الذي سقو فى ذاكرتي مق قائمنة مواعطة جودي'كاقت دازف كان
دائمًا ما تتصادم مع كل ما أتلقاه عن أساتذتي منذ ذلك الحين . ما صدمني في هذه الحكاية
أنها كانت مخالفة للمنطق (كما كانت بالفعل)» ومن ثم فهي خطأ (لكنها لم تكن كذلك) .
وبفضل الهولوكوست. اقتئعت أنه ليس بالضرورة أن يترتب الخطأ على مخالفة المنطق .
حتى ولو علمنا أنه لم يكن هناك ما يمكن فعله أكثر من ذلك لإنقاذ ضحايا الهولوكوست
- على الأقل دون تكبل المزيد من التكاليف - فهذا لا يعني أن نيران تأنيب الضمير
الأخلاقي يمكن إخمادها. ولا يعني هذا أيضًا أن شعور الإنسان بالخزي الأخلاقي لا
أساس له» حتى وإن كان من السهل إثبات لاعقلانية هذا الشعور بلغة الحفاظ على الذات
من الهلاك. فالشعور بالخزي الأخلاقي - وهو شرط لاغنى عنه للقضاء على الميراث
السام الفتاك الذي خلّفته الهولوكوست - لا يقيم وزنًا لأكثر الحسابات والاحصائيات دقة
عن أعداد من «استطاعوا» ومن الم يستطيعوا» تقديم المساعدة؛ و عن أعداد من
لاستطاعوا» ومن «لم يستطيعوا» الحصول على المساعدة .
حتى أفضل المناهج العلمية الكمية في بحث «حقائق الأمور» لن توصلنا إلى حل
موضوعي يرتضيه الجميع لمشكلة المسؤولية الأخلاقية. فلا يوجد طريقة علمية لتخديد إذا
ما كان الجيران من غير اليهود قد فشلوا في التصدي لعمليات ترحيل اليهود إلى المعسكرات
لأن اليهود كانوا غاية في السلبية والخنوع:. أو إذا ما كان بعض من اليهود قلما استطاعوا
الهسرب من الحراس لأنه لم يكن لديهم مكان يهربون إليه - وهم يستشعرون العداء
واللامبالاة من حولهم . وبالمثل لا يوجد طرق علمية لتحديد إذا ما كان في مقدور سكان
الجيتو الأثرياء في وارسو تقديم المزيد لتتخفيف معاناة الفقراء الذين كانوا يموتون في
الطرقات من الجوع والبرد» أو إذا ما كان بوسع اليهود الألمان التصدي لعمليات ترحيل
يهود شرق أوروبا (2ع0500) أو أنه كان بإمكان اليهود حاملي الجنسية الفرنسية أن يفعلوا
شيئًا لمنع حبس «اليهود غير الفرنسيين.» والأسوأ من ذلك أن حساب الاحتمالات
الموضوعية والتكاليف لا يفعل شيئًا سوى طمس الجوهر الأخلاقي للمشكلة .
القضية ليست إذا ما كان ينبغي على من نجوا بشكل جماعي أن يشعروا بالخزي أو
51١
الحداثت والهولوكوست
بالفخر بأنفسهم - فهم المقاتلون الذين اضطروا أن يلعبوا دور المتفرجين فقط». وهم
المتفرجون الذين لم يفعلوا شيئًا أحيانًا سوى الخوف من أن يصبحوا ضحايا. القضية هي أن
الشعور الإيجابي بالخزي ربما يساعد في استرداد الجانب الأخلاقي للحدث التاريخي
المروع» ومن ثم المساعدة في طرد شبح الهولوكوست الذي مازال حتى الآن يطارد الضمير
الإنساني ويجعلنا نتجاهل الاهتمام بالحاضر في سبيل أن نعيش في سلام مع الماضي . إن
الاختيار ليس بين الخزي والفخرء بل هو اختيار بين فخر الخزي الأُطهر أخلاقيًا وخزي
الفخر المدمر أخلاقيًا. لا أدري ماذا سيكون رد فعلي إذا طرق غريب بابي ليسألني بأن
أضحي بنفسي وأسرتي من أجل إنقاذ حياته . لقد رحمت أنا من عذاب هذا الاختيار.
لكنني متأكد أنني لو رفضت إيواء هذا الغريب» لكان بإمكاني أن أبرر للآخرين ولنفسي أن
صد هذا الغريب كان قرارا في غناية العقلانية إذا حسبنا عدد الأرواح التي نجت وعدد
الأرواح التي أزهقت . وأنا متأكد أيضًا أنني كنت سأشعر بخزي غير منطقي ومخالف
للعقل لكنه شعور إنساني ماما . كما أنني متأكد أنه لولا هذا الشعور بالخزي» لظل قرار
صدي للغريب يؤرقني حتى آخر عمري .
إن العالم اللاإنساني الذي خلقه الظلم الباطش نزع إنسانية الضحاياء فكان هناك من
شاهدوا الجرية بمنتهى السلبية متعللين بمنطق الحفاظ على النفس حتى يعفوا أنفسهم من
الإحساس بالتخاذل وفقدان الحس الأخلاقي . ولا يمكن أن إدانة أحد بأنه مذنب لمجرد أنه
انهار تحت هذا الفمغط . وفي الوقت نفسه. لا يمكن إعفاء شخص من الشعور بالخزي
الأخلاقي بسبب الاستسلام لهذا الضغط . فعندما يشعر الشخص بالنجل من ضعفه.ء فإنه
يملك القدرة على هدم السجن العقلي الذي بقي بعد ممات بناته وحراسه. إن مهمتنا اليوم هي
تدمير تأثير الاستبداد الذي أبقى الضحايا والشهود سجناء بعد هدم السجن بزمن طويل .
بمرور الأيام» تتقلص الهولوكوست إلى مجرد حدث تاريخي يتراجع نحو الماضي .
ولم يعد هناك داع لتذكر هذا الحدث إلا عند معاقبة المجرمين أو عند تسوية الحسابات التي
لم تتده بعد. إن المجرمين الذين فروا من المحاكمة وصلوا الآن إلى سن الشيخوخة أو
أوشكوا على ذلك . حتى وإنتم اكتشاف أحد القتلة وقُبض عليه وسيق إلى السجن لتنفيذ
الحكم المؤجل » سيكون من الصعب جد مضاهاة وحشية الجريمة بقدسية القضاء ونزاهته -
0 دما
المصل الثامن: التفشكي رمن جديد: العقلانينّ والخزي الأخلاقي
خذ مثلاً القصص المخزية لمحاكمات كل من إيقان دميانيوك وكلاوس باربي217 . كما كان
هناك عدد من كبار السن» أيام أفران الغازء ولم يستطيعوا أن يقرروا إذا ما كان عليهم أن
يفتحوا الباب أم يغلقوه في وجه الغرباء المستجيرين بهم .. فإذا كان دفع ثمن الجرائم وتسوية
الحسابات قد استنفذا المغزى التازيخي للمحرقة» فمن الممكن أن ندع هذا الحادث المروع
يعود إلى حيث يتتدمي في ظاهر الأمر - إلى الماضي - وأن نتركه للمؤرخين اللتخصصين .
لكن الحقيقة هى أن تسوية الحسابات مجرد سبب واحد لتذكر الهولوكوست. بل إنها سبب
ثانوي وغير مهم» وهذا الأمر لم يكن واضحا في أي من الأوقاث كما هو الآن بعد أن
أخذت تسوية الحسابات تفقد أهميتها العملية بسرعة ملحوظة .
لم تعد الهولوكوست اليوم» أكثر من أي وقت مضىء ملكية خاصة لمرتكبيها حتى
يعاقو ا علييا: ولا ملكية لضحاياها ليستجدوا التعاطف والرحمة لا لقوه من معاناة فى
الماضى » ولا حتى ملكية للشهود ليطلبوا العفو والبراءة. إن مغزى الهولوكوست الآن هو
ودرس الهولوكوست يكشف السهولة التي أقحم بها معظم الناس داخل موقف لا
يوجد به خميار جيد أو موقف يحول هذا الخيار الجيد إن وجد إلى خيار باهظ الشمن. إنه
يوضح كيف تنصل معظم الناس من المسؤولية الأخلاقية أو كيف فشلوا في تحملها.
والتزموا بقواعد العقلانية والحفاظ على الذات . ففي نظام قائم على التناقض بين العقلانية
والمباديء الأخلاقية» تصير الإنسانية هي الخاسر الأكبر. ويستطيع الشر أن يلعب دوره
الوضيع متمنيًا أن يَعدل معظم الناس طوال الوقت عن القيام بأعمال هوجاء متهورة -
)١( خصّص عبد الوهاب المسيري (/1441) مساحة جيدة للتعريف بعدد من المحاكمات التي استهدفت من اتهموا
بالتورط مع النازيين في ترحيل الجماعات اليهودية:وإبادتها. ومن أهم هذه المحاكمات محاكمة جون ديانيوك
(إيشان ديمانيوك أو «إيان الرهيب» كما كان يطلق عليه)» وهو مواطن أمريكي من أصل أوكراني أدين بالتهم
الموجهة إليه وحكم عليه بالإعدام عام ١198/4 . وبعد انهيار الاتحاد السوقيتي وفتح كثير من الملفات السرية» تبين
أن ديمانيوك ليس المجرم الحقيقي» وأخذت اسرائيل تقاطل في إصدار حكم البراءة حتى اضطرت المحكمة
الاسرائيلية العليا إلى إصداره عام ١947 بعد ضغط إعلامي » وعاد ديمانيوك إلى موطنه في الولايات المتحدة .
بين الأجيال الجديدة؛ علاوة على تذكير العالم الغربي بالجرم النازي ضد اليهود» وذلك في محاولة للتغطية
على القمع الإرهابي بحق الانتفاضة الفلسطينية [المترجم].
يحض
الحداثت والهولوكوست
باعتبار أن مقاومة الشر عمل أهوج ومتهور. إن الشر لا يحتاج إلى تابعين متحمسين ولا
معجبين مهللين- فغريزة الحفاظ على الذات ستفي بالغرض » وسيساعدها في ذلك الفكرة
المريحة التي تجعل المرء يقول : «لم يأت دوري بعد» الحمد والشكر لك يا رب» بالاختباء
يمكنني الفرار من الموت» .
هناك درس آخر للمحرقة لا يقل أهمية عن الدرس السابق . فإذا كان الدرس الأول
ينطوي على تحذيرء فإن الدرس الثاني يبعث الأمل فى المستقبل» وهذا الأمل هو ما يجعل
التحذير يستحق التكرار. ْ ١
يعلمنا الدرس الثاني أن تقديم الحفاظ على الذات على الواجب الأخلاقي ليس أمرا
حتميا يستحيل تجنبه أو الهروب منه . فمن الممكن أن يفعل المرء ذلك تحت تأثير الضغوط »
لكن لا يمكن إجبار المرء على القيام بذلك» ومن ثم لا يستطيع أحبد أن يحيل مسؤولية
أفعاله إلى من مارسوا الضغط عليه . ولا يهم كم من الناس فضلوا الواجب الأخلاقي على
عقلانية الحفاظ على الذات - المهم هو أن هناك من فعلوا ذلك . إن الشر ليس كامل القوة
بل يمكن مقاومته . وشهادة القلة التي قاومت الشر تبدد السلطة التي يفرضها منطق الحفاظ
على الذات .. إنها دليل على القدرة على الاخمتيار. والسؤال: كم من الناس يجب أن
يقاوموا هذا المنطق حتى يهزم الشرء وهل هناك عتبة سحرية من المقاومة تتوقف عندها تقنية
الشر؟
601 6 لدمنام
الفصل الثامن: التفكيرمن جديد : العقلانيت والخزي الأخلاقي
الاستغلال الاجتماعي للأخلاق: محاضرة جائزة أمالفي الأوروبية
أعتقد أن الشرف العظيم الذي تمثله جائزة أمالفي الأوروبية قد منح لكتاب «الحداثة
والهولوكوست» وليس لكاتبه. وباسم هذا الكتاب والرسالة التي يحويها أتقبل بكل امتنان
وسرور تكريمكم العظيم . إنني سعيد بالمكانة المتميزة التي حصل عليها هذا الكتاب لأسباب
عذة :
أولا: هذا كناب صدر عن تجربة استمرت حتى ظهور ما يبدو أنه انقسام عميق وحتمي
بين ما اعتدنا أن نسميه بأوروبا «الشرقية» و«الغربية». والأفكار التي يحويها الكتاب
والرسالة التي يقدمها اختمرت في ذهني في جامعة وارسو وفي صحبة زملاثئي في
بريطانياء البلد الذي كان- في سنين النفي - وطني الثاني . هذه الأفكار لم تعرف
الانقسام» بل عرفت فقط أن ثمة تجربة مشتركة بيننا في أوروباء عرفت أن هناك تاريخ
مشترك ربمايتم تحريف وحدته في بعض الأحيان» بل وطمسه. لكنه يظل قائمًا. إن
مصيرنا المشترك» نحن الأوربيين» هو ما يتناوله هذا الكتاب .
ثانيا: هذا الكتاب لم يكن ليتم دون رفيقة عمري جانيناء فكتابها «شتاء في الصباح»
عبارة عن سرد لأحداث سنوات العار الإنساني» وهو الذي جعلني أرى أشياء عادة ما كنا
نرفض النظر إليها. تحولت مهمة تأليف كتاب «الحداثة والهولوكوست» إلى دافع فكري
وواجب أخلاقي بمجرد أن قرأت ملخص جانينا للحكمة الحزينة التي اكتسبتها في دائرة
الجحيم الداخلي الذي صنعه الإنسان: «إن أشد شيء في القسوة أنها تجَرد ضحاياها من
إنسانيتهم قبل إيادتهم . وأصعب صراع هو الحفاظ على آدمية الإنسان في ظروف غير
آدمية . » هذه الحكمة المؤلمة هي التي أردت أن أضمها إلى رسالة هذا الكتاب.
ثالنًا: بما أن رسالة الكتاب رسالة عن الوجه الخفي لعالمنا الجريء الشجاع واللعبة الخطيرة
التي يلعبها هذا العالم مع قوة الأخلاق الإنسانية» فهي تبدو وأنها صدى لكثير من
الاهتمامات الواسعة المشتركة. وهذا في اعتقادي هو سبب حصول الكتاب على جائزة
أمالفي . ركم نعي مان أن عمال موق إمالى اسطاما ءا كنت لعي فا
قضية الأخلاق والمنفعة. وتوضح رسالة الكتاب أن انفصال الأخلاق والمنفعة يتجلى في
56
الحداثيّ والهولوكوست
أكبر النجاحات التي حققتها حضارتنا الغربية وفي أكثر جرائمها بشاعة, واتحادهما هو
الفرصة الوحيدة التي من خلالها ربما يستطيع عالمنا التتصالح مع قواه التدميرية . ولهذا لن
تكون محاضرتى مجرد إعادة صياغة لرسالة الكتاب» بل هى صوت فى خطاب أتمنى أن
يكون في بؤرة اهتمامنا المشترك . 1 1
هل الفضيلة مكتسبة بالتعلم» أم هبة الطبيعة؟ أع000 1006نمئهه أيهم ممتعاء مل مدع ا ناوالا .
هذه هي المعضلة التي واجهت الرومان القدماءء وهي معضلة عويصة بالقدر نفسه الذي
نشعر به في عالمنا المعاصر : هل الأخلاق تُدرّس أم أنها نموذج كامن في الوجود الإنساني؟
هل هي تنشأ عن عملية التفاعل الاجتماعي والاندماج في المجتمع أم أنها «موجودة ولها
مكانها» قبل بدء كافة أنواع التعليم؟ هل الأخلاق من إنتاج المجتمع؟ أم أنهاء مثلما يؤكد
ماكس شيلر» على العكس قاماء وأن شعور الشخص» جوهر كل السلوكيات الأخلاقية
هو أساس الحياة في المجتمعات؟
ما يحدث عادة هو تجاهل هذا التساؤل باعتباره مسألة أكاديمية بحتة. وأحيانًا مايتم
تصنيفه ضمن الموضوعات غير المهمة الناشئة عن الفضول الميتافيزيقي الذي لا يكل ولا
يمل . وعندما يطرح هذا التساؤل على علماء الاجتماع» فإنهم يفترضون أن هوبز ودوركايم
قد أجابا عنه إجابة شافية منذ زمن بعيد» وبذلك حولت الممارسة السوسيولوجية الروتينية
هذا الموضوع إلى مسألة لا يسأل عنها. وعلماء الاجتماع على الأقل يرون أن المجتمع أصل
كل ماهو إنساني» وكل ما هو إنساني ينشأ عن التعلم الاجتماعي . وقلما تأتي فرصة
لمناقشة المسألة بوضوح . فالمسألة محسومة قبل مناقشتها بفضل اللغة التي شكلت خطابنا
السوسيولوجي البارع . بهذه اللغة لا يستطيع الفرد التحدث عن الأخلاقيات إلا من خلال
لغة الاندماج في المجتمع والتعليم والتعلم والأسس التنظيمية والوظائف المجتمعية. وكما
يقول 9 تجنشتين» لا نستطيع أن نقول شيمًا غير الذي يمكن أن يقال. فشكل الحياة الذي
تغذيه لغة السوسيولوجيا لا يحتوي على أخلاقيات غير التي يقرها المجتمع . وبهذه اللغة لا
يمكن القول بأن كذا أو كذا أمر أخلاقي مالم يقر المجتمع ذلك» وما لا يستطيع الفرد أن
يتحدث عنه لا نسمع له صوتا أبدا .
كل الخطابات العلمية تحدّد موضوعاتهاء وتحافظ على سلامتها عن طريق حماية التميز
الذي تتسم به تعريفات هذه الموضوعات» وتعيد الخطابات إنتاج ذاتها من خلال تأكيد تلك
6031.118 8 نومام
الفصل الثامن: التشكيرمن جديد : العقلانين والخزي الأخلاقي
الموضوعات . ولولا أن مخاطر الصمت شديدة. لكان بإمكانناء إن صح التعبير» أن نقف
عند هذه الملاحظة البسيطة التافهة» وندع علم الاجتماع يستمر في ثرثرته الانتقائية وتخدره
الانتقائي المعتاد. لكن مخاطر الصمت زادت حدتها تدريجيا ولكن بلا هوادة» بسبب ما
حدث في أوشفيتس وهيروشيما ومعسكرات الجولاق السوقييتية (188نا6©). أو بالأحرى.
اتضحت هذه المخاطر في المشكلة التي واجهها الطغاة الغالبون في الاتحاد السوقييتي
وهيروشيما عندما تم محاكمة طغاة أوشقيتس ال مغلوبين وإدانتهم ومعاقبتهم . وقد أوضحت
هانا أرينت ما تنطوي عليه تلك المشاكل حمق :
ما طالبنا به خلال هذه المحاكمات» حيث ارتكب المدعى عليهم جرائم «قانونية»» هو أن
يكون بإمكان البشر التمييز بين الصواب والخطأ حتى وإن كان كل ما يملكون هو ملكة الحكم
والتمييز والتي يتصادف أنها تتعارض تمامًا مع الرأي الذي أجمع عليه كل من حولهم .
ويظهر مدى خطورة هذه المسألة عندما نعلم أن الفئة القليلة التي كانت «مزهوة» ولم تثق إلا
في ملكة حكمها لم تكن بأي حال من الأحوال ماثلة لمن ظلوا يتمسكون بالقيم القديمة أو
تمائلة لمن كان يدلهم الإيمان الديني على الطريق . . . تلك الفئة القليلة التي كانت لا تزال
قادرة على التمييز بين الصواب والخطأ اعتمدت بالفعل على ملكة الحكم لديها دون سواها
بمنتهى الحرية ودون التقيد بقواعد يمكن أن يندرج تحتها المواقف الخاصة التي كانت تواجهها .
وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: هل كان أي ممن يحاكمون الآن سيعانون من تأنيب
الضمير لو كانوا هم المتتصرين؟ والكارثة هئ أن الإجابة كانت «قطعًا لا»؛ بل إننا لا غلك
حجة تثبت غير ذلك . فبعد أن استبعدنا التمييز بين الخير والشر من الوجود أو خارج
المحكمة لأنه لا يحمل خاتم المجتمع؛ لا يمكننا أن نطلب من الأفراد التتصرف با تمليه
الأخلاق. ونحن عادة لا تتمنى أن نعل ذلك - أي أن نطلب من الآفراد أن يتخذوا
قرارات أخلاقية على مسؤوليتهم . فهذه الأمنية تعني الرغبة في السماح بوجود مسؤولية
أخلاقية تقوض السلطة التشريعية للمجتمع. وأي مجتمع هذا الذي يمكن أن يتخلى عن
تلك السلطة بمحض إرادته ما لم يتم تقويضه بقوة عسكرية هائلة؟ إن الحكم على مجرمي
أوشقيتس لم يكن أمرا هينًا على من كانوا يحافظون على أسرار معسكرات الجولاق وعلى
من كانوا يعدون لحريمة هيروشيما في الخفاء .
نض
الحداثيّ والهولوكوست
ربما بسبب هذه الصعوبة» كما لاحظ هاري ريدنر» «مازال غط الحياة والفكر الآن
يرتكز على افتراض بأن أوشقيتس وهيروشيما لم يحدثا أبدًا أو إذا كانا قد حدثاء فهما
مجرد حدثين ماضيين لا أهمية لهما الآن.» إن الورطات القانونية التي نشأت عن
محاكمات نورمبرج تم الخروج منها في الوقت المناسب والمكان المناسب . حدث ذلك بعد
التعامل مع هذه الورطات على أنها مسائل فرعية خاصة بقضية باثولوجية معينة لا يمكن أن
تخرج عن حدودها الضيقة المحصنة» وعلى أنها مسائل سرعان ماتم القضاء عليها بمجرد
أن هددت بالخروج عن السيطرة. فلا توجد أية إعادة نظر حقيقية لوعينا الذاتي» ولم نفكر
مليا في ذلك . فعلى مدار عقود عديدة وحتى يومنا هذا ظلت المراجعة التي قدمتها هانا
أرينت صونًا صارخًا في البرية . ومعظم الضجيج الذي أثير بسبب تحليلها النقدي نشأ عن
محاولة الحفاظ على هذا الوعي الذاتيى سليمًا. فمثل هذه التفسيرات للجرائم النازية لا
نقيم لها وزنّا» ونتعامل معها على أنها لا علاقة لها بنا ولا بعالمنا ولا بدمط حياتنا. وهذا
الموقف يدين المدعى عليه ويبريء عالم المتتصرين في آن واحد.
فلا جدوى من السجال حول إذا ما كان هذا التهميش للجرية متعمدا أم غير متعمدء
عن قصد أم عن غير قصد - وهو تهميش تم باتفاق عام أو باستحسان جماهيري مفهوم
ضمنيًا- رغم أن الجريمة ارتكبها أناس «لم يكونوا منحرفين ولا ساديين»» بل «كانوا
ومازالوا طبيعيين للغاية» (أرينت) . واقع الآمر أن الورطة التي وقعنا فيها منذ نصف قرن لن
نخرج منها أبداء بل إن الأسلاك الشائكة ازداد سمكها عبر السنين» وفقدت أوشقيتس
قيمتها في التاريخ » وأصبحت مجرد مشكلة (يهودية» أو «ألمانية»» أصبحت ملكية خاصة
لليهود والألمان وحدهم . أصبحت أوشقيتس في بؤرة اهتمام «الدراسات اليهودية»,
واقتصر وجودها في التأريخ الأوروبي العام على ملاحظات هامشية أو فقرات عابرة.
والمقالات النقدية عن الكتب التي تتناول الهولوكوست تأتي تحت عنوان «موضوعات
بيودية »هذه العادات الأكادعرة رمتشهها معارضية االؤسسة البهودزة لأ مجاولة أن
كانت» «للتجريد من ملكية» الظلم الذي تعرض له اليهود وحدهم . فالدولة اليهودية
[إسرائيل] تحرص على أن تكون هى الوصى الوحيد على هذه الملكية» بل والمستفيد.
الشرعي الوحيد منها . وهذا الاستحواذ السافر هو الذي حال دون تحول التجربة التي يقال
11 دما
المصل الثامن: التفكيرمن جديد : العقلانيتّ والخزي الأخلاقي
إنها تجربة #يهودية خالصة» إلى مشكلة عالمية تخص الوضع الإنساني الحديث». ومن ثم إلى
ملكية عامة تخص العالم أجمع . وبالمثل تم تهميش أوشفيتس واختزالها إلى حدث يتم
تفسيره فقط من خلال الانحرافات الغربية في التاريخ الألماني والصراعات الداخلية في
الثقافة الألمانية وهفوات الفلسفة الألمانية وطبيعة الألمان القومية السلطوية المحيرة. أخيراء
ربما يصل جنوح التفسير إلى ذروته باستخدام استراتيجية تؤدي إلى تهميش الحريمة وتبرئة
الحداثة في آن واحد» بحيث يتم استثناء الهولوكوست من فئة الظواهر المماثلة وتفسيرها
بدلا من ذلك على أنها انفجاز قوى ما قبل حدائية - همجية وغير عقلانية - يفترض أنه تم
القضاء عليه منذ زمن بعيد في المجتمعات المتحضرة (الطبيعية»» لكن لم يتم ترويضها
والتحكم فيه بما فيه الكفاية في ظل ما يقال إنه حداثة ألمانية ضعيفة أو خطأ. ومن المتوقع أن
تكون هذه الإستراتيجية طريقة جيدة للدفاع عن النفس؛ فهي تعيد تأكيد أسطورة العلة
المرضية والتي تروي قصة الحضارة الحديثة على أنها انتتصار العقل على العاطفة» والإيمان
بهذا الانتصار على أنه تقدم في التطور التاريخي للأخلاقيات .
والتأثير الكلي للاستراتيجيات الثلاث - سواءتم اتباعها عن عمد أو عن غير عمد - لغز
محير للمؤرخين الذين طالما اشتكوا من فشل محاولاتهم الجادة لفهم أهم حدث في القرن
العشرين» وهو حدث كتبوا حكايته بمنتهى الدقة واستمروا في الكتابة عنه بالتفصيل .
ويندب زولءفريدليندر ١شلل المؤرخين» والذي برأيه - المنفق عليه بشكل كبير - «نتج عن
التزامن بين ظواهر متعارضة:» بل وعن التفاعل بينها: التعصب المسيحي والهياكل
البيروقراطية والدوافع المرضية والقواعد الإدارية والمواقف البائدة داخل مجتمع صناعي
متقدم . ) كلنا وقعنا في شبكة سرديات التهميش» ولذا كلنا جميعًا نساعد في غزلهاء ومن
ثم نفشل في رؤية ما نحملق فيه» والشيء الوحيد الذي يمكننا ملاحظته هو التباين البعيد
والمحير للصورة؛ واجتماع أشياء لا تسمح لغتنا باجتماعهاء ومشاركة عوامل تخبرنا
سردياتنا أنها تنتدمي إلى أزمنة مختلفة . هذا التباين البعيد ليس اكتشافاء بل هو افتراض .
وهذا الافتراض هو الذي ولّد الدهشة حتى أصبحت هناك حاجة إلى الفهم وإمكانية
لوجوده .
في عام »١144 ١ في قلب الظلمة؛ كتب قالتر بنيامين رسالة موجزة يجب أن ننصت لها
كما ينبغي في ضوء الشلل المستمر الذي يعاني منه المؤرخون والاتزان الراسخ الذي يدعيه
5
الحداثت والهولوكوست
علماء الاجتماع : «هذا الذهول الذي نحن فيه لا يمكن أن تكون نقطة الانطلاق لفهم
تاريخي حقيقي- إلا إذا كان هذا الذهول يعني الإدراك.بأن مفهوم التاريخ الذي ولد فيه
يتعذر الدفاع عنه. والمتعذر الدفاع عنه هو مفهوم تاريخنا - الأوروبي - باعتباره ثورة
الإنسانية على الحيوان الذي يسكن داخل الإنسان وانتصار المنظومة العقلانية على وحشية
الحياة الهمجية الفظة البشعة . والمتعذر الدفاع عنه أيضا هو مفهوم المجتمع الحديث باعتباره
قوة تهذيبية جلية» ومؤسساته بوصفها قوى للتحضرء وقواعده الإلزامية كسدود منيعة
تدافع عن الإنسانية الضعيفة ضد سيول الرغبات الحيوانية. إن كشف حقيقة تعذر الدفاع
عن المجتمع الحديث ومؤسساته وقواعده هو الهدف الذي كتبت من أجله هذه المحاضرة »
وهو هدف يتماشى مع الكتاب الذي تعلق عليه هذه المحاضرة .
لكن دعونا نكرر أولاً ما يلي : إن صعوبة إثبات تعذر الدفاع عن أشياء يراها الخطاب
السوسيولوجي بجميع المقاييس افتراضات عقلانية تعود في جانب كبير منها إلى الطابع
الجوهري للغة السرد السوسيولوجي؛ فحالهاهو حال كل اللغات» فهي تضع تعريفات
لموضوعاتهاء بينما تتظاهر بتقديم وصف لها. فالمرجعية الأخلاقية للمجتمع هي مرجعية
نفسهاء بحيث لا يحتاج:المرء إلى تأكيد بأن كل السلوكيات التي لا تخضع للقواعد التي
يسنها المجتمع تُعتبر غير أخلاقية. فالسلوكيات التي يقرها المجتمع تندرج تحت تعريف
الخير طالما أن كل السلوكيات التي يرفضها تندرج تحت تعريف الشر. ليس من السهل
الخروج من الدائرة المفرغة» فأي إيحاء بوجود معرفة قبلية وأصول سابقة على المجتمع يعد
انتهاكا للقواعد اللغوية العقلانية - العقلانية الوحيدة التي تسمح اللغة بها. إن توظيف
اللغة السوسيولوجية ينطوي عليه قبولٍ صورة العالم الذي ترسمه تلك اللغة» علاوة على
الوه الصمتى لاسجهداء لطا الناك بحي نعود كل إشارة للواقع التعلن إلى العاله
المرسوم . وصورة العالم التي رسمها الخطاب السوسيولوجي تخلق نسخة مطابقة من إنجاز
السلطات التشريعية في المجتمع » لكنها تلعب دور أكبر من ذلك بكثير» فهي تقمع إمكانية
التعبير عن رؤى بديلة» وهو قمع يكمن فيه نجاح القوى التشريعية في المجتمع . ومن ثم»
فإن مقدرة اللغة على وضع التعريفات تتممها قوى التمييز والتفرقة والقمع الكامنة في بنية.
الهيمنة الاجتماعية . كما أنها تكتسب شرعيتها ومصداقيتها من هذه البنية .
1 دما
الفصل الثامن: التفكيرمن جديد: العقلانينّ والخزى الأخلاقي
البنية» من الوجهة الأنطولوجية» تعني الاطراد النسبي والتكرار إلى درجة الإملال
والتتابع الرتيب للأحداث . أما من الوجهة المعرفية» فالبنية تعني لهذا السبب القدرة على
التنِوٌ. ونحن نتحدث عن البنية حينما يوجد حيز من احتماللات غير موزعة بطريقة
عشوائية» أي وجود أحداث يحتمل حدوثها أكثر من غيرها. وبهذا المعنى نتحدث عن
«بنية» السلوك البشري باعتباره جزيرة من النظامية في بحر من العشوائية . هذه النظامية غير
المستقرة كانت أجد إنحازات المنظومة الاجتماعية» بل وسمتها الجوهرية القاطعة. وكل
المنظومات الاجتماعية تقوم على إخضاع سلوك وحداتها الخاصة إلى معايير أداتية أو
إجراتية» » سواء كانت الأهداف خاصة أم كلية عامة - مثل تفتيت حقول متجانسة إلى حد
مامن خلال قمع أو تحقير كل السمات الأخرى الفارقة والمسببة للخلاف والشقاق . والأهم
من ذلك أن المنظومات الاجتماعية تقوم على نزع شرعية كل المعايير الأخرى» وأولها
المعايير التي تجعل سلوك الوحدات ينجو من الضغوط النظامية المطردة» ومن ثم نزع
الشرعية عن تشكيل وحدة مستقلة في مواجهة الهدف الكلي العام للمنظومة - وإلا سادت
البلبلة وصعوبة التنبؤ بمسارات السلوك .
يحتل الدافع الأخلاقي الصدراة بين المعايبر التي وضعت على قائمة القمع - فهو مصدر
أكثر أنواع السلوك استقلالية» ومن ثم لا يمكن التنبؤ به من منظور المنظومة الاجتماعية. إن
استقلالية السلوك الأخلاقي نهائية وغير قابلة للرفض . إنها لا تخضع لأي قانون. فهي لا
تخدم أي غرض خارجهاء ولا تربطها علاقة مع أي شيء خارجي, فلا علاقة لها بشيء
يمكن مراقبته وتنميطه وتقنينه . وكما يقول إيمانويل ليقيناس» أعظم فيلسوف أخلاقي في
القرن العشرين» السلوك الأخلاقي يستدعيه مجرد وجود الآخر كوجه» كسلطة دون قوة.
الآخر يطلب معاملة أخلاقية دون تهديد بالعقاب أو وعد بالمكافأة» فمطالبه لا تحتاج إلى
إقرار. ليس بإمكان الآخر أن يفعل أي شيء»؛ وضعفه هو ما يظهر قوتي وقدرتي على
الفعل باعتبارهما مسؤولية أخلاقية. والفعل الأخلاقي هو كل شيء يتبع هذا الإحساس
بالمسؤولية . هذا على العكس من الفعل الذي يخلقه الخوف من العقاب أو الوعد بالمكافأة»
فهو فعل لا يحقق النجاح» ولا يساعد على البقاء. وبما أن الفعل الأخلاقي منزه عن
الأغراض» فإنه لا يخضع لأي تشريع براني أو حجة عقلانية» بل إنه يصم أذنه عن مفهوم
الصراع من أجل البقاء» ومن ثم يلغي حكم «المصلحة العقلانية» ونصيحة الحفاظ على
شين
الحداثت والهولوكوست
الذات من الهلاك من خلال الحسابات» فهذان الجسران يؤديان إلى عالم التبعية والخضوع
للمؤقرات البرافية.. ويك اليقيناس أنه ويح لاخر بحو فيد مقروض على اللصراغ مرج أجل
البقاء» ولذا فهو يمنح الحرية المطلقة: حرية ضد كافة المؤثرات البرانية» ضد كل تبعية» ضد
إصرار الطبيعة على الوجود. الأخلاق الحظة كرم»: (إنسان يعمل ولا يكسب . . . يفعل
الفعل تطوعا وتكرمًا منه . . . إن فكرة الوجه تلك هي فكرة حب بلا مقابل وسلوك
طوعي . » وبفضل سمة الكرم هذه. لا يمكن إغواء الأفعال الأخلاقية أو إفسادها بالرشوة
أو إخضاعها لنظام معين. والنموذج الإدراكي للمنظومات الاجتماعية يرى العقل العملي
في فكر كانط غير عملي على الإطلاق . . . بل ويرى السلوك الأخخلاقي لا فائدة منه
بالمرة» بل يصبح السلوك الأخلاقي عاملاً مدمراء إذ أنه يضيّع الأمل في تحقيق اطراد
السلوك والتنبؤ به . وبما أن الأخلاق غير قابلة للعقلنة» فلابد من قمعها أو استبعادها تماما .
إن المنظومة الاجتماعية تحارب استقلالية التصرف الأخلاقي من خلال التحكم البرآني
للعقلانيات الأداتية والإجرائية» إذ يحل القانون والمصلحة محل سخاء الدافع الأخلاقي
وعفويته. والفاعل يواجه تحديات من أجل تبرير تصرفه وفق العقل كما يحدده هدف
السلوك أو قواعده. والأفعال التي يتم التفكير فيها والدفاع عنها بهذه الطريقة» أو يمكن
الحديث عنها بهذه الطريقة» هي فقط التي تلقى قبولاً في قائمة الأفعال الاجتماعية الحقة.
أي الأفعال العقلانية . وهذه الأفعال العقلانية هي السمة الجوهرية للفاعل بوصفه فاعلاً
اجتماعيًا. وبالمثل» فإن الأفعال التي لا تحقق الهدف المرجو ولا تتوافق والنظام الإجرائي
تُعتبر غير اجتماعية وغير عقلانية - وشخصية وذاتية. ولذا فإن خصخصة الأخلاق هي
سبيل المنظومة.العقلانية إلى استخدام أفعال الإنسان لأغراض اجتماعية .
ونستشف من ذلك أن المنظومة الاجتماعية مبئية على تحييد التأثير المعطل والمحرر
للسلوك الأخلاقي . ويتحقق ذلك من خلال عدد من الإجراءات المتكاملة :
١ - توسيع المسافة الفاصلة بين الفعل وعواقبه بحيث تتخطى تأثير الباعث الأخلاقي .
7- استبعاد بعض من البشر «الآخرين» من فئة الموضوعات و«الوجوه» الكامنة التي تستحق
معاملة أخلاقية .
1 6 لدمنام
المُصل الثامن: التفكيرمن جديد: العقلانيت والخزي الأخلاقي
- تزييف كل عناصر الفعل البشرية الأخرى وتحويلها إلى تجمعات ذات صفات وظيفية
خاصة يتم عزلها حتى تصبح إمكانية إعادة تجميع الوجه غير واردة وتصبح مهمة كل
فعل غير خاضعة للتقييم الأخلاقي. من خلال هذه الإجراءات» لا تدعم المنظومة
السلوك اللاأخلاقي» ولا ترعى الشرء كما يزعم بعض الذين يقللون من شأنهاء لكنها
لا تدعم الخير أيضاء إنها لا تدعم إلا نفسها. إنها ببساطة تحول الفعل الاجتماعي إلى
شيء محايد وخارج القائون الأخلاقي (00136م2013) - شيء لا علاقة له بالخير ولا
بالشرء وشيء يمكن قياسه وفق معايير تكنيكية غرضية أو إجرائية» ولا يمكن قياسه وفق
قيم أخلاقية . وبالمثل» فإن المنظومة تلغي فاعلية المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر ودورها
الرئيس كقيد مفروض على «محاولة البقاء». وقد تصور فلاسفة علم الاجتماع في
بداية العصر الحديث أن المنظومة الاجتماعية ما هي إلا تقدم عقلاني» وافترضوا أن هذه
السمة تحديدا بمثابة خلود الإنسان بألف لام التعريف والذي يتجاوز فناء الأفراد
ووجودهم الاجتماعي. دعونا الآن نستعرض الإجراءات التي تشكل المنظومة
الاجتيافية وتّحيّد الفعل الاجتماعي وتبعله خارج القانون الأخلاقي .
تتمثل نقطة الانطلاق في التخلص من آثار الفعل بعيدا عن القيود الأخلاقية» وهذا هو
النجاح الهائل في تحويل الفغل إلى تنظيم هرفي للأوامر. فبمجرد أن يوضع الفاعل في
اوضع الآداة الفاعلة»» وتفصله سلسلة من الوسطاء عن المصادر القصدية الواعية والنتائج
النهائية للفعل» قلما يواجه الفاعل لحظة الاختيار أو ينظر إلى عواقب أفعاله» والأهم من
ذلك أنه لا يدرك أن ما ينظر إليه هو عواقب أفعاله . وبما أن كل الأفعال يتوسطها خطوات
أخرى» وكل الأفعال «مجرد» أعمال وسيطة؛ يصبح الشك في وجود أية علاقة سببية أمرأ
مستبعد] تمامًا من خخملال الافتراض بأن الدليل ما هو إلا (نتيجة غير متوقعة»» أو ١نتيجة غير
مقصودة» لفعل محايد أخلاقيًا - مجرد خطأ من أخطاء العقل لا فساد أخلاقي . إِذَا من
الممكن وصف المنظومة الاجتماعية بأنها آلة تجعل المسؤولية الأخلاقية عائمة» فالمسؤولية
سه مسؤولة شحون وينة تزع اموق قد تمع في النقول النيناق دير جا أر
جزئية لدرجة يستحيل فيها أن ينسب إليها أية وظيفة سببية . إن تشريح المسؤولية وتبديد ما
تسقى منها يشكل من الناحية البنيوية ما تسميه هانا أرينت «حكم بلا حاكم»؛ أما على
رفن
الحداثن والهولوكوست
المستوى الفردي» فهو يترك الفاعل بوصفه ذانًا أخلاقية في حالة من الشلل والاستسلام
أمام قوة المهمة والقواعد الإجرائية .
أما الخطوة الثانية» فأفضل وصف لها هو «عملية محو الوجه) . هذه الخطوة تقوم على
وضع موضوعات الفعل في مواضع لا يستطيعون فيها مواجهة الفاعل بوصفهم أناسًا
يستحقون معاملة أخلاقية» وبذلك يتم استثناء موضوعات الفعل من فئة البشر التي من
الممكن أن تواجه الفاعل بصفتها «وجوه» . وعدد الوسائل المستخدمة في هذه الخطوة ضخم
للغاية . فهي تبدأ من نزع الحصانة الأخلاقية من العدو المزعوم» مروراً بتصنيف مجموعات
مختارة بين موارد المهمة والتي يمكن تقييمها وفق قيمتها التكنيكية والأداتية فقط . وحتى
إبعاد الغريب عن التفاعل الإنساني المعتاد والذي يصبح فيه وجهه مرئيًا وجليًا يستدعي
معاملة أخلاقية . وفي كل مرحلة يتلاشى تأثير المسؤولية الأخلاقية تخاه الآخر.
الخطوة الثالثة» تدمر موضوع الفعل كذات . فالموضوع تم طمسه في مجموعة صفات»
أما كلية الذات الأخلاقية الفاعلة فقدتم اختزالها إلى مجموعة الأدوار أو الصفات التي لا
يمكن أن ينسب لأحدها صفة الحكم الذاتي الأخلاقي . عندئذ تُسلّط الأفعال على وحدات
معينة» وتتجاوز أو تتجنب لحظة المواجهة مع أية تأثيرات أخلاقية مهمة - هذه هي حقيقة
المنظومة الاجتماعية كما تجلت فى النزعة الاختزالية الفلسفية التى روجت لها الحركة
الوضعية المنطققية» فاختزال العنصر س إلى ص» وع» وغ يعني أن ص (ما هو إلا) جمع
ص» وع» وغ» فلا عجب أن الأخلاقيات كانت هي الضحية الأولى للنزعة الاخترالية
الوضعية المنطقية . ويبدو أن تأثير الفعل الُْوجه على كليّة موضوعه البشري يسقط من
الحسبان تمامًا ولا يخضع للتقييم الأخلاقي باعتبار أنه ليس جزء! من قصدية الفاعل .
إن استعراضنا للتحبيد الأخلاقي الذي تمارسه المنظومة الاجتماعية قد جرى باستخدام
لغة تعي أنها غير تاريخية وخارجة عن نطاق التشريعات الإقليمية . واقع الأمر أن تحييد
الفعل الإنساني بوضعه خخارج القانون الأخلاقي يبدو إجراء تأسيسيًا ضروريا لأية وحدة
كاملة من الوحدات الاجتماعية المتجاوزة للأفراد» ومن ثمء فهو إجراء ضروري لأية
منظومة اجتماعية . وإذا كان هذا هو الحال حقّاء فإن محاولتنا دحض أو زعزعة الإيمان
التقليدي بالمرجعية الاجتماعية للأخلاق لا تقدم إجابة عن السؤال الذي أثاره القلق
م 11/01 1 لدمتان
الفصل الثامن: التفكيرمن جديد: العقلاني والخزي الأخلاقي
الأخلاقي في المقام الأول. صحيح أن تصور المجتمع على أنه آلة تحييدية يفسر الوحشية
المستوطنة في التاريخ البشري على نحو أفضل بكثير من النظرية التقليدية عن الأصل
الاجتماعي للأخلاق» فهو يُفسر بالأخص كيف أنه في وقت الحروب والحملات
والاستعمار أو النزاعات الداخلية تُصبح الكيانات الجمعية العادية قادرة على القيام بأفعال
لوقام بها شخص بممفرده لجري تفسيرها على أنها أفعال سيكوباتية. لكن هذا التصور يظل
عاجز عن تفسير الظواهر المروعة في عصرنا الحديث مثل الجولاق وأوش”7 يتس
وهيروشيما. تلك الأحداث المحورية في هذا القرن جديدة من نوعها وتدل على ظهور
سمات جديدة حديئة» سمات لم تكن ملمحا عامًا للمجتمع الإنساني» ولم تمتلكها
مجتمعات الماضي . لماذا؟
أولاً: أبسط الأشياء الجديدة كل الجدة وأوضحها هو معدل القوة التدميرية الكامنة في
التكنولوجيا التي توجه اليوم لخدمة الفعل الُحيّد والخارج عن القانون الأخلاقي . تلك
القوة الجديدة الهائلة يدعمها اليوم ويعززها الفعالية العلمية المتنامية للعمليات الإدارية .
فمن الواضح أن تكنولوجيا العصر الحديث تدفع إلى الأمام أهداف الفعل المنظم اجتماعيا .
والنطاق الحالي لهذه التكنولوجيا يشير فقط إلى تغير كمي . لكن هناك نقطة معينة يُولّد فيها
هذا التوسع الكمي سمة جديدة - وتلك النقطة يبدو أنه قدتم تجاوزها في العصر الذي
نطلق عليه الحداثة . صحيح أن عالم التقنية والأدوات (66تتتاءء)» عالم التعامل مع ما هو
غير بشريء أو العالم البشري في صورة غير بشرية» كان دائما يَعَامَل على أنه عالم محايد
أخلاقيًا بفضل نفعية الاستبعاد من عالم الوااجبات الاخلاقية . لكن هانز يوناز يخبرنا أنه في
المجتمعات التي لا تتسلح بالتكنولوجيا الحديثة ١كان الخير أو الشر الذي يسعى إليه الفعل
قريبًا جدا من أداء الفعل» سواء في تنفيذ العملية أو في هدفها المباشر . . . كان نطاق
فعالية الفعل محدوداء » وكانت عواقبها ونتائجها الممكنة هي الأخرى محدودة. أما الآن
فإن «مدينة البشر - التي كانت أحد الجيوب في العالم غير البشري - تنتشر فوق الطبيعة
بأكملهاء بل واغتصبت عرشها . » فالآثار المترتبة على الفعل تهيمن على الزمان والمكان
على حد سواء. وكمايرى يوناز» أصبحت هذه الآثار تراكمية» أي أنها تتجاوز الزمان
والمكان» وربما تتجاوزء كما يخشى كثيرون» قدرة الطبيعة على المداواة الذاتية ويتتهي
الأمر بما يطلق عليه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور التدمير الشامل (08)ة1[نطنهصة 1هام])؛
50
الحداثت والهولوكوست
فالتدمير التقليدي ربا يأخذ هو الآخر شكل عملية تطهيرية خلال عملية خلاقة تستهدف
التغيير» أما التدمير الشامل فلا يترك أي مجال لأية بداية جديدة. هذا التطور الحديث
للتدمير استحدثه التكنيك الاجتماعي الأبدي الخاص باستبعاد الفعل الأخلاقي من عالم
الواجبات الأخلاقية» واتسع نطاقه وازدادت فعاليته لدرجة أنه أصبح من الممكن توظيف
الأفعال في خدمة أهداف منبوذة أخلاقيًا على نطاق واسع ولفترة طويلة الأمد. وبالتالي
ربما تصل عواقب الأفعال وآثارها إلى درجة يتعذر تجنبها أو إصلاحها دون إثارة شكوك
أخلاقية أو حتى دون مجرد توخى الحيطة والحذر.
ثانيًا: تزامن مع ظهور القوة الجديدة للتكنولوجيا التي صنعها الإنسان ضعف الحدود الذاتية
التي فرضها البشر عبر آلاف السنين على سيادتهم على كل من الطبيعة وإخوانهم من البشر.
وهذا ما أطلق عليه ماكس قيبر «فك السحر عن العالم) (770110 عط 0 اختاعمكسقطعمع015) ١
وهو أيضا ما أطلق عليه نيتشه «موت الإله» (000 08 طئوء0 ع1). الوله يعني ؛ في المقام
الأول» وجود حد لقدرة الإنسان» حد يفرضه ما يرجو الإنسان فعله على ما يستطيع
الإنسان فعله أو ما يجرؤ على فعله. إن القدرة الإلهية المطلقة تضع حدا لما هو مسموح
للإنسان بأنْ يفعله أو يجرؤ على فعله. وقد وضعت الوصايا حدودًا لحرية البشر كأفراد.
لكنها وضغت أيضا حدودا لما يستطيع البشر معنا كمجتمع أن يشرعوه» فهي توضح أن قدرة
الونسان على تشريع مباديء العالم واستعمالها مقيدة ومحدودة فى الأصل . لكن العلم
الحديث» الذي حل محل الإله» أزال هذه العقبة» بل وخلق وظيفة شاغرة بعد أن أصبح
منصب مدير مكتب التشريع الأعلى» ومصمم نظام العالم ومديره» خاليًا الآن وبشكل
مخيف . كان لابد من شغل هذا المنصب وإلا . . . صحيح أن العرش قد نرِع من الإله»
لكن العرش مازال في مكانه . وكان خلو العرش على مدار العصر الحديث فرصة مغرية
لكل المغامرين والحالمين. فقد ظل الحلم بالنظام المحكم والانسجام الكامل حلم براقا قوياء
ويبدو أنه أقرب إلى الواقع الآن أكثر من أي وقت مضى . أصبح في مقدرة البشر الذين
كُتب عليهم الفناء تحقيق هذا الحلم وضمان هيمئته وسطوته . تحول العالم إلى بستان ملك
الإنسان» لكن يقظة البستاني هي فقط التي تستطيع أن تحمي ذلك البستان من فوضى
البرية. وأصبح من شأن الإنسان» ومن شأنه هو فقط أن يحكم بأن الأنهار تجري في الاتجاه
الصحيحء وأن الغابات لا تشغل مكان الحقل الذي يجب أن ينمو فيه الفول السوداني.
دما
الفصل الثامن: التفكير من جديد: العقلانيت والخزي الأخلاقي
وأصبح من شأن الإنسان» ومن شأنه هو فقط أن يتأكد أن الغرباء لا يحجبون شفافية النظام
المشروع» وأن الانسجام الاجتماعي لا تفسده الطبقات الجامحة» وأن اتحاد الشعب لا
تلوثه الأجناس المختلفة . فالمجتمع الخالي من الطبقات» مجتمع النقاء العرقي» المجتمع
الأعظم بألف لام التعريف» هذا المجتمع هو مهمة الإنسان الآن - مهمة عاجلة» مسألة
حياة أو موت. إن وضوح العالم ومهمة الإنسان» وهو وضوح كفله الإله من قبل ولكن
فد الآن» كان ولابد أن يستعيده الإنسان على الفور» معتمد هذه المرة على فطنته وألمعيته
ومسؤوليته (أم عدم مسؤوليته؟) .
إن اتحاد القوة المتنامية والعزم الحر على استخدام تلك القوة في خدمة نظام ممصطنع هو
ماأعطى قسوة الإنسان تلك السمة الحديثة» وهو ما جعل جرائم الجولاق وأوشقيتس
وهيروشيما ممكنة» بل وربما من المستحيل تجنبها . لكن هناك إشارات كثيرة بأن هذا الاتحاد
قد انتهى الآن» وينظر البعض إلى انتهائه على أنه مرحلة نضوج الحداثة» وأحيانًا ما يقال
إنه نتيجة غير متوقعة للحداثة» وأحيانًا أخرى يقال إنه بداية عصر ما بعد الحداثة» لكن
تتفق كافة التحليلات ومقولة بيتر دراكر الموجزة: «لن يكون الخلاص على يد المجتمع بعد
الآن.» صحيح أن هناك مهام كثيرة يجب أن يقوم بها الحكام من البشر» لكن خلق نظام
كامل للعالم ليس من هذه المهام . إن البستان العالمي الكبير انقسم إلى قطع صغيرة لا حضر
لهاء ولكل منها نظامهنا الخاص . ففي عالم يكتظ بأصحاب مهنة البستنة المثقفين والمنتشرين
في كافة الأرجاء» لم يعد هناك مكان للبستاني الأعظم بألف لام التعريف .
ليس بوسعنا أن نتطرق هنا إلى تفاصيل الأحداث التي أدت إلى انهيار البستان الأعظم .
وأيا كان السبب» فهذا الانهيار» في رأيي» خبر سار من نواح عديدة. والسؤال هو: هل
يمكن اعتبار هذا الانهيار بداية جديدة لأخلاقيات التعايش الإنساني؟ وإلى أي مدى يؤثر
على اهتمامنا بظاهرة تحييد أو استبعاد الفعل الاجتماعي من عالم الواجباب الأخلاقية -
لاسيما فهمنا للأبعاد التدميرية التي اكتسبتها هذه الظاهرة بفضل ظهور التكنولوجيا
الحديثة؟
هناك قليل من المكاسب؛ إن وجدت,. دون خسائر. إن رحيل البستاني الأعظم
واختفاء رؤية البستنة العظمى جعلا العالم مكانًا أكثر أمئاء فقد تلاشت الإبادة القائمة على
مف
الحداثيّ والهولوكوست
فكرة الخلاص . لكن هذا وحده لا يكفى ليجعل العالم آمًا. هناك مخاوف جديدة حلت
محل المخاوف القدية» أو بمعنى آخر»ء بعض من المخاوف القدية انبثقت من ظلال
مخاوف أخرى تم القضاء عليها أو في طريقها إلى الزوال. وأنا أميل إلى مشاركة هانز يوناز
الرأى وأحذر بن مخاوفنا الأساسية ترتبط الآن إلى حد كبير ومتزايد بالدمار الذي تهدد به
طبيعة الديناميكيات غير المقصودة للحضارة التكنيكية» وذلك أكثر من ارتباطها
بالمعسكرات والانفجارات النووية الملقصودة» وكلاهما يتطلب وضوح الأهداف الرئيسة
واتخاذ قرارات واعية بالأهداف. ويعزى ذلك إلى أن عالمنا قد تحرر من مهام الرجل
الأبيض والبروليتاريا والعرق الآري» لقد تحرر من كل كافة الغايات والمقاصد» ومن ثم
تحول إلى عالم الوسائل التي لا تحقق غاية سوى إعادة إنتاج ذاتها وتعظيمها. وكما قال
جاك إلول؛ التكنولوجيا تتطور اليوم لأنها تتطورء والوسائل التكنولوجية تُستخدم لأنها
متاحة. والجريمة الوحيدة التي مازال العالم يرى أنها لا تُغتفر في عالم اختلطت فيه القيم
هي عدم استخدام الوسائل التي صنعتها التكنولوجيا أو أوشكت على توفيرها في
المستقبل . فإذا كان ذلك بإمكانناء فلماذا بحق السماء لا نفعل؟ إن تكنولوجيا اليوم لا
تخدم حل المشاكل» بل إن إمكانية الحصول على التكنولوجيا هو الذي يعييد تعريف
الجزئيات المتنابعة للواقع الإنساني على أنها مشاكل تحتاج إلى حل . وعلى حد قول كل من
تيبر وكاك» التطور التكتر لوجي ينتج وبدائل قوق الخاجانك وبويترق إلى عايدات حي
يشبع القدرات التكنولوجية .
إن قاعدة التكنولوجيا المتحررة من القيود تعني أن القصد السببي تم استبداله بالههدف
والاختيار. فلا توجد أية مرجعية فكرية أو أخلاقية يمكن تصورها من أجل تقييم أو نقد
اتجاهات التكنولوجيا سوى التقييح الرشيد للإمكانيات التي خلقتها التكنولوجيا. وبصل
منطق الوسائل إلى قمة نمجاحه عندما تختفي الغايات في أزمة حل المشاكل . والطريق إلى
سيادة سلطة التكنولوجيا أصبح واضحا بإزالة آخر ما تبقى من المعنى . ولنتذكر تحذير
#الري واستشرافه للمستقبل في مطلع القرن العشرين:: «يمكننا القول بأن كل ما نعرفه أو
كل ما نستطيع أن نعرفه سينتهي بمعارضتنا لأنفسنا وما نحن عليه.» لقد قيل لناء وقد
صدقناء أن التحرير والحرية يعنيان الحق في اختزال الآخر» وبقية العالم» إلى موضوع.
(00[66) تنبع فائدته من قدرته على تحقيق الرضا والإشباع وتنتهي عند ذلك . فمن خلال
0 دما
الفصل الثامن: التفكيرمن جديد: العقلانينّ والخزي الأخلاقي
فاعلية تفوق كافة أشكال التنظيم الاجتماعي» استطاع المجتمع الذي يخضع لقاعدة
التكنولوجيا التي لا يمكن تحديها أو تقييدها أن يطمس معالم الوجوه» ومن ثم فقد دفع
المجتمع بظاهرة نحييد الروابط الإنسانية الاجتماعية إلى عمق لم يسبر غوره بعد.
لكن هذا كله ليس سوى جانب واحد للحقيقة المنجلية؛ إنه «الواقع المعاش وعالم
الحياة»» عالم الواقع الذي يعلو فوق الحياة اليومية للفرد. هناك جانب آخر أيضاء إنه
التطور المتقلب الغريب للإمكانيات التكنولوجية وتطبيقاتها والتي كلما توفرت لديها
الأدوات ربما تؤدي بكل سهولة دون أن يشعر أحد إلى موقف «الكتلة الحرجة)»» وهو
موقف يُصبح فيه العالم من صنع التكنولوجياء لكن لا يمكن أن تحكمه التكنولوجيا. فمثل
الرسم الحديث أو الموسيقى الحديثة أو الفلسفة الحديثة من قبل» ستصل التكنولوجيا الحديثة
إلى نهايتها المنطقية وتضع بنفسها استحالتها. وحتى تمنع مثل هذه النتيجة» كما يؤكد
جوزيف فيزنباوم» لابد من ظهور أخلاقيات جديدة» أخلاقيات للعواقب البعيدة»
أخلاقيات تتناسب والأثار التي تحدثها العملية التكنولوجية وتوغلها العجيب في الزمان
والمكان. إنها أخلاقيات مختلفة عن كل الأخلاقيات التي ألفناهاء أخلاقيات تعلو العقبات
الاجتماعية الناجمة عن الأفعال الوسيطة والاختزال الوظيفي للذات الإنسانية .
هذه الأخلاقيات الجديدة ضرورة منطقية في عصرنا إذا كان العالم الذي قد حول
الوسائل إلى غايات سيئجو من العواقب المحتملة لما صنعه. أما عن كون هذه الأخلاقيات
خطوة عملية أم لاء فهذا أمر مختلف . فالأجدر بنا نحن علماء الاجتماع ودارسي الواقع
الاجتماعي والسياسي أن نشك في جدوى الحقائق التي يثبت الفلاسفة منطقيتها الساحقة
وضرورتها الملّحة . والأجدر بنا علماء الاجتماع أن نلفت انتباه البشر إلى الفجوة بين
الضرورة والواقع» بين ديمومة الحدود الأخلاقية والعالم الذي يصر أن يعيش - أن يعيش
في سعادة وربما إلى الأبدء بدون هذه الحدود .
محاضرة جائزة أمالفي الأوروبية
لطن
10010220
واجب التذكر ..
لكن لماذا نتذكر ؟
كاهة تام ادرف 372
10010220
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
من يحكم قي ا ماضي يتحكم في ا مستقبل»
ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في ا ماضي.
جورج أورويل
عندما بدأت» منذ عشرة أعوام مضت,» الكتابة عن القرابة الاختيارية بين الهولوكوست
والحداثة» لم أكن أبغي تفسير الهولوكوست - بل فهم الحداثة. اعتقدت وقتها أنه من
منطلق المعنى المألوف لفكرة التفسير أنني سأتناول الهولوكوست كسلسلة من الأسباب
والتنائج» وأنني لن أفعل شيئًا سوى تفسيرها كحدث تاريخي وقع وانتهى. فقد بذل
المؤرخون المتميزون جهودا عظيمة» وسجلوا كل الأحداث والقرارت والوقائع» وكل من
يريد أن يطلع على أعمالهم بإمكانه أن يعرف هوية القتلة والضحايا والمستضعفين» الفرحين
بنجاتهم أو المتفرجين غير المكترثين. من الممكن أن نستمر للأبد في فحص سجلات
أرشيفية ويوميات لم تمسها يد حتى الآن» ونضيف أسماء للقتلة هنا وهناك» ونوسع مكتبة
الدراسات والبحوث عن الأحداث التي تندرج تحت أفظع أنواع القتل الجماعي الشامل
و ا يو
الحقائق سيزداد» لكن لن تزداد المعرفة أو ذ فهم الواقع
صحيح أن الفضل يعود إلى المؤرخين في معرفتنا المتزايدة على مدار السنين بالكيفية
الصحيحة التي حدثت بها الهولوكوست, لكن هناك تأخر شديد في الجهد الذي يبذله
المفكرون وعلماء الاجتماع من أجل فهم المعنى الذي تنطوى عليه تلك المعرفة فيما يتعلق
بالصورة التقليدية السائدة للمجتمع الحديث» بل» إذا أردنا الدقة» لم يُبذل جهد حقيقي منذ
أن نادى بذلك تيودور أدورنو وهانا أرينت. ولذا عزمت على أن انطلق من النقطة التي وصل
إليها أدورنو وأرينت في المهمة التي لم تنته بعد. تمنيت أن أدعو زملائي من مفكري علم
الاجتماع بأن يهتموا بالعلاقة بين الهولوكوست وبنية الحياة الحديئة ومنطقهاء وأن يتوقفوا غن
رؤية الهولوكوست كحادثة غريبة في التاريخ الغربي الحديث» وأن ينظروا إليها كواقعة تنتمي
لهذا التاريخ. ٠ بل وكجزء أساسي منه, بمعنى أنه لا يمكن الاستغناء ء عنها في فهم موضوع هذا
التاريخ وإمكاناته - ونوع المجتمع الذي نشأ عنه هذا التاريخ والذي نعيش فيه جميعا .
ضف
الحداثة والهولوكوست
أدرك الآن أنني أخطأت . ليس لأن دعوتي قُدمت بطريقة خطأء أو لأنها لم تلق أي
اهتمام» وليس لأن هناك شيء في طبيعة مفكري علم الاجتماع المعاصرين أو أعمالهم
حالت دون قبول مغزى الهولوكوست وفهمها من أجل فهم طبيعة الحداثة . فعلى النقيض
من الرأى الذي ذهبت إليه» كلما ذُكرت الهولوكوست في الفكر الاجتماعي الحديث؛ لم
يكن هناك شيء تحت المجهر سوى هذا المغزى الذي اعتقدت أنه ترك سهو. واقع الأمر أن
جل الباحثين الذين يتحدثون عن الهولوكوست أو يكتبون عنها - صراحة أم ضمنّاء عن
وعي أو عن غير وعي - لم يهتموا بشيء أكثر من هذا المغزى . إنهم مهتمون بوجود أو
غياب الصلة بين الهولوكوست وجوهر الحداثة» ومن ثم حق إنقاذ سفينة الحياة أو واجب
مراجعة بعض أهم الافتراضات المنشودة التي وضعتها الحداثة عن طبيعة مشروعها والتي
على الحداثة أن تتمسك بها إذا كان لمشروعها أن يستمر بشكله التاريخي السائد.
أماما لم أدركه في صورته الكاملة منذ عقد مضىء لكن اتضح لي الآن» هو أن
الصمت كان في تناغم تام مع الكلام . فعندما يظهر موضوع الهولوكوست في الخطاب
السوسيولوجي العلمي» يكون الموضوع الحقيقي للمناقشة - وبالطبع أكثر الموضوعات
إثارة للمشاعر والجدل - ليس السؤال عما حدث في التاريخ » بل طبيعة العالم الذي نسكنه
الآن. والأجندة الخنفية لخطاب الهولوكوست الحالي تسأل عما يمكن أن تقوله حقائق
الهولوكوست عن الإمكانات الخفية الحياتنا المعاصرة. فبمجرد أن تتم تسوية مشكلة الذنب
الذي اقترفه مجرمو الهولوكوست بحيث تفقد هذه المشكلة مع مرور الوقت جزءا كبيراً من
ضرورتها وأهميتها العملية» تتبقى القضية الكبرى الوحيدة» ألا وهي براءة سائر البشر -
لاسيما براءتنا نحن الغربيين7" .
الانتاجالاجتماعي للذنب والبراءة
فى العصور الأكثر بساطة وبراءة» عندما كان الطاغية يدمر المدن كى يعلو شأنه ويسمو
مجده» وعندما كان الأسرى يكبلون في عربات الغزاة ويجرون في الطرقات المبتهجة
)١( يربط عبد الوهاب المسيري )١9917( بين الشعور بالذنب وأيقئة الهولوكوست. أي التوجه نحو تأكيد تفردها
والمبالغة في أهوالها. فهذا الإحساس بالذنب «يتحول من إحساس خلقي عميق ورغبة في إقامة العدل إلى حالة
شعورية تدغدغ الأعصاب بل وإلى مصدر راحة» إذ يمكن للإنسبان الغربى أن يهنىء نفسه بأنه يزال يمارس هذهع-
نومام
واجب التذكن. لكن ماذا نتذكر؟
بالنصرء وعندما كان يلقى بالأعداء إلى الحيوانات المفترسة أمام الجماهير المحتشدة» أمام
هذه الجرائم كان بإمكان صوت الضمير أن يظل حيّاء وأن تظل ملكة الحكم واضحة. لكن
أمام معسكرات السخرة التي يرفرف فوقها علم الحرية» والمذابح التي ترتكب باسم إنقاذ
البشرية أو استلهام القوى المتجاوزة للإنسان» تصبح ملكة الحكم عاجزة. ففي اليوم الذي
ارتدت فيه الجريمة رداء البراءة» من خلال التناقض الغريب الذي يتسم به عصرناء أصبحت
البراءة هي من يحتاج الدفاع عن نفسه(١ .
هذا ما أكده ألبير كامو قبل ظهور كتاب «آبخمان في القدس» في نيويورك وحتى قبل أن
يظهر آبخمان نفسه» بطل الكتاب» في القدس . أوضح كامو أن إمكانية اتباع الجريمة
لقواعد المنطق واتباع «القتل للأسس العقلانية» هو (السؤال الذي فرضته علينا دموية القرن
العشرين ووحشيته»» «نحن في استجواب». وربما نرفض الإنصات إلى السؤال»
ونتنا يتوم ابي القتوواازللة القار :ل دن النمياة تعر يا واس ب نانيك والتيه
في جوهرها تعني أننا لسنا بهائم وأن وجودنا وجود أخلاقي .
يذكر كامو أن هيثكليف في رواية «مرتفعات وذرينج» كان مستعدا لقتل الجميع ليفوز
بمحبوبته كاثي - ' لكنه لم يكن أبدا ليزعم أن القتل شيء معقول أو قابل للتبرير نظريا» . لم
يكن هيثكليف يمتلك مهارات التنظيرء إنه لم يضع نظريات؛ ولم يكن في حاجة إلى
نظرية . فهو وقع في حب كاثي وكان يريدهاء وهذا هو السبب الوحيد الذي دفعه للقتل -
هذا إذا احتاج إلى سبب . ولو كان هيثكليف ارتكب جرية القتل» لكان هذا القتل جريمة
من جرائم الهوى والعاطفة (150ذقةم 02 عصستن)ء والتصرف من منطلق الهوى يعني
تغييب العقل» الهوى هو غياب العقل . وعندما نتحدث بلغة الهوى» فنحن نتحدث بلغة
اللاعقل . فالهوى والعقل لا يلتقيان؛ فإذا ظهر أحدهماء يخفت الآخر ويتلاشى .
- المشاعر النبيلة . . . وبالتالي يتحول الحس اللقي إلى حس جمالي أو حالة شعورية لا تُترجم إلى فعل فاضل ؛
إلى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وأيقنة الإبادة بذلك تغطي على ما يجري من مذابح سواء في قيتنام أو
البوسئة والهرسك أو الشيشان أو لبنان» . ناهيك عن الجريمة الأساسية بحق الشعب الفلسطيني [المترجم] .
م ,(1971 ,ذعله800 متناعضء2 :ملم آ) ه80 وممطاصة . مدن ,أعطع 8 عط'1' ,كتتصصقتك ععطلة (1)
(01؟229 عنسصدروآآ[ 31 عط معلمه 1951 معطقتاطنام لمستوتره) 11-12
25250
الحداثيّ والهولوكوست
شنت الحداثة حربًا ضد العاطفة وكتبت كلمة «العقل» بألف لام التعريف بخط عريض
على رايتها الخفاقة: بهذا الشعار سيتحقق النصر (12065؟ 51850 20 ه1أ) . فالعقل
الحديث يتجنب العاطفة» بل ويزدريها ويشبت فشلها في كل تبدياتها. وهكذا يرفض
العقل» دون أي ظلم» أن يتحمل مسؤولية جرائم العاطفة . ومن يقتل بدافع الحب أو
الكراهية فهو خارج منظومة الحداثة. لا يوجد شيء له علاقة بالحداثة في جريمة العاطفة .
ومن الصعب إدانة الحداثة عندما يرفض أو يفشل بعض الرجال والنساء في الاستماع إلى
صوت العقل ويتخذون إلههم هواهم . ليست الحداثة في حاجة للاعتذار عن جرائم الهوى
والعاطفة . وإذا جاء اليوم الذي تعتذر فيه الحداثة» سيكون اعتذارها عن تهاونها في أداء
مهمتها التحديئية كما ينبغي أو عن إهمالها أو تأخرها في ذلك .
وطالما أن الإنسان يستطيع أن ينسب الجرائم إلى هوى مرتكبيهاء يسهل إدانة الجريمة دون
طرح أسئلة كبرى عن طبيعة الحياة الحديثة . العقل يستنكر الكره الأعمى والحب الأعمى .
ومعظم الناس - الناس مثلنا - ينصتون إلى صوت العقل ولا يتركون الشحناء والبغضاء
تتملك من أفعالهم وتذيب عداوتهم في دماء جيرانهم . لكن ليس جميع الناس بهذا النبل
و«التحضر . » فالبعض لا يكفون عن ارتكاب أعمال شريرة . وعندما يطلب تفسير تلك
الأعمال» يتناسى العقل الحديث إقراره سيادة سلطته . لماذا يرتكب البعض أعمالاً شريرة؟
لأنهم أشرار. لماذا هم بهذه القسوة؟ لأنهم بهذه القسوة. لماذا يقومون بأعمال وحشية؟
لأنهم وحشيون. لماذا بعض منهم يقتلون اليهود؟ لأنهم يحبون قتل الناس أو لأنهم
يكرهون اليهود أو لكلا السببين - وبالتالي فإن قتل الناس وخاصة اليهود يسعدهم .
كل هذه الصيغ الإخبارية حشو واضح في الكلام. والحشو الزائد ما هو إلا خطأ صريح
في المنطق الذي لا يستقيم والانضباط الذاتي الذي وسم به العقل نفسه. للماذا قتل رجال
هتلر اليهود؟ لأنهم معادون للسامية. كيف عرفت أنهم معادون للسامية؟ لأنهم قتلوا
اليهود - عليك أن تنسى قتل 70٠٠٠١ إنسان» وهو أكثر من ثلث العدد الإجمالي
للغجرء عليك أن تنسى أيضًا قتل 75:0٠0٠٠ من الألمان المختلين عقليًا و«المنحرفين
جنسيًا». كل هؤلاء تبعوا أو سبقوا اليهود إلى أفران الغاز والمحارق . لو استمرت مثل هذه
المقولات في طرح نفسها كتفسيرات» لابد وأن الدافع وراء ذلك شيء آخخر غير منطق
3 ما»/ة د .0ق موه ما دما
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
البحث العلمي. هذا «الشيء الآخر» هو توزيع أو إعادة توزيع الذنب والبراءة. فالقضية
هي كيف نُدين المجرمين ونتأكد في الوقت نفسه من سلامة البراءة التي ينعم بها الرجل
الحديث والمرأة الحديثة والمجتمع الحديث الذي جعلهم على هذه الصورة؟ والتبرئة هي
الوجه الآخر للعملة» وهذا الوجه الآخر هو الذي يعطي للعملة قيمتهاء بل ويجعلها
جذابة ومرغوبة. وسط هذا الخلط» ننسى تمامًا الأسئلة المزرعجة التي طرحها كامو عن
معسكرات السخرة التي ترفرف فوقها راية الحرية والمذابح التي تُرتكب باسم إنقاذ البشرية .
قبل ميلاد هتلر وستالين» وقبل أن تُكتب عبارة "العمل سيحقق لك الحرية» على بوابات
معسكر أوشقيتس» وقبل أن تُقتل الجموع الضخمة من الشعوب من أجل حب البشرية»
كانت الحداثة قد خيمت على الخياة عندما كشف نيتشه عن المفارقة العجيبة والمرعبة
لحضارتنا الغربية :
الرجال الذين التزموا تمامًا بالأعرف والتقاليد والاحترام والعرفان بالجميل . . . الرجال
الذين يظهرون من خلال العلاقات القائمة بينهم بأنهم يمتلكون قدرا كبيراً من الحتكة
والاتزان والإخلاص والصداقة . . . هؤلاء الرجال أنفسهم بمجرد أن يذهبوا إلى الخارج
حيث يوجد الغريب» الغريب بألف لام التعريف . . . يخ رجون من بين الموكب المقزز
لعمليات القتل والحرق والاغتصاب والتعذيب:بنفس مبتهجة مطمئنة كما لو كانت هذه
العمليات التي نفذوها مجرد مزاح أو لعبة للضحك,ء مقتنعين أنهم قد ألهموا الشعراء
بالكثير لتأليف الأغاني والمديح(1 .
هذه المفارقة لا تقبل التفسيرات البسيطة - لكنها أيضًا مفارقة مرعبة. ما هي القضية
هنا؟ هل هؤلاء الوحوش يبغون الهروب من القفص الخانق الذي يسمونه الحضارة» ومن
ثم الرجوع بتنهيدة الراحة المدوية إلى طبيعتهم الحقة كما يقول نيتشه؟ أم هل كانوا محنكين
في وقت ماء أما الآن فقد أصبحوا منحوسين» ولذا جردوا من مقوماتهم ومعارفهم
وقدراتهم العقلية الفائقة» وألقي بهم إلى عالم غريب» وأصبحت قواعد اللعبة التي كانوا
يلعبونها لاغية وباطلة أو بكل بساطة لم يعد من الممكن تطبيقها؟ هاتان الإجابتان
حمآ طععل7610 :علدن ل" بوعل8) ممعصساسه ]ا ععالة11 .له 1 عمد مط مجاه اذ اولك مم1 1
6 .م ,(1968 ,لضقطط
قف
الحداثي والهوتلوكوست
مقبولتان» لكن لا يمكن البرهنة عليهماء ولا جدوى من الدفاع عن وقائعهما الجوهرية ( لا
الأداتية). هناك استنتاج وحيد يبدو صحيحا توصل إليه روبرتو توسكانو وقدمه بوضوح
ووس 017
الموضوع هنا ليس محاولة لتفسير العنف الفردي المتأصل في الأهواء الشخصية
والكراهية والطمع . على العكس تاماء فمن الواضح أن آليات النوعين الأساسيين للعنف
(الفردي والجماعي) مختلفة وتتبدى بأشكال مختلفة في نفس الأشخاص ممن لديهم ميل
مختلف تمام الاختلاف إلى اللجوء إلى العنف الجماعي في مقابل العنف الفردي .
وقد كشف توسكانو ما يجعل كلا الموقفين ومظاهر العنف المتشابهة في ظاهر الأمر في
حالة اخخمتلاف جذري. كما أوضح توسكانو اذا يتطلب هذان الموقفان وتلك المظاهر
تفسيرات مسختلفة . فعلى النقيض من العنف الفردي» نجد أن «العنف الجماعي شيء
مجرد؛» افليس بالضرورة أن يكون الجيران كأفراد حقيقيين محبوبين من الناس» لكنهم
يكونون محبوبين أو مكروهين لأسباب ملموسة لا مجردة. وعلى العكسء من أجل
تطبيق العنف الجماعي على الجار باعتباره عضو في جماعة معينة لابد وأن يطمس وجه
الفرد الواقعي ؛ لابد أن يتحول الشخص إلى صورة مجردة .
قتل تصنيفي تجريدي
إن التجريد هو إحدى القوى الرئيسة للعقل الحديث . وعندما تطبق قوة التجريد على
البشر» فإنها تعني طمس الوجه» وأية ملامح تتبقى من الوجه تكون علامة على الانتماء
إلى فئة وبطاقة العضوية فيهاء والمصيز المحتوم لصاحب الوجه ما هو إلا المعاملة العدّة للفئة
والتي يعتبر صاحب الوجه مجرد عينة منها . ويتمثل التأثير الكلي للتجريد في أن القواعد
التي تتبع عادة في التعاملات الشخصية» وخاصة القواعد الأخلاقية» لا تتدخل عندما يتم
التعامل مع فئة ماء بما في ذلك كل العناصر التي تقع في هذه الفئة» على أساس أنه تم
تصنيفها هكذا لا غير .
عطط' مد ,””اعتقوسمن) دونع نعقصط حجنه مععتطاظ :سعط)0) عذا 1ه ععوظ ع15"* ,مطمعده1' مترعطم] (1)
1لاتلقااط0ن) :علده 1 بوع51) تعماء1717 عصععم8 .لع ,ععمعاملره00) عتمطاعمعام[1 1ه عاأمصطلمة]
.63-81 .مم ,ز1998
0/1 6 لدمنام |
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
وقد اعتنى التشريع والدعاية والإدارة النازية للمجتمع بفصل «اليهودي المجرد؛ الوحيد
والأوحد عن كثير من «اليهود الواقعيين» (165/5 00801616) الذين يعرفهم الألمان كجيران
أو زملاء في العمل . ناهيك عن تحويل كل 7اليهود الواقعيين» إلى صور مجردة من خلال
الاستبعاد والترحيل والسجن . فالإبادة تختلف عن جرائم القتل الأخرى في أن لديها فئة
مستهدفة . واليهود كصور مجردة هم وحدهم الذين يمكن تعريضهم للإبادة؛ هذا النوع من
القتل لا يبالي باخختلاف العمر والنوع والسمات الشخصية أو الطابع الأخلاقي . فحتى تتم
الإبادة» يجب أولاً أن تمحى الفروق بين الأفراد» وأن تُذوب الوؤجوه في وعاء الفئة
المجردة. فنجد أن يوليوس شترايشر» وهو رئيس تحرير سيء السمعة لجريدة «المهاجم»
(9151265 1065) سيئة السمعة هي الأخرى» قد حاول جاهدا تزييف وترويج الصورة
الإدراكية النمطية الشعبية عن «اليهودي بألف لام التعريف» بحيث تتطابق والصورة
المطبوعة في أذهان القراء عن اليهود الواقعيين الذين يعرفونهم من خلال التعامل اليومي .
بل إن هيملر وجد أنه من الضروري توبيخ الصفوة المصطفاة من رجال الإس إس: «كل
عضو من أعضاء الحزب النازي يقول إنه لابد من إبادة الشعب اليهودي» هذا أمر واضح»
وهو جزء من برنامجناء إبادة اليهود» نعم الإبادة» وسنفعل ذلكء» لكن بعد ذلك أتى
ثمانون مليون من الألمان الطيبين» وكل معه صورة عن اليهودي المحترم . أما الصور الباقية
عن اليهود فهي صور خنازير» لكن هذه الصورة من الدرجة الأولى2172. كان يحظر على
الألمان المحترمين أن يكون لهم معرفة بيهود محترمين - محترمين لأنهم ايخصوهم):
الجيران القريبين» والأطباء المخلصين أو أصحاب المتاجر الطيبين. حوالي ستة ملايين
يهودي قتلوا جملة واحدة ليس لأي شيء فعلوه» ولكن بسبب الطريقة التي تم تصنيفهم بها
- وهذا هو أيضا ما حدث مؤخراً في ساعة أخرى من ساعات الانتصار التام للبيروقراطية
الحديئة عندما قامث العصابات المسلحة من جماعة الهوتو والتوتسي في رواندا بإظهار
ضحاياهم وإبرازهم في مقابل غيرهم تمن يشتركون معهم في الهيئة واللغة والدين» لكنهم
لعبوا دور القتلة وليس دور القتلى» فقط وفق بيانات جوازات السفر الخاصة بهم .
,180015 طتتاهمعء2 :طلده205ممصمط) طعت 1 لالط عط 0 عع2ظ1 عطة ,ادع .ن) مستطعوهل (1)
.177 .م,(1985
اسفن
الحداثت والهولوكوست
فيك جر كْ يان مصطلح «التنميط) أو «الجوهرة» (22100تلهنامء6»55) ليشير إلى الميل
نحو «تصنيف» الآخرين إلى فئات وأغاط جوهرية» وربما يكون هذا الميل ارتجاليًا لدى
البشر» لكن جورج زيميل يرى أنه يدعم بكل تأكيد وبراعة القوة الحديثة ومهارتها في
التجريد؛ فيتم توظيفه واستغلاله على نطاق واسع في العصر الحديث217. يقول جوك يان
«الجوهرانية هي إحدى أقوى استراتيجيات المذاهب الإقصائية؛ فهي تفصل بين المجموعات
البشرية وفق الثقافة أو الطبيعة. صحيح أن التفرقة بين البشر كانت موجودة دائمًا على مدار
العازيغ» لكن هناك أسبات واضحة وراء رواج الأسسترائيجياتالكورة تالكا في الحقبة
التأخمرة من العصر الحديث .» ومن بين الأسباب التي ذكرها يان عن كون «الجوهرة»
استراتيجية مفضلة في العصر الحديث هو توفير الأمن الأنطولوجي المفقود وإضفاء الشرعية
على الامتيازات الاجتماعية التي تنعارض مع وعد الحداثة بالمساواة والعالمية» مما يسهل
عملية إلقاء اللوم على الآخرء وتحميله مخاوف المرء وشكوكه في قدرته على تحقيق معايبر
الامتيازات الاجتماعية التي يؤمن بها . إن معاملة الآخرين ككائنات منفصلة لها فضائلها
ورذائلها ربما تخفق في نخدمة هذه الأهداف ؛ ومن ثم فإن «الجؤهرة» لا غنى عنهاء وقوة
التجريد الحديثة مفيدة لهذا الغرض . كما أن القوى التجريدية ترتكز على الأدوات الأخرى
للحداثة وتعلوها في آن واحدء ولولا هذه الأدوات» ما كان من الممكن أن تتصور وقوع
الهولوكوست» فهي صورة فريدة حديثة للإبادة .
بعض الظروف الضرورية الأخرى المتاحة فقط في البيئة الحديثة معروفة بالفعل وكثر
الحديث عنها. لكن ربما يكثر الحديث عن الأدوات التكنولوجية التي لها أهمية كبيرة في كل
من القتل الجماعي والإنتاج الصناعي الضخم على حد سواء. أما الإدارة العلمية اللتجسدة
في المنظومة البيروقراطية فتأتي في المرتبة الثانية - وهي تشير إلى القدرة على تنسيق أعمال
عدد ضخم من الأشخاص وضمان انفصال النتيجة النهاتية عن الصفات الشخصية للأفراد
ومعتقداتهم وعواطفهم . هاتان الصفتان اللتان تتميز بهما الحداثة [الأدوات التكنولوجية
علع10 ما ,””1/1025130511 1ه سمتنوعمعن) عط أكقتة 011 دستممدع3آ1 تسعطا0 عذا عستعت ام شدع و5“ )01
-1ع1/100 عامقا ضا ععمعدع 1011 لحمة عددتنا) ,ممتكمسطاععرط لم1اع50 :لاعله50 علامناععرظ عط]' ,عمتاملا
(1999 ,ع535 :ممل0دمل) نطتم
1110 دما
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟ ٠
والإدارة العلمية] حققتا إمكانية تنفيد الإبادة» إذا حدئت أو عندما تحدث» بمنتهى البرود
والكفاءة المحايدة وعلى نطاق مماثل لهذا الذي ميز الهولوكوست عن كل حالات الإبادة
الجماعية الماضية مهما كان مدى وحشيتها ودمويتها .
لكن ما يرفع هذه الإمكانية إلى مستوى الواقع هو الحماس الحداثي لخلق النظام. بيحيث
يصبح واقع الإنسان الحالي مشروعا لا ينتهي أبدا ويحتاج دائما إلى فحص دقيق ومراجعة
دائمة وتحسين مستمر. في هذا النظام» لاشيء يمتلك حق البقاء فقط لأنه متواجد
بالصدفة. وحتى يحصل كل عنصر من عناصر الواقع على حق البقاء على قيد الحياة» لابد
أن يشبت مدى نفعيته لهذا النظام الذي يضعه المشرؤع . وهذا طموح أشرت إليه منذ
قبل217» والسبيل إلى فهمه هو عالم المجازء لاسيما صورة «البستنة» التي تستوجب اقتلاع
الحشائش الضنارة لمساعدة النباتات المفيدة بأن تدمو وتحتفظ برونق التصميم العام للبستان .
ناهيك عن صورة الجراحة من علم الطب» وهي صورة تستدعي بتر الأعضاء العليلة
لمان صحة الكائن العضوي ككل» وصورة التصميم من فن العمارة» وهي صورة
تتطلب إزالة كل ما هو في غير موضعه.
الايادة تأسيس للنظام
عند تأمل فكرة القرابة بين الحياة الحديثة والقتل على شاكلة الهولوكوستء لابد من
التأكيد على حماس الحداثة لخلق النظم الجديدة . هذه المسألة مهمة جدا لفهم الطبيعة الحقة
للحداثة بوصفها فوذجا إدراكيا للوجود وليس باعتبارها واقعًا ملموسًا محدداتم تأويله
وطرحه أو لاحت له طوالع تدل على قرب حدوثه . يتسم النموذج الحداثي للحياة في المقام
الأول بعدم الاكتمال المزمن والتوجه نحو وضع لم يظهر إلى الوجود بعد. والحديث عن
الحداثة بوصفها مشروعا لم ينته هو من قبيل الحشو في الكلام . فالحداثة وفق تعريفها في
حالة تطور مستمر للأبد» حالة لم تتحقق بعد (86/0106 أطعته طعمم) . وحداثة أي
مشروع تتمثل في كونه بالتحديد خطوة أو خطوتين أو مائة نحو الواقع » لكن ما هو حديث
عن الحداثة هو مقدرتها الكامنة على تجاوز ذاتها والدفع نتخط نهاية الباق ددا أثناء
عدوهاء وبالتالي تمنع نفسها من الوصول إلى خط النهاية إلى الأبد.
(1987 ,رووععط لإأتاوط زععلوطصمع) وععاععم«عاسآ1 لس درمغواوزعء.1 0 الاتتصرع 2 (1)
نكسن
الحداثي والهولوكوست
الحداثة في الأصل تجاوز للحدود التي يتسم بها الوجود في العالم (-6طا-ما-وماءط
4. ورؤى النظام تتولد عن عدم الرضا بالوضع القائم» وتحقق هذه الرؤى يؤدي إلى
ظهور حالات جديدة من عدم الرضاء ومن ثم تظهر رؤى جديدة منقحة ومعدلة . فالحداثة
مزج بين رسمها خط النهاية وإصرارها على تجاوزه؛ وكل النظم التي نشأت تحت لواء
الحداثة» حتى وإن كانت عن غير عمد» هي نظم محلية ومؤقتة إلى حين إشعار آخر - قابلة
لإعادة التشكيل قبل تحققها. «التحديث» ليس طريق يؤدي إلى محطة «الحداثة». بل إن
التحديث - في حالة من الاستمرارية والهوس واللانهائية وذاتية الحركة - هو الوضع
البشري الذي تمثله «الحداثة»؛ أي أن الهوس بالتحديث هو الحداثة. وإن افترضنا أن
الهوس بالتحديث يمكن أن يتوقف» فهذا لا يعني بالمرة اكتمال الحداثة» بل زوالها أو
إفلاسها. وقد وصف أولريش بيك هذا الوضع وصمًا بلِيعًا في تصويره لعصرنا الحالي
باعتباره عملية «تحديث دائم للحداثة» أو عملية «عقلنة دائمة للعقلانية) 17 .
أشار أولريش بيك إلى الطبيعة المتغيرة والمتزايدة دومًا للجهود الحزئية والمحلية والمؤقتة
لخلق النظام» وقدم مصطلحا جديد أصبح مألوقًا الآن» ألا وهو مجتمع المخاطر
(150810اءوهعه81511)» فمجتمعنا نوع من المجتمعات التي تهيمن عليه الرغبة الملحة في
خلق النظام» وتُولّد سلسلة جديذة من الفوضى» وتَعرض كل محاولات خلق النظام
لمخاطر يمكن حسابها بمنطق الاحتمالات لكن لا يمكن تجنبها. والحياة في مجتمع المخاطر
يعني أنه مكتوب علينا أن نعيش دوما مع المخاطر (51511016565) . فا حياة المليئة بالمخاطر لا
يمكن تجنبهاء ونعيشها دون أي علم بما سيجابه المستقبل» ودون أية إمكانية للتحكم في
عواقب أفعال الفرد (اشرط ضروري في كل الخيارات العقلانية) . هذه الحياة أمر مرعب
ومزعج ومثير للقلق. يقول سيجموند فرويد إن الحياة الحديثة بدأت باستبدال جزء كبير من
حرية الفرد بالأمن الجماعي الشامل . أما في العصر الحالي» فقد سحبت كل الضمانات
الاجتماعية الخاصة بأمن الفرد أو لم يعد من الممكن الوثوق بها. هذا الوضع عبارة عن
حياة غير أمنة ومؤلمة» وبحث بلا طائل عن وعد صادق موثوق به لتبسيط العالم المعقد
الذي يصعب السير فيه بأمن وأمان.
طعتنانا مز ,””قعتاتطقع8400 وس1' أه أعتللدسمن) عط"ا!' “جواتمععل0م0ستاممط عتعاكد وقعدد0ن) أهط17“ (1)
19-31 .مم ,(1998 لإأتله2 تعمل ةطصهن) دعتسعصظط الامطا1؟ تإعووعءمصيع دآ ,عاععظ
6 لدمنام
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
وبالتالي يمكننا أن نقول أن رغبة الحداثة في خلق النظام هي رغبة ذاتية ا حركة والنمو.
فالواقع الذي سيوضع في النظام هو بقايا فوضى عمليات التنظيم في الماضي - الفضلات
والنتائج غير المتوقعة وغير المرغوب فيها. ويمكن تعريف الحذاثة بأنها تحديث إلزامي . وهذا
يعني أنه لا نهاية لهذا المجتمع المشبع بالتوتر والاضطرابء ذلك المجتمع الذي يأمل بلا
جدوى أن يجد مخرجا لإفراغ شحنات التوتر والاضطراب . بهذا الوضع في عصر ما بعد
الحداثة أو الحداثة المتأخرة» تقف القوى السياسية» التي بقيت محلية كما كانت في عصر
مجد الحدائة» عاجزة حيال الفقدان العالمي المنزايد لكل من اليقين والأمان. ومن بين
الأبعاد الثلاثة لفقدان الأمان واليقين (651©16ه51م]) والتي تؤرق الأشخاص المتمركزين
حول أنفسهم في هذا العصرء هناك بعد واحد لا غيرء هاجس الأمن الشخصي (سلامة
الجسد وامتداداته - الممتلكات الشخصية والمنزل والشارع والجوار والبيئة)» وفيه يمكن
للقوى السياسية أن تبدي سيطرتها ونشاطها وفاتدتهاء. ومن ثم يتحقق الدعم الانتخابي .
وبالتالي فإن موارد القلق الدائمة ومظاهر العدوان الذي تولده ترتبط باهتمامات «القانون
والنظام " : محاربة الجريمة» وجمع المجرمين» وإحكام السيطرة على العناصر المخيفة
المشكوك في أمرها والتي لا يمكن الاعتماد عليها - خاصة الغرباء الذين لديهم نمط حياتي
مختلف وتقاليد مختلفة والذين يسدون الآن الفراغ الذي خلفته «الطبقات الخطيرة» أو
«الأعراق الملوثة». ففي العصر الذي سرعان ما يتحول فيه الحراك إلى العامل الرئيس في
تصنيف الطبقات والتمييز بينهاء يدور جزء كبير ومتزايد من المخاوف المتعلقة بالنظام
والقانون حول المهاجرين والمسافرين والمتسكعين والعساسين والجواسين- فهم بؤرة التقاء
مخاوف متنوغة من بيئة تزداد غرابة وشذودًا . كما يزداد الاهتمام بقوة الشرطة الغليظة»
وأحكام السجن الطويل؛ والسجون ذات الحراسة المشددة» والحكم بالإعدام» وعزل «غير
.المرغوب فيهم» وترحيلهم . هذه الإجراءات وغيرها اعتمد عليها المجتمع في التعامل مع
التجربة الجديذة المزعجة التي سببتها سيولة الفضاء المحيط بنا.
هناك استثمار سياسي كبير لهذا الهوس الحالي بتحقيق الأمن» ولا يوجد أي نقص في
الللاعون اللبباسين للك بي بعلن ماهد الوق ل ليذ ليله بنآما العنين لي
قلة الفرص لدى هؤلاء اللاعبين في الاستحواذ على الكلمة العليا وتوظيف قوى الدولة
المطلقة لوضع «حل» على شاكلة الهولوكوست» فيرجع إلى الانتشار الحديث للقوى التي
رحس
الحداثيّ والهولومكوست
تلغي بعضها البعض» وإلى تعدد الأصوات. بالإضافة إلى الديموقراطية السياسية»
وضعف قبضة سلطات الدولة. صحيح أن هناك من يقولون بقلب مطمئن أن القوى
الخريصة على إيجاد حلول على شاكلة «الحل النهائي النازي»» والشروط الضرورية أو
الكافية لذلك» لم تعد موجودة اليوم» لكن هذا كلام طائش وصبياني .
العيش مع ذكرى الهولوكوست
قبل ما لا يزيد عن نصف قرن مضى» كان من المستحيل تصور وقوع الهولوكوست .
ومنذ نصف قرنء كان لا يزال معظم الناس يرون أن الهولوكوست شيء لا يصدق. أما
اليوم» فلا يمكن تخيل عالم يستحيل فيه حدوث «محرقة». ولو رسمت لوحة للمثل هذا
العالم الآمن الهادياء لا يمكن لأحد أن يصدق هذه اللوحة . ويعلم الجميع الآن أن المشاكل
المثارة سيكون لها «حلول نهائية» تعزل الناس وتجمعهم وتنفيهم أو تدمرهم واتُطهرا
مساحات شاسعة من أعداد ضخمة من البشر. هذا حينما يصطدم الواقع المتقلب بصورة
العالم المنظم» العالم ١كما يجب أن يكون». ويتحقق هذا فقط إذا لعب المرء اللعبة بمهارة.
أو استطاع أن يضمن تفوق قوته على اللاعب الآخر. فما أروع أن ينجو الفرد حتى الانتهاء
من المهمة» وربما للأبدء طالما أنه مازال قويا» ويستطيع أن يتجنب الهزيمة» وأن ينجو من
المحاكمة على أيدي المتتصرين . من الممكن أن نتصور في هذا العالم أن هناك شخص ماء
في مكان ماء يفكر في إبادة أخرى في هذه اللحظة . لم يعد هذا العالم مكانًا آمنا. وهنا
يكمن» باختصار شديد» مغزى الهولوكوست على المستوى الاجتماعي والسياسي
والثقافي والمادي . لقد أشار جورج شتينر ذات مرة أن ميزة فولتير أو ماثيو أرنولد كانت
جهلهم بما نعرفه نحن ولا يمكن أن ننساه : آثار المجازفة الحديثة الهائلة وقواها الخفية . بعل
الهولوكوست والجولاق» لا نستطيع أن ندعي الجهل . لانستطيع أن نختبيء ء خلف تلك
السذاجة التي كانت فضيلة عالم البراءة. لكن بعد أن فقدنا براءتناء لم نعد على يقين من
محتوى المعرفة التي اكتسبناها. وظل المحتوى محل خلاف. لكن طريقة تذكر هذا
اللجترى ةوك الوو ار كسيف مسألة حياة أو موت .
إذا قارنا بقاء الهولوكوست حية بعد زوالها بواقعهاء يبدو واقعها بسيطًا وواضحا : قام
لاقو يك انين لحري يطاروقة امنظعة ومتوينية هوقام أنامن عرو اعد ارم بد قترواء
اومان
واجب التذكر.: لكن ماذا نتذكرة
واكتفى آخرون بالمشاهدة - سواء في يأس أو لامبالاة أو سعادة خفية - لكن لم يقوموا
بشيء يذكر لإيقاف القتل . كان هناك قتلة أشرارء وضحايا أبرياء» ومتفرجون بدرجات
متفاوتة من الح والبراءة : وباستثناء تطرف «المؤرخين أصحاب التأويليات الحديدة»)
والندابين النازيين» هناك إجماع كبير في الآراء عن الجريمة والجاني والمجني عليه في
أوش(يتس . أما اليوم» تبدو الأشياء أكثر غموضا. وأكثر الأسئلة المحيرة هو ماذا نتعلم من
درس الهولوكوست؟ ومن يجب أن يتعلم هذا الدرس؟ ولماذا؟ اليوم» أصبحت الخطوط
الفاصلة بين الشر والبراءة» والذنب والفضيلة. والضمير الحى والضمير الميت» مبهمة
ومشوشة ثماما.
كانت الهولوكوست واقعة مريعة ومخيفة» ومن الممكن أن يقيس المرء مدى وحشيتها
بعدد الجثث ووزن الرماد. لكن كيف يستطيع المرء أن يقيس أثر الضرر الذي خلفته ذكرى
أفران الغاز والمحارق؟ بعد نصف قرنء» مازالت تلك الذكرى تعكر صفو الحياة» ويبدو أن
بالدرجة الأولى - كما هو مفهوم - أكثر من أي أحد آخر . فاليهود يعيشون في عالم تطارده
فكرة إمكانية وقوع محرقة جديدة» ومن بيلهم » في المقام الأول من يشعرون مرة أخرى
بالخوف والذعر. وبالنسبة لكثيرين» يبدو العالم مخيقًا للغاية؛ ولايوجدأي حدث
محايد- كل حدث يحمل فى طياته الشرء ويحوي رسالة منذرة بالثثر وموجهة نحو اليهود
على نحو خاص » رسالة يعني رفضها تعريض اليهود للخطر . يقول إيميل سيوران :
الخنوف يعني أن تفكر في نه نفسك با ستمرار وأن تكون عاجزا عن تصور مسار موضوعي
للأحداث . الشعور بالرعب» الشعور بأن كل ما يخدث ضدكء. يفترض عائًا دون مخاطر
محايدة . الإنسان المذعور - ضحية الذاتية المتضخمة - يرى نفسه » أكثر من أي أحد آخر»
هدف المصائب العدائية . . . [لقد حقق] أقصى درجة من درجّات الوعي والاهتمام
بالذات» فكل شىء يتأمر ضده 500 20
أعاقة1الي) :2009م آ) لقهة 110 لتقطء3] . قمدعا , زدعع10 01 11510135 5 فى 0101 .14 .8 (1)
1 «م,(1990 ,10015
2”
الحداثي والهولوكوست
غريزة الدفاع عن الذات تحث الضحية على تعلم درس التاريخ » ولكن حتى يتعلمه.
فهو يحتاج إلى أن يقرر أولاً ما هو الدرس . والقول بأن البقاء على قيد الحياة هو أهم شيء
والقيمة العليا التى تقلل من قيمة كل القيم الأخرى هو أسهل تفسيرات الدرس وأكثرها
شيوعا. فالتجربة المباشرة للضحايا تخبو وتلاشى» ومن ثم تنكمش ذكرى الهولوكوست
حتى تنحصر في مفهوم البقاء : الحياة هي البقاء» والنجاح في الحياة هو البقاء فترة أطول
من الآخرين . من يبقى يفوز.
قراءة الهولوكوست على هذا النحو كما صورها شبيلبرج نالت إعجاب العالم
وأصبحت نحم الشباك الأول؛ إذ يقدم فيلم «قائمة شندلر» الوجه الأوحد للمأساة على أنه
البقاء على قيد الحياة - بينما جاءت قيمة الحياة الإنسانية وأهميتها الأخلاقية فى المرتبة الثانية
على أحسن تقدير» بل لم يكن لها أهمية على الإطلاق . فلم يسمح أبدا للقيمة الأخلاقية
بأن تتدخل فى الأحداث المحورية. واعتنى هدف البقاء على قيد الحياة بالمخاوف
الأخلاقية» وقام بتقزيمهاء ودفعها بعيدا عن الأنظار حتى أصبح أهم شيء هو البقاء على
قيد الحياة لمدة أطول من الآخرين - حتى وإن كان الهروب من الموت يتطلب الانضمام إلى
قائمة منفصلة وفريدة تضم أصحاب الامتيازات» فعندما عرض قائد معسكر بي ركناو على
شندلر استبدال «نسائه اليهوديات»» رفض شندلر هذاء فلم يكن من المهم إنقاذ الأرواح»
بل إنقاذ أرواح بعينها. لم يقلل من أهمية قيمة البقاء على قيد الحياة الإدراك بأن الآخرين
الأقل حظاتم ترحيلهم إلى معسكرات الإبادة. هذا الفيلم يدعو مشاهديه إلى الاحتفال
ببراعة أعمال شندلر التي جحت في اللحظة الأخيرة - بفضله هو وحده - في إنقاذ
الكثيرين من القطار الذي كان وجهته معسكر تربليتكا. إن فيلم شبيلبرج يحول قضية
خلاص البشرية» من خلال محاكاة ساخرة لوصايا التلمود. إلى قرار من يبقى على قيد
الحياة ومن يموت7١؟,
لكن تمجيد البقاء على قيد الحياة إلى هذه الدرجة الرفيعة» وربا القيمة الوحيدة» ليس
)١( قالت الفيلسوفة العظيمة جيليان روز 18056 0111183 في آخر محاضرة عامة لها قبل وفاتها : «التلمود تهكمى
- بل هو أكثر النصوص التهكمية الساخرة في الأدب العالمي - فلا يوجد إنسان يمكن أن ينقذ العالم». وبيتما
أدان النص الأصلي بوضوح لاأخلاقية القسوة الناجمة عن إنقاذ شخص أو ألف شخصء احتفى الفيلم بذلك
وجعله التقطة المحورية (المؤلف) .
100
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
من اختراع شبيلبرج» وليس ظاهرة تقتصر على التصوير الفني للمحرقة. فبعد انتهاء
الحرب» ابتكر الأطباء النفسيون مصطلح «ذنب الناجين» - مرض نفسي معقد يطلقونه
على الناجين الذين يسألون أنفسهم عن سبب بقائهم على قيد الحياة بينما لقي كثير من
المقربين منهم حتفهم . وعليه فإن فرحة الناجين بالهروب من الموت كان دائمًا يعكرها
الشك في سلامة سلوك الإبحار من أجل النجاة من بحر الهلاك - الناجون سيعيشون مع
عواقب الكارثة» بل وستزداد العواقب بعد جحاتهم . نال الكثير من الأطباء النفسيين شهرة
وثراء من معالجة هذه «الأعراض المرضية لدى الناجين». صحيح أن تشخيص تلك
الأعراض بكفاءة وإتهام العلاج النفسي محل خخلاف» لكن من الواضح أنه بمرور الوقت
يجري طرد الروح الشريرة الكامنة في الشعور بالذنب» من نموذج «عقدة النجاة» . رويدا
رويداء يستحوذ على المشهد استحسان خالص وقاطع لنموذج الحفاظ على الذات من أجل
الحفاظ على الذات . إن الألم المستمر الذي خلفته معاناة البقاء على قيد الحياة هو وحده
الذي يلام الآن على استمرار «الأعراض المرضية عند الناجين» .
هذا التحول يقربنا من الصورة المريعة لفكرة النجاة بالنفس كما رسمها إلياس كانتي - إذ
يرى الشخص أن «نجاحه الأساسي والواضح هو أن يبقى حيًا وينجو بنفسه» . هذا الشخص
يرى أن النجاة - وليس مجرد الحفاظ على الذات - متوقفة على الآخر لا على الذات؛ إنه
يريد أن يبقى على قيد الحياة دون من معه. إنه يعرف أن كثيرين سبقوه إلى الموت» لذا فهو
يريد مصيراً مختلفًا لنفسه. » ويصل هذا الشخص كما رسمه كانتي إلى أقصى درجات
الهوس بفكرة النجاة بالنفس حتى أنه :
يريد أن يقتل لكي ينجو. إنه يريد البقاء حيًا حتى لا ينجو الآخرين دونه . . . وقد
أحرز هذا النوع من الناجين أعظم انتصاراته في عصرنا الحالي بين من يحتفظون بفكرة
جيدة عن الإنسانية . . . الناجون هم أسوأ شرور البشرية ولعنتها بل وفنائها أيضًا(١'.
تنطوي عواقب تموذج النجاة على مخاطر هائلة . فقد اختزلت دروس الهولوكوست»
في كل مكان» إلى ديباجة بسيطة» ألا وهي «من يضرب أولاً ينجو'ء أو الصيغة الأبسط :
. 290-3,544 . مم,(1973
يدن
الحداثة والهولوكوست
«البقاء للأقوى». والميراث المخيف الذي خلّفته الهولوكوست هو اتجاه نحو معاملة النجاة
بوصفها هدف الحياة الأسمى وقيمتها الوحيدة» وكأنها منافسة من أجل شيء نادر وصراع
بين أطراف مختلفة المصالح - صراع يعتمد فيه نجاح البعض على هزية البعض الآخر في
سباق البقاء .
عن غير قصدء لكن بنفس الدرجة المنذرة بالسوء» جاء هذا التفسير للمحرقة ملائمًا
تمامًا للجدل الدائر اليوم حول تبرير العالم للإبادة الجماعية» وأعني بذلك ظهور سلسلة
جديدة من الإدعاءات بأن جماعة ما ليست إلا ضحايا من أجل الانتقام من ظلم الماضي
والدفاع عن ضحايا الماضي حتى لا تتكرر معاناتهم . ومنطق التبرير وراء هذه المحاوللات
الإبادية الجديدة تلجأ إليه «القوى السياسية المتمركزة حول الماضي»» وقد أوضح لوك
بولتانسكي هذا المنطق كما يلي : «من خلال الاتكاء على ذكرى معاناة ضحايا الماضي
ومصائبهم» [هذه القوى السياسية] تضفي شرعية على الاحتكام إلى هوية الشعوب
والطبقات والدول)2172. إن «دروس التاريخ» في غالب الأمر هي أسلحة «من يمتلكون
القوة ومن يستغلون ضحايا الماضى حتى يستحوذوا على المستقبل بينما يتجاهلون معاناة
الحاضر). ْ
هناك وجه آخر يدعيه من أصبحوا «ضحايا بالتفويض» - فئة فريدة من «الطبقة
الأرستقراطية اللاعبة لدور الضحية»» تمن لديهم استحقاق وراثي للتعاطف والغفران
الأخلاقي الذي يدين به المجتمع لأصحاب المعاناة. وهو أمر مشابه لصكوك الغفران التي
كانت الكنيسة»تمنحها في العصور الوسطى أو ما يسمى «شيك على بياض» في الوقت
الحالى : شهادة مؤقعة علي بياض باستقامة الأخلاق . وعليه فإن ما يفعله ورثة الضحاياء
تاكاه تعفر هيا العاز قا أ عطق الأقز ايامو الرسعية الاخلاقية, قا زود
مشكلة على الإطلاق طالما أنه يمكن توضيح أن الورثة أتوا هذا الفعل لتجنب تكرار مأساة
أجدادهم . لا توجد مشكلة طالما أنه يمكن تفسير أفعالهم على أنها أفعال نفسية» بل
اوطبيعية»» بالنظر إلى الصدمة الموروثة؛ وأعني بذلك الحساسية المفرطة لدى الورثة الذين
يلعبون دور الضحية بأنهم مهددون بأن يتعرضوا لاضطهاد جديد.
م ,(1999 رومععظ اطأذويع لمنلا عع70تطصسمن) :عع #0طسدت) عسلوعء لبد أسماوانة ,لأكمماومظ ناآ[ )1(
192
631.16 | دما
واجب التذكر. . لحكن ماذا تتذكر؟
ينال الأجداد الشفقة» لكن يقع اللوم عليهم لأنهم تركوا أنفسهم يساقون كالأغنام إلى
المذبح . فكيف لنا أن نلقي باللوم على أخلافهم لأنهم يشمون رائحة مذبحة مقبلة في كل
طريق قبيح وفي كل مبنى كريه؟ بل كيف لنا أن نلومهم على اتخاذ إجراءات وقائية
لإضعاف القتلة المحتملين؟ ربما يكون الذين يجب نزع القوة منهم لا شأن لهم بمنفذي
الهولوكوست ولا يمكن تحميلهم مسؤولية هلاك أجدادهم قانونيًا أو أخلاقيًا. إن «توريث
دور الضحايا»» لا استمرارية الطغاة المفمترضين» هو الذي يصنع الاتصال ويحافظ على
السلسلة السببية . لكن في عالم تهيمن عليه ذكرى الهولوكوست,» يحمل هؤلاء الورثة
مقدما ذنبًا يتتمثل في أن العالم يراهم يمتلكون القدرة» إن سنحت لهم الفرصة» على القيام
بتنفيذ إبادة أخرى . وإلصاق التهمة بهم أو مجرد الاشتباه فيهم» كما نستشف من رواية
«المحاكمة» لكافكاء هو جريِتهم هم» بل والجريمة الوحيدة التي يمكن من خلالها تصينفهم
كمجرمين وتبرير إجراءات عقابية قاسية ضدهم . إن أجلاقيات الادعاء بالاضطهاد الوراثي
تقلب منطق القانون» فالمنهم يبقى مجرما حتى تثبت براءته. وبما أن الخصم والحَكّم هما
من يستمعان ويقرران صحة الحجة» فإن فرصة قبول الحَكَم حجة المدّعى عليهم ضثيلة
جداء بل تُنتهز كل فرصة لإبقائهم مذنبين فترة طويلة ولأجل غير مسمى مهما فعلوا .
التوليد الذاتي للعبة الضحية.
وراثة الشخص للاضطهاد الذي تعرض له أجداده ربما تنزع الإدانة الأخلاقية عن
الاضطهاد الجديد الذي يمارسه- وهو اضطهاد يرتكب هذه المرة باسم إزالة الفضصعف
الوراثي. صحيح أن العنف يولد العنف» لكن اضطهاد الضحايا يؤدى إلى وقوع اضطهاد
لضحايا جدد. فلا يضمن الضحايا أن يكونوا أفضل خلقا من جلاديهم» ونادرا ما
يخ رجون من الاضطهاد بأخلاق نبيلة .
ليس الاستشهاد - في الواقع الحقيقي أو التصوري - ضمانًا للطهارة الملائكية . وذكرى
المعاناة لا تضمن التفاني في محاربة غماذج اللاإنسانية والوحشية والإيذاء أينما وقعت ومهما
كانت هوية الضحايا. هناك نتيجة مماثلة أخرى للاستشهاد» وهي الميل نحو استنباط درس
مضاد : الإنسانية تنقسم إلى ضحايا وجلادين» فإذا كنت أنت ضحية» أو تتوقع أن تكون»
فعليك أن تقلب الأمور وتجعلها تصب في صالحك . نحن نواجه هذا المنطق المعكوس من
ايدان
الحداثنّ والهولوكوست
حين لآخر. نرى هذا المنطق كل يوم» ولا نبذل جهدا كبيراً أو ربا لا نفعل شيئًا لنقطع دابر
الشر. نرى هذا المنطق اليوم في لعبة العنف في رواندا؛ وفي أوروبا فيما كان يعرف حتى
وقت قريب بيوغسلاقيا؛ وفي السودان والكونجو والصومال وأنجولا وسريلانكا وأفغانستان
وكثير من البلدان الأخرى. هذا هو الدرس الذي يهمس به شبح الهولوكوست في آذان
الكثيرين» ورفع بعض القادة السياسيين الإسرائيليين هذا الدرس إلى مرتبة السياسية
الرسمية للدولة» بل وجعلوه حجة الدفاع عن سياستها الدبلوماسية . وبسبب هذا الدرس»
ليس بإمكاننا أن نتأكد أن الميراث الدائم للمحرقة لم يكن مخالمًا تماما لما كان يتمناه الكثيرون
ويتوقعه آخرون: صحوة أخلاقية أو تطهير أخلاقي للعالم بأسره أو جزء منه .
يكمن الميراث التدميري للمحرقة في أن طغاة اليوم يمكن أن يتسببوا في مزيد من الآلام»
وأن يخلقوا أجيالاً جديدة من الضحايا الذين سينتظرون الفرصة للتنكيل بالأخرين»
لاسيما وأنهم على قناعة بأن الأخلاق في صفهم ؛ فهم يثأرون لآلام الماضي» ويمنعون آلام
المستقبل . هذا الميراث التدميري من أفظع لعنات الهولوكوست وأهم انتصارات هتلر بعد
وفاته. تلك الحشود التي أشادت بالمذبحة التي قام بها باروخ جولدشتاين بحق المصلين
المسلمين في مدينة الخليل الفلسطينية المحتلة» واحتشدوا جميعًا في جنازته وأخذوا يكتبون
اسمه على لافتاتهم السياسية والدينية» هؤلاء هم حملة هذه اللعئة. وربما يعتمد هؤلاء
على تعاطف ضمني» وصاخب أحياناء من القوى السياسية الحاكمة والتي تريد أن تحافظ
على خضوع الواقع لنموذج ورثة الاضطهاد. وتبذل قصارى جهدها لتحقيق لذلك . قنبلة
أخرى» واندلاع جديد للانتفاضة» يخدم هذا الهدف كثيراً . تفشت هذه اللعنة بحدة أقل»
لكن على نحو خبيث ومدمرء بين قطاع عريض من الشعب الإسرائيلي الذي نشأ على
عقلية الحصار أو الاعتقاد بأنه يعيش داخل حصن محاصر .
في نهاية دراسته الرائدة عن الحماس الشديد الذي أبداه أناس عاديون من المجندين في
كغيبة الشرطة الألمائية الاحتياطية رقم ١١١ عند تفيذهم أوامر الققل» يقول كريستوفن
برأونينج : االو أمكن أن يصبح رجال هذه الكتيبة قتلة» فماهي الجماعة البشرية التي لا
يمكن أن تصبح كذلك؟» وعلى خلاف دانيال يونان جولدهاجن, أحد طلابه في مرحلة
الدكتوراة فيما بعد» توجس براونينج خحيفة من أن أناسًا عاديين» مثلناء يمكن أن يتحولوا
إلى قتلة حينما تتاح لهم الفرصة . لم يبحث براونيئج عن عزاء بأن المعادين للسامية هم من
01100 أ نومام
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
يمتلكون براءة الاختراع للتجسد البارع لهذه الفكرة» وأن التحرر من معاداة السامية دواء
مسجل ضد المشاركة فى الجرعة .
تأملت الباحثة الإسرائيلية أربيلا أزولي والباحث الإسرائيلي آدي أوفير في تاريخ ما بعد
الهولو كوست. وبحثا عما تعنيه كلمة انحن ) فى لغة الساسية الإسرائيلية اليوم:
نحن آخر بقعة في أوروبا مازال فيها ماضي النازية له فائدة - فدولة إسرائيل حولت
إبادة يهود أوروبا إلى ملكية قومية ورأسمال رمزي . . . نحن موقع تجارب لاختبار مدى
إمكانية تحقيق عالمية الشر - إمكانية العالمية (/12156153112361116) إرث أوروبي ومورث
خلّمَه إنتاج الشر الوارد من أوروبا. إن الفرضية التي يراد تأييدها هنا والتي لم يغبت عدم
صحتها بعد هي أنه «من الممكن أن يحدث هذا للجميع»» وأن يصبح دائمًا ضحايا الماضي
طغاة اليوم. كل شخص يكن أن يجد نفسه مشاركًا في كراهية «الآخراء وإهانته.
وظلمهء وفي التمييز العنصري والتطهير العرقي للجيران والمدن. من الممكن أن ينتهي
الحال بالجميع بالتعاون منع نظام ينتج الشر ويوزعه توزيعا منظما منهج(" .
مفهوم «الاضطهاد الوراثي» هو الأداة الاجتماعية النفسية الرئيسة التي تخدم الإنتاج
الممنهج للشر وتوزيعه. يجب أن ننتبه لعدم الخلط بين ظاهرة الاضطهاد الموروث والقرابة
الجيئية أو العادات الأسرية التي يحافظ عليها تأثير الأبوين على الخلفية التعليمية . فالوراثة
في هذه الحالة أمر تخيلي يتشكل من خلال الإنتاج الجماعي للذاكرة وأفعال التماهي الذاتي
والتوحد والانتماء . وبالتالى فإن حالة «أبناء الهولوكوست»» أو وراثة لعب دور الضحية»
متاحة لكل يهودي أيا كان ما فعله أسلافهم «في الحرب»» وأيًا كان ما حدث لهم أثناء
الحرب .
صحيح أن الأطباء النفسيين قد أجروا دراسات جمة على الأخلاف البيولوجيين -
الموضوعات التعليمية الخاضعة للتجربة - أبناء وأحفاد سجناء معسكرات الاعتقال وسكان
الجميتو» لكن مازالت هناك أعداد ضخمة من «أبناء وبنات الهولوكوست»» من ليس لهم
قريب من معسكرات الاعتقال أو سكان الجيتوء في انتظار دراسة شاملة. لكن هناك
-1ة؟' ,'عاها5 اماع ل 2ه وتتمعلا 50 :0دتد210 01 عددعلا 100 ,05 [لخ ع تروأناوعم ولاعضث (1)
.68-71 .مم ,(1998) 2 ,قلطا
501١
الحداث5 والهولوكوست
إشارات كثيرة لما ستكشفه هذه الدراسة » وربما تكشف الدراسة أن مشاكل هؤلاء (الأبناء
لمتَخيّلِين» » - أبناء بالغصب و«أبناء معيبين» - ليست أقل سوءًا وخطورة» وربما يكون لها
عواقب أسوأ من تلك التي وصفها الأطباء النفسيون حتى الآن. ويكننا القول بأن هذا
الافتراض يستند إلى العقل - أيَا كان ما يعنيه «العقل» في عالمنا هذا الذي تهيمن عليه ذكرى
الهولوكوست . إن المكانة التي يحتلها الأبناء المعيبون» ويرون العالم من خلالهاء ويريدون
أن يراهم العالم فيهاء هي مكانة الشهداء» لكنهم ليسواء ولم يكونوا» على المستوى
الشخصي» هدقًا لغضب الآخرين وشرهم . ويبدو العالم مترددا في إيذائهم وإلحاق الضرر
بهم» وفي ظروف معيئة يبدو هذا العالم خيراً معهم إلى حد لا يمكن أن يكون حقيقيًا -
فواقعية العالم الآمن تعني عدم واقعية الحياة التي تستمد معناها من الضرر الذي يحدث لها
والضرر الذي سيحدث .
العيش في عالم آمن وغير عدواني» ناهيك عن العيش في راحة ورخاء» يعني خيانة
التاريخ المانح للمعنى . ومن أجل وصول الأطفال المعيبين إلى الكمال وتحقيق مصيرهم
والتخلص من عجزهم الحالي ومحو صفة «العيب والنقص» عن الذرية والورثة» فهم في
حاجة إلى إعادة صياغة الاستمرارية المتخيلة للاضطهاد الوراثي في شكل استمزارية واقعية
للاضطهاد في «العالم هناك . » ويمكن تحقيق ذلك فقط من خلال التصرف كما لو كانت
مكانتهم في هذا العالم هي حقًا وبالفعل مكانة الفمحايا؛ أي من خلال الالتزام
باستراتيجية تتسم بالعقلانية فقط في هذا العالم الذي يضطهد الضحايا. لا يمكن أن يكتمل
الأبناء المعيبون إلا عندما يبدي العالم الذي يعيشون فيه عداءه وتآمره ضدهم - بل وعندما
يشمل بالطبع إمكانية وقوع محرقة جديدة .
إن الحقيقة المروعة» على العكس من الكلام والتمني» هي أن الأبناء المعيبين - «الأبناء
الناقصين» - لا يصلحون للعيش في عالم خال من هذه الإمكانية» بل ويشعرون أنهم في
غير مكانهم في هذا العالم. إنهم يشعرون براحة أكثر عندما يعيشون في عالم مثل هذا
العالم الآخر المليء بالقتلة الذين يكرهون اليهود والذين لم يكونوا ليكفوا عن ضمهم إلى
ضحاياهم لو كانت أيديهم الملطخة بالدماء غير مقيدة. إنهم يشعرون بالطمأنينة كلما رأوا
إشارة عداء تستهدفهم » ويتحمسون لتفسير كل حركة يقوم بها من حولهم على أنها تعبير
0 دما
'واجب التذكر.. لكن ماذا تتذكرة
صريح أو ضمني عن هذا العداء . وهناك دراسة حديثة عن اختفاء معاداة اليهود في
الولايات المتحدة كنب عنها في الصحيفة الأمريكية اليهودية «تيقون) (صدهل1ا) تحت عنوان
يلخص هذا كله - «هل بإمكان البهود القبول بفكرة اختفاء معاداة اليهود؟ إن المفارقة
المخيفة للاضطهاد الوراثي هي توليد اهتمام دائم بعداء العالم وبتأجيج هذا العداء والحفاظ
عليه . ونكاد نسمع صوت ابتهاج بعض القادة السياسيين في المدينة وهم يتنفسون الصعداء
ومعهم كذلك الآلاف من النساء والرجال الذين صوتوا لهم في الانتخابات كلما تزرع قنبلة
إرهابية بأيدي ضحاياهم الذين نفد صبرهم .
إن الأبناء المعيبين أبناء الشهداء لا يعيشون في بيوت» بل فى حصون . ومن أجل تحويل
بيوتهم إلى حصون. فإنهم بحاجة إلى جعلها دائمًا تحت الحصار وفي مرمي النيران. وما
أقرب المرء إلى تحقيق هذه الحاجة هنا بين الفلسطينيين رماة الحجارة» المتضورين جوعاء
والمعدمين» واليائسين» والغاضبين . . . هنا تختلف البيوث الواسعة المريحة عن البيوت
التي تركها الأبناء المعيبون - بيوت الرفاهية الواسعة المريحة هناك» حيث الترف والرخاء في
المدن الأمريكية الآمنة الكئيبة السخيفة؛ هناك يبقى الأبناء على حالهم» معيبين . هنا يمكن
تطويق المنازل بأسلاك شائكة» وبناء أبراج مراقبة في كل ركن من أركان المديئة» وبإمكان
اليهودي أن يسير بكل فخر من منزل إلى منزل حاملاً سلاحه على كتفه. لقد حبس العالم
المعادي لليهود الخماعات اليهودية داخل الحيتو من قبل . وعندما يقيم اليهودي منازل على
غرار الجيتو» لكن هذه المرة يصبح الجيتو مطوقًا ومسلحا بأسلحة ثقيلة» يبدو العالم مرة
أخرى مغاديًا لليهود. في هذا العالم المعيب حقًا وتماماء لن يكون الأبناء» بعد انتظار
طويل» معيبين مرة أخرى . إن فرصة الاستشهاد التي فقدها الجيل ربما يستحوذ عليها تمثلو
الجيل الذين يودون أن يراهم العالم على أنهم المتحدثون أيضا باسم هذا الجيل .
وأيا كانت الطريقة التي تنظر بها إلى هذا الأمرء يبدو شبح الهولوكوست ذاتي التكاثر
والديمومة. وأصبح من الصعب على كثيرين الاستغناء عن هذا الشبح» ومن ثم أصبح من
الصعب طرده. اكتسبت البيوت المسكونة بالأرواح الشريرة قيمة إضافية وتحولت في نظر
الكثيرين إلى شكل حياتي ذي معنى وقيمة . وهكذا من الممكن أن نستكشف الانتصار
العظيم الذي حققه مصممو فكرة الحل النهائي النازي . فما فشل هتلر ورجاله في تحقيقه
وهم على قيد الحياة ربما يأملون في تحقيقه بعد مماتهم . فهم لم ينجحوا في تحويل العالم
تلن
الحداثت والهولوكوست
ضد اليهود» لكن مازال بإمكانهم أن يحلموا في قبورهم بتحويل اليهود ضد العالم» ومن
ثم يصبح التصالح بين اليهود والعالم» والعيش في سلام معاء من الصعب تحقيقه. بل
ومن المستحيل أيضًا . إن نبوءات الهولوكوست ليست ذاتية التحقيق تمامّاء بل هي تضع
إمكانية حدوث الهولوكوست في أي لحظة بكل عواقبه السياسية والثقافية والنفسانية
الكارثية الضارة .
العيش في عالم أحادي البعد
افترض جان بول سارتر أن اليهودي شخص يعرفه الناس بأنه يهودي . ما يعنيه سارتر
هو أن التعريف عملية انتقائية اختزالية» وهكذا يتم إبراز إحدى الصفات المتعددة لشخص
متعدد الأوجه وتهميش الصفات الأخرى ووضعها في مكانة ثانوية أو فرعية أو غير مهمة .
في حالة الممسوس أو الخاضع لروح شريرة تلبسته. يتم تطبيق الإجراء الذي افترضه
سارتر» ولكن في الاتجاه المعاكس . يظهر الآخرون من غير اليهود كأناس ذوي بعد واحد
مثلما يبدو اليهود في نظر من يكرهونهم . إن الآخرين ليسوا من الأبرار أو الأشرار» ليسوا
من الأزواج المخلصين أو الأنانيين» ليسوا من المدراء الخيرين أو الماكرين» وليسوا مواطنين
صالحين أو طالحين» وليسوا جيرانًا مسالمين أو عدوانيين» وليسواظامين أو مظلومين؛
وليسوا ضحايا أو مذنبين» وليسوا ضحايا أو جلادين» ليسوا متميزين أو معدمين» وليسوا
مهددين بالهلاك أو مهددين» بل همء إذا أردنا الدقة قدء يكونون كل هذا. لكن القول
بأنهم ربما يكونون كل هذا أو أكثر من ذلك لا ينطوى على أهمية كبيرة. الأهم - وربما
الشيء الوحيد المهم - هو موقفهم تجاه اليهود. والموقف تجاه أي أحد يتضح أنه يهودي
يفسر على أنه تعبير أو موقف مشتق من الموقف تجاه اليهود بألف لام التعريف . ومثل
الاضطهاد الوراثي» تمتلك أحادية البعد الخاصة برؤية العالم نزعة طبيعية نحو الديمومة
الذاتية.
من الصعب للغاية أن نوازن بين رؤية العالم أحادية البعد والحقيقة التي تقول بإنه أثناء
حرب هتلر ضد اليهود رفض كثير من المعادين لليهود أن يتعاونوا مع منفذي
الهولوكوست . كما أن القطاعات التي جاء منها منفذوا الهولوكوست كانت مليئة
بالمواطنين المتلزمين بالقانون والموظفين المنضبطين الذين لا يحملون أية كراهية لليهود. ولا
دما
وإاجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
يكنون أية ضغينة لليهود تمن أطلقوا النار عليهم وألقوهم في أفران الغاز. ولقد أعدت
الباحثة المتميزة نخاما تيك دراسة عن «البشر العاديين» الذين يتعرضون لظروف غير آدمية»
واكتشفت وفق رواية أحد شهود عيان إحدى عمليات الإعدام الجماعي أنه من بين ثلاثة
عشر ترا ١ أظهرة ولخ مني وجقنية فبارنية ان وكلاقة ال يختتر كوا فى اتخرية» آنا الباقون
فرأوا أنها عملية «قذرة» ورفضوا الحديث عنها. ومن الصعب فهم الحقيقة التي تقول بإن
#ترحيل اليهود) - الاسم الرسمي لإبادة يهود أوروبا - استمد معناه في الفكر النازي من
الخطة الطائشة التي كانت تستهدف (إعادة التوطين» (1[7351601028)» وهي صورة قارة
أوروبية يتم فيها ترحيل الجميع من مكانهم الحالي العارض إلى المكان الذي يأمرهم به
العقل(١2. ويمكن أن ينطوي هذا الفعل على العدم . فالهولوكوست ازدادت جرائمهاء
حتى أن مقابر اليهود أصبحت معطلة» وحل محلها دخان المداخن . ومن الصعب القبول
بأن إبادة اليهود خططت لها الدولة في إطار «عملية التطهسير» الكلي والتي كان من بين
ضحاياها المختلين عقليًا والمعاقين والمنحرفين أيديولوجيًا والشواذ جنسيا . ومن الصعب أن
نتخيل أن الدولة التي تصورت هذه الإبادة كانت قوية بدرجة كافية تحول دون أية معارضة»
وبدرجة تمكنها من تحقيق هذه الخطط وتنفيذها دون خوف من أي انشقاق عليها. وأخيراً.
من الصعب أن نفهم أن النازيين الذين تسببوا في جرائم الهولوكوست,. أي نوع من
المخلوقات كانواء كانؤا أيضًا «مواطنين»). وكان حالهم حال كل المواطنين في كل زمان
ومكان» كان لديهم («مشاكل»» وكانوا يتمنون حله9؟ ,
ليس الهدف من كل ما ذكرناه حتى الآن إثبات أن التحذيرات من إمكانية حدوث
محرقة جديدة لا أساس لها من الصحة» وأن العالم الذي نعيش فيه الآن يختلف عن عالم
الهولوكوستء وأن العالم المعاصر لا يؤثر فيه الهولوكوست . بل أعني أن التهديد بحدوث
محرقات جديدة يتم البحث عنه في أماكن خطأء وأنه يتم تشتيت الانتباه عن الأرض التي
تضرب فيها التهديدات الحقيقية بجذورها. وأحد الجوانب المشؤومة في رؤية العالم أحادية
28255 لتك انلا 0200 :0عمك:0) قمع عاسة12 عطا 0عع21 غخطئاط صعط !ا رعه1' مسقطععلة (1)
.(1986
كدف :عل مدع غ0 «ومام50 هته 1115057 عط رمطمدعقصن1 متكا ع عللقطن) كتصق (2)
23 .م,(1990 رووعء2 تدع كتمنآ علولا امع تحتو بعل8) 52015 عمدن) لد
500
الجداثيّ والهولوكوست
البعد هو أنه أننا نوجه انتباهنا في اتجاه واحدء بينما نغض الطرف عن الطبيعة المتشعبة
للمخاطر الحقيقية .
إن الإطراء الذي لقيه تفسير دانيال جولدهاجن للمحرقة بأنها عمل طوعي قام به
مساعدو هتلر الكارهون لليهود يضاف إلى هذه المخاطر . إن أطروحة جولدهاجن والقبول
الذي لقيته في كثير من الدوائر لا يمكن تفسيرهما على الوجه الأكمل إلا من خلال السياق
الذي ذكرناه سابقًّ والذي يتضمن كأحد مكوناته الأساسية ظاهرة عقلية الضحية الوراثية
(المعيبة) وعلاقتها برؤية العالم أحادية البعد.
إن وجهة نظري تلك يشاركني فيها جولدهاجن نفسه واتباعه ومريديه . وعندما نشر كل
من روث بيرتينا بيرن ونورمان فتكلشتاين دراسة نقدية قوية للاستخدمات المتحيزة التي قام
بها جولدهاجن فى بحثه للسجلات217: جاء المؤلف المذكورء وبدلاً من الاعتراف بأخطائه
أو الدفاع عن دراسته» اتهم نقاده بالخيانة السياسية» وأخذ يحكم المشاعر والاتهامات
الشخصية. ووصفهم «بالصليبيين المعادين للصهيونية » (( وعلى المنوال نفسه قال بإن الحدال
الدائر حول معالجته للمحرقة هو في النهاية مسآلة دفاع عن بعض القضايا السياسية
المعاصرة . أما من هرعوا إلى إنقاذ جولدهاجن والدفاع عنه فكانوا أفجر منه : فقد صرح
أبراهام فوكس نيابة عن الفرع الكندي لرابطة مكافحة ال 0 (2110 مقلع (آ- نامك
#ناعةع.]) بأن المشكلة ليست معرفة إذا ما كانت أطروحة جولدهاجن وجيهة ولها ما يبررها
أم لا - لكن إذا ما كانت الدراسة النقدية المطبقة عليها «مشروعة» أم لاء وإذا ما كانت
تتعدى حدود المسموح 7"
وهكذا أصبح هذا الإدراك لدراسة جولدهاجن أكثر من وجيه. فرسالة الكتاب كانت
كتدعط!' تاءع201035) عط نلدكء:ط1 05 5ه0د ال لل يلظ مستترعظ لان عل ساعأداععتساط ممدصضولة (1)
. (1998 ,خامط سعط عاتملا ببع!!) ملأل لدع1 81150 لد
()الهدف المعلن لرابطة مكافحة التشهير (بالإنغليزية : ( عنادع.آ 086100تةه(1-نأمذهر مقاومة العنصرية
والتمييز ضد اليهود وإسرائيل» وهي بذلك لا تفرق بين معاداة اليهود ومعاداة الصهيونية . وقد تسببت هذه
المنظمة في إغلاق مركز زايد للتنسيق والمتابعة بدولة الإمارات والتابع لجامعة الدول العربية بعد أن اتهمته بترويج
أفكار ومناقشات معادية لليهود وإسرائيل. وكان من بين إصدارات هذا المركز ترجمة عربية لكتاب «الأدب
1998 . طول 10 ,رقعسةة علرملا بجعلة3 (3)
1 دما
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
مباشرة للغاية كما جاء على لسان جولدهاجن في كتابه «جلادون في خدمة هتلر) عام
5 : لبخصوص الدافع وراء الهولوكوست. هناك دافع واحد ووحيد في الغالب
الأعم» - ألا وهو «المعاداة الشديدة للسامية». أما المؤرخون الذين كانوا يطمحون إلى
الاعتراف بتفسيرات مركبة للمخرقة» من وجهة نظر جولدهاجن» فقد أخطأوا وضلواء
ولابد أن يتخلصوا من فكرة أن الألمان» فى عصر هتلر على الأقل» كانوا «تقريبًا مثلنا» أو
أن «رقة مشاعرهم كانت قريبة من مشاعرنا»7١2. وهنا يسهل على القاريء أن يستنتج أن
وقوع الهولوكوست يرجع إلى أن الألمان لم يكونوا «مثلنا تقريبًا». وبما أن «الاختلاق»
علاقة متناظرة» فإن الاستنتاج الثاني سهل للغاية : بما أننا جميعًا لسنا «تقريبًا مثل الألمان» )
ذا لاشيء من الأشياء التي يقال إنها «تقارب من بعيد» الإبادة على شاكلة الهولوكوست
يمكن أن يقوم بها أي أحد آخر أو في أي مكان آخر. كانت الهولوكوست ومازالت وستظل
مشكلة الألمان» لذا لا داعي نأن يقلق باقي العالم ولتهنأ الشعوب الأخرى براحة البال.
بمعنى آخرء لاشيء من الأشياء التي من الممكن أن نتعلمها من الواقعة التي تنسمى
«الهولوكوست» يمكن أن يعلمنا أي شيء عن أنفسنا أو العالم الذي نعيش فيه أو شيء آخر
سوى خطيئة الألمان؛ وهو المطلوب إثباته (ستتفصة امه مممعل غدي 0000) .
وقد لخنص توم سيجيف. الكاتب بصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية» هذا الجدل الدائر كما
يلي : القد تعاملت المؤسسة اليهودية مع جولدهاجن كما لو كان هو السيد هولوكوست
شخضيًا: :وهذا ع جيب للغاية > :فالثقد المر نه عبد خمولنعاعة لوساف ف 0
ويوضح سيجيف أن هذا الأمر» رغم ذلك» مفهوم تماما بما أن «الطابع الصهيوني» لدراسة
جولدهاجن هو المحك .
المهم في نهاية الأمر أنه ليس الألمان فقط» بل كل الأغيار» يكرهون اليهود. ومن ثم هناك
حاجة لوحدة اليهود وتضامنهم . وبالتالي أيضًا هناك حاجة إلى كتب أكثر عن الكراهية
الموجهة ضد اليهود» وكلما كانت تلك الكتب سطحية ومبسطة» كلما كان أفضل .
,416 .مم ,(1996 ,أممصكا تعلعولا بجع]]) 0215 1دعع ع1 عسنللة1؟ 810125 , معجعمطل1ه© [اعتمدطط (1)
279,269 .
“لانت 70165310115 ععلاع ؟داول؟* ,لملا عتاوتصتدمه2[ ععذ5 . 1998 نتمل38 15 ,جأعتهقط (2)
8 .م ,1998 .عتم ,10223011م01آ علم3810 عا ,ب “طفمطد هلا عددد غ115
/و 5
الحداذي والهولودكوست
صحيح أن جولدهاجن استخدم الاستنتاجات النيرة عع يه
براونينج » لكنه حرقها حتى يثبت أطروحته . وقد اتهمه كريستوفر براونينج باختلاق ثنا
متعارضة لنوعين من الأفعال :
)١( أفعال يقال إن عوامل «جوائّية» تحفزها وتسمح بوجود الأحكام الأخلاقية» أ أي
المباديء والقيم التي يختزلها جولدهاجن في المعتقدات العنصرية والمعادية للسامية .
(؟) أفعال «تفرضها بالقوة» ما يسميه جولدهاجن عوامل «براثّية» والتي بسبب هذا
الإجبار والإكراه تخلو من البعد الأخلاقي الذي يتضمن الاختيار. في حقيقة الأمر» توجد
بالطبع (قيم ومباديء» عديدة غير القيم العنصرية تحفز البشر مثل الواجب والشرعية
والسلطة والولاء للوطن أثناء الخرب. وهناك سمات شخصية أخرى تشكل سلوك البشر
دون إعفائهم من المسؤولية الشخصية مثل الطموح والطمع وتبلد الإحساس بمشاعر
الآخخريه 237.
هذا هو المحك بالتحديد: كان لابد من وجود عدد من الاختراعات الحديثة الفائقة»
أهمها «البيروقراطية العقلانية»» حتى يمكن استثناء جرائم القتل وأعمال العنف الأخرى
مرخ الأحكام الأخلاقية فتضبح أعمالاً «مجايدة من الوجهة الأخلاقية» في أعين منفذيهاء
ومن ثم تُستغل «القيم والمباديء» الإنسانية في خدمة جرائم القتل . لكننا سنضيع وقتنا بلا
جدوى إذا أردنا البحث فى كتاب جولدهاجن عن أية علامة تشير إلى إدراك الكاتب لكل
ذلك. أو استعداده لإدر اك الأزمة الحديثة للإنسان الأخلاقي على أنها أزمة مركبة تتجاوز
أبسط الثنائيات المتعارضة .
لم يكن القول بأن بعض المشاركين في الإبادة الجماعية قد استمتعوا بدورهم في الجريمة
بسبب ميولهم السادية أو كراهيتهم لليهود؛ أو لكلا السببين معاء من وحي خيال
جولدهاجن» ولم يكن اكتشافه أيضاً . والتسليم بهذه الحقيقة» رغم ذلك. على أنها تفسير
لهولوكوست. وعلى أنها النقطة المحورية والمغزى الأعمق لهاء يعلمنا الكثير عن
الاستغلال السياسي المعاصر لذكرى الهولوكوست. لكنه يبعدنا عن الاهتمام بأخطر
الحقائق في هذه الإبادة وأهم الدروس التي يمكن أن يتعلمها عالمنا المسكون بأشباح القتلى-
. (1999 . طع1- . صول) مدطعلة1" , '«ممستافع1 "مداع 1؟' ,عمته م8 . 12 تعطمم)كتهطك (1)
0 دما
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
أو الدروس التي ينبغي أن نتعلمهاء ويفرض الالتزام الأخلاقي علينا أن نتعلمها - من
التاريخ الذي يشمل الهولوكوست بوصفها حدثه الرئيس .
الإنتاج الاجتماعي للقتلة
ما يجب أن نتذكره هو أن كل وغد من الأوغاد المذكورين في كتاب جولدهاجن» وكل
ألماني أو غير ألماني قتل ضحيته بنشوة وحماسء كان يقابله عشرات ومئات من الألمان وغير
الألمان من أسهموا في الإبادة الجماعية دون أن يكؤن لديهم أية مشاعر تجاه ضحاياهم
وطبيعة الأفعال التي يقومون بها. نحن نعرف أن التحامل يهدد الإنسانية» لكننا نعرف
القليل عن كيفية محاربة النوايا السيئة للمتحاملين والتحكم فيهاء نحن لا نعرف شيئًا على
الإطلاق عن كيفية تجنب التهديد بالقتل والذي يتنكر في شكل وظيفة روتينية خالية من
المشاعر يؤديها مجتمع منظم . وهناك نوع آخر من المعرفة تزداد أهميته بفضل الجهود
المتضافرة لعلماء النفس والتكنولوجيين وخبراء الإدارة العلمية» وهو يتمثل في كيفية
توظيف أناس ليس لديهم أية دوافع للقتل في خدمة «القتل المشروع»» وكذلك المهارات
والتكنولوجيا المطلوبة لتطبيق هذه المعرفة .
كتب روبرت جونسون دراسة دقيقة ومتميزة وعميقة وبارعة عن الروتين اليومي الممل
في زنازن ما قبل الإعدام التي أقرها نظام العقوبات الأمريكي المولع بعقوبة الإعدام .كما
تناولت الدراسة الإحياء المؤقت والروتين الاحتفالي بأيام الإعدام وخواطر جميع المشاركين
ومشاعرهم . والكم الضخم للمعلومات التي استخرجها جونسون وجمعها ربما يصلح
كدليل علمي تجريبي على أفكار عالم الجريمة النرويجي العظيم نيلز كريستي في دراسته
الرائدة «التحكم في الجريمة بوصفه صناعة)”١2. فتقرير جونسون يزخر بأدلة علمية تجريبية
تؤيد الأفكار الرئيسة التي طرحها كريستي : تحويل اجراءات القثل إلى روتين» والتقسيم
البيروقراطي لأدوار العمل» و«التوظيف الأداتي» لكل الأفراد المشاركين في العسمل
الجماعي» و«التحرر من المشاعر» تمامًا في العملية كلهاء وتحييد الاعتبارات الأخلاقية؛
ومحو شخصية الضحايا. صحيح أن ارو التهذيب الحضاري» جعلتنا جميعًاء أو
:مصاع 8) كوعء220 11013ناع15:2 صندع8100 عط 01 03ماذ ىن :701:1 طاوءلآ ,مممسصطمل تعطمظ (1)
111608ام1 :002ممط) تتتأوتلس1 35 [متنم0 © عنتتن) ,عتامتقتطن 115ل8 :1998 ,ه105
. (1993
بلغالا
الحدائت والهولوكوست
معظمنا على الأقل» كما يقول نوربير إلياس » نكره العنف ونجتنبه . لكن الحضارة الحديثة
اخترعت أيضا وسائل تجعل هذا النفور من العنف لا مجال له عند التواطؤ في تنفيذ أعمال
العنف - وخاصة عندما تنفد تلك الأعمال باسم القيم المتحضرة .
يقول جونسون: «إن التواطؤ واضحء» فضباط زنازن ما قبل الإعدام يحتجزون السجناء
بهدف إعدامهم . » وكان الضباط الذين التقى بهم جونسون مدركين لهذه الحقيقة ويشعرون
بالضيق» واعترف أحدهم قائلاً: «إن إدراكي بحقيقة الزيارة العائلية الأخيرة تشعرني
بالضيق كثيراً . . . كان وجودي هناك أمر كئيب» . وعلينا أن نتذكر أن حراس زنازن ما
قبل الإعدام لا ينعمون بالرفاهية التي استمتع بها منفذو الهولوكوست - حيث كان لديهم
متسع من الوقت. بتكوين علاقات شخصية مع السجناء» بمعنى أن من حكم عليهم بالإعدام
كان لهم وجوه. لكن الضابط أضاف بعد تدبر قائلا : «من المفتترض أن ذلك جزء من
الوظيفة» مثل مهنة الطبيب أو ما شابه. أنت فقط تفقد مريضاء هذا هو كل ما في الأمرء
لكن ليس الأمر بهذه السهولة . فأنت من الصعب أن تنسى أمرا كهذاء لكن يمكنك أن تلقيه
وراء ظهرك.» كان هذا الضابط ومن معه في الغالب الأعم يلقون بهذا الأمر «وراء
ظهورهم» . كيف كان من الممكن تحقيق هذا الإنجاز؟
أولاً: تقوم هذه الوظيفة على تنحية كل الاعتبارات الأخلاقية جانبّا» واستبدال المعايير
الأخلاقية بأخرى تقنية لا تثير أية مشاعر ولا تخص المباديء الأخلاقية للشخصء وتكرار
ما يردده المسؤولون وما يردده الضباط والحراس . يقول أحد الحراس : (إنها ليست وظيفة
أحبها أو أكرهها. إنني أحاول أن أتقن أي وظيفة أقوم بها. لو ألغى المسؤولون عقوبة القتل
لن يضايقني هذا. ولو كان لدينا عشر عمئيات إعدام عدا لن يضايقني هذا.» ويقول
حارس آخر: ١ كل شيء يتم بإتقان؛ إنها ليست لعبة. كل شيء يتم توثيقه في الوقت
المحدد وبالحرف الواحد) .
ثانيَا: كل الضباط والحراس يشاركون في عملية القتل» لكن لا أحد منهم قاتل» ولا
عليه أن يشعر بذلك . فلا يوجد أي شيء #نوم ب«شخصى بمفرده. يقول جونسون: ««كان
أعضاء فريق حراسة القتل يطلقون على أنفسهم . . بكل بساطة «الفريق». والانضمام:
إلى «الفريق» أمر جيد؛ فهو الفريق الذي يقتل دون أن يجعل أي من أعضائه قاتلا .
0071.110 / دما
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
ويستشهد جونسون بأقوال أحد الحراس: «نستطيع أن نقول بأمانة أننا لم نفعل ذلك . »
فالمسؤولية عائمة كما ثقول هانا أرينت . والمسؤولية العائمة ليست مسؤولية أحد.
ثالنًا: لا يقوم أي عضو من أعضاء فريق القتل بوظيفته حبًا في القتل أو حتى من باب
الإيمان بعقوبة الإعدام. فوجود الدوافع من عدمها لا علاقة له بعملية الإعدام. يقول
جونسول: «قلة من فريق الإعدام فقط هم من يؤيدون عقوبة القتل صراحة ودون محفظ» .
وعندما يجري الإعلان عن وظائف شاغرة» لا يطلب رؤساء السجون ساديين أو مدمني
«القانون والنظام» أو مقاتلين مناضلين وأعضاء لحان شعبية . فالمشاعر القوية» إن وجدت»
تتدخل في سير الإجراءات البيروقراطية . والأسلم» بل والأفضلء أن تُنحى المشاعر
جانبًا. وعندما لايتم التحكم في مفعول المشاعر» سيتوقف الكثير على تغيرات مزاجية غير
معتدلة خارجة عن سيطرة البيروقراطية . فتنفيذ كل شيء «بالحرف» أكثر فاعلية. وفي
المنظومة البيروقراطية لصناعة القتل» كما الحال فى أية منظومة بيروقراطية» من الأفضل
التخلص من التعاطف الشخصى والكراهية الشخصية قبل الذهاب إلى العمل .
بعض العقلاء تمن يعملون في وظائف الإشراف يتجاوزون هذه الخطوة. إنهم يؤيدون
وبكل صرامة عدم توظيف رجال يبدون ميلا معيئًا ليس للأداء الجيد فقط. لكن لآداء
وظيفة بعينها بسبب ماهية هذه الوظيفة : «لا أريد أي أحد يرغب في أن يقوم بهذه المهمة
... وإذا شعرت أن أحدا في الفريق يستمتع بأداء المهمة» سأخرجه من الفريق على الفور
.... أريد أن أتأكد أن كل أفراد الفريق . . . يؤدون المهمة من باب القيام بالواجب
المفروض عليهم . » وفكرة المشرف هذه هي الروح الحديثة . فعندما كان يؤمر المجندون في
قوات المهام الخاصة بأن يحتشدوا ويفتحوا النيران على الموقع الذي وجد فيه البلشفيون
واليهود فى المنطقة السوقييتية المحتلة»:.كان يجري اتخاذ كل الاحتياطات للقضاء على
الساديين والمعادين للسامية . إن قوة الطرق والوسائل الحديثة تكمن تحديدا في جعل نجاح
المهمة مستقلاً عن وجود المشاعر البشرية من عدمها .
لم تكن الحداثة لتصل إلى ما وصلت إليه لو أنها اعتمدت على أمور متقلبة المزاج وغريبة
الأطوار وغير حديثة بالمرة مثل المشاعر البشرية . بل اعتمدت الحداثة على تقسيم المهام,
وعلى العلم والتكنولوجياء والقدرة على الحساب العقلاني للتكاليف والعواقب- وهي
كن
الحداثت والهولووكوست
جميعها أمور غير عاطفية على الإطلاق . وقد قدمت الدراسة المتميزة التي أعدها ستيفن
ترومبلي ١7 عن «صناعة الإعدام» ما قدمته دراسة جوتس ألي وسوزان هايم عن المشروع
التدميري للنازية» فهي توضح بما لايدع مجالاً للشك أن العوامل التي ساعدت على
إمكانية حدوث القتل الجماعي المنظم في المجتمع الحديث لا تختلف عن العوامل التي
حققت إمكانية الإنتاج الضخم والعقلنة التكنولوجية المستمرة. وسجل جوتس ألي
وسوزان هايم الدور المهم الذي لعبه آلاف الخبراء من الطبقة الرفيعة في تنفيذ الإبادة
الجماعية بكفاءة غير مسبوقة - مهندسون» ومعماريون» وإنشائيون» وأطباء» وعلماء
نفس» وغيرهه'*'2. ونحن نعلم من خلال ما سجله ستيفن ترومبلي بعناية عن تاريخ
الكرسي الكهربائي أن أول تنفيذ للإعدام بالكهرباء بحق ويليام كيملر في السادس من
أغسطس عام 184١ في نيويورك في سجن ولاية أوبرن «أثار اهتمامًا كبيراً من جانب
الأطباء» وكان هناك أربعة عشر طبيبًا من بين خمسة وعشرين شاهدوا إعدام كيملر
بالكهرباء . ' نحن نعلم أيضا أن اخمتراع الكرسي الكهربائي أصبح مجالاً للجدل العلمي
حول مزايا التيارات المتغيرة والمباشرة» وأنه تسبب في جدل ساخن بين رواد التكنولوجيا
الحديثة مثل توماس إديسون وجورج ويستنجهاوس . كما نعلم أن.أعضاء لجنة ج7رنر هيل
المتميزين والمتهمين باكتشاف الطرق المثلى للإعدام أبدوا إعجابهم بالمناقشات والحجج التي
أظهرت سلطة العلم والتقدم. ما بهرهم هو أن «الكهرباء» شكل الطاقة الخفي والمبهم»
كانت في جوهرها حديثة تمامًا) ؛ وكانت أيضا طاقة نظيفة ورخيصة - وقد أثار هذا إعجاب
أعضاء اللجنة كما ينبغي .
الدراسات التي قدمها كل من روبرت جونسون وستيفن ترومبلي قيّمة؛ من حيث
المعلومات المطروحة والفهم الضمني للسلوك البشري الحذيث وآليات المجتمع الحديث .
تلك الآليات حولت الاعتبارات الأخلاقية ودوافغها إلى شيء لا قيمة له في الغالب
الأعم. وقد أوضحت هذه الدراسات كيف جرى تعطيل هذه الاعتبارات» وكيف تَولّد
لاماتوهن) 5'دمعتلتعسف عل أكدة -امعماومط ون 86 6و1" ,ره اطسو ممطوع51 (1)
(1993 ,تمطعصك :عاتملا بجعلة) تودأسسكطز
عطء ماعل عتل انه جا [لتطءكتلك :ع ملتاطعتصاة 7 2ع مععتلمعل70:0 ,ستعلط عمسوكناد 2 علخ جان0 (2)
. (1991 رعمصدن عن مسمصةه]؟ :وساطصداط) عمسصلء0 رعطءكتوممجتاء عتاع2 عمك نتن عدةاط
0
واجب التذكر.. لكن ماذا نتذكر؟
هذا التعطيل بشكل يومي وروتيني. وعدد الباحثان المكاسب من وراء هذا التعطيل؛
مكاسب بالمعنى الحرفي للربح وإمكانية الربح من استخدام الموارد» وإنجاز مهام ما كانت
لتتحقق لو اعتمدت على دوافع وانفعالات بشرية. فالمشاركون في عمليات القتل»
والأعداد الهائلة من العلماء والمهندسين الذين زودوهم بأسلحة القتل وأعدوا الإجراءات
من أجل إتقان العملية» ليسوا من الأشرار مطلقًا. الأشرار هم من يقومون بأفعال شريرة
طوال الوقت» لكنهم قلة شاذة و«مجانين» وفق المعايير الحديثة للعقل . ومن أهم إنجازات
لللغرارة للد كه أي سكنت اناب عادية :عورالا كورة وبيب اله لاز شتراك في
القتل - وجعلت هذا القتل عملية أكثر شمولاً وكمالاً وكفاءة ونظافة وفعالية ومناعة ضد
الأخلاق على نحو لم يشهده العالم من ذي قبل .
الحداثة ضد الكائن ا مستباح
قال إنسو ترافيرسو في معرض حديثه عن فرنسا إن أسباب الهولوكوست وهذه
«الجدران من اللامبالاة» التي أحاطت بالمذبحة الجماعية لليهود الفرنسيين ينبغي ألا نبحث
عباتي لجال لبهرة كينا بوك جا ررك عار و بعتي ارا انا
ذاتهاء بل في المجتمع الفرنسي قبل حكومة فيشي .2١( ثمة غرباء غير مرغوب فيهم في كل
الاب مر ل الل الت ره
الممكن في أي مجتمع إبادة هؤلاء الغرباء غير المرغوب فيهم . كما أن وجود عدد من
كارهي اليهود ليس شرطًا كافيًا حتى تصبح الإبادة إمكانية قائمة .
أوضحت هانا أرينت منذ زمن بعيد أنه في حالة الهولوكوست يمكن لمعاداة السامية في
أفضل الأحوال أن تفسر سبب اختيار الضحاياء لكنها لا تفسر طبيعة الجريمة . ولم يحدث
شيء منذ ذلك الحين يدحض ما قالته أرينت» بل أيدته» تمثيلاً لا حصراء المذكرات المهمة
التي كتبها يريمو ليقفي» والبحث التاريخي الضخم الذي أجراه راؤل هيلبرج» والفيلم
الوثائة تفي الذي أخرجه كلود لانزمان .
.وظهر مؤخراً صوت نقدي جديد مهم - ألا وهو الفيلسوف الإيطالي جورجيو
. (1996 ,كمعن :تممة2) ع6 تلطع 06 ع"أم اسل عط ,موع تهنا" مخمط (1)
نحسن
الحداثت والهولوكوست
أجامبن17١2- وأعماله إضافة جديدة إلى محاولاتنا في فك لغز الهولوكوست. يستحضر
أجامين المفهوم القانوني ل يسمى «الهومو ساشر)ا أو «الكائن المستباح) (53661 ملامط))
وهو مفهوم استحدثه القانون الروماني القديم» ويشير إلى إنسان يمكن قتله دون عقاب»
لكنه يشير في الوقت نفسه إلى كائن آخر يختلف عنا تمَاماء كائن غريب وبالطبع غير إنساني
- كائن يمكن استباحة دمه في الشعائر والطقوس الدينية» لكن قتله ليس له أي مغزى
ديني . إن «الكائن المستباح) هذ «عديم الفائدة» قامّاء وخارج المجتمع البشري تماماء
ومستثنى من كل الالتزامات والاعتبارات الأخرى التى يستحقها بشر آخرون لكونهم بشر.
إن حياة الكائن المستباح «عارية» - أي أنها مجردة من كل السمات الاجتماعية والحقوق
السياسية؛ ومن ثم فهي بلا حماية» إنها صيد سهل لكل شخص سادي محبط أو قاتل
فاشل» بل إنها هدف لكل من يريد أن يمتثل إلى واجبه المدني ويتدرب عليه .
كان «الكائن المستباح» اصطلاحا قانونيا . وبما أنه نظام قانوني» فقد كان يخاطب ولاء
الرعايا الملتزمين بالقانون وانضباطهم لا معتقداتهم وعواطفهم . فهو مثل كافة النظم
القانونية» إذ أنه يتجاوز المشاعر والمعتقدات الشخصية والعواطف الأخلاقية أو يعلقهاء بل
ولا يقيم لكل هذه الأمور وزنًا في سبيل العمل المطلوب . والقانون لابد أن يتبع» شاء أم
أبى تابعوه» أو حتى لو لم يكن لديهم أية مشاعر تجاهه . وكان «الكائن المستباح» في النظام
القانونى الرومانى يشير إلى فئة هامشية استثنائية وخاوية تقريبًا» لكن هذه الفئة مختلفة فى
الجولة النذينة كما يفول اجاسبية: 1
صحيح أن مفهوم «الكائن المستباح» لا وجود له في القانون الحديث وطوته صفحة
النسيان في الغالب الأعم . لكن من خلال احتكار وسائل القوة والإلزام والعنف» والقدرة
على إعطاء الحق في العيش أو رفضه؛ والتفويض بالتحكم في أجساد المواطنين بما في
ذلك الحق في إيذائهم» وسعت الدولة مفهوم الكائن المستباح من مجرد جماعة استثنائية
غريبة إلى سمة عالمية للواقع الوجودي الذي يعيشه مواطنيها. ومن ثم ليست الدولة بحاجة
إلى اللجوء إلى فئة خاصة استثنائية لتدعيم ما أصبح الآن حق امتياز معتاد. أما معسكرات
الاعتقال» أحد الاختراعات البشعة التي ابتدعها العالم الحديث» فكانت فضاء لتحويل ما
هو في الأجزاء الأخرى للدولة إمكانية كامئة إلى معيار أساسي وقاعدة تطبيقية .
. (1997 ,واتلاعدك :215) عتم غك 12 أء متقنق كتلود لمانو عبآ ,معط سيوع خم مزع:010 (1)
6 لدمناما
واجب التذكز.. لحكن ماذا نتاكر؟
إن الحضور الخفي للكائن المستباح كإحدى إمكانات الدولة الحديثة - والتي من الممكن
أن تتحول إلى واقع بمجرد أن «تصبح الظروف مواتية» - يبرز من جديد أفظع جوانب
«واقعة الهولوكوست». وأعني بذلك أنه في مجتمعنا النديث أصبح من الممكن لأناس
عاديين غير فاسدين وغير متحاملين أن يشتركوا بكل إخلاص وإتقان في تدمير فئة مستهدفة
من البشر . كما أن اشتراكهم لا يستدعي أية مباديء أخلاقية أو أية معتقدات أخرى» بل
ويتطلب محوها واستبعادها تماما .
هذا هو أهم درس من دروس الهولوكوست والذي نحن بحاجة إلى تعلّمه وحفظه
جيدًا. ولو أن جورج أورويل محمًا في قوله بأن التحكم في الماضي يسمح بالتتحكم ع
المستقبل» فمن الواجب عليناء من أجل هذا المستقبل» ألا نسمح لهؤلاء الذين يتحكمون
في الحاضر باستغلال الماضي بطريقة ربما تحول المستقبل إلى مكان موحش لا يرحب
الكتورة: ١
زيجمونت باومان
50
التعريف بالمترجمين
د. حجاج أيو جبر
- تخرج في قسم اللغة الإنجليزية. كلية الآداب بجامعة القاهرة
عام 999).
- حصل على درجة الدكتوراه في النظرية الثقافية عن دراسة
نقدية مقارنة لأعمال عبد الوهاب المسيري وزيجمونت باومان.
- أجرى أبحاث علمية في النظرية النقدية بكل من معهد
الدراسات المتقدمة في برلين. وجامعة هومبولت. وجامعة بون.
- أسس الشراكة البحثية والثقافية بين جامعة بون الأثمانية
ومركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بجامعة القاهرة
- ترجم “الحداثة والهولوكوست". و"النسوية والمسرح", وشارك
في ترجمة “موسوعة أكسفورد في البلاغة". و"موسوعة تاريخ الأفكار".
- يعمل حاليا مدرسا للأدب والنقد بالمعهد العالي للنقد الفني
بأكاديمية الغنون بمصر
د. دينا رمضان
- تخرجت في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها. كلية البنات. جامعة
- تخصصت في الدراسات اللغوية. وحصلت على درجة
الماجستير عام 3..) عن أطروحة بعنوان “دراسة صوتية تركيبية
لمختارات من الشعر النيوكلاسيخي والرومانتيخي".
- حصلت على درجة الدكتوراة عام 1 عن أطروحة بعنوان
"الصوت والتركيب في لغة الإشارة. الإنجليزية والعربية: دراسة
تقابلية". ْ
- ترجمت مجموعة من القصص القصيرة والمسرحيات من اللغة
الإنجليزية إلى العربية. من بينها مسرحية "العودة إلى التراب"
للكاتب جورج بأمبر
- عملت بالترجمة الدينية من عام 6.. حتى عام "1٠١
1001070